هذا هو الباب الثالث من دراسة قام بها الاستاذ عبد الخالق التوكابرى فى نطاق اعداد شهادة الكفاءة للبحث باشراف الاستاذ المنجي الشملي . وتتعلق هذه الدراسة بالنجم أبو عبد الله محمد بن على بن سعيد الحجرى ( 1169-1756(1199-1785 ) وهي تتناول عصره وترحمته وآثاره وتتضمن كذلك تقديماً وتحقيقاً لديوانه الفلك المشحون بالجوهر المكنون . وقد رأينا أن نقتطف من هذا البحث ما يتعلق بالحياة الثقافية والعلمية أثناء القرن الثامن عشر ميلادى (الثاني عشر هجرى) اذ يكشف عما وصلت اليه الحالة الثقافية بالبلاد والجهود التى بذلها العلماء لتلافى ذلك .
تقديم عام :
بعد أن رأينا خصائص المؤثرات السياسية ومميزات الوضع الاجتماعى وعلاقة ذلك بالثقافة التونسية فى القرن الثاني عشر عموما بقى لنا فى هذا الباب أن نتناول الوضع الثقافي فنضعه فى اطاره العام ونحاول توضيح خصائصه مبتدئين في ذلك بالنظر فى العوامل التى أدت إلى إندثار الثقافة عند مطلع القرن الثاني عشر متخلصين فى فصل ثان الى تحديد ما بقى من بذور العلم منتقلين فى فصل ثالث الى توضيح مدى تفتح الثقافة التونسية وتأثرها بغيرها محاولين فى فصل أخير ابراز أهم مظاهر العلم والثقافة فى ذلك الطور متوحين كل ذلك باستخراج أهم الخصائص الثقافية التى طغت في ذلك العهد .
عوامل إندثار الثقافة
تقديم :
لقد تفاعلت عدة عوامل واجتمعت آفاتها تمحو أواصر الثقافة فى البلاد التونسية وتصد الناس عنها وتقطع دابر العلماء فيما قبل القرن الثاني عش ومن أهم هذه العوامل ما قام به الاسبان من تخريب للمعالم وإبادة للمكتبات وما أضرت به الفتن المتتالية مما أورث الناس الخمول وما أودت به الاوبئة من العلماء والعارفين وما لحق استعمال اللغة التركية فى كتابة الدواوين الرسمية عند الاستيلاء العثمانى من استغناء عن العربية واهمال لعلومها وسنحاول فيما يلى التعرض لتحليل هذه العوامل السلبية .
أ - التخريب الاسبانى : لقد اجتاحت البلاد التونسية فى القرن العاشر طامة احتلال الاسبان بطلب من ملكها الحسن الحفصى سنة 942 / 1535 ومن مأثمهم هجومهم على جامع الزيتونة وتبديدهم ما كان فيه من جليل المخطوطات الموجودة فى المكتبة العبدية . وتجدد هجومهم أدهى وأمر على البلاد سنة 1572/980 فتطاولوا على المعالم الدينية حتى قيل : " ان الخيول ربطت بجامع الزيتونة وألقى ما فيه من نفائس الكتب فى الطرقات وحمل البعض منها الى مكتبة الفتيكان برومة وما تزال تشاهد هناك " ( 1 )ويذكر المؤرخ محمد بن الخوجة فى حديث عن عمل الاسبان بالمكتبات يقول : " انهم مزقوها كل ممزق حتى كانت تباع بأبخس الاثمان أو تدوسها سنابك خيولهم المرابطة بصحن جامع الزيتونة فقد ذكر المؤرخون أن المار حول الجامع من جميع حهاته لا تكاد تقع قدمه على غير الكتب فبادت جميع الكتب وتلاشت ولم يبق منها بالجامع إلا بعض نسخ صحيح الامام البخارى وأضحى العلم بتونس كشمس على مغيب حوالى القرن الحادى عشر واستمر الجامع على حالة فراغ حتى القرن الثاني عشر " ( 2 ) وواضح بعد هذا أن حالة البلاد الثقافية تأثرت بذلك تأثراً سيئاً وتدهورت الثقافة نتيجة تلك الشنائع الاسبانية .
