نفارق الدار فرحين مبتسمين ، انا واخى الكبير . هو يمسكنى من يدى وانا امسكه من يده . ونخرج من زنقتنا سعيدين مبتهجين وخمسة فرنكات فى احد حيوينا ، نعرج يمنة ، ونيسر فى نهج حمام الرميمى الطويل ، ونسرع الخطى قاصدين نهج سوقى بلخير : سنكترى الدراجة الصفراء ، ونركب الدراجة الصفراء ونتجول ، هذه العشية الجميلة فى أنهج المدينة وشوارعها .
نصل الى آخر نهج حمام الرميمى نعرج يسرة ، وندخل نهج سوقى بلخير. نشاهد عل البعد الحانوت وتظهر لنا دراجات متكئة على يمين الحانوت وشماله وتظهر لنا دراجات أخرى كثيرة متراكمة متشابكة على الجدار الابيض الطويل الممتد قبالة الحانوت .. ونسرع الخطى اكثر فأكثر ونكاد نجرى .. وتتضح لنا الدراجات أكثر فأكثر بالوانها الزاهية خضراء وزرقاء ورمادية وبيضاء وحمراء وقسطلانية وفى لون العناب ولمعانه .. ونصل الى الحانوت ولا نشاهد اللون الاصفر بين الالوان ، ولا نشاهد الدراجة الصفراء بين الدراجات .
نبقى ساعة قرب الحانوت أخى بجانبى وأنا بجانبه ، نترقب بصبر وثبات عودة الدراحة الصفراء ونشاهد خلالها اطفالا صغارا ، نشاهد شبانا ، نشاهد كهولا ، يقبلون يقفون امام الدراجات ، يدخلون الى الحاوت ، يدفعون نقودا الى عم لعروسى ثم يخرجون بسرعة ، ويتناولون ، من بين الدراجات ، دراجة حمراء او خضراء او زرقاء ، ويمتطونها ويديرون أرجلهم ، وتنطلق الدراجات وتدور عجلاتها خفيفة ، سريعة . ويبتعدون عن الحانوت ، ويعرجون يمنة او يسرة ، ويبتعدون عن نهج سوقى بلخير ...
ويعود اطفال آخرون ، ويعود شبان . ويعود رجال بدراجات اخرى ، مبتسمين ، متهللى الوجوه . ويعود بعضهم يكركر دراجة او يجرجرها ، ويقف بها امام عم لعروسى قائلا ، مشيرا الى الدراجة :
- يا عم لعروسى سلسلة الدراجة تنتزع بسرعة ؟! - يا عم لعروسى الدراجة ليست كالعادة مقودها مرتفع جدا وكابحها لا يشد والناقوس لا يرن ؟ - يا عم لعروسى الدراجة عجلتها الامامية تعطبت ؟! - كلما حركت ساقي تميل بى الدراجة الى اليمين ؟! - يا عم لعروسى كرسى الدراجة ينكب الى الامام وكدت اسقط على الارض مرات عديدة ؟!!
يمر رجلان يحييان عم لعروسى بإيماءة ويبتعدان . يمر رجل ، يشير اليه بيده قائلا : - عروسى مسيك فيجيبه بسرعة : - مسيك حمادى
يبتعد الرجل . يتابع طريقة .. ونبقى ننظر اليه ، ونبقى ننتظر بصبر ، بدون يأس بدون ملل أو كلل ، أخى بجانبى وأنا بجانبه .. وأخيرا .. وأخيرا نقفز فرحا .. نبتسم .. نضحك .. فنحن الاطفال الصغار ابسط شىء يضحكنا ويفرحنا ، ويسعدنا ، واهوى حدث يحزننا ، ويبكينا .. اننا نشاهد الدراجة الصفراء ، نشاهدها على بعد ، مقبلة . نشاهدها عائدة بدورها ، مسرعة ، يركبها طفل صغير يدير رجليه الصغيرتين بسهولة والدراجة الصفراء تنساب، تنزلق انزلاقا فوق الاسفلت ، صغيرة ، خفيفة ، رشيقة ، سريعة ، بدون دوى مطواعة ، تجرى ، تحف حفيفا رائعا .. .. ويكف الطفل عن تدوير ساقيه عند الاقتراب من الحانوت . وتبقى الدراجة تجرى ، ويشد الكابح قبل ان يصل بقليل فتقف قبالة الباب . ونقف أمامها ، وينزل الطفل بخفة من فوقها ونتناولها بدورنا .
