يعرف جيل الشباب الخليل بن احمد معرفة تقتصر على كونه واضع علم العروض العربى وواضع جميع مصطلحاته تقريبا ولكن ما لا يعرفه شباب هذا الجيل عن الرجل أنه كان عالما فذا من علماء اللغة وصاحب أول معجم فى العربية ( معجم العين ) وصاحب مدرسة فى المناهج اللغوية ونعنى بها مدرسة ( التقليبات ) وقبل أن نتعرض للمعجم وصاحبه الخليل من الناحية اللغوية يجدر بنا أن نستعرض حياة الرجل فاذا تصفحنا الكتب التى ترجمت له نجد انها تتفق على اسمه : الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفراهيدى البصرى الازدى صاحب العربية والعروض ، ولد عام مائة للهجرة ومات فى 174 هـ . الموافق 791 م . فى أوائل خلافة الرشيد ، يقول السيرافى : كان غاية فى استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه ، وهو أول من أستخرج العروض وحصر الاشعار العربية بها وعمل أول كتاب العين المعروف المشهور الذى به يتهيأ ضبط اللغة ، وكان من الزهاد فى الدنيا والمنقطعين الى الله تعالى . وكانت له معرفة بالايقاع والنظم وهو الذى أحدث له علم العروض فأنهما متقاربان فى المأخذ ، وكان آية فى الذكاء ، وكان الناس يقولون لم يكن فى العربية بعد الصحابة اذكى منه ، وكان يحج سنة ويغزو سنة .
ويقول صاحب طبقات اللغويين ، قال : حدثنا أحمد قال : حدثنا مروان قال : حدثنا العباس بن الفرج عن الاصمعى قال : كادت الاباضية تغلب على الخليل ، حتى من الله عليه بمجالسة أيوب السختيانى الملقب بأبى بكر البصرى سيد فقهاء عصره والذى نصح الخليل بترك هذا المذهب .
ومن أساتذة الخليل الذين ذكرتهم كتب التراجم أبو عمرو بن العلاء وأيوب السختيانى البصرى ، وعاصم الاحول ، والعوام بن حوشب وغيرهم .
ومن أشهر تلاميذه الاصمعى وسيبويه ، والنصر بن شميل ، ومؤرج السدوسى والليث بن المظضر وغيرهم .
لقد رتب الخليل بن أحمد معجمعه ترتيبا لم يسبق اليه ، وقام هذا الترتيب على عدة مبادئ هى :
أولا : الترتيب المخرجى . ثانيا : التقليب . ثالثا : الكمية . رابعا : الجذرية .
وقبل أن نتحدث عن المبادئ التى أعتمد الخليل عليها فى معجمه نحب أن نذكر أن بعض رجال اللغة والادب كان لهم مواقف من كتاب العين :
• منهم من أنكر نسب العين الى الخليل ونسبه الى الليث بن نصر بن سيار ، ومال لهذا الرأى الازهرى صاحب تهذيب اللغة وابن فارس صاحب المجمل والمقاييس والقالى صاحب البارع والآمالى كذلك النووى .
• ومنهم من قال أن الخليل عمل من العين قطعة من أوله وأكمله الليث ويتزعم هذا الفريق السيرافى وابن بناته .
• فريق ثالث يرى أن الخليل رتب أبوابه ثم مات قبل أن يحشوه ومن هؤلاء الناقد اللغوى ثعلب وصاحب مختصر العين الزبيدى الاندلسى .
• فريق رابع قال ان الخليل اشار بعمل العين ولم ينفذه ومن أصحاب هذا الرأى ابن جنى وأبو على الفارسى .
• أما الفريق الخامس وهو صاحب الرأى الارجح أن الخليل ألف العين بنفسه ويؤيد ذلك ابن خلدون فى مقدمته والامام السيوطى وصاحب الجمهرة ابن دريد والمستشرق بروكلمان .
• أولا : الترتيب المخرجى : نظر الخليل فى الكتب المؤلفة على عهده والسابقة له فوجدها لا تخرج عن ترتيبن : أ - الترتيب المعنوى ، وهو وضع الكلمات المتشابهة معنويا فى باب واحد .