ب - أضرار الفتن المتتالية : أصبح أمر البلاد فى آخر أيام الدولة الحفصية فوضى وكادت تطمس معالمها ولئن توطد الامن فى بداية الاستيلاء العثمانى
( 1572/981 ) على يدى سنان باشا ثم الدايات من بعده والبايات مع مراد باى مؤسس الدولة المرادية سنة 1631/1041 الا أنه سرعان ما كانت ثورات حند الانكشارية وثورات الاهالى فى جبل وسلات وكثرت الدسائس بين أفراد العائلة الحاكمة وكانت القبائل تنقسم فيما بينها وتكون الوقائع وزاد الوضع استباء تدخل الجزائريين فى شؤون البلاد وكانت تولية : " مراد بوبالة " آخر حكام الدولة المرادية نكبة عظمى يقول العلامة حسن حسنى عبد الوهاب : " لم يتول قط من الملوك ولا الامراء الذين تداولوا على القطر التونسى أظلم من هذا الجائر الغشوم الذى أنزل بأهل البلاد من العسف ما لا يقدر عليه أحد من الجبابرة الظالمين . . . ( ومن ذلك ) أنه قصد القيروان وخرب معالمها الجليلة ولم يترك بها سوى المساجد وبعض الزوايا " (1) .
ويزيد المؤرخ محمد بن الخوجة على ذلك توضيحاً يقول مخصصا أضرار القيروان لاهمية خزائن المخطوطات بها يقول : " ظهرت أول مكتبة عمومية بالقيروان كان بها من نفائس الكتب ما لا يقدر بحال . . . وقد ذهبت شذر مذر أثناء الفتن التى تناولت المدينة وأجهزت على البقية الباقية منها فتنه دخول مراد أبى باله فى سنة 1699/1111 للقيروان وفتنة حصارها من الباشا على بن محمد للاجهاز على عمه حسين بن على باي فى سنة 1740/1153 " (2 ) .
وكان اهتمام ذوى النفوذ قبل قيام الدولة الحسينية غير متجه أساساً إلى العلوم وعنايتهم غير شاملة للشؤون الثقافية وكان اهتمام الاتراك فى العهد العثمانى متجها الى الجند وتنظيماته أكثر منه الى المعارف واحيائها ولم تكن رعايتهم لاهل العلم ورجاله على قلتهم مشجعة مما ساعد على استمرار فترة الجمود الثقافي وتلاشى المعارف يقول الشيخ محمد ماضور : " جاء الترك ومعالم العرفان خاوية على عروشه فما كان منهم من يقيل لها عثرة خصوصاً وهم رجال حرب ينصرف كل اهتمامهم الى مقارعة الابطال وركوب الاخطار لا الى هاته الناحية " (3) .
يقول ل العلامة فضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : " بقى العلم مع أستمرار دولة مماليك الترك الدايات فى حضيض السقوط فانتثر ملكه
وانزوى الناس فى بيوتهم اتقاء الفتن فذوت شجرة العلم وصار ضئيلاً لاقبال أهله على أسباب الارتزاق بأنواع الحرف فقد كان الشيخ محمد قويسم (1114/ 1702 ) العالم الشهير صاحب سمط اللالئ يحترف بيع الزهور وكان المدرس الشيخ محمد الريكلى دباغا وهو الذي ولى قاضيا مالكيا فى دولة الباشا على بن محمد وكان بعض المدرسين يقرئ العلم بالاجر يأخذه من تلاميذه " (1) .
وواضح بعد هذا أن الفتن فتكت بمقومات الثقافة وجعلت العلماء يشتغلون عنه بالتفرغ للرزق وطلب أسباب المعاش .
ج - انقراض العلماء بالأوبئة : وبالاضافة لما نال الثقافة فى البلاد من ويلات الاسبان وما أودت به الثورات المتتالية فأفسدت على الناس عزائمهم ومطامحهم وأجبرت على الخمول والجمود فقد كان للاوضاع الصحية المتدهورة التى بيناها فى الباب السابق أثر كبير فى طمس معالم العرفان والقضاء على أشتات العلماء فكانت الحال كما ذكره العلامة فضيلة الشيخ ابن عاشور نقلا عن الوزير السراج يقول : " ان العلم انقطع من تونس ( أو كاد ) بفناء العلماء القلائل من جراء ( الاوبئة ) .