ويذهب الطفل الى عم لعروسى ، وقد شرع فى تصليح دراجة ، وبدأ العرق يلمع على جبينه . ويقول له بسرعة وبصوت جميل نقى ، مملوء حيوية ، يطفح سعادة .
- ها هى الدراجة الصفراء فيجيبه بغضب وصوت مبحوح اجش وبدون ان يرفع راسه او حتى يديره : - وقتك فات ، ضعها حيث أخذتها ، واذهب . يجيبه الطفل بابتسام وعجلة ، بنفس الصوت الجميل وبدون مبالاة : - ها طفلان يترقبانها اخذاها منى .
ويفارقنا بدون ان يترقب جوابا فرحا مرحا ، ويبتعد عنا تاركا لنا الدراجة بين أيدينا ، ويظل يسير فى نهج سوقى بلخير بخفة ونشاط .. يرفع عم لعروسى عينا جانبا ، وبدون أن يدير رأسه أو حتى يحركه ينظر الينا ولا يقول كلمة بل يتابع فك دراجة ، أمام باب الحانوت . ينزع لها سلسلتها ، ويفك لها عجلتها الخلفية ، ويفحصها فحصا جيدا . ثم ينحنى ، ويجلس على ركبتيه ، ويفحص الدولاب ، وأسنان الدولاب ، بعناية كبيرة . ويدير دواسة بيده مختبرا ممتحنا ، فيدور الدولات والدواستان بخفة وسرعة هائلة . يبقى زمنا يراقب بانتباه شديد ثم يتناول قارورة صغيرة ، ويضع قطرات من الزيت فى قلب الدولاب ، ويرجع السلسلة ثم العجلة ، ويحكم شدها من الجانبين ، ثم يقف على قدميه بصعوبة محمر الوجه ويمسك الدراجة من كرسيها ، ويرفعها قليلا ، ثم يدير الدواسة بقوة بساقة اليمنى المكتنزة الضخمة فتدور العجلة الخلفية بسرعة هائلة ، ويبقى يترقب انتزاع السلسلة فلا تنتزع .. ثم يبقى يرقب العجلة وهى تدور بسرعة فائقة ، بشدة ، محدثة فنفنة وونونه .. وتتسابق اسلاكها ، وتتلاحق وتتلاحم حتى تصير قطعة واحدة من المعدن ، لماعة تعكس اشعة كاشعة الشمس . ينزل العرق من جبينه ، وينحدر على خديه الممتلئين ، ويسيل محدثا اخاديد لماعة حتى يصل الى ذقنه ويتجمع ، ثم يجعل يسقط قطرة قطرة على الارض .. فلا يتفطن لعرقه المتقاطر ، بل ينظر بكل عناية ودقة الى العجلة متبعا اتجاهها ، مصغيا بكل انتباه ، الى ونونتها وفنفنتها عله يفطن الى ذبذبة ما ، الى ارتجاج ما الى اختلاج الى احتكاك خفى ، الى خلل الى عطب مستتر يظهر عند شدة الدوران .. واخير يضع العجلة دفعة واحدة
على الارض فتقفز الدراحة بقوة تريد الانطلاق ، لكنه يبقى ماسكا بالكرسى بيد من حديد ، فترتج ولا تتزحزح .
ينحنى من جديد ، ويحكم شد العجلة الخلفية بمفتاح يديره وسط العجلة ربع دورة يمينا ربع دورة يسارا واخيرا يدفع بالدراجة على الحائط على يسار الحانوت .