- بدون ترتيب داخل الباب نفسه ، ولقد اتبع هذا النظام بعض كتب غريب القرآن وغريب الحديث ، وبعض كتب النوادر ووجد الخليل ان هذا الترتيب لا يحصر كل مفردات اللغة ، كما انه ينطوى على صعوبة عند النظر فى معنى كلمة ويستلزم معرفة معنى الكلمة التى نريد من مبحثها .
ب - الترتيب الثانى وهو الترتيب الأبجدى ( أ ب ت ث ج . . . الخ ) وحاول الخليل أن يسير على هذا الترتيب فى كتابه ولكنه كما يقول : وجد أنه سيبدأ بالهمزة التى تتغير كثيرا الى ألف وهو حرف علة ، ووجد الحرف الثانى الباء فكره أن يبتدئ بالثانى بدون حجة .
ولنأخذ من مقدمة معجمه ترتيبه . يقول الليث عن الخليل : " فأعمل فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ التأليف من أول أ ب ت ث وهو الالف ء ، والالف حرف معتل ، فلما فاته الحرف الاول كره أن يبتدئ بالثانى - وهو الباء - الا بعد حجة واستقصاء النظر ، فدبر ونظر الى الحروف كلها وذاقها فصير أولاها بالابتداء ادخل حرف منها فى الحلق " .
ويقول فى موضع آخر : " قال الليث قال الخليل : العربية تسعة وعشرون حرفا منها خمسة وعشرون صحاح لها أحياز ومدارج وأربعة أحرف جوف مثال الواو ومثله الياء والالف اللينة ، والهمزة سميت جوفا لانها تخرج من الجوف لا تقع فى مدرجة من مدارج الحلق ولا مدارج اللسان ولا مدارج اللهاة ، انما هى هاوية فى الهواء فلم يكن لها حيز تنسب اليه الا الجوف ، وكان يقول كثيرا الالف اللينة والواو والياء هوائية أى أنها فى الهواء " .
" قال الخليل : فأقصى الحروف كلها العين ثم الحاء ولولا بحة فى الحاء لاشبهت العين لقرب مخرجها من مخرج العين ثم الهاء ولولا هتة فى الهاء . . وقال مرة ههة لاشبهت الحاء ، لقرب مخرج الهاء من مخرج الحاء ، فهذه ثلاثة أحرف فى حيز واحد بعضها ارفع من بعض . . " .
ثم يسير الخليل مع الترتيب فيضع كل حرف فى مخرجه حتى يصل الى الشفتين . وجاء ترتيب الابواب فى كتابه على النحو التالى : ع ح هـ - خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط د ت - ط ذ ث - ر ل ن - ف ب م - و ا ى - الهمزة .
• ثانيا : التقليب :
سار الخليل على نظام التقليب أيضا ليضمن أنه سيأتى بكل مفردات اللغة بحيث لا يفوته شئ منها .
فلو كان معنا كلمة مكونة من حرفين يأتى منها صورتين ، فكلمة مثل " قد " تأتى منها صورتان " قد ، دق " ، والكلمة الثلاثية يأتى منها ست صور ، وقد مثل لذلك ابن دريد فى كتابه الجمهرة بمثلث عند كل زاوية فيه حرف هكذا :
فلو بدأنا من الزاوية التى بها الكاف ثم الباء ثم الراء خرجنا بكلمة " كبر " ، ولو سرنا فى الاتجاه الثانى ، خرجنا بكلمة " كرب " ، فهاتان صورتان . . ولو بدأنا بالباء وسرنا فى الاتجاه الاول خرجنا بكلمة " بكر " وفى الاتجاه الثانى " برك " ، وبنفس الطريقة لو بدأت بالراء ، أى تقليب الكلمة الثلاثية يخرج لنا ست صور كما رأينا . وليس من الضرورى أن تكون كل هذه الصور مستعملة .
