الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الخالد، قصة للكاتب الأرجنتيني، جورج لويس بورجس

Share

لمحة عن المؤلف

يعتبر حورج لويس بورحس المولود سنة 1899 بمدينة بيونيس ايريس من المع ادباء امريكا اللاتينية شهرة ، واعمقهم ادبا وفكرا واشهرهم لغة واساوبا . وهو اديب جمع بين العلم والفلسفة والبحث .

ويستوحى هذا الكاتب اقاصيصه من الادب نفسه ، لا من الواقع ، ويغرف من الاداب العالمية القديمة الضائعة فيما قبل التاريخ ، او المعاصرة . وبالاضافة الى ذلك ، فهو مفكر بعيد الغور وفنان دقيق الحس ، منمق الكتابة . وهو باختصار كاتب فانتستيكي " فى مذهب القصة المعاصرة .

وقد تقلب بورجس فى بلاده فى مناصب عديدة حتى وصل الى منصب محافظ المكتبة الوطنية بها ، وانتهى حاليا الى وظيفة استاذ جامعة في الولايات المتحدة الامريكية ومحاضر فى عدد من الجامعات الاوروبية الغربية .

كان في اول عهده شاعرا طلائعيا لكنه لم يلبث بعد ذلك ان حاول القصة ، وامعن فيها ، وتجاوز حدودها المعروفة .

وقد تأثر مؤلفنا " بألف ليلة وليلة " والالياذة " والأوديسة واساطير الصين واليابان والهند والفرس وملاحم الحضارات الاروبية والإمريكية القديمة ، وفي وسع القارئ ان يجد ذلك فى كتبه : " تاريخ العار وتاريخ الخلود " والالف " والمتاهات " والأدب الجرماني القديم " والخرافات " وغيرها ٠٠ وقد فاز بورحس بالجائزة الدولية للادب سنة 1961 بالاشتراك مع صامويل بيكيت وكرمه ادباء فرنسا فى سنة 1966 .

وقد اعتمدنا في تعريب الخالد ، الترجمة الفرنسية الجيدة التي قام بها العالم والاديب الفرنسي روجي كايوا " وهذه القصة منشورة فى كتاب " المتاهات ، الصادر عن دار غاليمار للنشر بباريس سنة 1953 .

عرض جوزيف " كارتافيلوس " بائع التحف فى لندن ، اصيل مدينة ازمير التركية ، على الاميرة " دى لوسنج " فى بداية شهر جوان من سنة 1929 " الياذة بوب " ، ( ١ ) وهو كتاب صغير الحجم يقع فى ستة مجلدات ( 1720-1715 ( . فاشترته الاميرة ، وتبادلت معه بعض الكلمات وذكرت لنا ان " كارتافيلوس " كان رجلا متعبا ، ممتقع الوجه ، ذا عينين رماديتين ، ولحية وخطها الشيب ، وملامح باهتة . وكان يستعمل فى حديثه عدة لغات فى سهولة وجهل ، فينتقل ، فى بضع دقائق ، من الفرنسية الى الانكليزية ومن الانكليزية الى خليط غامض من الاسبانية التى يتكلم بها سكان " سلانيك " ، والى البرتغالية التى يتخاطب بها اهل " ماكاو " وعلمت الاميرة ، فى شهر اكتوبر ، بواسطة احد المسافرين على باخرة " زوس " ان " كارتافيلوس " قد توفى عند عودته الى ازمير ، ودفن فى جزيرة " يوس " وقد وجدت الاميرة المخطوطة التالية فى المجلد الاخير من كتاب " الياذة بوب "

وقد حرر النص الاصلى بلغة انكليزية تغلب عليها التراكيب والتعابير اللاتينية . ونحن نملك النسخة الكاملة للمخطوطة .

ابتدات محنى ، حسبما اتذكره ، فى احدى حدائق مدينة " ثيبة هيكاتومبيلوس " ) 2 ( لما كان " ديو كليتيان " ) 3 ( امبراطورا على رومة . لقد عملت ) بدون مجد ( خلال غزوات مصر الاخيرة مدافعا عن حقوق الشعب فى فوج من العسكر كان مرابطا " ببيرينيس " ) 4 ( الواقعة تجاه البحر الاحمر ولقد ابادت الحمى والسحر عددا كبيرا من الجنود الاشاوس الذين كانوا يرغبون فى الزحف على العدو . وانهزم " المور " ) 5 ) . وآلت الامصار التى فتحتها المدن المتمردة على الامبراطورية الرومانية الى آلهة جهنم ، الى ابد الابدين . ولقد ناشدت مدينة الاسكندرية المغلوبة على امرها المغفرة من قيصر ولكن بدون جدوى . وانتصرت الجيوش الرومانية فى اقل من عام ، الا اني لم اخض المعارك الا نادرا ، فالمتني هذه الخيبة ، وربما كانت السبب فى تعلقي باكتشاف مدينة الخالدين السرية عبر الصحارى المبهمة المخيفة