لا يستطيع احد ان يخاطبه عندما يشرع فى تصليح عجلة دراجة ، وبالاخص عندما يمتحنها ولا يستطيع احد ان يساله سؤالا ، او يقول له كلمة او حتى يمد له نقودا ، بل يبقى كل الاطفال وحتى الرجال ينتظرون بصمت ، ينظرون ، يتابعون بوجوم كل حركة يقوم بها ، مبهوتين ، مشدوهين ، فاتحى الاعين .. حتى يدفع بالدرراحة على الجدار ، ويلتفت الينا راضيا ، مزهوا ، منتفخ الاوداج
نسرع قبل الآخرين ، ونقول له ، انا واخى الكبير ، بصوت يكاد يكون واحدا : - نحب ، نريد الدراجة الصفراء الصفراء يا عم لعروسى لعروسى ؟! فيجيبنا متعجبا ، متسائلا - انتما ما زلتما هنا الى الآن ؟!
ويفتح يده ، ويمدها قليلا فنضع له الخمسة فرنكات فى كفه . يتحسس القطعة لحظة ثم يضعها فى جيب سروال بدون ان ينظر اليها ، ويتابع قوله مبتسما . - اسرعا ولا تبطئا . لكما ربع ساعة فقط ؟ نجيبه على الفور : - لا ، لا ، لا نبطىء ، لا نتأخر يا عم لروسى لا نبطىء أبدا أبدا كم كم الساعة الآن ؟ ! يلتفت ينظر الى داخل الحانوت قائلا بمهل : - الساعة الآن ، الساعة الآن ..
وننظر الى داخل الحانوت ، وينظر الى اليسار ، فوق خزانة قديمة ، وسخة سوداء من كثرة سيلان الزيوت عليها . وننظر الى اليسار فوق الخزانة القذرة الملوثة ، يشاهد ونشاهد ساعته القديمة بصفحتها شبه البيضاء معدومة ، تشير بعقربها الصغيرة الى ما بين الرابعة والخامسة يقف امامه صديق ويقول له بدون أن يحييه .
- أعروسى الليلة عند الطاهر فى المخزن - آش فمه جديد - قال لى قل له عندنا مرمز وصيه باش يجيىء - يزى بالمجد ؟! - أيه - كيف حصل عليه ؟ - بحذاء المعازة فى الليل واعطاه البارح القدور - نسخايب غزال سطح - المهم ، قال لى قل له لازم يحضر - قل له : حط البصل والحمص ابزايد - الليلة اماله - تكوردو - القطعية كالعادة - كالعادة والعوايد
يتابع الرجل طريقه ، ثم يلتفت من جديد الى ساعته فوق الخزانة ويقول لنا بسرعة ويقين .
- الساعة الآن الرابعة وعشرون دقيقة ، ويحك راسه ويتابع بصوته الاجش ، ارجعا بعد ربع ساعة ، ارجعا فى الرابعة وخمسة وثلاثين دقيقة ولا تتأخرا .
ونذهب بالدراجة ، ونتابع سيرنا فى نهج سوقى بلخير رويدا رويدا ، انا على يمين الدراجة ، واخى على يسارها . ونبتعد عن الحانوت شيئا فشيئا ، ثم نعرج يسرة وندخل نهج الدوارة ، ونبقى نسير ببطء زمنا .. ثم .. ثم .. ثم يجمع اخى الكبير شجاعته كلها ويقول لى دفعة واحدة : - شد ، شد بى المقود ساركب ، سأركب انا أولا ؟!
ويمتطى الدراجة وكانه يتسلق جبلا ، وانا ماسك بالمقود بكل قواى ، ثم .. ثم نسير بصعوبة وتسير الدراجة ببطء ، واخي متكىء على بجسمه كله ، يكاد يهشمنى ، يكاد يطرحنى ارضا ، ثم يجعل يدير ساقيه بجد وعناء ، ونميل يمنة ونكاد نقتحم الحوانيت ، ويدير اخى المقود بكل ما لديه من قوة وتميل بنا الدراجة يسرة ونكاد نصطدم بالعربات، ونكاد نصطدم بالمارة، ونكاد نصطدم بالجدران ونكاد نصطدم بكل ما يعترض طريقنا .. ويتصبب عرقنا .. ونتابع سيرنا بجهد جهيد ، وشجاعة نادرة انا ماسك بالمقود لا أتركه يحيد ، وأخى يدير ساقيه بصعوبة ، ينظر الى العجلة الامامية ، ماسكا المقود متشبثا به ، لا يتركه يتحرك عاضا شفتيه ولسانه .. ومرت دقائق كانها ساعات واعتقدنا ان ربع الساعة انقضت ، واننا تأخرنا وتأخرنا كثيرا .. وينزل أخى عن الدراجة ونعود أدراجنا وندخل نهج سوقى بلخير ، والدراجة بيننا ونمر امام الحانوت ، ونلتفت نصف التفاتة ، فيشير الينا عم لعروسى بيده مناديا آمرا : - وقتكما حان انتما الاثنان .
