الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الخاتم

Share

تقيأت المدينة سكانها فى هذا اليوم فانتشروا على العشب الاخضر تحت الاشجار الكبيرة الهرمة أو على الكراسى البيضاء والخضراء والحمراء حول طاولات حديدية قصيرة ، دفعة واحدة امتلأت الحديقة الكبيرة فنشط بائع التذاكر ولعن مثل هذه الايام حراس الاسود والفردة والحيوانات الاخرى وجد النادل فى الجرى بين المشرب والطاولات ونسيت يدا بائع السجائر والفليبات الجمود فنشطت فى عد المليمات وتفريغ الكؤوس فوق الطاولات أو فى راحات الايدى الناعمة ، الخشنة ، السوداء ، البيضاء ، النحيلة ، السميكة ، يدها سميكة ، أصابعها غليظة ، لم أعرف أن يدها سميكة وأصابعها غليظة إلا يوم أردت أن ألبسها الخاتم الابيض الذي اخترته صغيرا . لم أعرف أنها كتلة من اللحم المترهل المائل الى السمرة إلا يوم عرفنا هذا المقهى وألفنا هذه الكراسى وتخللت أصابع يدى شعرها الأسود القصير . قلت لها يوما عندما كانت المدينة تزخر بسكانها . يوم أن كانت المكاتب والمغازات غاصة بمن فيها  .

ـــ لماذا تبالغين فى قص شعرك ؟ أنا أحب الشعر الطويل .

ـــ سوف لن اقصه مرة أخرى .

لسعيدة التى اختارتها أمي من قريتنا شعر طويل ، أنا أحب سعيدة لان شعرها طويل ولانى أرى فيها صورة أمى النحيلة التى لا تهدأ وهى مرآة تنعكس عليها صورة أمى القاسية الرحيمة ، العاببسة المبتسمة رغم ذلك يا أمى وجدت نفسى مرتبطا بهذه الكتلة السوداء التى لا يشدها الى سوى ما أقدمه لها من هدايا وملابس وأعرف أنك لو رأيتنى بجانبها لارتميت على واشبعتنى قرصا ولطما وعضا ، فأنا اعرفك جيدا ، أعرف أنك لا ترحمين وأن عقابك شديد رغم أنك تحبيننيى وتعامليننى معاملة الاطفال رغم توغلى فى السنين ، ولكنك يا أمى لا تعرفين عن وقفاتى تحت الشجرة العجوز عن انتظارى الطويل وعن ابتساماتى الضائعة شيئا وانك لا تعلمين أنى قد كتبت

يوما رسالة لسعيدة . رسالة طويلة ضمنتها حبى لها وعذابى من أجلها فكان الرد مخجلا محزنا فقد قالت لى : " من قال أنى أحبك . . . لم أحبك قط" . من أجل ذلك غادرت القرية يا أمى والشجرة التى انتصبت أمام منزلها و الجدران البيضاء الناصعة البياض والاهل والاصدقاء الذين شهدوا المأساة والطريق التى شهدت ابتساماتى الضائعة وقدمت الى المدينة لادفن رأسى بين الكتب وأغرق فى الكؤوس وأغوص بين المارة المزدحممين وأرتمى بين أحضان الفراغ وأعانق العزلة .

ـــ الى أى شىء تنظر ؟

أشرت بعينى الى الجسر الخشبى الذى صار مسرحا للصبية المشرئبة أعناقهم نحو الماء الآسن يرمون للاسماك فتات الخبز وعصى الكاكى فتخرج رؤوسها لالتقاطها ثم ترجع الى الاعماق .

ـــ انظر . انظر . إنها كبيرة !

ـــ لماذا لا يسمح لنا بصيدها ؟

ـــ اسأل الحارس !

ـــ هذه الأسماك لا تؤكل ؟

رمى طفل ما يحمله من خبز وطلب من أمه قطعة أخرى وعندما رفضت طلبه صاح ورفس اللوح برجليه الصغيرتين فصفعته على وجهه وحملته وذهبت عندئذ سمعت صوتها المتلاشى بين صياح الاطفال وقهقهة الجالسين :

ـــ سوف لن أضرب ابننا . سأعلمه بلطف أليس كذلك ؟

ـــ طبعا . طبعا . .