د - الاستغناء عن العربية فى الطور العثماني : لما استولى الاتراك على الحكم عند سقوط الدولة الحفصية كانت الحالة الثقافية كما ذكرنا فاسدة ومعالم العرفان خاوية ومما زاد هذه الحالة انحطاطا استغناء العثمانيين الاتراك من استعمال اللغة العربية فى كتابة الدواوين الحكومية واستجلابهم للقضاة من بلادهم للقضاء بين يديهم باللغة التركية وكانت لغة التخاطب فيما بينهم التركية .
وأدى هذا الوضع إلى إحباط عزائم التونسيين وصدهم عن التعلم حيث أنه لم يبق لهم كبير مطمح فى الارتقاء الى تحمل مسؤولية الكتابة فى الدواوين وأصبح العلم يدرس فى بعض المعاهد باللغة التركية ويستعمل العلماء العثمانيون فيها الكتب التركية وما ان سقطت الدولة المرادية وتم الامر لحسين بن على سنة 1705/1117 حتى عاد استعمال العربية وانتفى العامل السلبى .
ومهما يكن فقد تظافرت العوامل السلبية من مثل التخريب الاسباني واقرار الثورات المتتابعة وفناء العلماء بالاوبئة ودحض العربية الى حين تفاعلت كل
هذه المؤثرات وسلكت بالثقافة مسلكاً عميقاً الا أن الظروف أتاحت من الدوافع الايجابية ما قام ضدها وسنحاول بيان ذلك فى الفصل الموالى.
بقايا بذور العلم ومقومات الاصلاح
تقديم :
يبدو أن أهم العوامل الايجابية التى قامت عاملاً على نشر الثقافة وإحياء رسومها لا يمكن توضحها وادراكها الا إذا عرفنا مدى انتشار المعرفة وتبينا أهمية بقايا العلماء في صدر الدولة الحسينية وأوضحنا ما قام به جامع الزيتونة وغيره من معاهد العلم من بث للعلم ونشر للثقافة وإحياء للاداب .
أ - مدى انتشار المعرفة : كانت الحالة فى مطلع القرن الثاني عشر لا تبشر بخير قد ضرب الجهل فى نفوس الناس وخيم على عقولهم ولعل أحسن تعريف لذلك الوضع ما ذكره الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة يقول: وضعفت الحياة العلمية وذهبت المدارك والمعارف وخلت البلاد من الثقافة ولم يكن بها غير كتاتيب موزعة فى الاحياء ومؤدبين وحفاظ يعمرونها ويعمرون المساجد والزوايا يلقنون الصبية كتاب الله الكريم ويقتضون منهم استظهاره وحفظه وبتلك المدرسة فقط يتخرج الطلاب فيتعلمون الى جانب القرآن العظيم الكتابة والقراءة وبعض الضروريات من الدين ومبادئ الحساب والعد " (1) فكانت الدراسة بدائية تقليدية تعتمد الحفظ ولا تتعدى المبادىء الاولى التى لا يمكن مدها من العلوم فى شئ واذا ما ذكرنا ما كنا رأيناه من انتشار الاوهام والمعتقدات الزائفة بين الناس تأكدنا من " ضعف الحياة العلمية وذهاب المدارك والمعارف " .
ب - بقايا العلماء فى صدر الدولة الحسينية : لئن كانت الحالة العامة لمستوى الثقافة فى البلاد على ما وصفنا من قلة انتشار واقتصار على المبادئ في الكتابة وتعلم القرآن فقد كان فى مطلع القرن الثاني عشر بقية باقية من العلماء الاجلاء شقت طريقها الى العلم فى ثبات من مثل الشيخ محمد زيتونة المتوفى سنة 1138 والشيخ محمد الخضراوى المتوفى سنة 1144 والشيخ محمد جعيط المفتى المالكى والشيخ محمد سعادة المولود سنة 1088 والمتوفى
سنة 1171 والشيخ قاسم المحجوب من بعدهم وقد توفى سنة 1190 وهو من شيوخ صاحبنا النجم أبى عبد الله محمد بن على بن سعيد الحجرى والشيخ محمد بن على الغريانى والشيخ محمد الشحمى والعالم الشيخ محمد بن حسين الهدة وغيرهم .
