الناس فى درك هاو من الخسة ، وفي درجة عالية من السمو ينطوون على الشر والخير ، ويهبطون بقدر ما يرتفعون
علمتني الحياة أننى ما حرصت على بلوغ شىء فبلغته ، الا واكون بعد بلوغه قد زهدته .
كنت صبيا صغيرا أعيش فى أسرة مستورة الحال ، وتهيأت لها اسباب العيش فى شىء من الطمأنينة والدعة ، ولم تتهيأ لها أسباب الثراء ، فتطلعت الى خفض من العيش أوطأ مما كنت فيه . فاراد الله أن أبلغ شيئا من ذلك . واذا بي أزهد ما فى يدى منه . لا أرى البيت الذى اسكنه - وكنت أتطلع الى مثله فى مقتبل حياتى - إلا شيئا عاديا لا يشقي ولا يريح . ولا ارى المال الذي احرزته - وكنت أحسب انه يحقق شيئا من السعادة - الا شيئا تافها لا يؤخر ولا يقدم . ولا أرى الجاه الذى بلغته - وكنت انظر الى مثله فى غيرى فأتوق اليه - إلا شيئا فارغا لا ينقص ولا يزيد ، فعلمت ان الحياة تافهة ، ما لم يرسم الانسان لنفسه مثلا ساميا يسعى لتحقيقه ، وهدفا يعلو عن المادة ، ويبقى على الزمن ، اذا ما حقق شيئا منه طابت نفسه ، وطلب المزيد .
وعلمتني الحياة ان الناس فى درك هاو من الخسة ، وفى درجة عالية من السمو ، ينطوون على الشر والخير ، ويهبطون بقدر ما يرتفعون . عرفت وانا شاب فى العشرين شابا فى سني وقامت بيننا اواصر الود والصداقة . ثم تنكر لى الصديق ، وابدى من أسباب الجفوة ما دل على انحطاط فى الخلق ودناءة فى الطبع ، ثم ما لبث هذا الصديق فى ظروف أخرى ، ان صفا معدنه ، وسمت نفسه ، فتقدم فى ميدان الجهاد ، وبذل روحه فداء لوطنه ، ومات شهيدا ، فعلمت ان الناس لا يخلصون شياطين ، ولا بتمحضون ملائكة ، والعاقل من لبس الناس على حالهم ، لا يزهد فى الصديق وإن
بدا شره ، ولا يقطع ما بينه وبين الناس لجرح لا يلبث ان يندمل ، ولعارض لا يلبث ان يزول .
وعلمتني الحياة ان حظوظ الناس تبدو متفاوتة اكثر من حقيقتها ، وهم فى الواقع متقاربون فى الشقاء والسعادة : لكل من حظه ما يسعده ، ومن همه ما يشقيه عرفت رجلا كثير القيال رقيق الحال ، لا يشك من ينظر اليه فى انه ضيق بحظه من الدنيا . ولا يكاد يفيق من هم الا ويعثر فى هم . وعلمت بعد ذلك ان الرجل ليس من الشقاء بالقدر الذي توحى به حاله . فهو قد ألف ضيق العيش ، ووطن نفسه عليه ، حتى اذا أصابته نعمة ضئيلة على غفلة من دهره ، كان تقديره لها كبيرا ، وفرحه بها عظيما ، وذاق بها السعادة كما ذاق من قبلها الشقاء
وعلمت من ثقة ان احد ملوك المال في مضر - وهو رجل من أقوى الرجال فى بلده ومن أعرضهم جاها واوسعهم نفوذا وقد عرف بالسيطرة على اقدار الحكومات حتى انه ليسقط حكومة ويقيم اخرى . . هذا الرجل كثيرا ما يخلو الى نفسه ، لينسى سوء حظة ، وليبتعد بشقائه عن عيون الناس ، بل انه ليتسلل من سريره فى جنح الظلام لينفرد بنفسه ويبكى
وعرفت سيدة كانت تتبرم من ضيق العيش ثم ورثت شقيقا لها ، فاصبحت تتبرم بما اصابته من مال لا تعرف كيف تستغله . فآمنت بعد كل ذلك أن الناس سواسية فى الشقاء والسعادة على اختلاف ما يبدو من تفاوتهم فى ذلك وان فى الارض عدلا بين الناس اكثر مما يظن الناس .
مقتبس من كتاب الهلال الشهرى "

