إذا كان أهل المنطق قد عرفوا الانسان بأنه " حيوان ناطق " واذا كان هذا التعريف ما يزال ، وسيبقي سارى المفعول على الانسان - وحده - الى حين ظهور الكائن الآلي ، او انسان التعويض ، فان صفة أخرى للانسان المعاصر ، قد أخذت تلتصق به ، وتلازمه حتى ليصبح ممكنا اضافة تعريفه بها .
هذه الصفة الجديدة هى " الراكض " .
فاذا قلت أو أضفت في تعريف انسان القرن العشرين انه " حيوان راكض " أو ناطق راكض ، فانك لا تجنح في ذلك الى استعمال النكتة المازحه أو الاستعارة الجامحة .
ذلك أن انسان هذا العصر وما بعده ، انما هو حيوان راكض بدون منازع ومجال ركضه أوسع - وان كان أقل تمهيدا - من ميدان قصر السعيد ، حيث يتسابق " أميرالاى " و " تيسير " و " شعال " واذا كانت لخيول الساق أشواط محدودة ، وأوقات مضبوطة تخصص لركضها أو عدوها ، فان ركض الانسان ليس محددا بأوقات أو أشواط .
فهو راكض أبدى خالد الركض ، موصول السباق .
وهو يركض ليتعلم - لان العلم نور .
وهو يركض ليشتغل ، لان الشغل حياة وكرامة .
واذا أحرز العلم والشغل والكرامة - بعد لهث وعناء - وجد نفسه مدفوعا الى الركض من جديد .
انه - فى هذه المرة - يركض وراء " زوج " يتجاوز به فرديته ويقطع به أو معه رحلة العمر . . .
وبعد التزوج ، والتجاوز ، يطمح الانسان بطبعه الى نفس من الراحة ، وعندئذ تحدث له المفاجأة الهائلة حيث يكتشف ان حاجته الاكيدة الى الركض قد ازدادت حدة ، حتى ليخيل اليه أن الركض الحقيقى انما بدأ الآن .
وهكذا يلتف به الحبل حول الجرارة ، لينزلق به الى ما لا نهاية له .
ان ركض حيواننا ليست له نهاية ، حتى بعد موته يرثه عنه من خلف من حيوانات راكضة بطبيعتها ، فهي أحيانا تركض قبل أن تولد . . .
هل معنى هذا أن الانسان لم يعرف الركض فى غابر الازمان ؟ كلا . فالانسان القديم كان يركض هو أيضا ، لكن ركضه كان أقل حدة وعنفا مما هو الآن .
اما اليوم فالانسان المعاصر يركض آناء الليل وأطراف النهار .
انه يركض جالسا ، أو واقفا أو نائما أو راكبا ، صحيحا أو معتلا ، شابا أو شيخا وهو يركض برجليه ويديه وسمعه وبصره وفكره وخياله ، ووعيه الظاهر والباطن .
وتسألنى : وما سر هذه الدوامة من الركض التى وقع فيها ؟ فأقول : انها من صنع يديه ، وتصور خياله ، وابتكار عقله ، وإفراز فضوله .
أراد أن يتطلع الى حياة افضل ، فأخذ يحلم بها ، ثم يرسم ملامحها ، ثم يعمل لتجسيمها ، فجاءت أكثر مما كان يؤمل فشدته اليها بأكثر من وثاق ، ثم دارت نواعيرها المتشابكة فى حلقات جهنمية مفرغة فجرفته فى تيارها جرفا فقد معه السيطرة على قدره ومصيره .
الا انه - امعانا فى مغالطة نفسه - أخذ يوهمها بأنه ما يزال قادرا على تحقيق الافضل ، فكان مثله كمثل العجوز التى جرفها السيل الهادر - فأخذت تردد فى غبطة بلهاء : ياله من عام صابة . . . .
