- 6 - (*)
وبقينا نتنقل من حقل الى حقل ، من مرعى الى مرعى ، ثم دخلنا غابة كبيرة متنوعة الاشجار ، وسمعنا عصافيرها مترنمة ، مغنية : وشاهدناها تنتقل من غصن إلى غصن ، من شجرة الى شجرة ، مرفرفة بأجنحتها متنادية متناجية بأصوات جميلة .. ثم نزلنا تحت شجرة لنستريح غير بعيد عن بستان كبير فيه اشجار مثمرة كثيرة ومتنوعة . ثم شاهدنا رجلا داخل البستان يمر بين الاشجار . وشاهدناه فحييناه ، حيانا بلطف كبير . ثم أقبل علينا وسألنا : «من نحن ومن أين أتينا والى أين نذهب» ثم رحب بنا واستدعانا لزيارة بستانه فدخلنا فاذا نحن فى جنان مترامي الاطراف وجعلنا ننظر الى اشجار التفاح بالقرب منا ، واشجار الاجاص ، والتني ، واللوز ، والدوالى المترامية بعناقيد العنب كعناقيد من ذهب متدلية بين اوراقها الخضراء . وتجول بنا الرجل فرحا مبتسما يقص علينا قصة كل شجرة وعمر كل دالية ونوع كل شجرة تفاح .. وقطف لنا تينا من شجرة عظيمة .. ثم وقف أمام دالية وتحيل وقطع لنا بعض الناقيد ومر بكوخ صغير وغاب قليلا ثم عاد الينا يحمل « قرطلة » مملوءة تينا وخبزتي طابونة وقال لنا :
- هيا استريحا وكولا من غلة الجنان وخبز « الطابونة » ربما جعتما ؟
- وجعلنا نأكل بشهية ثمرات تين غليظة ممتلئة مفتحة ينبع منها عسلها قطرات كالعقيق . . وتظهر حبات صفراء داكنة كالجلجلان جعلنا نأكل بشهية كبيرة بعد جوع شديد وسفر طويل ونستريح بين الاشجار .. ونسمع العصافير .. كأننا فى الجنة التى تظهر لنا أمام أعيننا عندما تقص علينا أمنا أوجدتنا فى تلك الليالي الطوال ليالي الشتاء ، وبالاخص ليالي الجمعة ، عندما
تتركنا أمنا بحانبها ويتركنا أبونا نسهر قليلا مع أمنا او مع جدتنا . . ونقرا القرآن ونرتل ساعة ونحاول التجويد . . ونجود وتحرك رأسينا الصغيرين ونقرا عن :
« الجنة التى تحرى من تحتها الانهار » وتفرح جدتنا ، ويشتد فرحها ، وتبقى برهة فاتحة يديها قائلة بصوت مرتفع : « ما شاء الله ! ما شاء الله ! » « اللهم صل على النبىء ! اللهم صل على النبىء ! ربنا راض عليكما تمام الرضى. ستدخلان الجنة يا عصافير الجنة تقرآن القرآن ولا تحرفانه بل ترتلان أحسن ترتيل . . ثم نبقى ننصت اليها فتقص علينا أجمل الاقاصيص . . » .
بقينا نأكل بشهية كبيرة تحت الشجرة والرجل واقف قريبا منا ينظر تارة الينا بسرور كبير ويجيل تارة بصره فى الجنان ، ثم يلوح بصره بعيدا متبعا حركات وتنقلات كل المارين . . وجعلنا نأكل عنبا لذيذا « مسكيا » حلوا له رائحة تشبه رائحة الازهار وخبز طابونة طيب الرائحة ، سخنا شهيا . .