اما اذا كانت الكلمة رباعية فان تقليباتها تحرج لنا أربعا وعشرين صورة ويمكن أن نمثل لذلك بمستطيل مقسم الى أربعة اقسام فى كل قسم حرف من الكلمة الرباعية ، فكلمة " طمأن " مثلا يمكن أن نبدأ فيها بالطاء ونغير الحرف الثانى ثم الثالث ثم الرابع وهكذا .
وبهذا لو بدأنا بالطاء لخرجنا بست صور ، وبالمثل لو بدأنا بالميم ، أو بالهمزة أو بالنون . أى أن تقليبات الرباعى تخرج لنا أربعا وعشرين صورة ، ولو غيرت الاربع والعشرين صورة من الحرف الخامس خرجت بمائة وعشرين صورة . وأغلب هذه الصور غير مستعملة فى اللغة ولكن الخليل أراد أن يحصر مفردات اللغة بطريقة رياضية حتى لا يفوته شئ .
• ثالثا : الكمية
ولكن كيف رتب الخليل مفردات اللغة داخل كل باب من أبواب معجمه العين ، فلو فرض أن معنا عدة مفردات فى كل منهما الحاء أمثال : " حل - حلم - حلب - بلح - بحث - سح . .الخ . . كيف يرتب الخليل أمثال هذه الكلمات داخل باب الحاء أو الكتاب كما يسميه ؟ ! ، لنترك الخليل يحدثنا ، يقول : " قال الليث ، قال الخليل ، كلام العرب مبنى على أربعة أصناف . على الثنائى والثلاثى والرباعى والخماسى ، فالثنائى على حرفين نحو : قد ، لم ، هل ، بل . . . الخ . من الادوات ، والثلاثى من الافعال نحو قولك : ضرب ، خرج ، دخل مبنى على ثلاثة أحرف ، ومن الاسماء نحو : عمر ، هبل ، جمل ، شجر مبنى على ثلاثة أحرف .
والرباعى من الافعال نحو : دحرج ، هملج ، قرطس . مبنى على أربعة أحرف . ومن الاسماء : عبقر ، عقرب ، جندب . . الخ . والخماسى من الافعال :
اقشعر ، اسحنفر ، اسبكر ، وشبهه ، مبنى على أحرف خمسة . ومن الاسماء : سفرجل ، همرجل ، شمردل ، كنهيل ، قرعيل ، عقنقل ، قبعثر ، وشبهه .
ويقول : " وبدأنا من الابنية بالمضاعف ، لانه أخف على اللسان وأقرب مأخذا للمتفهم " .
وبهذا يمكننا ان نلخص منهج الخليل داخل الباب الواحد ، بأنه يأتى أولا بالثنائى ويدخل فيه الثنائى المكون من حرفين فقط مثل : " كم " ، هل كما يدخل فيه ما يسميه الصرفيون الثلاثى المضعف مثل : " هلّ ، شدّ " ، وأيضا الرباعى المضعف مثل : " قدقد ، زلزل " . فيعالج الخليل كل هذه الانواع داخل الثنائى . فاذا انتهى من الثنائى داخل الباب الذى يعالجه ، اخذ فى ذكر الثلاثى الصحيح ، ثم الثلاثى المعتل وهو ما فيه حرف علة واحد ، ثم اللفيف وهو ما فيه حرفا عة فى أى موضع أى يشمل اللفيف المقرون والمفروق ، ثم يذكر الرباعى ثم الخماسى ، ثم يصنف بابا للمعتل وقد ذكر فيه أصحاب المعاجم التى أتبعت طريقة الخليل الهمزة بحجة انها قد تسهل الى أحد الحروف المعتلة .
ولكن كيف يرتب صاحب كتاب العين المفردات داخل الثنائى أو الثلاثى . مثلا لو تتبعنا باب العين الثنائى لوجدناه يذكر المفردات التى تكون بدايتها العين ، ثم يثنى بالمفردات التى يكون حرفها الثانى العين ، ثم لا يذكر المهمل ، كما انه يذكر الرباعى المضعف مثل : " معمع ، أحيانا " قبل الثنائى " مع " ، واذا وجد ثلاثى مضعف مثل : " رعّ " فانه يذكره قبل الرباعى المضعف من المادة وهو : " رعرع " وذلك لان الخليل يعتبر ذلك كله ثنائيا ( قدّ - قدقد ) ثائية ، وربما يرتبها حسب صحتها أو شهرتها فى الاستعمال .
