- 2 - مظاهر العلم والثقافة فى القرن الثانى عشر بتونس
تقديم :
بعد أن نظرنا فى مدى تأثر الثقافة التونسية واحتكاكها بغيرها من بلاد المشرق والمغرب وأوروبا سنحاول فى هذا الفصل النظر فى مظاهر العلم والثقافة فى القرن الثانى عشر بتونس وذلك بالاعتماد على نقطتين أساسيتين يتمثلان فى بيان محتوى برامج التدريس وأساليبه ثم فى بيان قيمة حركة التأليف وميادينها :
أ - برامج التدريس واساليبه : (1) البرامج : ان أجل المصادر التى أمكننا الحصول عليها وأمكننا الاستفادة منها فى هذا الباب ترجع لما ذكره العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فى جريدة أسماء بعض علماء تونس وما اقرؤوه من الكتب وقد استقاها من شرح الشيخ محمد الشافعى المسمى باظهار النكات من خبايا المحركات على قصيدة محمد الرشيد باي الموسومة بمحركات السواكن الى أشرف الاماكن وذلك فيما يتعلق ببداية العهد الحسيني ونورد النص لما رأينا من أهميته وندارة وجوده :
- الشيخ محمد العمادى : ( المتوفى سنة 1119 ) الاجرومية . المعنى . - الشيخ أبو القاسم الجبالى ( 1122 ) القطر . الشذوذ . مقدمة ابن هشام . - زكرياء على ايساغوجى : القصادى فى الحساب . - حمودة الرصاع : المكودى على الالفية . مختصر السعد . صغرى الصغرى .
- على سويسى : السعد . المحلى . القطب على الشمسية . الكبرى . - محمد الخضراوى ( 1144 ) الكبرى . ابن أم قاسم على الالفية . - محمد الصفار : الاشمونى على الالفية . رسالة عصام فى الاستعارات . - محمد زيتونة : الكبرى . الرحيبة . الموطأ . الاشمونى . البخارى . التصريح مسلم . الدمامينى على التسهيل . الجامع الصغير . القطب . مختصر . خليل الخبيصى . رسالة بن أبى زيد . مختصر السعد المعول . السنوسى على مختصر ابن عرفة . - أبو القاسم ابن عثم العباسى : مختصر السعد . العضد على ابن الحاجب (1) .
ويلاحظ العلامة فضيلة الشيخ ابن عاشور أن هؤلاء العلماء هم الذين انجبوا الطبقة الثانية فى العهد الحسينى والتى امتلأت بها المملكة ومن أجلتها الشيخ قاسم المحجوب ( 1190 ) وابنه الشيخ محمد المحجوب ( 1243 ) والشيخ صالح الكواش النحوى ( 1218 ) وثلاثتهم من مشائخ صاحبنا النجم محمد بن على بن سعيد الحجرى فيكون بذلك جيله هو الحلقة الثالثة من حلقات أجيال النهضة وطبقات العلماء فى العهد الحسيني تلك النهضة التى انطلقت مع العلماء الذين ذكر ابن عاشور بعضهم كما أوردنا .
وواضح أن نبعهم جميعا واحد وثقافتهم سائرة فى ذاك السياق خاصة وان المؤثرات الخارجية لم تؤثر فيها ولم تعمل على تطويرها .
وبين بعد ذلك ان برامج التدريس كانت قائمة على الثقافة التقليدية وهى لا تخلو من أن تكون احدى ثلاث اما أدبية لغوية نحوية كما يتضح ذلك من تدريس مغنى اللبيب وشروح الالفية والاجرومية مجالا للتوسع الادبى وميدانا لايراد الطرائف الشعرية والنثرية واللغوية . واما دينية سواء تعلق ذلك بالفقه أو الحديث مثل دراسة الموطأ خاصة وان البلاد مالكية كدراسة شرح زكرياء على ايساغوجي وغير ذلك مما كان يلاقي رواجا كبيرا .
وأما دراسة الحساب فلم تكن لتلاقى صدى بعيدا خصوصا وان كتب القاصدى الباجى لا تتجاوز المبادئ الاولى .
وأورد العلامة ابن عاشور فصلا هاما طريفا عن درجات التعليم رأينا وجوب اقتطافه فى هذا السياق يقول : (( وبعد ختم القرآن ينتقل التلميذ الى الجامع
الاعظم فيقرأ ثلاث سنتين يدرس فيها النحو والفقه والتجويد والمنطق ومبادئ البيان والحسان ثم الدرجة الثانية أربعة سنين وعلومها أصول الفقه ومبادئ البلاغة وآداب البحث والعروض والنحو والصرف والبلاغة والفقه والمنطق والحساب ... )) ثم يقول : (( .. وستعلم أن التعليم ليس مضبوطا سائر أهل طبقة واحدة من التلامذة فليس حصرنا اياه سبع سنين الا بالنظر لما تقتضيه طبيعة غالب العقول ومن الناس من لا يقضى الا ست سنين وقل من يزيد كل خمس سنين كما ان من الناس من يقعد به فكره أو عزمه عن الامتحان الا بعد عشر سنين أو أكثر )) (1) .
وهذه صورة حية لمحتوى تلك البرامج وكيفية تتبعها نكتفى بالوقوف عندها .
2 ) الاسلوب : وكانت الدروس تعتمد على الالقاء ولم يكن للحوار فيها نصيب الا ما شذ ومن ذلك ما بروب الشيخ الوزير الكاتب أحمد بن أبى الضياف من قصة ذلك الشيخ المدرس الذى كان درسه حيا يناقشه فيه تلاميذه أفكاره ويتساءلون بمحضره وقد يختلفون معه ويطول بذلك بحثهم حتى أنه (( لامه بعض أصحابه على هذه الحالة بأنها لا تناسب مناصب الشيوخ فقال له :
(( أنت ترتاح بالمعارك بين الديوك وأنا ارتاح لمقارنة الرجال بسيوف العقول )) (2) وهل ذلك الا دليل على محاولة جديدة أدخلها هذا الشيخ على أسلوب التدريس الذى يعتمد على الالقاء والحفظ فجعله يعتمد على الحوار والفهم ومن أنسب ما قيل في هذا الباب ما رواه الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة عن التاريخ الباشى قوله :
(( ليس الازهر اليوم ( اى فى النصف الثانى من القرن الثانى عشر ) بأعمر بمجالس الدروس من جامع الزيتونة ولا علماؤه فى تحقيق المسائل وحل مشكلاتها واستحلاء عويصات الشروح والحواشى واستخراج نكاتها كعلماء تونس وذلك أن أكثر توجه الطلبة بالقاهرة الى تحصيل ما يقرره الشيخ ويقوله فتراهم مثابرين على كتابة ما يلفظ به ويتحفظون من فيه ويقيدونه وهم أحذق الناس بذلك وأسرعهم فيه فيشغلهم ذلك عن البحث وتدقيق النظر وأما
أهل فاس والمغرب الاقصى فأكثر عنايتهم بالحفظ فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية فاذا فاوض أحدهم أو ناظر تجد ملكة تصرفه قاصرة فى الاكثر )) (3) ومهما كان مدى صحة حكم ابن عبد العزيز فهو شاهد عين لمناهج التدريس فى عصره فى النصف الثانى من القرن الثانى عشر اذ كان طالبا فمدرسا بالزيتونة وعاش ما هو بصدد الحديث عنه . ثم يكفى أن نراه يفضل حسن التصرف فى المعلومات وبحثها وتدقيق النظر فيها على مجرد تلقيها وحفظها حتى نتبين مدى أهمية الاسلوب التدريسى .
وعلى كل حال فان أساس الحفظ بقى فى ذلك العهد ضروريا . يحدثنا الشيخ ابن أبى الضياف وهو الدارس فى النصف الاول من القرن الثالث عشر بقول : (( حملنى أبى الى ( بعض العلماء ) وهو بداره وأنا فى مبادئ القراءة وقال له : هذا ابنى أتيت به اليك ليزورك ويتبرك بمشاهدتك فسألنى عن محفوظى من المتون فأجبته فدعا لى وحثنى على الاجتهاد (1) .
ونتبين بعد ذلك قيمة هذه الدروس من حيث المحتوى والبرامج ومناهج التدريس فهى تقليدية فى محتواها محاولة التجدد فى بعض مظاهر أساليبها لكن ذلك ليس بظائرها مهما كان ونعتقد أن هذه البرامج بأساليبها كانت مغرية لجماهير الطلاب مساعدة على تفتح المواهب ونبوغها .
ب - حركة التأليف : فى هذا الجو العام من الحياة الفكرية التى أخذت معالمها تتضح وشرع أهلها فى أحياء مراسمها كان طبيعيا أن يهب من بين العلماء من يعتكف على التأليف والكتابة ولعل من الطبيعى أيضا أن تكون المواضيع التى يؤلف فيها العلماء من نوع مواضيع ما درسوه أو مما يمت له بسبب قوى فهى لذلك لا تخلو من أن تكون اما أدبية لغوية نحوية واما دينية فقهية واما كلامية منطقية اللهم ما هو خارج عن هذا الاطار من مثل مؤلفات التاريخ وكتب التراجم والمناقب والسير وكذلك ما يتأثر به العالم الكاتب من عوامل خارجية عما تلقاه أساسا .