كان هؤلاء المشائخ من ثلة العلماء الأعلام الذين عملوا على إحياء المعارف واشتغلوا بالتدريس وتخرج على ايديهم جيل كامل من المثقفين برزوا أواسط القرن الثاني عشر ومثلوا حلقة وسطى بين جيل الانحطاط والبذور الباقية من العلماء وبين ازدهار الثقافة التقليدية بتونس ومن بين ممثلي هذه الحلق الثالثة صاحبنا النجم أبو عبد الله محمد بن على بن سعيد الحجرى وكانت هذه الحلقات جميعها وما بعدها حتى قيام دولة المشير أحمد باشا (1253-1837 ) تمثل طورا ثقافيا خاصا ازدهرت فيه الثقافة التقليدية ازدهاراً وكان مرحلة وسطا بين عهد الانحطاط وعهد النهضة ومهما يكن من أمر فقد كان من بقايا العلماء ما إستطاع العمل على نشر الثقافة ونجح في ذلك الى مدى بعيد .
ج - جامع الزيتونة ومعاهد العلم : لقد سبق أن ذكرنا أن معاقل العلم بالقطر التونسى كانت تعتمد على جامع الزيتونة أولاً باعتباره المعقل الاكبر وعلى المدارس ثانياً باعتبارها تهيئ الطالب وتعده للتلقي في الجامع الاعظم .
1)جامع الزيتونة : دخل جامع الزيتونة فى طور من الانحلال كبير كاد يندثر معه العلم فيه عند سقوط الدولة الحفصية وكانت الدروس النظامية والتي تلقى احتسابا قليلة ومعظمها فى الفقه المالكى ولم تتطور هذه الحالة الا مع قيام الدولة الحسينية . يقول حسين خوجة : " والآن (أى فى عهد حسين بن على) والحمد لله فيه (أى جامع الزيتونة ) من الدروس قدر الثلاثين " (1) وكانت قبله لا تتجاوز الثمانية مرتبة من أهل الخبرات الاقدمين.
واذا ما اعتبرنا ما أثبته الوزير السراج بعد ذلك من أن عدد المدرسين الموظفين بلغ الاربعين (40) وأضفنا لهم ما رواه محمد سعادة من أن المدرسين اللذين يشملهم الحبس بلغ ثلاثة وثمانين(83)مدرسا آخرين إتضح لنا ما بلغه جامع الزيتونة من النشاط العلمي . يقول الاستاذ محمد الحبيب الهيلة .
" وليس غريباً أن نجد محمد سعادة وهو الذى زار الأزهر وعاش فيه مدة يقول : " يفوق هذا الجامع بذلك(العدد)الجامع الأزهر " (1).
2) المدارس : لقد اعتنى أولو الامر عناية كبرى ببناية المدارس حتى بلغ ما تم تشييده خلال القرنين الحادى عشر والثانى عشر ست عشرة مدرسة محدثة فى الحاضرة ذكرها وذكر غيرها المؤرخ محمد بن الخوجة فى كتاب معالم الايمان فى جداول مفصلة نذكر منها المدرسة المرادية التى ابتناها مراد باي الثاني سنة 1084 بسوق القماش ( وهي التى سكنها صاحبنا النجم أبو عبد الله محمد بن على بن سعيد الحجرى عند قدومه من بلده بو حجر ( وبني الولاة كثيراً من المدارس داخل القطر ونظموا فى جميعها الدروس ومنحوا المدرسين والطلبة على السواء مرتبات محترمة يقول الشيخ محمد ماضور: " ولم يكتف ( حسين بن على) بتنظيم الحركة العلمية بالحاضرة فحسب بل سمت همته الى نشر المعارف بكبريات المدن وأمهات البلدان ففي القيروان أنشأ مدرسة ورتب فيها وفي بقية معاهد المدينة عدة مدرسين منهم شيخ المدرسية العلامة عبد الله السوسى وخطيب جامع عقبة الشيخ أحمد صدام قاضى المدينة وحفيده محمد وأحمد بوديدح مفتياها والشيخ أحمد زروق بن طرد ومحمد بوراس وغيرهم.
