الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الحياة الأدبية والفكرية في القرن 18 و 19، بولاية الوطن القبلي

Share

(إلى صاحب الفكر الاستاذ محمد مزالي تحية لجهاده العلمي وانتخابه عضوا فى مجامع اللغة العربية ولجهاده القومي وتخليدا لذكرى زيارته الكريمة لحمام الغزاز)

1) الحديث عن الفكر التونسي وأدبه الجهوى لولاية الوطن القبلى ليس سهلا ؛ ذلك أننا حتى هذا الوقت لم نقدم فى البحث ثمارا تذكر على غرار ما قدم إخواننا في ولايات الجمهورية الاخرى . واذن فمن الصعب على الدارس ، ابتداء ، أن يقدم بواكير يرتضيها القلم ، نضجا ، وعمقا وإحاطة ؛ وغاية ما امكن ويمكن الآن التوصل اليه هو المشاركة فى وضع بعض العلامات والكشف عن بعض الخيوط استنهاضا لهمم أهل هذه الولاية ، وتحريك لسواكن غيرتهم وطموحهم الوطني ؛ ذلك أن الفكر التونسي بكل أبعاده وكذلك الادب لن يكون واضح المعالم وبصورة علمية إلا بعد استجلاء تلك الامكانيات التراثية حيثما كانت وكيفما كانت ، استنادا الى أن أى تراث قومي يتكون فى لبناته الاولى من شرائح جهوية هى بدورها تمثل عينات محلية . وعلى هذا الاساس فان محاولاتنا هذه تعد إسهاما فى خدمة الفكر القومي والادب التونسي بوجه عام ، على أن الطريق كما قلنا ليس سهلا ذلك ان ما تكنه مطبوعاتنا عن هذه الولاية قليل قلة تدعو الى التأمل والتساؤل، ولا يبقى بين أيدى الدارس الا المخطوطات ننتظر من الدار الوطنية إنجاز ما هى بصدد عمله ، وحين يتم إنجاز ذلك العمل فقد يصبح بالامكان معرفة أبعاد ولايتنا المختلفة ، وحتى يتم ذلك فيجب أن تستمر المحاولات وتكثف الجهود من المعلوم أن ولاية الوطن القبلى تحتكر تقريبا أكبر السواحل بالنسبة لسواحل الولايات الاخرى ، وانبنى على هذا تكوين خاص لجغرافيتها ولطبيعة سكانها بسبب هذا التفتح البحرى المترامي ، والتفاعل مع مختلف الاجناس الشرقية والغربية منذ فجر التاريخ ونظرا لمحاصرة البحر لها من جهاته الثلاث جعل لها وضعا تاريخيا خاصا أثر فى حياة سكانها وطبع مواقفهم السياسيه

بطابع ملفت للنظر . ولعله من المفيد أن نشير إلى أن ما يسمى منها ( دخلة المعاوين ) و ( شبه (*) جزيرة شريك ) أو ( الراس الطيب ) ، يكشف عن خلفية تاريخية مهمة . ويبدو أن نسبة كبيرة ممن نزلوا ولاية الوطن القبلي كانوا من مضر وقريش خاصة ، يدل على ذلك هذه الآثار من أسماء العائلات والأماكن.

واذا كانت ولايتنا باهتة المعالم في كتب التاريخ والادب العربى فان ذكرها قد تردد فى بعض الكتابات منذ الفتح ، وزاد هذا الترديد عصرا بعد عصر حتى إذا كان القرن الثاني عشر والثالث عشر ظهرت حافلة بالحواضر العلمية مما جعل لها حيزا في كتب التراث . ومن الملاحظات الاولية (1) أن سكان هذه الولاية من حيث الطبيعة العمرانية مترددة بين المدينة والقرية أى ان شخصية القرية والمدينة قوية فى هذه الربوع منذ القدم وزادت وضوحا فى القرنين الماضيين.

2) إنها تخلو أو تكاد من حياة التبدى ، وبحكم موقعها الجغرافي فانها ابتعدت أيضا عن مصادره ، لذلك لم نر لها هذ التعامل العشيري الذي كان مألوفا بين زعماء القبائل لأيام البايات .