لقد قلت : ان محنى ابتدأت فى احدى حدائق مدينة " ثيبة " . لم انم هناك كامل ليلتى لان اشياء كانت تجيش فى قلبى فاستيقظت قبل الفجر بقليل ، وكان غلماني ، انذاك ، نائمين . وكان لون القمر كلون الرمال اللامتناهية . فقدم من المشرق فارس ملوث بالدماء ، متعب مكدود ، فانزلق من على ظهر حصانه امامي ، وسقط على بعد خطوات منى . وسألني باللاتينية فى صوت ضعيف ملهوف عن اسم النهر الذى يمتد على طول اسوار المدينة ، فاجبته بانه نهر مصر الذى تغذيه الامطار . فقال فى اسى : " انى افتش عن نهر آخر ، عن النهر السرى الذى يطهر البشر من الموت " . وكان ينزف من صدره دم اسود

وقال لى : ان وطنه جبل يقع بالضفة الاخرى من نهر " جنجس " ) 6 ( ، وان الشائعات تفيد هناك ، بانه لو ذهب امرؤ الى اقصى المغرب حيث تنتهى الدنيا فسوف يصل الى نهر تخلد مياهه البشر . واضاف : ان مدينة الخالدين ترتفع على الضفة الاخرى ، وهي غنية بالشوارع ، والمسارح ، والمعابد . ولما مات الفارس قبل الشروق قررت اكتشاف المدينة ونهرها . وسأل الجلاد بعض الاسرى ، فاكدوا ما حكاه الفارس . وتذكر احدهم سهول " الاليزي " ) 7 المترامية فى اقاصى الدنيا حيث تدوم حياة البشر الى ابد الدهر . وتذكر اسير ثان قمم الجبال التى تتبع منها عين نهر " الباكتول " ) 8 ( حيث يستطيع المرء ان يعيش قرنا كاملا . وقد تحادثت فى رومة مع ثلة من الفلاسفة فرأوا بعد جدال : " ان التمديد فى حياة الناس انما هو تمديد فى مدة احتضارهم وزيادة فى عدد موتاتهم " . اني لا اعلم هل انى اعتقدت - ولو مرة واحدة - فى وجود مدينة الخالدين ، اظن انه كان فى استطاعتى ، آنذاك ، ان اعلل نفسي بالبحث عنها . لقد اعطانى " فلافيوس " قنصل " جيتوليا " ) 9 ( مائتى جندى للقيام بهذا الامر . وقد انتدبت ايضا مرتزقة زعموا انهم يعرفون الطرقات لكنهم كانوا اول من فر من صفوف العسكر اثناء الرحلة .

لقد شوشت الاحداث السابقة - الى حد الالتباس - ذكرى رحلاتنا الاولى : اذ دخلنا الصحارى المحرقة بعد ان غادرنا مدينة " ارسينوى " ) 10 ( ، ثم عبرنا بلاد سكان الكهوف " الطروغلوديت " ) 11 ( وهم قوم يقتاتون الاحناش

و يجهلون الكلام . واجتزنا ، بعد ذلك ، بلاد قوم " الغارامنت " ) 12 ( الذين يتشاركون فى زوجاتهم كما انهم يتغذون من لحم الاسود . واخترقنا خيرا ، بلاد الأوجيل " ) 13 ) التى لا يعبد اهلها الا نهر " الترتار " ) 14 ( ولقد اتعبتنا صحار اخرى ذات رمال سوداء من واجب المسافر لاجتيازها ان يختلس ساعات من الليل في السرى لان حر النهار لا يطاق . والفيت عن بعد الجبل الذي يعطي اسمه " للاقيانوس " ) 15 ( : على سفوح نبت اليتوع الذى يستأصل السموم ، وعلى قممه سكن جيل " الساتير " ) 16 ( وهو جنس من البشر الاجلاف المفترسين الذين ينزعون الى الترف . لقد بدا من غير المعقول ان يوجد فى هذه الاقاليم - حيث تلد الارض الغيلان - مدينه من اشهر المدن وابدعها . واستأنفنا سرنا . ورابنا ان الرجوع على اعقابنا عار علينا . لقد نام الجريئون وعرضوا وجوههم لاشعة القمر ، فلفحتهم الحمى لفحا . وشرب اخرون الجنون او الموت من مياه الخزانات العفنة . وهكذا ، بدا الفرار فى صفوف الجند ، واثر ذلك قامت الفتن ، فلم اتردد فى اللجوء الى القوة للقضاء عليها . وحذرني قائد من قواد جندى ان الثوار يتامرون على ) للاخد بثار واحد منهم صلب عقايا له ( . فهربت من المعسكر مع ما تبقى لى من الجنود المخلصين لكنى فقدتهم في الصحراء بين زوابع الرمال ، والليالي العريضة . ومزق جلدى سهم " قريتي 17 ( فهمت على وجهى اياما طوالا بدون ان اعثر على ماء . بل همت على وجهى يوما واحدا زادته الشمس ، والعطش ، والخوف من العطش طولا وهو لا . و تركت امرى لنزوات مطيتى . وقامت الجبال القصية ، عند الفجر ، اهرامات وإبراجا . وحلمت ، بما لا اطيق ، بمتاهة واضحة المعالم ، صغيرة الجوانب تتوسطها آنية ، بدا لي ان يدى لمستها ، وان عينى رأتها ، لكن منعطفاتها كانت جد معقدة ، جد مضيعة ، حتى انى تأكدت باني سوف اموت قبل ان اصل اليها .