وفي سوسة جدد مدرسة الزاوية القادرية وأوكلها الى نظر بدر الدين وأحمد بوتورية المكلف بالقضاء وعمر المفتى وابنه الشيخ أحمد الريغي ويحيى أحمد وعلي بن موسى الأزهري الاندلسي وحسن الهده ( وهذا الشيخ هو والد الشيخ محمد الهدة الذي نصح على بن سعيد والد صاحبنا النجم محمد بالحاقه بجامع الزيتونة فى بداية العقد التاسع من القرن الثاني عشر ) وسواهم .
وفي صفاقس أقام مدرسة وأسندها لنظر الشيخ محمد الشرفى ومن مدرسيه الشيخ عبد العزيز الفوراتى واعتنى بزاوية الشيخ على النورى التى كانت بمثابة كلية علمية وبجربة احيى المدرسة المرادية وأقر بها الشيخ ابراهيم الحمني " ( 2 ) الذي قال حسين خوجة فى ترجمته : وتخرج عليه خلق كثير من رأى فيه نجابة أجازه وأرسله الى الجبال من تلك النواحى ويأمره بارشاد الناس .
الخلاصة :
ولنا بعد أن نظرنا فى مدى انتشار المعرفة وحددنا بقايا العلماء الذين بفضلهم قامت الحركة التثقيفية ورأينا ما لعبه فى ذلك جامع الزيتونة ومعاهد العلم من دور جليل فى نشر الثقافة التقليدية لنا أن ننتقل إلى فصل آخر نبين فيه مدى تفتح الثقافة التونسية فى ذلك العهد واحتكاكها بغيرها .
مدى تفتح الثقافة التونسية وتأثرها بغيرها
تقديم :
بعد أن كنا أوضحنا فى الفصل الاول من هذا الباب المؤثرات التى تفاعلت عاملة على اندثار الثقافة بتونس وبعد أن حاولنا التلميح لما قام ضد هذه السلبيات من بقايا بذور العلم المتأصلة والتى ساعدت لا محالة على نشر المعرفة ، لنا فى هذا الفصل أن نتصدى بالنظر إلى مدى تفتح الثقافة التونسية وتأثرها بغيرها فننظر أولاً إلى علاقتها بالثقافة التقليدية فى بلاد المشرق والمغرب ثم ننظر ثانياً إلى بعض خصائص التأثير التركى والاندلسى والاوروبى .
أ - تونس بين المشرق والمغرب : كانت فرصة أداء فريضة الحج تتيح لاهل المغرب الاتصال بتونس والاحتكاك بعلمائها عند قدومهم من الاندلس والمغرب والجزائر وكان التونسيون لنفس السبب يتصلون ببلاد المشرق ويحتكون خاصة بعلماء الأزهر والمطالع لتراجم لعلماء الاعلام في ذيل بشائر أهل الايمان أو تاريخ محمود مقديش يجد أن أغلب العلماء وخاصة علماء صفاقس كانوا يقصدون مصر للتعلم وكان البعض منهم يقيم هناك نهائياً .
ومن فوائد هذه الرحلات الدراسية أن العلماء المسافرين لطلب العلم كانوا بتزودون معرفة وكانوا بذلك عند عودتهم يعينون على تلقيح الثقافة التونسية بدروسهم عامة وبما استجلبوه من كتب خاصة . يقول الشيخ الشاذلى النيفر : " ومن أثر رحلة محمد سعادة إلى المشرق أنه أدخل إلى تونس شرحاً على الالفية وهو الشرح المسمى منهج السالك إلى الفية أبن مالك لابى الحسن على بن محمد الاشموني"(1) وسوف نحاول فيما يلى ضبط مدى عمق الاتصال الثقافي بين تونس وكل من هذه الاقطار .
