يتحدثون عن تلك المرأة ، إنما كانت معروفة بكثرة الدموع فى عينيها ، غير ان العمر تقدم بها ، ولم تبق الدموع مثلما كانت من قبل تملأ عينيها
فى احدى ايام الصيف والدنيا تشتعل من الحر ، خرجت تلك المرأة فى وقت لا يخرج فيه الناس عادة ، فاعترضها فى تجوالها كلب يلهث من العطش .
كانت تحمل معها بقية من ماء ، يمكن ان تطفئ العطش عن ذلك الكلب .
عطفت على المسكين ، وهي من طبعها عطوفة ، وأرادت ان تسقيه غير انها لم تجد إناء متسعا
نظرت الى الكلب يلهث أمامها ، عيناه تفيضان بالطاعة العمياء ، قرأت ما فى عينيه من دموع ، ومن غيرها يفهم مثل هذه اللغة ، وهى التى ما زالت بقية من دموع تملأ عينيها ، بحثت عن اناء متروك تصب فيه الماء ، لما لم تجدد قررت ان تصب الماء في إنائها ، ان لها اناء متسعا يمكن للكلب أن يرتوى منه
استمر الكلب يلعق فى اناء تلك المرأة حتى نفد ما كانت تحمله معها من ماء . صمت الراوى ليأخذ نفسا .
كان شيخا جليلا ، بيده مسبحة من عنبر يدير حباتها بين اصبعيه ، جبينه العريض الاسمر يفيض بالسكينة والرضى ، على تجاعيد وجهه ابتسامة مطمئنة ، برغم اسنانه المنخورة السوداء فذقنه الذى كساه الشيب يبعث في نفس الجالس اليه المحبة والاحترام ، وهو يتكئ على حشية من الصوف مطروحة على زربية قيروانية ، الزمن عشية والشمس قد اصفر لونها فى الافق والجماعة تجلس حول الشيخ تستمع الى الحكاية
من بين الجماعة جلس اسماعيل يطل على الحلقة بعنقه الطويل كالزرافة
كان اسماعيل كبير الرأس ، مفلطح الانف ، مستدير العينين ، إذا تكلم رفع صوته الغليظ المتقطع النبرات كأنه صوت طفل يتدرب على الكلام ، واذا ضحك فتح فمه العريض ولا يغلقه حتى يقول له الشيخ : " اغلق فمك يا اسماعيل " .
قال اسماعيل من غير أن يتمهل الراوى أو يعطيه فرصة ليأخذ نفسا :
- وماذا فعل بها الكلب يا شيخ ؟ !
تابع بعد ذلك الشيخ حكايته من غير ان يبدى اهتماما لما قاله اسماعيل : - . . قلنا استمر الكلب يلغ في اناء تلك المرأة ولم يتركها الا بعد أن استنفد كل ما في إنائها من ماء ، حتى ماتت .
صمت الراوى ، بينما راح اسماعيل يضحك ، واستمر فمه مفتوحا حتى قال له الشيخ " اغلق فمك يا اسماعيل "
ثم تنحنح الشيخ وتابع يقول : - لكن تصوروا يا جماعة ، رغم ما عرفت به تلك المرأة من كثرة الدموع فى عينيها ، فانها دخلت الجنة
- كيف دخلت الجنة . صاح اسماعيل من جديد وهو يفتح فمه بالضحك ولم يغلقه حتى قال له الشيخ : - " اغلق فمك يا اسماعيل "
وتابع الشيخ : - دخلت الجنة لأنها سقت ذلك الكلب العطشان من الماء الذي عندها حتى روى .
إلى هذا الحد ، كانت الشمس قد غطست فى الغروب وحل وقت الصلاة .
فقامت الجماعة إلى صلاة المغرب يتقدمها الشيخ ومن وراء الشيخ يقف اسماعيل بعنقه الطويل يشرف على الجماعة كالزرافة البلهاء