وافلحت ، في نهاية الامر ، فى التخلص من هذا الحلم المزعج : كنت موثوق

اليدين ، ملقى فى حفرة صخرية طويلة حفرت في منحدر جبل وعر ، لا تتجاوز مساحتها قبرا عاديا . وكانت حيطانها ندية جلاها الزمان اكثر مما صقلتها صناعة البشر . واحسست بخفقان مؤلم في صدرى ، وشعرت بحرقة العطش فى حلقي . فانحنيت ، وصرخت صرخة لم تسمع . ورأيت عند سفح الجبل جدولا كدر المياه يسيل بلا خرير ، قد عطلته الاحجار والرمال المتساقطة من الجبل . وشاهدت جدرانا ، واقواسا ، وابوابا ، وبطاحا تحملها قاعدة من الحجر . وشاهدت مائة من الحفر الصخرية قد تبعثرت فى الجبل والوادى وآبارا غير عميقة تناثرت فى الرمال ، وقد برز من هذه الحفرة الحقيرة رجال عراة لهم بشرة رمادية اللون ، ولحى مهملة . فظننت انى اعرفهم : انهم من جيل " سكان الكهوف " الحيوانى الذى يعيث فسادا فى شواطئ الخليج العربي والمغارات الاثيوبية . ولم اباغت حين لاحظت انهم لا يتكلمون ، وانهم يلتهمون الاحناش

وشجعتنى حرقة العطش على الذهاب الى الآبار . وتذكرت انى فى مكان يبعد بنحو ثلاثين قدما من الرمال . فاندفعت نحو السفح نازلا : مغمض الجفنين ، مشدود اليدين وراء ظهرى . فأدخلت راسى الدامى فى المياه الداكنة وشربت كما تشرب البهائم . وكررت على مسامعي ، بدون ادراك ، هذه الكلمات اليونانية : " أغنياء " طروادة " ) 18 ( من سكان " زيليا " ) 19 شربون مياه نهر " ايزيب " ) 20 ( السوداء . .

اني لا اعلم عدد الايام والليالي التى مرت بى . لقد تركت القمر والشمس يعبثان بمصيرى التعس ، وانا فى ذلك ملتاع ، عاجز عن ايجاد مخبأ فى الكهوف من جديد ، عار فى الرمال النكرة . ولم يساعدنى " سكان الكهوف فى وحشيتهم الصبيانية - الا على الحياة ولا على الموت . وذلك يوم ، قطعت وثاقى بشفرة صوانة . وفى يوم آخر ، ذهبت أستجدى او اختلس - انا : " مركوس فلا مينيوس روفوس " - المدافع عن حقوق الشعب فى جيش رومانى - أول قسط لى بغيض من لحم الاحناش

كانت رغبتى الملحة فى رؤية الخالدين ، فى لمس تلك المدينة الخالدة التى تفوق قوتها طاقة البشر والتي أقضت مضجعي . ولم يعد " سكان الكهوف ينامون ، هم ايضا ، فكانهم ادركوا نواياى . وفى البدء ، تخيلت انهم يراقبونني ثم استولت عليهم حيرتى فصاروا كالكلاب . وعزمت على مغادرة هذه القرية المتوحشة . فاخترت لذلك اوضح ساعة من النهار : وهي ساعة غروب

الشمس عند ما يخرج جل هؤلاء الناس من الحفر والآبار ليروا الاصيل بدون ان ينظروه وصليت بصوت جهورى عال ، لا لادعو الاله بل لادخل الرعب فى قلوب هؤلاء المتوحشين بكلام واضح النبرات . واخترقت الجدول الذي تعطل مياهه الكثبان ، واتجهت نحو المدينة . واقتفى اثرى ، فى ريبة ، شخصان او ثلاثة متوسطو الطول . فلم اشعر حيالهم بالخوف ، ولكن بالاشمئزاز . ووجب علي ان أطوف ببعض الكهوف ذات المنعطفات المخشوشنة التى بدت لى كانها مقاطع من الحجر . واوقعتنى عظمة المدينة فى الخطأ : فظننت انها قريبه منى كل القرب ، لكنى بقيت ، الى منتصف الليل ادوس ظلال جدرانها السوداء التى رسمت على الرمال الصفراء اشكالا من الاصنام . واستولت على رهبة مقدسة . وفرحت بمراقبة ذاك المتوحش " ساكن الكهوف " الى نهاية الطريق ذلك اني اعلم ان الانسان لا يتحمل المجهول ، ولا يطيق الصحراء . وانمضت حفني ، وترقبت ، بدون ان انام ، ضياء الصباح

لقد قلت : ان المدينة ترتكز على قاعدة صخرية . ولم تكن هذه القاعدة التى نشبه الصخور الشامخة اقل مناعة ووعرا من الاسوار نفسها . فاتعبت فيها كل جهودى : ولم اعثر على اى انحراف فى هذه القاعدة السوداء المرتفعة وبدت لى الجدران المتشابهة فى هندستها انها لا ترغب فى ابراز باب من الابواب . واجبرتني قوة النهار على الدخول الى كهف ، وجدت فى قاعه بئرا وفي البئر سلما غاص في الظلمات السفلى . فنزلت ووصلت عبر خليط من الاروقة العفنة الى غرفة مظلمة ، واسعة الارجاء ، مستديرة الشكل . ورأيت ان لهذا الدهليز تسعة ابواب : ثمانية منها تفتح على متاهة تقود ، بدورها فى شئ من المكر الى الغرفة المظلمة ، والباب الاخير يفتح على غرفة ثانية : مستديرة الشكل ، تشبه الاولى تمام الشبه ) وذلك بفضل متاهة اخرى ( . اني لا اعلم مجموع عدد الغرف ، فسوء حظى والضيقة التى استولت على زادا في عددها . وكان السكون المريع معاديا لى . ولم يكن هناك من صوت فى هذه الشبكة الحجرية الا هبوب ريح تحت الارض لم اتبين مصدرها . وتسللت خيوط من المياه الصدئة فى الكهوف بدون خرير . وبدأت اتعود ، فى روع بهذا العالم المشبوه فيه . وبدا لى من المحال ان لا توجد الا سراديب ذات نسعة ابواب ، ودهاليز طويلة كلما امتدت زادت تشعبا . انى اجهل طول الوقت الذى قضيته فى السير تحت الارض . لكنى اعلم انى لم استطع التمييز بين قرية المتوحشين المفزعة وبين مسقط رأسى بعراجينه