وقد التزم شيخنا الخليل فى الثنائى الحرف الاول ثم الثانى ، فيأتى مثلا : " بعم " ثم يثنى بمع ، ولكنه لم يلتزم هذا الترتيب فى الثلاثى ، فيأتى مثلا بمادة : " ق ع د " مثل : " ع ق د " ، " د ع ق " وقد الزمه من الحرف الثانى فى نفس المادة فأتى بـ ( قعد ) قبل ( قدع ) ، وأتى بـ ( دعق ) قبل ( دقع ) .
أى أنه يمكننا أن نقول : إن الخليل التزم ترتيب الحروف المخرجى فى أبواب معجمه ، ولكنه لم يلتزمه فى بعض الفصول كما نرى فى استعراض باب العين الثلاثى ، وان كان التزمه فى البعض الآخر ، كما نرى مثلا فى فصل العين والقاف والنون حيث اورد المواد هكذا : " ع ن ق " ، " ق ع ن " ، " ق ن ع " ، " ن ع ق " ، " ن ق ع " ، أما مادة " ع ق ن " فهى غير مستعملة لانه لم يذكرها .
• رابعا : الجذرية :
المبدأ الرابع هو الجذرية ، وتعنى عند الخليل أن كل مفردات اللغة العربية ترجع الى ثلاثة حروف هى أصل المادة ، ما عدا بعض الادوات : " هل ، كم ، بل " الخ . وقد تبع هذا المبدأ كل اصحاب المعاجم ، بل كل اللغويين العرب .
وما عدا هذه الحروف الثلاثة فهو زائد ولا يلتفت اليه فى الترتيب ، فكلمة " المعتز " مثلا يكشف عنها فى مادة " عزز " لان الالف واللام والميم زائدات ، وكلمة " المنقارون " يكشف عنها فى مادة " ق و ر " ، لان الالف واللام والميم والنون الاخيرة كلها زوائد ، كما أن الالف فى " قاد " أصلها منقلبة عن واو ، لان المضارع يقود .
وباختصار ، لو اردنا أن نكشف عن أية مادة فى معجم العين ، نشبع الآتى :
1 - نجرد الكلمة أولا من حروف الزيادة والتى يجمعها علماؤنا العرب فى ( سألتمونيها ) أو ( أمان وتسهيل ) وتأتى بأصل الكلمة .
2 - ننظر فى الحروف الاصلية ، ونتبين أيها اسبق فى الترتيب الخليلى الذى سار عليه ، فمهما وجدنا الحرف فى أول الكلمة أو وسطها أو فى آخرها ، فأننا سنجد الكلمة تحت باب هذا الحرف . وكمثال فأن كلمة " المقمعة " لو جردناها من الحروف الزائدة صارت " قمع " ، واذن فهى تعالج تحت باب العين حيث هى اسبق من القاف والميم فى ترتيب الخليل ، وكلمة " مضراب " التى تتكون من مادة ( ضرب ) تعالج تحت باب الضاد ، لانها اسبق فى الترتيب الخليلى من الراء والباء .
3 - إذا حددنا الباب الذى تعالج فيه الكلمة وجب علينا بعد ذلك ان نحدد كميتها ، أى عدد حروفها ، هل هى ثنائية ( كما سبق ) ان قلنا فان الثنائى يدخل فيه الثلاثى المضعف والرباعى المضعف ( أم ثلاثية أم رباعية أم خماسية ؟ وسنجدها تحت فصلها ، مع ملاحظة خلوها من حروف العلة ، والا عولجت تحت باب المعتل ، أو تحت باب اللفيف اذا كان بها حرفا علة ، مثل كلمة " المولى " فأننا سنجدها تحت باب " اللام " الثلاثى اللفيف ( باب اللام والواو والياء ) .