أمى كانت بالغة القسوة تضربنى لاتفه الاسباب فلا أجد غير صدر جدى الذى يهدهدنى بحكاياته الكثيرة أما اليوم فلن أجده فقد ارتحل منذ زمن بعيد وبقبت وحيدا يا أمى فعرفت هذه الكتلة من اللحم فى يوم رمادى غابت فيه شمس المدينة . فى ذلك اليوم شربت كثيرا . خرجت من البار مساء تتلقفنى الانهج والشوارع ، تصفعنى الجدران وواجهات المغازات . ذهبت لزيارة أحد اصدقائى فوجدتها هناك مع رفيقة لها ، فكان الحديث والرقص ثم المواعيد واللقاءات فى المنزل أو فى المقاهى أو فى هذه الحديقة فبدأت ، أتسلم قائمات طلباتها التى لا أول لها ولا آخر واليوم وضعت شرطا للقائنا . طلبت منى شراء سيارة لنذهب حيث تشاء ومتى تريد . قلت لها أنى لم أفكر يوما

فى اشتراء سيارة وتمنيت أن تقف جميع المحركات وأن تتحطم جميع السيارات لتبقى هذه الكتلة بجانبى . ضحكت من هذه الفكرة . أرسلتها قهقهة عالية لأنى سأرجع العالم الى الوراء . الى عهد الاحمرة والابل والخيول المطهمة والسيوف والرماح والنبال وسأرمى العالم فى ظلام دامس من أجل فتاة لا أحبها .

ـــ ماذا تضحك ؟ سأدلل أبنى .

ـــ نعم . نعم .

ولكن سأكون سيفا مسلولا على رأسك ورباطا أزليا فى عنقك ، سأقتلك قبل أن ترانى أمى بجانبك ، سأنزع روحك من جسدك قبل أن يصبح لك أبناء ، سأطوق رقبتك الغليظة بأصابعى ثم أضغط . أضغط غير عابىء بتوسلاتك ، غير ناظر الى الدموع التى ستنهمر من عينيك السوداوين ، سأسد أذنى حتى لا أسمع صياحك الذى سيستحيل الى حشرجة مبحوحا لا تلبث أن تنقطع . عندئذ أرمى جثتك على الارض ثم أخرج صائحا : " لقد قتلتها . . أنا قاتل . . أنا مجرم . . قتلتها لأنى لم أر من خلالها أمى أو سعيدة . . نظرت اليها . . ارتمت نظراتى على رقبتها السوداء . عالم كبير . عالم متشعب المسالك يجلس بجانبى . احاول أن اعرف فى أى شىء تفكر لو فكرت بصوت مرتفع لعرفت كل شىء " سيقولون مجنون . سفاك دماء . مسكينة . كيف ومتى عرفها ؟ هذا مصيره الشنق . الاعدام رميا بالرصاص . يجب تطهير المجتمع من هؤلاء المجانين . كيف استطاع قتلها وهو عاجز عن قتل ذبابة ؟ " ثم أرمى  فى زنزانة ضيقة وأتعود على العيش هناك فأنسى العالم والنساء والخمر وكل شىء ، لا أظن أنها تفكر فى مصيرها . انها بدون شك تفكر فى رجل يستطيع أن يشترى لها سيارة فاخرة ويوفر لها كل شىء . أدخلت يدى في جيبى ، تحسست الخاتم الصغير فتذكرت سعيدة . نهضت .

ــ الى أين ستذهب ؟

ـــ لنرجع الى المدينة .

ـــ لماذا ؟

ـــ لا شىء . اجلسى هنا ان اردت ذلك .

غادرت الحديقة يدى فى جيبى . سألبس سعيدة هذا الخاتم . لم تجعل الفعل المضارع يفيد الماضى . ستحبنى يوما . ستحبنى يوما .

اشترك في نشرتنا البريدية