ولقد صدني عن مواصلة السير جدار غير منتظر قام فى نهاية الرواق يضيئه نور بعيد . فرفعت عيني المبهورتين ، فالفيت فى اسمى اسمي العلو دائرة من السماء شديدة الزرقة بدت لى فى آخر الامر ارجوانية اللون . فتسلقت ذاك الحدار العالي بدرجات معدنية . لكنى صعدت ، ولم اتوقف عن الصعود الا لكى اجهش بالبكاء الحار في غباوة ، من شدة الفرح . صعدت ، وانا اتأمل التيجان العمودية ، والواجهات المثلثة ، والقباب الملتبسة الزينة التى بنيت

من الغرانيت والرخام . وامكن لى بهذه الصفة ان اخرج من امبراطورية المتاهات السوداء العمياء الى المدينة المشرقة اللامعة .

وضعت قدمي فى شبه بطحاء ، بل فى ساحة ، كانت محاطة ببناية مفردة ذات شكل هندسي مضطرب وطول مشوش بقباب وسوار متبانية . وكان اول ما انتبهت اليه فى شان هذا المعلم الغريب هو هندسته القديمة . فادركت ان هذه البناية سبقت الانسان ، اقيمت قبل ان تسوى الارض . وظهر لي ان هذا القدم البارز ( المخيف بالنسبة للناظر اليه ( يستحق ان يعد من عمل صناع خالدين . وهمت على وجهى فى المدارج والمعابر المبلطة فى هذا القصر المتشعب البنيان ، حذرا فى البدء ، غير مبال بعد ذلك ، يائسا فى النهاية ثم لاحظت اضطراب عرض الدرجات وعلوها . فادركت التعب الغريب الذي احدثته فى . وفكرت قائلا فى البداية : " ان هذا القصر من عمل الالهة "

واستكشفت الغرف القفراء ، ثم صحت رأيي وقلت : " ان الآلهة التى اقامته قد ماتت " . ولاحظت خصائص هذه الغرف وقلت : " ان الآلهة التى شيدته قد كانت مجنونة " . ومن المتاكد انى فهت بهذا الكلام في انكار غير واع كان بمثابة الندم ، او الهلع الفكرى يتجاوز الخوف الحسى . وبالاضافة الى ما يشعر به المرء من قدم حيال هذا القصر الذى لا يمكن للانسان ان يتصوره بشعر نحوه بالا محدود ، وبالفظاعة ، وباللامعنى المطلق . لقد مررت بمتاهة الا ان مدينة الخالدين الواضحة وضوحا كبيرا بعثت فى قلبي الهلع ، وجعلت جلدى يقشعر منها تقززا . . ان المتاهة هى شىء يقام حسب غرض من الاغراض لخزى البشر ، وان هندستها الغزيرة فى تناسقها ترمز لذلك الغرض اما هندسة القصر الذى لم أستشف منه الا القليل فقد كانت خلوا من اى رمز ولم تعترض المرء فى هذا القصر الا اروقة لا مخرج لها وشبابيك عالية لا يمكن الوصول اليها ، وابواب عظيمة تفتح على زنزانة او على بئر ومدارج معكوسة عجيبة ذات درجات " ودربوزات " متجهة الى الاسفل ، و درجات اخرى واقفة فى الفضاء ، قد ضبطت بحاجز جدارى مهول لا ينتهى الى غاية ، وصلت الى الظلمات العليا فى القباب . اني لا اعلم هل ان هذه الأمثلة كاملة . ولكنى اعلم انها قد اكتظت بها احلامي المزعجة طوال سنوات عديدة . كما انى لا اعرف معرفة اليقين ما هى الجزئية التى تصور الواقع تصويرا حقيقيا ، وما هى الجزئية التى ترسم الاشكال التى نالت من ليالي . وفكرت وقلت : " هذه المدينة المريعة بوجودها وديمومتها تتفشى العدوى منها الى الماضي والي المستقبل وقد تؤثر فى الاجرام السماوية ولو انها مقامة فى صحراء مجهولة وما دامت هذه المدينة قائمة ، فلن يكون اى انسان فى هذه الدنيا سعيدا او شجاعا " انى لا اريد ان اصفها ، فهى خليط من الكلام المشتت ، وهي جسم نمر او ثور ، تشتبك فيه فى بشاعة ، وتكالب ، وتنافر الاسنان والاعضاء والرؤوس مما يمكنها من اعطاء صورة تقريبا لمدينة الخالدين

انى لا اتذكر كيف عدت عبر تلك الدواميس الرطبة الغبراء ، سوى انى حين

خرجت من اخر متاهة وقعت ساعة طعمة الخوف الشديد ، وذلك بعد ان تبينت اني مازلت محاطا بمدينة الخالدين المنحوسة . لا اتذكر اليوم اكثر من ذلك شيئا . فهذا النسيان الذي لم يقهر بعد ربما كان اراديا ، ربما كانت ظروف فراري جد مؤلمة حتي اني اقسمت علي نفسي في يوم لن انسه ان امحو هذه الظروف من حافظتى

II وتذكر الذين قرأوا بانتباه قصة محنى ان رجلا من رجال القبيل قد اقتقى اثري كالكلب يتبع خطاى ، الى ان اشرفت على ظلال الجدران المشوشة وجدت هذا الرحل عند مدخل الكهف حين خرجت من آخر داموس : كان مضطجعا علي الرمال يرسم عليها بغباوة سلسلة من العلامات ثم يمحوها ، وكانت كالحروف التى نشاهدها فى الاحلام ، بحيث نكون على وشك فهمها لكنها لا تلبث لحظة حتى تختلط . فظننت ، لاول وهلة ، انها كتابة وحشية ثم ادركت انه من العبث ان اتصور قوما يستطيعون الكتابة ولم يصلوا بعد الى الكلام . وبالاضافة الى ذلك فلم تكن اية علامة من هاتيك العلامات لتطابق الاخرى ، وهذا ما ينفي عنها صفة الرمز . كان الرجل يرسمها ، وينظر اليها ثم يصححها . وبغتة ، محاها براحته وببطن ذراعه كان اللعب قد اضجره                                                                                                                                                                                                                                          ونظر إلى بانتباه بالغ ، فلم يبد له انه عرفنى . لقد كان الفرج يغمر وجهى بشرا ) او كانت وحدتى عظيمة ورائعة جدا ( حتى انى تصورت ، بلا ريب ، ان ساكن الكهوف " هذا الذي يصوب نظره الى قد كان فى انتظارى كانت الشمس تبعث الدفء فى السهول ، والرمال لا تزال محرقه تحت اقدامنا عند مطلع النجوم الاولى . وكان " ساكن الكهوف " يسبقني . وفكرت ان اعلمه في هذه الليلة بعض الكلمات ، وإن امكن ، ان اكرر على مسامعه لفظة او لفظتين كى ترسخا فى ذهنه ) وقلت في نفسي ( : ان الكلب او الحصان يقدران على التجربة الاولى ، وان عددا من العصافير ، ولاسيما البلابل منها تستطيع ان تقوم بالتجربة الثانية . ومهما تكن قوى الادراك عند الانسان بليدة ، فانها تفوق دائما قوى الادراك عند الكائنات غير العاقلة

لقد ذكرتني حقارة " ساكن الكهوف " وبؤسه الصورة التى رسمها " هوميروس " فى كتاب " الاوذيسة " لارغوس " الكلب العجوز المدنف . فاطلقت عليه هذا الاسم . وحاولت تعليمه اياه . فاخفقت اكثر من مرة . وذهبت الحيل والحزم والاصرار ادراج الرياح . ولم يبد لى فى سكونه وشخوص عينيه انه كان يسمع الاصوات التى كنت اسعى الى ارساخها فى ذهنه . لقد كان قابعا بجانبي ، لكن يبدو بعيدا عني كل البعد . كان جاثما فوق الرمال كأبى الهول ولكنه صغير الحجم كأنه نحت من حمم البراكين وقد ترك السماوات تحوم عليه كامل الليل والنهار . ورأيت انه من المحال ان يكون غير مدرك لغرضي . وتذكرت ، آنذاك ، الاثيوبيين الذين اقتنعوا با

القردة لا تتكلم قصدا لكيلا تجبر على العمل . وعزوت صمت " ارنوس " الى الشك او الخوف . وانتقلت من هذه الفكرة الى فكر اخرى لا تقل غرابة وهوسا من الاولى . وفكرت فى - انى " وارغوس " - ننتمي الى عوالم يتميز بعضها عن البعض ، وفكرت في انه ربما لا يوجد شىء بالنسبة اليه ، بل ليس لديه الا ارتسامات تتحرك على الدوام جيئة وذهابا ، عجلى على الدوام وفكرت في وجود عالم بلا حافظة ، بلا ديمومة . ونظرت فى امكانية وجود لغة تجهل المصادر والنعوت ، وفي احتمال استعمال لغة ذات افعال مبنية كلها للمجهول ونعوت ممنوعة كلها من الصرف . وهكذا تموت الايام ومع الايام السنون ، الا ان شيئا يشبه السعادة حدث ذات صباح . فلقد نزل المطر نزولا شديد البطء .