3) إن هذا الوضع جعلها شاذة المواقف فى مقاومتها لرجال الحكم منذ العصر الآغلبي وحتى فى العصر التركى إذ لم نر أهلها يوما أعلنوها حربا مكشوفة أو مواجهة مدماة كما كان يحدث فى سائر الولايات الاخرى فى الشمال والجنوب والغرب

4) إن سكان الوطن القبلى ، حينما تحزمهم سياسة الساسة وتعصف بهم الكروب المدمرة نراهم يسلكون سياسة الاحتجاج المنظم وهو شبيه بما يحدث فى هذا

العصر ؛ فقد تعرض أكثر من مؤرخ وأكثر من مرة بالحديث عن ولاية الوطن القبلي وعن مواقف أهلها حين يسخطون ويثورون . من ذلك ما روى عن الامير الاغلبي وهو ابراهيم بن الأغلب . فقد ذكروا أن أهل الوطن القبلى أرسلوا اليه وفدا يطلبون منه التخفيف مما فرض عليهم من ضرائب ، ولكن الامير لم يستمع اليهم وصدهم صدا قبيحا ؛ فلم يثوروا بل عادوا من حيث أتوا وفي الطريق تقدم اليهم نقيبهم وهو حفص بن حمير وطلب منهم أن يتطهروا ثم استغرق بهم فى صلاة ودعاء على ذلك الامير وكان كل رصيدهم من تلك الخيبة هي هذه الصلاة وهذا الدعاء والتضرع الى الله بأن يخلصهم من ظلم أميرهم (1) وفي العصر الحسيني نجد أكثر من موقف لأهالى هذه الولاية وفي كل مرة لا يتجاوزون حد التعبير الرافض ؛ فقد تولى عثمان باي بعد حمودة باشا على كره من المعاويين بالدخلة ومع ذلك أرسلوا وفدهم للبيعة يقدمهم الشيخ المجذوب عمر بن اسحاق وحين دخلوا على الباى فى المحكما تساءل عن الباى تساؤل المنكر المتجاهل ( فقالوا له : هذا وأشاروا اليه فقال لم أره ) ثم قال : من ولاك ؟ فقال له باش حانبة " أولاه الله تعالى" فقال المجذوب : إنا لم نوله . فلطمه باش حانبه بحضرته " (2) .

وهكذا كان هذا الوفد ، فقصاراه أن قال كلمة ورجع بلطمة ، وقد لا يتجرأ الكبار على إعلان شكواهم الى قصر باردو فيلجأون للصبيان يقدمونهم بن أيديهم فقد " اتفق أن عامله - أى على باي - على الوطن القبلى محمد المورالى - أحد مورالى دار ابن عياد - أساء السيرة فى اقتضاء الجباية فأتى جمع من أهل العمل شاكين ، تقدمهم اطفالهم من المكاتب على رؤوسهم ألواح قراءتهم للقرآن العظيم ضاجين بقولهم:

يا رب الطف بينا

المورالى جار علينا

ولما سمع ضجيجهم أمام باردو على لحن يذيب الجماد ، ارتاع وفاضت دموعه وبعث من بشرهم فى الحين بعزله قبل دخولهم " (3) واذا رأينا الوفد أو قل هذه المظاهرة تأتي بنتيجة فلان حكم على باي ما يزال

حديث عهد نكبته مع أسرته ما تزال غضة الكلوم . وقد يكون أمر تدبير المظاهرة من الشيخ أبو المظفر المنصور المنزلي بدليل قبوله لادارة الولاية والقضاء معا (4)

هذه هي ابعاد الثورة لدى أهالى الوطن القبلى حين تسوء أحوال جهاتهم وقد يلجأون الى ضرب من الكفاح السلبى فى مثل تلك الاحوال كما حصل فى أيام الصادق باى فقد ذكر صاحب الاتحاف أنهم أرسلوا وفدا الى الباى يطلبون منه تخفيف ضريبة الزيتون لقلة انتاجه واختلافه عن زيتون الساحل الذي ينتج كل عام .

