الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

الخط العربى ، وميزته على خطوط العالم

Share

الفنون الجميلة من مستلزمات الحضارة والمدنية ، ومن البراهين الدالة على تقدم الامم والشعوب ، وهي لا تكاد تنحصر لكثرة تنوعها وتعدد نواحيها ، غير ان أبرزها واسماها - الخط ؛ الزخرفة ، النحت ، التصوير ، الهندسة . ولكل مما ذكر أنواع وأشكال معروفة عند أربابها .

والجمال يدخل فى كل شئ من الموجودات لكن لا يميزه الا من لطف طبعه ورق احساسه ، أما غليظ الطبع وكثيف الحجاب فهو لا يفقه شيئا مما حوله

والذي نفسه بغير جمال        لا يرى في الوجود شيئا جميلا

والذي يهمنا بحثه الآن من هذه الفنون الجميلة هو " الخط العربي " اجابة لرغبة صديقنا المفضال الاستاذ عبد القدوس الانصاري صاحب ومدير " مجلة المنهل" لازال موفقا فى ابحاثه القيمة ولازال " منهله " جاريا فى الافطار .

فالخط العربي بالاختصار مولده ومنشأه بلاد العرب ، وكان نوعا واحدا وهو الخط الكوفي - لكن لم يكن بالغا في الاتقان والجودة أول الامر لأن البداوة كانت غالبة على العرب . فاخترعوا للخط الكوفي صوراشتى حتى بلغت أنواعه اكثر من عشرة ، وادخلوا عليها من الزخارف والنقش ماجعلها آية فى الحسن والجمال تأخذ بالألباب ويقف عندها الفنانون حياري الى يومنا هذا .

ثم من بعد القرن الخامس تقريبا آخذ الخط العربي يتطور تطورا جديد ويخرج من قالبه الكوفي الى اشكال وصور لم تكن فى الحسبان ، واخترعوا خطوطا متعددة ، ووضعوا لكل نوع اسما خاصا يتميز به ، وجعلوا له قواعد في غاية الاحكام على انه مهما تنوع اشتقاقهم لها ، واختلفت اساليب ابتكارهم فيها لم يخرجوا عن أصلها ولم يغيروا ذاتها ، وإلا لكانت نسبة الخط الى العرب منتقلة اليوم الى غيرهم .                                            ٥٩

ثم جاءت دولة الاتراك فاعتنت بالخط العربى ايما اعتناء ، حتى كان سلاطينهم يشتغلون فيه بأنفسهم ، ويبالغون في تقدير الخطاطين وا كرام الفنانين ، ويبذلون المبالغ الطائلة في اقتناء الآنار الخطية - وبذلك ترعرع الخط العربي عندهم وبلغ من المنزلة والاتقان والحسن ما لم يبلغه في أى زمن

ثم لما هجروا في نهضتهم الحديثة - من عصرنا الحاضر الحروف العربية وحرموا استعمالها فى مملكتهم قيض الله عز شأنه ، الدولة المصرية لخدمة الخط العربى ، فبذلت مجهودا عظيما برعاية مليكها السابق فؤاد الاول رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته ، حيث أمر بفتح مدرسة خاصة لتعليم كافة أنواع الخطوط العربية بما يتعلق بها من التذهيب والزخرفة والنقش ، ومنذ خمس وعشرين سنة الى يومنا هذا وهي تخرج سنويا طائفة من الخطاطين الفنيين .

والسبب في أخذ الخط العربي في التطور والتحسين منذ بدء الاسلام ، اشتغال الناس به كثيرا فى تدوين الاشعار والتواريخ وسائر العلوم العربية ، بل إن الفضل الا كبر والأثر الاعظم هو " للقرآن الكريم " حيث لا يستغني عنه مسلم للتعبد به وتلاوته آناء الليل واطراف النهار ، فكانوا يعتنون بكتابته وكتابة اجزائه وسوره ، وينمقونه بالتذهيب البديع والنقض الجميل ولا يزال جملة من هذه المصاحف الأثرية اللطيفة باقية فى دور الكتب الاسلامية الى اليوم

ثم لما ظهرت المطابع والآلات الكاتبة وشاع استعمالهما فى الاقطار ودواوين الحكومات ، ضعفت هم الناس وقل اعتناؤهم بالخط حتى ان بعضهم ليقول اليوم : " خير الخط ما قرىء

ولكن الناقد البصير الناظر لعواقب الامور ، يعتقد أنه سيأتي على الناس زمان لا يقدر رجل ان يكتب خطا جميلا على القواعد المعروفة الآن كما تكتبه البقية الباقية من رجال اليوم ، وستكون هذه الخطوط الجميلة من جملة الآنار المحفوظة التى لا يمكن تقليدها والاتيان بمثلها - اللهم الا اذا تيقظ بعض الامم العربية " وجهوا عنايتهم الى هذا الفن البديع الذي كاد يقضي عليه فيندثر .