1 ) تونس والمغرب : إذا كنا نعتبر جامع الأزهر فى ذلك الطور مزدهراً بالمشائخ الأجلاء والعلوم النقلية والعقلية المتعارفة لحد لم تكسد معه سوقه أيام الانحطاط كسادها بجامع الزيتونة اذا لم يعبث بخزائن كتبه ما أودى بالمكتبات التونسية فان جامع القرويين بالمغرب الاقصى لم يكن حاله كذلك يقول بعضهم ممن زاره في ذلك الطور وجد به سبعة عشر مدرساً يقرئون التفسير يقول فى شأنهم : " كلهم عن التفسير بمعزل " (1 ) ولكن الفقه المالكى المغربى كان مع ذلك يلاقي صدى طيباً عند علماء تونس ويقول الاستاذ محمد الحبيب الهيلة من ناحية أخرى : " ولم يكن ما نقله هؤلاء المغاربة الى البلاد التونسية فى غالبه الا مظاهر صوفية طرقية انتشرت فى بلادهم ووجدت تجاوباً مع الطريقة التركية الدخيلة وجذورا عميقة تركتها الشاذلية وغيرها فى تونس تم ألم يكن الولي الصالح على عزوز مغربيا ؟ فقد انتصبت طريقته فى زغوان وبلغ أثرها البعيد الى قصور الحكم ومجالس العلم بالحاضرة وغيرها (2) .
2 ) تونس والجزائر : وأما الجزائريون فان أقبالهم على الزيتونة وأخذهم منها ، إنتسابهم إليها يجعل ثقافتهم منطلقة فى معظمها منها وتأثيرهم على الثقافة بتونس ليس الا بحسب مدى أخذهم منها واتصالهم بعلمائها ومداولتهم معهم مثلما كان من النقاش العلمي الترسلى بين علماء قسنطينة وعلماء الزيتونة ومن ذلك ما تم بين الشيخين حمودة بن عبد العزيز وأحمد بن عمار الشريف أو ما كان بين الشيخ عمار الشريف وشيخه النجم ابن سعيد حيث خاضوا في مسائل كلامية منطقية .
ولعل أكثر الجزائريين إحتكاكاً بتونس علماء قسنطينة.
3 ) تونس ومصر : كانت بلاد المشرق أكثر جاذبية لعلماء تونس تأثيراً عليهم وكانت مصر بجامعها الأزهر تحتل المكانة الأولى فى ذلك .
ومن المعلوم أن الحالة الفكرية فى مصر لم تكن انتهت بعد فى هذا الطور إلى بداية انطلاقتها التى تحدد عادة بتاريخ حملة بونابرت عليها سنة 1212 / 1708 ومن الطبيعي بعد ذلك ألا يكون التأثير المصرى كبيراً طيلة القرن الثاني عشر الهجرى ما عدا بعض الاحتكاكات الخاصة ومن ذلك علاقة الشيخ الغراب بأبي المحاسن يوسف الحنفي محشى الاشموني على الخلاصة أو بعض
الاستفادات من المخطوطات النادرة والكتب العامة التى فقدت من تونس أو لم تصلها بعد ويتم ذلك عن طريق الحجيج كما نتبين هذا من رسالة صاحبنا أبن سعيد إلى الشيخ محمد البنانى الأزهرى يطلب منه بعض الكتب النادرة وحاشيته على المحلى وهل ذلك الا مثال من كثير .
وعلى كل فقد كان للتأثير المصرى على الثقافة التونسية أهمية يقول الشيخ محمد البشير النيفر : " أن تونس بعد الحملة الاسبانية عليها ( عام 981 / 1576 ) وحريق مكتبتها الاسلامية أعادت تجديد ثقافتها باستمداد من مصر ومن المغرب الاقصى ومن أثر ذلك أصبحت المدرسة المصرية تسود التعليم بكتبها وأساليبها وان الاشعاع العربى انتشر فى تونس بفضل رجلين تعلما فى مصر هما " محمد الحجيج " و " ومحمد زيتونة " (1).
ونحن نعتقد أن كلام الشيخ محمد البشير النيفر وان قدم حقيقة ثابتة فهو لا يخلو من المبالغة ولئن ساهمت الرحلات إلى مصر واستجلاب الكتاب المصرى فى اثراء الثقافة التونسية فما ذلك بدليل على انقراض الاصالة التونسية من حيث محتوى برامج التدريس وأساليبه حيث أن العلم لم ينقطع من البلاد انقطاعاً نهائياً والكتب لم تفقد نهائياً والعلماء لم يضمحلوا بأكملهم في أى وقت وانما كانت البذور دائماً كامنة ودليلنا على ذلك ما تثبته حركة التأليف التى قامت فى ذلك العهد ولعل ما ذكره الشيخ ماضور أقرب الى الحقيقة وأمثل الى الواقع يقول : " ان أفذاذ العلماء ( فى العهد الحسيني ) هم الذين شاركوا فى هاته المزيه ( أى النهضة ) وهم فى الحقيقة زعماء التجديد العلمي المتحدث عنه ومما يجدر تسجيله من مظاهر هاته الحركة إنها لم تعتمد إلا على نفسها أعنى على علماء البلاد ولم يجلب لها من الخارج من يدبر شؤونها حتى فى أطوار البداية نعم وقع تلقيحها برحلات البعض من أولئك العلماء الى المشرق والمغرب " (2) الا أن ما يجب أن يفهم من كلام الشيخ ماضور هو أن تلك النهضة أو " حركة التجديد العلمى " انما هي استرجاع لمستوى معين من الثقافة التقليدية لم يكن له أن يتطور الى تجديد علمي حقيقي الا مع الاحتكاك بالغرب اى ابتداء من عهد أحمد باشا .
4 ) تونس ولبنان وسوريا : لم تكن لللبانيين والسوريين علاقات مع التونسيين في ذلك العهد ولعل أول إحتكاك بينهم كان مع قيام المشير أحمد باشا عندما اراد استعمالهم في الدواون ولذلك يمكننا أن نتنبه لفكرة نعتبرها جوهرية في التاريخ للحركة الثقافية بتونس هى قضية الطباعة . فما نظن صدى استعمال الحروف العربية فى الطباعة الذى تم على يد النصارى بلبنان منذ سنة 1610/1019 قد بلغ الى التونسيين الا قبيل إنتهاء النصف الأول من القرن الثالث عشر أى مع قيام مطبعة بولاق أثر حملة بونابرت وقبيل ولاية أحمد باشا (1) .
ب - خصائص التأثير التركي والاندلسي والاوروبي : ولئن كانت علاقة تونس الثقافية ببلاد المشرق والمغرب عامة تقليدية جرت فى رفق ولين قد كان لعناصر أخرى من ألوان الثقافة تأثير خاص أهمها فى نظرنا التاثير التركي والاندلسى وخطفات سريعة من الثقافة الاوروبية سنحاول بيانها إجمالاً فيما يلى :
1) التأثير التركي : لقد سبق أن ألمعنا إلى أن تأثير الاتراك انحصر فى محاولتهم نشر الفقه الحنفي في البلاد التونسية المالكية وأن تلك المحاولة باءت بالفشل عموماً حتى - قل أن يوجد حنفي - من أصل غير عثمانى وأما اللغة التركية فهي وأن كانت مستعملة من طرف رجال الحكم فيما بينهم ومع علمائها الاتراك ومهما حاولوا تدريسها لم يكن لها أى إشعاع فى البلاد ما عدا ألفاظ قليلة تابعة لمصطلحات نظام الحكم وترتيبات الجند وكان مفعول ذلك على كل حال سلبيا على العربية لانه لم يزدها تنشيطا .
2 ) التأثير الإندلسى : لقد كان لتوافد المهاجرين الاندلسيين على البلاد التونسية خاصة فى مطلع القرن الحادى عشر أثر بعيد فى تلقيح الفكر التونسي بخصائص الثقافة الاندلسية الحضارية منها والعلمية والأدبية فإلى جانب تنشطهم وتجديدهم للصناعات التقليدية والاساليب الفلاحية كانت مساهمتهم فى الفقه المالكى جليلة لانهم مالكيون مما زاد فى تفاعلهم وانسجامهم مع الجو التونسي وأما في ما يتعلق بالادب والفن فما من شك أن انتشار الموشحات واهتمام الشعراء بنظمها ومعارضة كبار شعراء الاندلس فيها كان نتيجة لذلك
بالاضافة إلى إنتشار الموسيقى والتلاحين وإيجاد جو الطرب ومجالس الاُنس والادب واستعمال البساتين لذلك .