ولكن الصادق باى رفض طلبهم وخيب وفدهم (5) ومع ذلك فانهم لم يثوروا لا بدافع الثورة من أنفسهم ولا بدافع التجاوب مع الولايات وجهات الايالة الاخرى . والظاهر أن ذلك ليس لضعف ولا لجبن ولكن تقديرا لموقع ولايتهم وضيق رقعتها المحاصرة بالبحر من جهاتها الثلاثة ويكفى أن يضع الباى على اعتابها بعض كتائبه لتختنق حصارا ، اذ لا صحارى يفيئ سكانها اليها ولا جبال شامخة تكون لهم ملاذا ومعتصما فلذلك كانت مواقفهم في معظمها احتجاجية وتلك أفضل وسيلة يعبرون بها عن سخطهم وكثيرا ما يقفون عند حد الوفود . على أنهم فى تلك الازمة الخانقة قد تجاوزوا عرفهم الى ضرب من الكفاح السلبى وهو ما تكرر من بعد فى أيام الاحتلال الفرنسي بأسلوب شبيه بهذا الأسلوب . هذا الكفاح تمثل فى احراق زياتينهم وقد يؤجر بعضهم من يقوم له بهذه المهمة حتى إذا تمت أقبل الناس عليه مهنئين (6) . وبهذه الطريقة امكن لأهالى الوطن القبلى أن يتخلصوا من ضريبة الزيتون.

واذن فان الوضع الجغرافي لهذه المنطقة قد ترك اثره فى حياة سكانها وفي علاقة الحاكم بالمحكوم بها ، وهي علاقات تقوم على الاستقلالية فى حياتهم العادية . وحين يصول أولوا الامر عليهم فى أيام الشدائد تكون هناك الشكوى والتشكى ، وقد تتحول الشكوى الى ضرب من المقاومة السلبية وهي سلاح الضعيف الواهى ؛ ولا شك أنها كانت تسبب لهم أخف الضررين

وقد ترك كل ذلك اثره فى حياة علمائها وأدبائها فكانوا لذلك أقل علماء تونس عددا ، وأكثرهم بعدا عن وظائف الدولة وتقلدا لمناصبها ومباشرة لمهامها .

(5) وليس من مشمولات هذا الحديث التعرض الى أولئك الذين انتهى بهم طموحهم الى شهادة تحصلوا عليها أو وظيفة محلية شغلوها فى خمول ؛ فان هذا الصنف من العلماء لا شك ، كثير تتوزعهم ، كبقية الولايات ، المدن والقرى لولاية الوطن القبلى من أيمة وعدول وشهود فهؤلاء وإن كانوا علماء في عرف عصرهم فانهم لا يعدون أن يكونوا متمعشين بأقلامهم مستهلكين وليس هذا بالذى يعنينا إنما الذى يعنينا فى هذا الموضوع أولئك الذين قدر لهم بحكم اشتهارهم واتصالاتهم الاجتماعية وبما كانوا يقومون به وهذا هو المهم ، من تدريس وبحث حتى كثر طلابهم ومريدوهم وهم كثير.

فمن هؤلاء الصغير داود الشاذلى صاحب الطريقة ومن أشهر أساتذته والده الذى درس عليه بنابل ثم تحول إلى العاصمة وبها درس على كبار علمائها وبعد أن بلغ فى العلم أشده رجع الى جهته مدرسا وبعد حين خرج حاجا فنزل مصر وبالأزهر أفاض على طلبته مدرسا ثم توجه إلى الحرمين الشريفين فحج وبهما ألقى محاضراته ، وترك هناك أثرا طيبا . وبعد أن رجع الى وطنه واستقر بنابل بني زاويته وأشع بدروسه فى رحابها وطبقت شهرته الآفاق حتى إن صاحب الذيل على بشائر أهل الايمان استشاره حين عزم على تأليفه وقد أشاد بتتلمذه عليه وصداقته له (7) ومن هذا الصنف من العلماء أحمد بن عمار الغزى من حمام الغزاز وهو من رجالات القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجرى وقد كان حيا سنة 1226 ه حفظ القرآن بمسقط رأسه ثم ارتحل الى جامع الزيتونة ومنه تخرج ليعود الى بلده . وقد أسس جامع قريته الاول حيث تولى الخطبه به كما كان امام خطبة بالجامع الكبير بقليبية ومدرسا ثم قاضيا بها كما شغل خطة العدالة بدراية من سنة 1181 ه .