ونعتقد أن المؤلفات مع ذلك لا تخلو أن تكون داخلة فى الابواب التالية اما كتب التاريخ وتراجم ومناقب وسير واما كتب شروح وحواشى لمختلف أنواع الكتب العلمية واما رسائل دراسية علمية واما أدبية ونطاقها أوسع وأعم فى
أبواب الشعر والنثر مما سنخصص له بابا كاملا وسنحاول فيما يلى النظر فى مختلف هذه الأنواع من التآليف :
1) كتب التاريخ والتراجم : كان هذا الفن من العلم يستهوى بعض الكتاب وممن كانت لهم اليد الطولى فى هذا الميدان قبيل القرن الثانى عشر أبو عبد الله محمد الرعينى ( وكان حيا سنة 1698/110 ) الذى ألف كتاب المؤنس فى أخبار افريقيا وتونس فى أواخر القرن الحادي عشر سنه 1092 / 1681 أرخ فيه للمراديين ومنهم الشيخ محمد الاندلسى المعروف بالوزير السراج الذى عاش فى الثلث الاخير من القرن الحادى عشر وكامل النصف الاول من القرن الثانى عشر وهو صاحب كتاب الحلل السندسية فى الاخبار التونسية فى ثلاثة أجزاء .
ومنهم الشيخ محمد قويسم الذي ألف كتاب سمط اللالئ فى تراجم ما اشتمل عليه كتاب الشفا من الرجال فى أحد عشر جزءا كبيرا وفرغ منه سنة 1100 / 1688 .
ومنهم الشيخ حسين خوجة الذى أتم تأليف كتابه بشائر أهل الايمان وذيله سنة 1137 / 1725 . ومنهم الشيخ أحمد برناز صاحب الشهب المحرقة لمن آدعى الاجتهاد من أهل المخرقة وقد أتمه سنة 1124 / 1712 وترجم فيه لبعض علماء عصره . ومنهم محمد سعادة المتوفى سنة 1171 / 1758 كتاب قرة العين فى فضائل الملك حسين .
ومنهم العياضى الباجى ألف كتابه مفاتيح النصر فى التعريف بعلماء العصر فى حدود سنة 1153 / 1740 وترجم فيه للوالى على باشا ابن محمد لابنائه ومن فرط شرحه على كتاب التسهيل لابن مالك .
ومنهم الشيخ صالح الكواش وقد ألف كتابا فى تاريخ تونس (1). ومنهم الشيخ حمودة ابن عبد العزيز وقد ألف كتابه الباشى فى حدود سنة 1190 (2) لتخليد مآثر على باشا وجمع فيه بعض المختارات الشعرية والنثرية لادباء النصف الثانى من القرن الثانى عشر ممن كان لهم اتصال بالباى على باشا .
وواضح أن ما ذكرنا من هذه الكتب وان كانت كتب تاريخ سياسى واجتماعى لا تخلو من فوائد أدبية وتاريخ لادباء تلك العهود ونتاجهم وهى بذلك أداة عمل ضرورية للباحث الادبى لا يستطيع أن يخلص من موضوع يهم تلك العهود بدونها .
2 ) كتب الشروح والحواشى : كانت كتابة الشروح على أمهات التآليف والحواشى على تلك الشروح عملا يستهوى علماء ذلك العصر وقد أعانهم عليه وساعدهم فيه أسلوب التدريس القاضى باعتماد أمهات الكتب واتباعهم لطريقتهما مع التوسع فى تحليل فصولها والاستشهاد لمذاهبها .
ومن ذلك الشرح الشهير على كتاب التسهيل لابن مالك الذى وضعه على باشا وادعى أعداؤه أنه كتبه له شيخه محمد الخضراوى ونسبه اليه ومن ذلك حاشية الشيخ محمد زيتونة على شرح العقيدة الوسطى وشرحه على الالفية .
ومن ذلك حاشية الشيخ محمد سعادة المتوفى سنة 1171 / 1757 على شرح الاشمونى على الفية ذلك الشرح الذى أعاد حاشيته صاحبنا النجم محمد بن على بن سعيد الحجرى فى جزأين وفرغ من تحريرهما سنة 1197 أى قبل وفاته بسنتين .