قد تكون ليالي الصحراء باردة ، لكن هذه الليلة تتقد كالجمر . رأيت فى الحلم ان نهرا من انهار " ثيساليا " ) 21 ( اليونانية ) الذى اعدت لمياهه سمكة ذهبية ) سيأتي فينجيني . لقد سمعته يقترب منى على الرمال الحمراء والصخور السوداء . أيقظتني برودة الهواء ، ووقع المطر المضطرب . فعدوت استقبله عاريا ، واوشكت الليلة على النهاية . وكانت القبيلة سعيدة مثلى تحت السحب الذهبية التى تمنح المطر الحي في غبطة قصوى . فكانها ازهار وحشية مسها الرب . وكان " ارغوس " يتنهد ، وهو ينظر الى السماء فى شخوص . وكانت جداول تسيل على وجهه لا من المطر فحسب ) وهذا ما علمته فيما بعد ( بل بل من الدموع ايضا . فصحت : " ارغوس ، ارغوس "

وهمهم " ارغوس " بكلمات فى شىء من التعجب كانه عثر على شئ فقده او نسه منذ دهر ، فقال : " أرغوس كلب او ليسيس " . ثم قال بدون ان ينظر الى : " هذا الكلب الجاثم على المزابل "

اننا نقبل الحقيقة بيسر ، لاننا ربما نشك فى وجود حقيقة للأشياء . وسألته عما حفظه من " الاوذيسة " ، واعدت عليه السؤال لان استعمال اليونانية مؤلم بالنسبة اليه .

فأجابني : " حفظت منها النزر القليل ، اقل من النشيد الاخير . . . اني خلقت " الاوذيسة " منذ الف ومائة عام " .

IV لقد اتضح لى كل شئ في ذلك اليوم . " فسكان الكهوف " هم الخالدون . وادركت معنى المياه الصدئة فى الكهوف ، والنهر الذى كان يبحث عنه الفارس . اما المدينة التى ذاع صيتها الى ما وراء نهر " جنجس " ، فان

الخالدين قد خربوها منذ تسعة قرون . وشيدوا بانقاضها فى نفس الموضع المدينة الغربية التى جلت فيها : وهي ضرب من السخرية او لون من الوان الاضداد حيال المدينة الاولى ، وهى فى نفس الوقت معبد لآلهة غير عاقلة تدير شؤون الكون لا نعلم من امرها شيئا سوى انها لا تشبه الانسان . ان هذه المدينة فى آخر رمز تنازل عنه الخالدون . وهذا الرمز يعد مرحلة قرروا اثناءها العيش فى التأملات الفكرية الخالصة . وأدركوا بطلان كل عمل فشيدوا البناء ثم نسوه ، وراحوا بعد ذلك يتوارون فى شقوق الارض ، فساخوا فيها ، ولم يعودوا يحسون بالعالم الطبيعى الا قليلا

كان " هوميروس " يحدثني عن كل شئ ، كما لو كان يحدث صبيا : فحدثني عن شيخوخته ، وعن آخر رحلة قام بها تحضه على ذلك ، كما حثت " أوليسيس " من قبل ، فكرة الوصول الى البشر الذين لا يعرفون ما هو البحر الى البشر الذين لا يتصورون قط ما هو المجداف . لقد سكن " هوميروس " قرنا كاملا في مدينة الخالدين ، ولقد اشار بتشييد المدينة الاخرى بعد ان خربت المدينة الاولى . وينبغى ان لا تباغتنا هذه الاشارة اذا علمنا بانه تغنى بحرب الضفادع والبرابيع بعد ان انشد حرب " طروادة " انه لشبيه بالرب الذي يخلق الكون ثم يخلق الفناء

لا معنى للكائن الخالد . فما من شئ الا وهو خالد عدا الانسان ، اذ كل شئ يجهل الموت والانسان الذي يعلم انه خالد يعلم ذلك بألوهية ، وبروع مهول ، وبعدم ادراك . وقد لاحظت ان مثل هذا الاعتقاد نادر جدا رغم وجود الاديان . فاليهود ، والنصارى ، والمسلمون يؤمنون بالخلود ، لكن تقديسهم الحياة الدنيا يدل على انهم لا يؤمنون الا بها اذ انهم يجازون الانسان او يعاقبونه فى الحياة الآخرة . واني لارى " عجلة " بعض اديان الهند اكثر منطقا من سواها . فكل حياة فى هذه العجلة هي نتيجة لحياة سابقة لها ، وهي ايضا والدة الحياة التالية ، دون ان تحدد أية منها مجموع الحيوات . . . ولقد تدربت جمهورية الخالدين على مدى القرون ، فاكتسبت بذلك حنكة حتى انتهت الى درجة من التسامح حسنة ، او الى مستوى يكاد يكون ازدراء . وهي نعلم ان كل شئ ينال كل انسان فى زمان لا نهاية له ، وان كل انسان يجازى خيرا على كل فعاله الفاضلة الماضية منها والقادمة ، ويعاقب على كل جرم اقترفه فى الماضى او يرتكبه فى المستقبل . وهكذا نرى ان الارقام فى القمار - فرد وزوجا - تنزع الى التعادل . وهكذا ايضا تلغي الفطنة والبلادة بعضهما البعض . وقو يكون قصيد " السيد " ) 22 ( الفج مقابل ما تتطله صورة شعرية واحدة من ديوان " رونسار " ) 23 ( او ما تقتضيه حكمة واحدة

من حكم الفيلسوف " هيراكليت " كى تتعادل كفتا الميزان . وان أطرف فكرة تخضع لغرض خفي ، ويمكن لها ان تتوج شكلا سريا او ان تبدأه . وانى اعرف من الناس من يفعل الشر كى ينجم عنه الخير فى القرون الآتية او فى العصور الفائتة . . . ففي هذا المعنى ، تكون كل فعالنا عادلة ، لكنها غير مبالية بشئ . وانه لا وجود لمزايا اخلاقية او فكرية : لقد صنف " هوميروس "الاوذيسة " ، ويستحيل الاينظم هذا الديوان ولو مرة واحدة بعد ان منح أجلا لاحد للوقت فيه واحيط بظروف وملابسات لا حد لها اعانته على تأليفه . فلا احد لا يكون لا احد . والانسان الخالد الواحد هو كافة البشر . وانى اقول كما قال " كورناى أغريبا " من قبل : انا الاه ، انا بطل ، انا فيلسوف ، انا شيطان ، انا عالم . وهي طريقة مضنية فى القول بان لا اكون

كان للمفهوم القائل بان العالم نظام محكم التعويضات الاثر العميق فى نفوس الخالدين . فلقد جعلهم ، فى المقام الاول ، لا يحفلون بالشفقة . لقد ذكرت آنفا مقاطع الحجر القديمة التى تفتح على البادية بالضفة الاخرى من نهر " جنجس " . لقد سقط فى اعماقها رجل لم يكن فى مستطاعه ان يخرج منها او يموت ، لكن العطش كان يحرقه ، وقد مرت ستون عاما قبل ان يلقى اليه بحبل لاخراجه منها . كان المصير الشخصى لا يهم ايضا ، ذلك ان الجسم حيوان اهلى داجن ، وكان يكفى ان يتصدق عليه فى كل شهر ببضع ساعات من النوم ، وبقليل من الماء وبمضغة من اللحم . وعلى كل ، فاننا لا نريد ان يحط من شاننا احد فيضعنا فى منزلة النساك . لا وجود للذة اكثر تشعبا من لذة الفكر ، اذ اننا خصصنا لهذه اللذة حياتنا كلها . وفى بعض الاحيان ، يردنا احساس جد حاد الى العالم الطبيعى . ومثل ذلك ما جرى لنا فى هذا الصباح حين فرحنا بالمطر فرحة بدائية قديمة . الا ان هذه الاحاسيس نادرة جدا وان الخالدين يستطيعون ان يكونوا فى طمأنينة تامة . انى اتذكر احدهم لم أره واقفا البتة : ذلك ان عصفورا وضع عشه على صدره

ومن بين الاراء الناتجة عن العقيدة القائلة بانه الا وجود لشئ الا عوضه شئ اخر : رأى له اهمية تافهة ، لكنه دفعنا فى موفى القرن العاشر او بدايته الى التشتت فى اقطار الدنيا . ويقول هذا الراى : " يوجد نهر تهب مياهه الخلود ، فيجب اذن ان يوجد فى بعض بقاع العالم نهر آخر تمحو مياهه ذاك الخلود " . ولا حصر لعدد الانهار ، فالمسافر الخالد الذى يجوب البلاد سوف يشرب لا محالة ، فى يوم ما من كل الانهار . وانا قد اقررنا العزم على اكتشاف هذا النهر

ان الموت ) او الحديث عنه ( يجعل الانسان ثمينا ويبعث على التأثر ، وان مصيره الشبحى يجلب الشفقة . فكل عمل ينجزه قد يكون الاخير ، فلا وجود لوجه اصدق من وجه الحلم عند غيبوبته ، والناس فى الدار الفانية يرون ان كل

شئ لا رجوع له ولا عودة . اما الخالدون ، فانهم يرون عكس ذلك : يرون ان ان كل عمل ( او فكرة ) هو صدى للاعمال التى سبقته فى الماضى او هو الفال الصادق للاعمال التى ستكرره فى المستقبل الى حد الاغماء . لا يضيع شئ بين انعكاسات مرايا لا يحصى عدها . ولا يحدث شىء مرة واحدة ، ولا وجود لشئ زائل بصفة ثمينة . ولا يؤبه البتة لكل ما يتصف بالشفقة ويتسم بالتزمت ، ويتخصص بالعادات . لقد افترقنا - انا " وهوميروس " - على ابواب طنجة ، واظن انه لم يودع احدنا الاخر

وطفت في ممالك وامبروطوريات اخرى . وقد حاربت فى خريف سنة 1066 على قنطرة " ستامفورد " ) 24 ( . وانى لا اتذكر الآن هل كان ذلك فى جيش * هارولد " ) 25 ( الذي لم يلبث زمنا حتى لقى حتفه ، ام فى صفوف " هارلد هاردرادا " ) 26 ( النكد الحظ الذى غزا يومئذ ستة اقدام من الاراضى الانكليزية او ما ينوف عن ذلك بقليل . ولقد نسخت فى القرن السابع للهجرة باحد ارباض " بولاق " بخط مطمئن ، وبلغة نسيتها ، وبأبجدية اجهلها رحلات " السندباد البحرى " السبع ، وخرافة " مدينة النحاس " . ولقد لعبت الشطرنج كثيرا فى ساحة سجن " بسمرقند " ، ودرست علم الفلك فى " بيكانير " ) 27 ( وفى " بوهيميا " ) 28 ( ايضا . وفي سنة 1638 اقمت " بكولوزسفار " ) 29 ) ثم " بلايبزيغ " ) 30 ) وفى سنة 1714 اشتركت " بأبردين " فى شراء المجلدات الستة " لالياذة بوب " ، انى اعلم انى كنت ، فى ذلك العهد اطالعها فى متعة . وحوالى سنة 1729 تناقشت فى اصل " الالياذة " مع استاذ فى البلاغة اظن ان اسمه " جيا مبا تيستا " . وبدت حججه ، آنذاك ، لا تقبل الدحض . وفي 4 اكتوبر 1924 ، اضطرت الباخرة " باتنا " التى كنت مسافرا عليها الى " بومباى " الى الارساء باحد موانى " أريتيريا " ) 31 ) . فنزلت . وتذكرت اصابيح اخرى ، بعيدة العهد عشتها كذلك تجاه البحر الاحمر يوم كنت مدافعا رومانيا عن حقوق الشعب ويوم كانت الحمى والسحر والعطلة تفتك بالجند . وكان فى نواحي هذا الميناء جدول صافي المياه . فشربت منه مدفوعا بالعادة . ولما صعدت الضفة