وتدل العقود المذيلة بامضائه على تمكن فى اللغة وعلى متانة فى الاسلوب ويصفه بعض تلاميده وهو على بن محمد الزواوى بأنه الفقيه العالم المتفنن فى العلوم ، المتوغل فى تحقيق المسائل والمفهوم " ولعلمه وفضله ونزاهته عده أهل جهته وليا صالحا ولا شك أن له تلامذه أخذوا عنه وانتفعوا به في كل

من حمام الغزاز وقليبية (*)، ومنهم ايضا عبد الله التميمي المتوفى سنة 1214 ه ويقال إنه اشتغل يوما كاتبا فى ديوان الانشاء (8) ، ومنهم ايضا مصطفي ماضور السليماني ومحمد ماضور وابنه ماضور (9) الشاعر ، ومنهم على بن محمد التميمي من منزل تميم فقد كان جده أحد قواد زواوة فى واقعة الكاف ايام على باشا الاول أما حفيده هذا فقد كان معدودا من العلماء خاصة فى الفرائض والتوثيق كما شغل خطة العدالة ودرس حينا بالجامع الاعظم وناب وقتا ما في خطة شرعية بجبل المنار وتوفى (10) سنة 1266 ه . أما أبو العباس أحمد المدعو حميدة التميمي وهو من من منزل تميم فقد اشتهر بجمال الخط وصناعة التوثيق ( كحفيده ) اسماعيل التميمي وعلم الفرائض كما قدم شاهدا على مصروف دار الجلد بالقصبة وكانت وفاته بالعاصمة سنة 1247 ه (11).

ومن قرية الصقالية نجد أبا العباس أحمد بن سليمان (12) المتوفي يوم الثلاثاء اوائل رجب سنة 1237 ه وهو من العلماء الذين لم نعرف لهم انتاجا ولكن عناية المترجمين له كابن أبي الضياف وغيره كصاحب الشجرة يدل دلالة واضحة انه كان من العلماء المريدين بجهة الوطن القبلى . ومما يذكرونه عنه أنه ينتمي خاصة الى زاوية الصقالبة بدخلة المعاوين وانه استوطن منزل تميم القريبة من قريته ويبدو أن بداية دراساته بدأت بالمدينة المذكورة وبعد حفظه للقرآن ارتحل الى العاصمة طلبا للعلم ومن أشهر أساتذته بها الشيخ الغرياني وأبو عبد الله السوسى ، وأبو الفلاح صالح الكواش الذى اختص به اختصاصا كبيرا ، اذ سكن مدرسته المنتصرية ولازمه بها وبعد تخرجه آثر العودة الى منزل تميم وبها انتصب للتدريس وتزهد ( ونبذ العلائق والحاجات ، وذاق لذة

المناجاة (31) وللدلالة على الفضل العلمي لهذا الزاهد أنه كان استاذ أبي الفداء اسماعيل التميمي في مراحله الاولى من حياة تلمذته وقد ذكر ابن أبي الضياف أنه ( انتفع به أهل بلده خصوصا وعموما .. ونقلت عنه الكرامات) وله مع استاذه صالح الكواش حكاية طريفة تدل على اعتقاد قوى فيه وفى صلاحه وكان والد صاحب الاتحاف يعتقده ايضا ، أما الوزير أبو الخيرات يوسف صاحب الطابع فكان ( يبعث له كل عام هدية ، ويبيت عنده ليلة فيوزع جميع ذلك على فقراء البلد كأنه أمين على توزيعها ).

وقد أجاب عن اعتراض والد ابن ابي الضياف عليه فى ذلك اذ قال له: ( حسبك تبليغ الأمانة لمن أرسلت اليه وأنا نعلم ما نحتاج اليه ) (14).

وعلى جلال قدر هذا العالم فان المصادر التاريخية لم تذكر شيئا عن اسهامه فى التأليف مما يدل على أن كثيرا من علماء هذا العصر يوزعون جهودهم العلمية فى التدريس ونشر المعرفة أكثر من عنايتهم بالتأليف وليس ذلك مأتاه من كسل بقدر ما هو حذر وخشية لجلالة العمل التأليفي وايمانه بخطره وكثيرون منهم اذا عزم على تأليف فكر وقدر ، ثم استشار واستخار . ولعل أحمد بن سليمان كهؤلاء الكثيرين من علماء عصره لم يعزم ولم يقدر . ومن أجل ذلك لم يستشر ولم يستخر . ولكن يبقى هذا العالم الجليل ضمن هؤلاء العلماء الذين افاضوا بعلمهم وفضلهم فى ربوع هذه الولاية ونالوا حظوة أهلتهم الى أن يحتلوا مقاعدهم في سجلات كتاب التاريخ وأصحاب التراجم ، واختصاصاتهم كما رأينا ، بين التوثيق والعدالة وخطة الاشهاد وصناعة الخط ، وتقلد بعض الوظائف الشرعية ولا شك أن أهمها وأجلها هى تعاطي التدريس.

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية