الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الدراجة الصفراء ..

Share

- 5 - (*)

وسرنا بالدراجة بسرعة ، وخفة ونشاط . ركضنا ، والدراجة بيننا والفرح يملأ صدرينا ، ويطفح : فالرجل انتقم لنا ، وشفى غليلنا بدو أن يدرى انتقم لنا من عم لعروسى وشاهدناه بأعيننا ذليلا خائفا يرتجف كورق الخريف يرتعد من كل كلمة يزأر بها الرجل . . وسرنا ولم يعرج أخى يسرة هذه المرة ، ولم ندخل نهج الدوارة . وسرنا وتابعنا سيرنا فى نهج سوقى بلخير ثم عرج أخي يسرة ودخلنا نهجا جديدا انفتح أمامنا وامتد شاسعا واسعا ، طويلا شديد الطول ثم قال لى اخى بصوت مملوء فرحا ومرحا : النهج هذا أحسن من نهج الدوارة وأوسع ونستطيع أن نركب الدراجة ونسير بدون صعوبة .

وخطونا خطوات ثم قال لى :

- ترقب ، ترقب قليلا ، اركب انا اولا ، اركب انا .

ودفع الدراجة امامه ، ورفع رجله اليمنى ، وقفز فوق الكرسى . . وسرت بجانبه وأدار ساقيه . . وأسرع وأنا ماسك بالمقود واجرى . . ثم قال لى :

- أتركنى وحدى ... خلينى ؟ !

وخليت سبيله ، واذا هو يدير ساقيه بسهولة ، واذا هو يستقيم فوق الدراجة بثقة ، واذا هو يحرك المقود بخبرة مذهلة وينظر أمامه واذا بالدراجة تسعى سعيا جميلا . . تنزلق انزلاقا رائعا متزنة مطواعة لينة . . ويبتعد عنى اكثر فأكثر ويبتعد عنى حتى آخر نهج سيدى بن نعيم . . حتى صرت اشاهده بعيدا بعيدا جدا صغيرا صغيرا لا يكاد يرى وحتى خفت عليه وجزعت.. واختفى عنى تماما وغاب ، وطال غيابه وقلت فى نفسى : إنه اصطدم بعربة أو إنه اصطدم بجدار او بطوار وسقط على الارض وجرح . . واشتد فزعى وهلعت

عندما أقبلت كروصة من جهته تكاد تسد النهج كله ، مسرعة مدوية ، وجواداها يركضان ركضا شديدا مرعبا ، وصاحبها واقف فوقها يلوح بسوطة يصيح حانقا محذرا المارة شاتما جواديه متوعدا . . كدت أموت هلعا . بقيت زمنا لا أدرى ماذا أفعل ، جعلت انظر بعيدا ، بعيدا جدا ، انظر الى آخر نهج سيدى بن نعيم على أشاهده . . وطال انتظارى ، وفقدت صوابى . . وفجأة أقبل على بسرعة من خلف ، مشرق الوجه ، ضاحكا ، منشرحا يستعمل الناقوس فيحدث رنينا جميلا عادت الى روحى ، وعاد الى صوابى وفرحى . وشد أخى الكابح واذا بالدراجة تحبس امامي . . .

ثم ينزل قائلا مبتسما ابتسام الفوز والرضا :

- اركب انت الآن هيا اركب !؟

- وجمعت عزمى وحزمى وصعدت الدراجة وكأنى اصعد جبلا وعرا شاهقا شائكا . ومالت بى الدراجة ففزعت وتنطعت فأمسكها أخى بشدة وقال لى :

- اجلس فوق الكرسى ولا تخف ؟

فقلت له وانا أتشعبط

- لا ، لا أستطيع !!

- فقال لى بثقته الجديدة مشجعا آمرا :

- اركب اركب ولا تخف ساقود بك !!

- وجلست على الكرسى وكأنى جالس فى العلالى على حافة سطح دار ، أو فوق صومعة ، أو على شفة بئر .

ثم قال لى :

- انظر الى الامام وأدر الدواستين ولا تهتم بالمقود ، هيا أنظر قدامك ! ونظرت أمامى . وأدرت ساقى ولم أشعر كيف تحركت الدراجة وخفت ، ولم أشعر كيف انطاعت وسلست ، ولا كيف نشطت ، وأخذت عجلتاها تدوران ولم                                                                                                                                                                   اشعر كيف أدرت رجلى من جديد ، وأسرعت وأخى ماسك ، بالكرسى من خلفى ، وأسرعت الدراجة وازدادت سرعتها ، وأدرت ساقى اكثر فاكثر . وخلى أخى سبيلى بدون ان اشعر . . وابتعدت ، وابتعدت بعيدا ، ومر زمن كدت اظن انه سوف لا ينتهى . . وانا وحدى فوق الدراجة . . وادرت المقود قليلا بخوف وانتباه شديد . . وأردت النزول . . وضغطت الكابح فارتجت الدراجة، ونكست فذعرت وأوقفت ساقى عن الدوران . . وبقيت الدراجة حرة طليقة . .

تعدو بى كما تشاء . . فكأنها شعرت بخوفى . . وارتباكى . . فاطلقت لنفسها العنان . . وبقيت اترقب النهاية مبهوتا مشدوها ثم . . ثم جعلت أهوى .. أهوى من عل على الارض .. أنا والدراجة جميعا لكن عرض لى أخى صدره وأمسك المقود فجمدت الدراجة فى مكانها .. ونزلت .

قال لى أخى مشجعا وكانه لم يفطن الى خوفى ولا حتى الى شئ قليل منه :

- اتعرف انك سرت وحدك النهج كله ؟ ! اتعرف !! اتعرف !! انك استطعت ان تركب الدراجة بسهولة من اول مرة !!

ثم تناول الدراجة من يدى من جديد ، واقتعد سرجها بسرعة البرق ، وحرك ساقيه ، وانطلقت الدراجة الصفراء من جديد كالسهم . . وابتعد حتى نصف النهج . . ثم أدار المقود وعاد الى . . ثم أسرع أكثر فاكثر . . وانطلقت الدراجة تحف حفيفا . . ومر بجانبى بسرعة فائقة كالخطاف . . وجعل يتمايل يمنة ويسرة .. ويدير المقود كما يشاء مرسلا الى كلمات كلما مر بجانبى .. وكلما اقترب منى : « انظر دائما الى الامام ولا تنظر ابدا الى المقود ! »

« وادر ساقيك هكذا » « ولا تمسك المقود بقوة » « واترك نفسك واطلق نفسك خفيفة تطير فوق الدراجة هكذا . . هكذا » يقول ذلك ضاحكا متهلل الاسارير فرحا فرحا لا حد له.. لا نهاية.. وكنت أشعر انه سعيد حقا.. سعيد سعادة عظيمة . سعادة يشعر بها الاطفال من حين لآخر ولا توجد سعادة تعادلها فى الدنيا ..

كنت سعيدا بسعادته وكنت انظر اليه يمر أمامى .. انظر اليه يقترب منى . . مبتسما مشرقا . . يبتعد عنى ضاحكا متألقا . . جميلا حقا رائعا وكنت أحرك ساقى كما يحرك ساقيه وأدير بيدى كما يدير يديه ، وأقفز فى مكانى ، وابتسم واضحك متهللا مبتهجا . . واخى كطائر جميل ، كطائر من تلك الطيور الجميلة المهاجرة التى تأتى من البلدان البعيدة المتنازحة عند قدوم الصيف ، ونفرح بقدومها نحن الاطفال الصغار ، ويشتد فرحنا عندما تمر فوق ازقتنا ، وتخفق لها قلوبنا ، وتتعلق بها ابصارنا كلما مرت وتهفو لها ارواحنا ونبقى نشاهدها ساعات تحلق فوق شوارعنا ، تحلق فوق ديارنا غادية رائحة ترفرف باجنحتها باحثة عن مكان جميل هادىء آمن لتبنى فيه عشوشها .. وجعل أخى يحلق كتلك الطيور يبتعد ويقترب يغدو ويروح ثم ٠٠ ثم اقبل على مرفرفا ، ووقف أمامى قائلا :

- هيا اركب ورائى ؟ !

فترددت فاردف قائلا ضاحكا مظهرا اسنانه البيضاء الجميلة كلها :

- هيا اركب ورائى ولا تخف ؟!!

وركبت وراءه وطوقته بذراعى متشبثا به . وانطلقنا .. وأدار ساقيه .. واسرع .. وابتعدنا  . وبدانا نتجول فى انهج المدينة . . وبدأنا نتجول فى شوارع لم نشاهدها من قبل . . وبدأنا نتجول فى احياء غريبة عنا . . نجهلها تماما ثم مررنا بباب سويقة..ومررنا بسرعة أمام القهوة التى يجلس فيها أبونا فى العشية . ومررنا بالحلفاوين ونهج الحفير الشاسع الطويل الذى يصل حتى باب الخضراء . . ومررنا بالقهوة التى يجلس فيها خالنا . . وجعلنا نلتفت ونكثر الالتفات اليها لعلنا نشاهد خالنا او يشاهدنا . . وخرجنا من باب الخضراء . . وجعل أخى يدير ساقيه . . ويسرع اكثر فاكثر : وأخذ عدو الدراجة يشتد وكثر زفيفها . . وأخي يتمايل قليلا  كلما حرك ساقيه .. وأنا خلفه متشبث به ، مطوقه بذراعى الاثنتين . وفارقنا أسوار المدينة .. وابتعدنا .. ومررنا أمام مقبرة النصارى ..وشاهدنا بيوتات صغيرة تطل علينا من فوق جدارها الطويل وفوقها صلبان وأصنام صغيرة . . وتابعنا طريقنا .. ومررنا أمام حدائق شاسعة ثم .. ثم .. ثم وصلنا الى حديقة البلفيدار التى نذهب اليها مع ابينا فى ايام الربيع وظننت اننا بلغنا اقصى جوالتنا وانتهينا الى الحديقة ، أى الى أقصى مكان نأمل مع أبينا ؟!.. لكن بقى أخى يدير ساقيه بل جعل يدير ساقيه اكثر فاكثر .. وجعلت الدراجة تنهب الارض نهبا .. ومررنا أمام باب بلفيدار الثانى الذى قلما نصل اليه مع أبينا وتيقنت اننا بلغنا كل ما نتماه فوق الدراجة الصفراء ، لكن تابع أخى تدوير الدواستين بشدة وفارقنا باب بلفيدار الثانى وابتعدنا .. وابتعدنا بعيدا .. وجعلت السيارات تمر بجانبنا من حين لآخر بسرعة عجيبة .. مختلفة الالوان ، أنيقة لماعة ، وجعلنا بدورنا نمر بجانب كرارط وجردينات ، وعربات ، ونجتازها بسرعة مذهلة وابتعدنا أكثر فأكثر والدراجة تحف حفيفا.. تطوى الارض طيا ونحن الاثنين فوقها ، وكل شئ من حولنا جميل .. الاشجار جميلة السماء زرقاء ، الديار جميلة ، الغابات جميلة ، والطريق شاسع تحف به اشجار ، ممتد امامنا حتى الافق وأخى يدير ساقيه ، بدون توقف بدون كلل ، بدون تعب ، بنشاط كبير بغبطة وفرح شديد . وتابعنا طريقنا . . وشاهدنا بئرا على بعد .. فالتفت الى أخى نصف التفاتة وقال لى صائحا :

- اننا قربنا ، هذا بئر بلحسن الذى يقع قرب أريانة ..

واتجهنا الى البئر .. ووجدنا حوله نسوة يتحاورن ، ويتضاحكن ، ويملأن جرارا كبيرة ، يملان قلالا ، يملان دنانا ، وحول البئر أحمرة وبغال منتشرة ، مترقبة هاجعة .. ووقفنا غير بعيد ، ونزلنا ، وطرحنا الدراجة على الارض ، والنسوة ينظرن الينا متعجبات متسائلات . ثم أومات الينا اجملهن فتاة سمراء فى لون العسل وقالت لنا ضاحكة بعفوية وطيبة وصوت صاف جميل :

- تريدان ان تشربا ؟

فقلنا لها :

- نعم نريد ان نشرب ونتبرد

وأقبلت علينا فارعة ، رائعة ، تموج فى « ملية » زرقاء باسمة الثغر ، وجعلنا نشرب ماء حلوا صافيا باردا يشفى الغليل وأخى يقول لى محذرا :

- لا تشرب كثيرا ! تمهل ! سوف تمرض ؟ !

وأجابت الفتاة عوضا عنى قائلة :

- اتركه يشرب انه عطشان الصغير ؟!