مزقت ظهر يدى اشواك شجرة صغيرة . وبدا لى انى احسست احساسا حادا بألم لم اتعوده من قبل . ورأيت قطرة دم ثمينة تتكون ببطء ، وانا فى اثناء ذلك مدرك ، صامت ، جذلان . فقلت وكررت : " اني عدت من جنس البشر الذين يموتون ، انى مثل البشر من جديد " ونمت هذه الليلة الى مطلع الفجر كسائر الناس

اعدت قراءة هذه الصفحات بعد سنة وأؤكد لنفسي انها لا تخون الحقيقة . لكن يبدو لى انى احسست بشئ مخطئ فى الفصلين الاولين ، وحتى فى بعض الفقرات من الفصول الباقية . ربما كان ذلك نتيجة جزئيات وتفاصيل امعنت فى استعمالها ، هذه الطريقة التى تعلمتها عن الشعراء ، والتي تبين ان كل شئ خاطئ ، ذلك ان مثل هذه التفاصيل والجزئيات موجودة بكثرة فى الواقع ، ولكن لا وجود لها فى الحافظة . . وعلى كل ، اظن انى اكتشفت سببا مختفيا شديد الاختفاء . سأقوله ، ولا يهمنى ان اتهمت باني غريب الآراء والافكار : ان الحكاية التى رويتها تبدو غير واقعية لان الاحداث التى جاءت فيها متشابكة قد جرت على شخصين مختلفين . ففي الفصول الاولى ، يريد الفارس معرفة اسم النهر الذي يحيط باسوار مدينة " ثيبة " ، وقد قال " فلامينيوس روفوس " الذي اعطى من قبل صفة " هيكاتومبيلوس " الى المدينة المذكورة : " ان النهر هو مصر " ، فهذا التعبير ليس من عنده ، بل هو * لهوميروس " الذى تحدث فى " الالياذة " عن " ثيبة هيكاتومبيلوس " وهو الذي يقول ايضا مصر عوض النيل فى " الاوذيسة " على لسان " بروتي و"اوليسيس " ونطق الرومانى حين شرب المياه الخالدة بكلمات يونانية فهذه الكلمات هى هوميرية . ويستطيع القارئ ان يجدها فى كتاب " قائمة السفن " الشهير . وتحدث هذا الرومانى بعد ذلك فى المتاهة عن : " انكار غير واع كان بمثابة الندم " فهذا التعبير " لهوميروس " وهو الذي صنع هذا التعبير الشائن . ولقد أزعجني مثل هذه الاخطاء . ومكنتني اخطاء اخرى جمالية الصفة من اكتشاف الحقيقة . فهذه الاخطاء موجودة في الفصل الاخير حيث كتب : " وعملت على قنطرة " ستامفورد " . . ونسخت فى بولاق رحلات السندباد البحرى السبع ، واشتركت " بأبيردين " فى شراء " الياذة بوب " . " ويمكن للقارئ ان يقرأ ايضا : وفي " بيكانير" درست علم الفلك وكذلك فى " بوهيميا " . فكل هذه الشهادات صحيحة ، الا انه من المهم بمكان ان تم توضيحها . ويظهر لنا ان الحدث الاول هو من عمل رجل محارب ، لكن سرعان ما يدرك القارئ ان المؤلف لا يهتم بامور الحرب ، بل بمصير الانسان . اما الاحداث الباقية فهى اكثر غرابة . وقد اجبرني على سردها سبب غامض ساذج . فرويت ذلك ، وانا اعلم انها تثير شعورا مشبوبا في نفس القارىء وانها ليست كذلك لو قيلت من قبل " فلامينيوس روفوس" الرومانى ، وانها كذلك لو قيلت من قبل " هوميروس " . ومن الغريب ان

ينسخ هذا الشاعر اليونانى في القرن الثالث عشر ) ميلادي ( مغامرات السندياد البحري الذي بعد " أوليسيس " آخر ، وان يكتشف عند منعطفات قرون عديدة وفي مملكة شمالية وفي لغة متوحشة اشكال " الالياذة " ) 33 ( . اما الجملة التى جاء فيها اسم " بيكانير " ، فلا شك ان القارىء يلاحظ انها من صنع اديب يريد ان يجد سوقا لبضاعته اللغوية كما فعل صاحب كتاب " قائمة السفن " ) أ ( .

حين تقترب النهاية لن تبقى الا صور الذكرى ، لن تبقى الا الكلمات . وليس من الغريب فى شئ ان يبين النرمان الذين حشروني مع من كانوا رمزا لمصير الانسان الذي رافقني طيلة قرون عديدة . لقد كنت " هوميروس " ، وعما قريب سأكون لا احد ، ثم سأكون كل البشر اى سأكون ميتا .

اشترك في نشرتنا البريدية