ومن ذلك حاشية صاحبنا النجم على السكنانى فى علم الكلام وحاشته على الخبيصى فى المنطق .
وكانت سائر أمهات الكتب التى تدرس الفقهية منها والمنطقية واللغوية والادبية يتناولها العلماء بالدراسة والتحشية والتعليق .
ويبدو أن أكثرها تعلقا بالادب وأهمها فى هذا الميدان حواشى الكتب النحوية لما فيها من وفرة الشواهد وما ينتج عن ذلك من اطناب في التحليل وتفنن فى ايراد الطرائف الادبية نثرا وشعرا مستقاة من مثارات القطائف على مر العصور وكانت فرصة العلماء لاظهار طويل باعهم وسبقهم في الالمام واستقصائهم فى التحصيل .
3 ) الدراسات والرسائل : لئن اهتم العلماء فى ذلك العصر بالتاريخ السياسى والاجتماعى ، وانشغلوا بكتابة تراجم العلماء وتتبع انتاجهم وعكفوا على أمهات الكتب يدرسونها ويحللونها حسب منهجهم الذى يعتمد على كتابة
الشروح والحواشى والتعاليق فلقد اهتم العلماء في ذلك العصر بالقيام بالدراسات العلمية وتأليف الرسائل فيها ومن ذلك الرسالة الطريفة التى وضعها حسين خوجة ووسمها (( بالاسرار الكمينة فى المداواة بالكينه )) (1) وقرضها الكثير من علماء عصره من بينهم الوزير السراج ( وبادرنا بذكرها هنا تأكيدا على طرافة موضوعها حيث أنها تقدم بحثا علميا طبيا معاصرا متأثرا بواقع العلم فى اوروبا فى ذلك العهد .
ومن ذلك رسالة (( اللوامع )) لصاحبنا النجم أبى عبد الله محمد بن على بن سعيد التى ألفها سنة 1193 / 1779 ووضعها فى المنطق . ومن ذلك رسالة له أيضا فى الفقه أسماها (( مسألة فى الخنثى )) .
ومن ذلك رسالة الشيخ محمد بيرم الثانى فى (( بيع الوفاء )) وأخرى فى رجوع الوصى عن وصيته بعد اشتراط عدم الرجوع . وغير ذلك كثير فى هذا الباب الا أنه يبدو أن هذه الرسائل ومثلها لم تكن لتنال رواج غيرها من المؤلفات ولا لها الا من الاهمية ما بلغته كتب التاريخ والتراجم وكتب الشروح والحواشى .
4 ) الكنانيش : لقد عرف ذلك الطور من حياتنا العلمية الثقافية ظاهرة أدبية تتمثل فى انه لا يكاد يخلو عالم من ان يكون له كنش - ان لم تكن كنانيش - بجمع فيه ما يعرض له من الطرائف والمقاطع الادبية يسجل فيه ما يطيب له من التراجم والمناقب ويثبت فيه ما يراه يحتاج اليه من الابحاث والقضايا أو يعجب به من مقتطفات المنظوم والمنثور .
وأعتقد أن أغلب هذا اللون من المصنفات قد تلاشى مع الايام لانه لم يعد من التراث القيم الذى تجدر نسبته لاصحابه وما بقى من هذا التراث ما زال يخيم عليه النسيان فى المكتبات العامة والخاصة على السواء مثل الكثير من أنواع تراثنا الفكرى والادبى ويكفى شاهدا على اهمية الكنانيش وقيمتها ما رواه الشيخ محمد النيفر عن عمر المحجوب المساكنى المتوفى سنة 1222 / 1807 وكان صديقا لصاحبنا النجم محمد بن على بن سعيد الحجرى يقول : (( لما ولى ( عمر ) خطة قضاء الجماعة طلب من أخيه وشيخه محمد المحجوب رئيس المفتيين كنش أبيه فى النوازل الفقهية ليستعين به فوعده بتفتيشه فى خزائن
كتبه وتسليمه اليه ثم يفعل فلم يحل العام من ولايته حتى أتى صاحب الترجمة لاخيه المذكور بكنش قد جمعه فى مهام النوازل يعرضه عليه فلما اطلعه أعجب به وقال لصاحب الترجمة ( عمر ) : انى لم أبخل عليك بكنش أبيك ولكن خشيت أن تعتمد فأحببت أن تكتب مثل هذا الكنش عنوان اجتهادك واضطلاعك بالخطة وسلم اليه كنش أبيه )) (1) وهكذا يتضح أن الكنش يكون بمثابة المذكرة الجامعة وهو مع ذلك (( عنوان اجتهاد )) و (( دليل اضطلاع )) .
