لما لا ندعى أن الشعور بالكآبة شعورا حادا وحده يقف وراء أشعار الشابى ، ولكن نريد أن نؤكد من وراء هذا العمل الدور الكبير الذى أدته هذه الظاهرة فى مشاعر الشابى وفكره فصبغ شعره بسمة مميزة هى سمة الفنان :
بل هو الفن واكتئابه والفنان جم أحزانه وهمومه (51)
ان هذا الشعور الخاص وحده ، كفيل بالحاق الشابى بقصة الحداثة فقد فهم ان الشعر معاناة ذاتية واصغاء لصوت الفنان المنسجم مع صوت الكون وهو ما لم يكن يجد له صدى فى بيئته الفكرية والفنية .
ونحن لا نريد كذلك بهذا العمل ان ندعى ان مقومات هذه الرؤية قد انطلقت فى نفس الشابى من العدم وصارت بذلك تميزه عن غيره ، فدون شك تكونت له هذه الرؤية من الوجود والوجود عبر تجربته الخاصة فى الحياة ونتيجة تاثره ببعض مطالعاته الشعرية من المعرى الى جبران الى لامارتين . ولكن على ذلك لا يمكن القول ان تجربته فى ديوانه صورة من تجربة غيره ، فقد صبغ الشابى مختلف العناصر المؤثرة فى تكوين شخصيته ليطوعها الى ابراز شخصيته الفنية فكان الانزياح والتفرد .
لقد تمكن الشابى فى نظرنا نتيجة هذه التجربة الفذة من ترويض الكآبة فخرجت على يده من مدار الالم والشقاء الى مدار السعادة والانتشاء ، ووجد فيها وطنه المفقود الذى صار يألفه وتحول الى جنته الضائعة متحديا تضاحك الدنيا فكآبته كشفت له رحاب الكون وسره المبطن بسحره :
مهما تضاحكت الدنيا فانى أبدا كئيب . . . (52)