وقال لنا الرجل : إن الطاهر جاره يبيع الحليب فى تونس يذهب على دراجة كل عشية ، ويعود بعد المغرب ، والصادق ايضا يذهب الى تونس على دراجة والتيجاني ، وسالم وعثمان بوڤرن أيضا ، اما النورى فمازال يخرج باكرا كل صباح على حماره ويعود عند منتصف النهار ، وتابع مبتسما انه لا يحسن ركوب الدراجة الى الآن . . ثم قال لنا ان له ابنا صغيرا وصغيرا جدا لم يبلغ عمره اربعة اشهر ، يتمنى أن يكبر بسرعة ويصير طفلا مثلنا ويحسن ركوب الدراجة ٠٠
نسينا العودة . . نسينا المدينة هنا بين الاشجار . . نسينا حمام الرميمي . . ونسينا نهج سيدى بن نعيم هنا وسط البستان ونسينا نهج سوقى بلخير والدراجات امام الحانوت وعلى يمين الحانوت وعلى يساره ونسينا عم لعروسي!! فهو يترقبنا بدون شك هذه المرة يترقبنا بدون شك ولا ريب ، والشرر يتطاير من عينيه وهراوته الكبيرة فى يده . . وودعنا الرجل وشكرناه . . وادار أخى مقود الدراجة وانطلقنا . . أخذنا طريق العودة . . صمت أخي وصمت . . عاد الينا خوفنا كله . . عاد الينا جزعنا سوف يصرخ فينا بغضب يهتز له نهج سوقى بلخير كله ويهتز له نهج حمام الرميمي والحفير ، وباب الخضراء وحتى البلفيدار . . جعلت كل الافكار المظلمة القاتمة السوداء الحالكة تجول فى رأسينا الصغيرين . . وانطلقت الدراجة وكأنها فهمت كل ما يجول فى رأسينا . .
وانطلقت بخفة وسرعة وانطلقت كأنها سهم . . كأنها حمامة تنهب الارض نهبا تطويها طيا ، وأخي أمامي وأنا خلفه . . متشبت به لا أتركه وهو يتمايل قليلا كلما حرك ساقيه . . وجعل يدير الدواستين بخفة وسرعة فائقة . . وبقينا نعدو . . نعدو فوق الدراجة بسرعة مذهلة . . واجتزنا باب البلفيدار الثاني . . واجتزنا باب بلفيدار الاول والدراجة قد جن جنونها تحث حثيثا رهيبا . . ثم جعلت انصت وأملا أذني . . فاذا بأخي يغنى . . واذا به يضحك فاندهشت . . وتعجبت . . و بقيت استمع لغنائه وابتسم . . واضحك واطرب . . ودخلنا باب الخضراء من بابه الكبير . . ولم اصدق عينى . . ثم ٠٠ ثم ٠٠ ثم دخلنا نهج سوقي بلخير الضيق الطويل . . وترجلنا عند أوله . . وسرنا كالعادة اخي على يمين الدراحة وأنا على يسارها . . وجعلنا نتنقل ببطء ، صرنا لا نستطيع المشي على اقدامنا من شدة التعب ، صرنا لا نستطيع المشي على اقدامنا من كثرة ركوب الدراحة . . وشاهدنا فى عتمة ما بعد المغرب شاهدنا الحانوت على بعد ولم نشاهد دراجة على يمين الحانوت ، ولا دراجة على يسارها ، ولم نشاهد دراجة الحائط المقابل ، وتبين لنا لعروسي أمام الحانوت شبحا واقفا ، ساهما مكتوف اليدين وباب الحانوت نصف مغلق . . واقتربنا وشاهدنا فخف الينا مرتبكا فزعا جزعا وفتح فمه فأسرع أخي قائلا وأنا أتبعه « كبير . . طويل . . شرير صعلوك افتك منا الدراجة الدراجة وانطلق وابتعد بعيدا ثم عاد عاد وقال لنا : تأخذا دراجتكما اذا امسكتما بي ثم ثم فر وجعلنا نجرى نجرى وراءه فيبتعد ويسرع ثم يعود الينا الينا يا عم لعروسي ويقول لنا تاخذا دراجتكا يا اطفال اذا اذا امسكتما بي ثم ثم يفر وجعلنا نصيح ونبكى ونستغيث وغاب غاب ولم يرجع لنا الدراجة الا الآن الآن يا عم لعروسي . . »