نتنفس الصعداء . نترك الدراجة على الحائط المقابل ، وقد خف حملنا . ونفارق الحانوت ونسير صامتين ، مرتبكين ، تعبين ، وعرقنا يتصبب .. ونسير .. ونفكر .. طوال نهج حمام الرميمى .. ثم نعرج يسرة . وندخل زنقتنا ، أى زنقة سيدى بلهانى ، وأخى لا يكلمنى وانا لا اكلمه ونقترب من الدار وقبل ان ندخل ، يلتفت الى اخى ، ويقول لى بجد وحسرة : - كان من حقنا ان نساله عن الساعة قبل تركنا الدراجة !!
انظر الى أخى وابتسم .. ويبتسم بدوره .. واتيقن اننا سنحصل على خمسة فرنكات اخرى فى القريب العاجل ، واننا سنعود ونكترى الدراجة الصفراء من جديد .
مضت أيام ثقيلة ، تكاد لا تنتهى كنا خلالها أهدأ وأطوع أطفال فى الدنيا ، لا نقلق أمنا ولا نتعبها بعبثنا فى الدار وخارج الدار بل كنا نلبي لها كل طلباتها ونقضى كل حاجاتها تقول لنا : لا تلعبا فى الشمس ، فلا نلعب ، وتقول لنا : ناما فى القائلة ، فننام .
وتقول لنا لا تلعبا فى الزنقة مع احمد والطاهر فلا نلعب فى الزنقة مع احمد والطاهر بل نبقى فى الدار . وتقول لنا املا الماء من البئر لتنظيف وسط الدار فنعجل ونطلع الماء من البئر وننظف الدار كلها ثم نخرج الحصر والزرابى والملاحف والجلود ونفرش ونضع الوسائد . ونخرج كتبنا ونبقى نقرأ ساعة وأمنا جالسة بالقرب منا تحضر الشاى ، وتنصت الينا راضية فرحة ثم .. ثم نقول لها : إننا تعبنا .. وإننا نريد أن نخرج هذه العشية نريد ان نتفسح قليلا في باب الخضراء ، وخارج باب الخضراء ، ونريد أن نستنشق الهواء النقى ونريد خمسة فرنكات فلعلنا نشتهى شيئا فى الشارع فنشتريه !!
تفتح أمنا عقدة محرمتها ، وتمد لنا تلك القطعة الصفراء ، تلك القطعة التى بتناولها عم لعروسى ، ويتلمسها ويتحسسها بخبرة ودراية تم يلقيها فى جيب سرواله الابيض القصير مع العشرات من القطع الاخرى بدون ان ينظر اليها .. وتقول لنا : - اشتريا كعكا فالكعك احسن من الحلوى
فنجيبها قائلين بصوت واحد : - نعم ، نعم سنشترى كعكا ، نحن نحب الكعك ونخيره على الحلوى كلها . ثم تتوقف عن الكلام كانها تفطنت الى أمر هام .. وتجعل ننظر الينا مليا ، وتطيل النظر ثم تقول لنا رافعة حاجبها ، رافعة سبابة يدها اليمني ، محذرة .