وجعلت أشرب بدون انقطاع وأعب حتى امتلأ بطنى ، وشعرت بشئ من الالم .. ثم غسلنا اطرافنا والعرق يتصبب منا .. وغسلنا وجهينا .. وبقيت الفتاة تنظر الينا بسرور ، تنظر الينا متفرسة ، تتأملنا بعينين حلوتين واسعتين فى لون العسل وحركت جفونها قائلة :

- انتما اخوان بشبه احدكما الآخر تماما ؟ وتركبان دراجة جميلة صفراء ؟ فأجبناها قائلين دفعة واحدة كعادتنا :

- نعم نعم هذا أخى الصغير أخى الكبير ، وانفجرنا ضاحكين وبقينا نضحك مدة ، ونتلوى من شدة الضحك ، وجعلت الفتاة تضحك معنا مبرزة أسنانا بيضاء صافية نقية فى لون الثلج ..

ثم قالت لنا :

- فمن اين انتما ؟

فأجابها أخى هذه المرة وحده قائلا :

- نحن من تونس

فتحت فمها الجميل مندهشة متعجبة ! . .

فازددنا غبطة وسرورا ، ثم التفتت الفتاة الى صديقاتها قائلة صائحة بصوتها الجميل :

- هما اخوان أقبلا من تونس

ثم تابعت حديثا معنا قائلة :

- تونس بعيدة وبعيدة جدا .. أأنتما اقبلتما هكذا على الدراجة

فاجبناها قائلين :

- نعم نعم أقبلنا الاثنان على هذه الدراجة ، وازددنا زهوا وافتخارا ، واردفنا قائلين ونحن فى عطلة نتفسح ...

التفتت الى صويحباتها قائلة بأعلى صوتها :

- هما فى عطلة يتجولان أقبلا على دراجتهما هذه ..

ثم تابعت الفتاة سائلة :

- هل لكما اقرباء هنا فى القرية ؟

فأجبناها :

- اننا قد قدمنا نتجول نحن نعرف صديقا لنا ، ابن جارتنا السيدة فى تونس اسمه الهادى ، يأتى الى جدته هنا ، وحدثنا عن أريانة كثيرا فجئنا جئنا اليوم لنتجول لنزورها ونتعرف على ضواحيها .. وأحيائها .

وانطلقنا من جديد : أنا وراء أخى وأخى أمامى ، أنا متشبث به ، لا أتركه، وهو ماسك بالمقود يحركه كما يشاء . . وبقيت الفتاة تنظر الينا معجبة ، مبهورة ، وابتعدنا ونحن نلتفت من حين الى حين ونشير اليها مودعين .. مبتسمين .. وتشير الينا ملوحة بيدها مبتسمة .. وبقيت زمنا تنظر الينا تودعنا ونودعها .. حتى غبنا عنها ..

ودخلنا القرية هذه القرية التى طالما حدثنا عنها الهادى ابن جارتنا بحب ولهفة وشوق كبير .. وطالما التففنا حوله كلما عاد منها فيحدثنا عن عصافيرها الكثيرة المختلفة الانواع ، المترنمة الشادية عن غلالها عن ازهارها عن قطعان البقر ، عن الغابات الشاسعة الممتدة حولها عن بحيراتها المخفية الكبيرة التى تمتد حتى تكاد تلمس البحر ، عن الصيد قرب البحيرات عن صيد الارانب والثعالب وحتى الذئاب .. وجعلنا نتفسح ، نشاهد بعيوننا الاربع مبهوتين مشدوهين الاراضى الشاسعة ونشاهد اشجارا مملوءة لوزا واخرى تفاحا نشاهد غابات زيتون .. نشاهد أبقارا وسط المراعى .. وقطعانا من الغنم .. ونشاهد ابقارا تعترض طريقنا .. وتقترب منا ونقف جانب الطريق خائفين مرتعدى الفرائص .. وتمر الابقار بالقرب منا بطيئة عظيمة الاجسام مخيفة .. تتحرك بهوادة بخيلاء وثقل محركة رؤوسها عند كل خطوة تخطوها .. محركة ذيولها تتمايل باتزان ملآى سمينة .. والتفتت الينا بقرة وذعرت أول الامر رغم عظمة جسمها ثم وقفت ثانية وبقيت تنظر الينا زمنا ثم حركت رأسها ففرحت وانشرحت واشتد فرحى :

وقلت لأخى :

- انظر انظر .. هذه البقرة تشير الينا ، انها تنادينا !

فانطلق أخى ضاحكا ثم قال لى :

- ما اغباك ، ما اغباك ، انها تحرك راسها لابعاد الذباب عنها !

ثم عاد يضحك .

اشترك في نشرتنا البريدية