لا ريب أن الخط العربي هو أجمل خطوط العالم على الاطلاق فان له س حسن شكل وجمال صورته وبديع هندسته ماجعله مفضلا ومحترما حتى عند الغربيين بل إن عقلاء الافرنج ونوابغهم يدافعون . عن لغة العرب وخطوطهم خير دفاع ، لاحبا فيهم ولكن اعترافا بالفن الجميل حيث كان .

ونحن لاندافع عن الخط العربي لغيرة دينية أو لحمية قومية فحسب ؛بل ندافع أيضا بالادلة الفنية والبراهين المعقولة ، فالخط العربى يمتاز عن غيره من الخطوط الاجنبية بجملة أمور .

أولها : قبوله ان يرسم بأي شكل هندسي وبأية صورة زخرفية فنية ، فهو طوع يد الفنان الماهر والمبتكر النابغ المبدع ، ولذلك نجد له منذ بدء الاسلام إلى اليوم اكثر من مائة نوع ، وليس له حد يقف عنده " مع العلم انه لايطرأ على معالمه الاصلية أى تغيير وتبديل مهما تضمت اقسامه .

وثانيها : ان الحروف العربية صالحة لأن تقوم مقام الارقام الحمابية على الوجه الأتم ، وهذا ما يطلقون عليه " الحساب الأبجدي فان بعضهم فضل حساب الحروف العربية على الارقام الحسابية للاختصار وامكان نظمها وحفظها ، حتى ان علماء الفلك المتقدمين يستعملونها فى تآليفهم النظمية في علم الميقات ، بر ان بعضهم الى اليوم يستعملونها فى ضبط تواريخ الحوادث ، فمن ذلك المثل السائر فى المشمش وأصله ان بعض الظرفاء سئل عن تاريخ موت السلطان برقوق فقال : " فى المشمش أي انه مات رحمه الله سنة ٨٠١ هجرية - وفي هذه الاجابة نكتة لطيفة أخرى وهي أن كلمة " برقوق " تطلق بمصر على الفاكهة التى نسميها فى الحجاز : " بخاري فكانت الاجابة من جنس اسم السلطان مع دلالتها على تاريخ وفاته .

وثالثها : ان الحروف الهجائية ثمانية وعشرون حرفا تؤدى معاني اللغة العربية على الوجه الأتم ، طالما نجد ان بعض لغات العالم تشتمل على أكثر من مائة حرف وفي بعضها تزيد عن ذلك وفي بعضها تنقص ، ومن المعلوم بالضرورة انه كلما قلت حروف لغة كانت اسهل تعليما وأقرب فهما ، بل وأيسر كلمة وأقل تعبا فى فن الطباعة والكتابة اليدوية

ورابعها : أن الخط العربي متصل الحروف بعضها ببعض ، وهذه ميزة فنية كبرى ليست فى كثير من لغات العالم ، فالصحيفة الواحدة بالكتابة العربية إذا ترجمت الى لغات افرنجية تستلزم صحيفتين أو اكثر خصوصا اذا كانت في المطابع ، فان انفصال حروفهم عن بعضها وطول هيئتها وامتدادها ، فضلا عن كثرتها فى لغاتهم ، تؤدى الى خسارة زائدة في نفقات الطبع ، وفي كمية الورق ، وفي الحبر وأجور العمال ، مع ضياع وقت كبير ، ونحن فى عصر السرعة والاقتصاد ، والنشاط والابتكار ، ويمكن معرفة ذلك بكتابة جملة صغيرة بالخط العربي والانجليزي والفرنسي والايطالي والحبشى وغيرها ، ومقارنة المساحة التى اخذتها تلك الجملة بهذه الخطوط على الورقة .

وهنا نمسك القلم حتى لا تخرج مقالتنا عن الحد المشروط علينا من صاحب " المنهل الاغر ، ومن اراد زيادة البحث والتعمق فليرجع الى كتابنا " تاريخ الخط العربي وآدابه " المطبوع بمصر وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب

اشترك في نشرتنا البريدية