وقد يكون فى المسائل الفقهية كما فى المثال أو يكون فى تراجم الرجال وأشعارهم كما فى كنش الطواحنى المتعلق بالقرن الثاني عشر (2) أو كنش الطواحنى أيضا الذى جمع فيه نتفا من أشعار القرن الثالث عشر (3) أو كنش عمر بن قاسم المحجوب الذي جمع فيه تراجم كثيرة (4) الى غير ذلك من كنانيش الفوائد المتعددة التى يوجد منها بالمكتبة الوطنية الكثير وما زالت مجهولة المحتوى فى معظمها وهي غير مبوبة ولا مفهرسة وما أرى الا ان أغلب كنانيش ذلك العهد قد ذهب مع الغابرين ومهما يكن من أمر فللكنانيش قيمة علمية عظمى كما لها قيمة أدبية جليلة لما تحتويه من معلومات دقيقة ومقاطع أدبية نادرة لا يستطيع الدارس لتلك الفترة اغفالها وتجاوزها وكانت هذه الكنانيش تجمع من املاءات الدروس وعند حضور المنتديات الادبية الخاصة المتعارفة فى ذلك العهد فى (( بيوت الدريبات )) فى ديار كبار المشائخ أو فى النوادى الخاصة .
5) المجموعات النثرية والدواوين الشعرية : لقد سبق أن بينا ما بلغته الحياة العلمية الثقافية عامة من نضج وما استرجعته من مكانة مرموقة وسبق أن رأينا أن الادب كان يحظى بأهمية كبرى فكانت برامج التدريس توليه عناية فائقة بما تقدمه للطلبة من علوم لغوية مختلفة وكانت شروح المؤلفات وحواشيها تقدم الكثير من المختارات الادبية وكانت الكنانيش تقوم بدور ليس بالدون الا ان الادب مع ذلك لم يكن يقصد فيها لنفسه بل كانت له مجالات أخرى يقوم فيها بذاته وهى مجالات فسيحة سعة ميدانى الشعر والنثر . ومما زاد الميدان اتساعا انه لا يكاد يوجد عالم ليس اديبا ولم يكتب نثرا ولم ينظم شعرا وان كان مقلا وهل فيهم من لم تكن له مراسلات .
وكانت اغراض الشعر كثيرة متنوعة تجمعت منها كثير من الدواوين وان اختلفت حجما وقيمة ومن ذلك دواوين الغراب ( 1183 / 1769 ) والورغى ( 1190 / 1776 ) وأحد سميه وماضور ( 1199 / 1785 ) ومحمد الرشيد باى ( 1172 / 1759 ) وابن عبد العزيز ( 1202 / 1788 ) وهذا الفلك المشحون بالجوهر المكنون لصاحبنا ابن سعيد ( 1199 / 1785 ) .
الخلاصة :
نبين من بعد دارستنا لبرامج التدريس وأساليبه واطلاعنا على حركة التأليف وميادينها أن الحياة العلمية الثقافية فى القرن الثانى عشر الهجرى كانت تعيش فترة من الانبعاث حرية بالتقدير الا أنها لم تكن لتمكنها من الانطلاق والنهضة على أسس تجعلها تواكب الثقافة العصرية لانعزالها عنها .
الخلاصة العامة :
بعد أن كنا قدمنا لدراسة الحياة العلمية والثقافية بتونس فى القرن الثانى عشر ببابين تناولنا فى الاول منهما المؤثرات السياسية وبسطنا فى الباب الثانى معطيات الحالة الاجتماعية تمكنا فى هذا الباب من دراسة عوامل اندثار الثقافة فى مطلع ذلك القرن وتبينا أن بقايا العلم والعلماء تمكنت من بث روح ثقافية جديدة وبعث حياة علمية انتشرت بها المعرفة وتمكنا بعد ذلك من بيان أهمية تفتح الثقافة التونسية وتأثرها بالثقافة العربية الاسلامية التقليدية وكيف استقت زادها من حيث وجدت وأنهينا بحثنا بالاطلاع على مظاهر العلم والمعرفة مركزين ذلك خاصة على برامج التدريس وحركة التأليف لنا بعد هذا أن ندرك أن الثقافة التقليدية التى بدأت تشع مع قيام الدولة الحسينية بلغت أوجها فى النصف الثانى من القرن الثانى عشر ولكنها لم تتجاوز ذاتها ولم تعد أن تكون أدبية دينية منطقية ذات صبغة تقليدية صرف .