3 ) تأثير الثقافة الاوروبية : يبدو من الغريب أن نتحدث عن تأثر الثقافة التونسية بالحضارة الاوروبية فى ذلك العهد الذى كل شىء فيه يؤكد وجود هوة كبيرة بين ما يجرى فى أوروبا وما يجرى فى العالم العربى عامة وفي تونس خاصة وقد يخشى أن يكون استشهادنا فى ذلك بما أستعمل فى مناسبات قليلة ونادرة جداً من الفاظ غربية كما فى البيتين التاليين (1) :
وشادن من بني النصارى فى خده شامة ونون
فقلت هجرا فقال : ( سى سى) ( 2 ) فقلت وصلا فقال (نون) (3 )
والحق ان القرن الثامن عشر الميلادى الذى يقابله القرن الثاني عشر الهجرى فى جملته كان فى فرنسا يدعى " قرن النور " لما اعتمدته ثقافة العصر من تحرر من القيود الكلاسيكية الفكرية ومبادئ الايمان العقائدية عند بعض الطبقات المثقفة على الاقل فى حين أنه لم يحدث شئ من ذلك فى هذا الطور فى حياتنا الثقافية فظلت المبادىء الاسلامية راسخة قوية خاصة عند العلماء وكانت النهضة الثقافية والادبية تعتمد على استرجاع مقومات الثقافة العرب التقليدية والأدب الأصيل .
الا أننا ثبت لدينا أنه نقلت إلى العربية آثار من الثقافة العربية فى هذا العهد .
يقول الشيخ ماضور : " وترجمت كتب ورسائل فى الطب والطبيعة وغيرها وهى مكتبي الرساله التى وضعها حسين خوجة صاحب بشائر " أهل الايمان فى استعمال الكينة " للحميات و كانت حينئذ حديثة العهد بالاكتشاف وكان حين اكتشافها باوروبا فكتب عنها هذه الرسالة فى مقدمة واثنتى عشرة مقالة وخاتمة وقرضها له أعيان علماء عصره نظماً ونثراً .
ومن هذا القبيل ما ترجم عن الطبيب يوسف القو الذى كان استوطن تونس في ذلك العهد ونقل عنه الشيخ محمد بيرم الاول من اللاطينية الى العربية رسالة فى منافع المياه المعدنية وخواصها الطبيعية وعلى الاخص مياه حمام الأنف كما ترجمت مجرباته الطبية التى ضمنها آراءه وتجاربه فى مهنته التى قضى فيها حين التآليف 48 سنة وهى من مشمولات مكتبتى أيضاً " (1) .
ولئن كان ذلك كذلك فنحن نعرف أيضاً أن العالم المؤرخ والاديب الشيخ الوزير السراج كان في تلك الفترة بالذات يجهل وجود القارة الامريكية رغم أنما اكتشفت منذ قرنين من عهده ثم لا نعثر على شىء عنده مما يتصل بأخبار أوروبا الا ما يروى القسيسون المقيمون بتونس فينقلها فى تحفظ واحتراز (2) .
وعلى كل فظاهرة التأثر بالثقافة الغربية ظاهرة طريفة لا يجب أن تستهوينا الا بقدر ما هي حقيقة والمجال البحث فيها والتنقيب على آثار تلك الفترة القول النهائي والحكم الموضوعي ومهما يكن من أمر فما أظن أن أبعاد تأثير الثقافة الغربية كانت عميقة ولا كانت للامثلة التى ذكرنا مماثلات أخرى مفيدة .
الخلاصة :
ومهما يكن من أمر فان ما يجدر استخلاصه من كل هذا أن حركة " النهضة التجديد العلمي" في القرن الثاني عشر بتونس قامت على كواهل علماء تونسيين لم يفدهم أجانب ولا احتاجوا الى مساعدة خارجية اللهم ما كان من تلقيح أفكارهم في رحلاتهم إلى المشرق وإقبال أهل المغرب عليهم أو ما ستفاده مما جلبوه من الكتب النادرة عندهم أو ما انتبه القليل منهم إليه من نبذ علمية فنقلها ولا يكاد ذلك يكون أمراً مذكوراً ومما ساعد على هذا الانغلاق عدم توتر وسائل الطباعة فى بلادنا وعدم انتشارها وانحصار ميادين استعمالها فى المشرق وبالاخص فى لبنان .
وبقى لنا بعد هذا أن نتصدى لدراسة مظاهر العلم والثقافة بتونس فى القرن الثاني عشر .
- يتبع -