- وتشتريان الكعك وتأكلانه فذلك احسن من ركوب الدراجات ؟ تنزل علينا كلماتها كالصاعقة . ونضطرب ونصمت لحظة . ثم نجيبها دفعة واحدة :
- نعم ، ايه نعم نحن نخير الكعك ، نريد الكعك ، فهو أحسن من الحلوى والدراجات وأطيب ، واننا نشاهد اطفالا يركبون دراجات مختلفة ويسيرون بصعوبة وعرقهم يتصبب خائفين مرتجفين ويصطدمون
بالعربات ويصطدمون بالسيارات والمارة ويصطدمون بالجدران ويسقطون على لارض فنحن نشاهدهم كل يوم ونحن نكره الدراجات ، ونمقتها ، ونحن نفضل نخير شراء الكعك السخن اللذيذ من عند مروك فذلك احسن من الدراجات كلها !
نتناول الخمسية فرنكات . ونخرج من الدار ، اخى بجانبى وانا بجانبه ، ونقصد نهج سوقى بلخير .. ونشاهد على بعد الدراجات ، ونسرع ، ونركض ونعدو ، ونطير ، ولا نقف الا أمامها ونبقى مبهورى الانفاس نلهث ونبحث بأعيننا الاربعة علنا نشاهد الدراجة الصفراء بين الدراجات مختفية على يمين الحانوت ، على يسارها متسترة ، على الحائط المقابل الابيض الطويل ، ساكتة، هاجعة ، فلا نشاهدها ! .. ونقترب من عم لعروسى خائبين ، ونلقى نظرة داخل الحانوت علنا نشاهدها هنالك . ثم نقف قدام عم لعروسى . يائسين .. وهو منتصب امام الباب كالصنم ، يداه فى حزامه فى شكل قوسين ينظر امامه الى لا شىء هاجعا ساكنا ، جامدا .. وبعد لحظات ينتبه الى وقوفنا امامه كشيطانين صغيرين فيتحرك ويلتفت الينا قائلا وكأنه تذكر شيئا هاما :
- الآن خرجت الصفراء . ويلتفت يسرة ، وينظر طوال نهج سوقى بلخير جهة بطحاء الحلفاوين ويتابع لم تمض على خروجها دقيقة واحدة . ويلتفت يمنة ، وينظر طوال النهج حتى باب الخضراء باحثا مفتشا ثم يقول لنا عودا ، عودا بعد نصف ساعة ، سوف تجدانها رجعت .
نشعر بالخيبة من جديد .. لكن نجيبه قائلين : - نفضل الانتظار ، ننتظر الآن هنا لكى لا يأتى طفل آخر ويكترى الدراجة ويتناولها قبلنا خذ ... خذ الدورو الآن يا عم لعروسى !!
يبقى ينظر الينا مبتسما ، ونحن نتكلم ثم يمد يده الغليظة المكتنزة بثقل وكسل وتوان متثائبا ، فاتحا فمه قليلا ، معملا جهده ، شادا بشفتيه انطلاق شدقيه حتى لا ينفتح فمه على مصراعيه ، ويتعسر عليه اغلاقه .. نضع له القطعة فى كفه فيتلقاها بهدوء وصمت ويدخلها فى جيب سرواله بسهولة ، وبدون ان يتابع الحديث معنا فكأن لم يحدث شىء وكأن لم يتناول تلك القطعة الصفراء ، تلك القطعة المستديرة الجميلة ، الرائعة ، تلك القطعة التى تخلب عقول الاطفال الصغار ، وتجعلهم أياما وليالى يتخيلون .. وتجعلهم يتحيلون ،
يتملقون ، يتكلفون ويسجنون أنفسهم أياما ويرهقون أنفسهم ويحملون أنفسهم ما لا يحبون ولا يطيقون حتى يتحصلوا ، فى النهاية ، عليها .. وها هو عر لعروسى يتناولها .. وعوض ان يهتز ، وعوض أن يبتسم ، وعوض أن يفرح يتناولها او يلقيها بدون اكتراث فى جيبه فتستقر مع العشرات من القطع الاخرى وكأن لم يحدث شىء بل يتثاءب ، ويغطى بيده اليمنى فمه فيلمع خاتم ذهبى مربع الشكل غليظ فى البنصر ويبرق .
يمر رجل ويقف أمامه ، ويخاطبه بدون ان يحييه قائلا : - رأيت البارح ؟! فيجيبه بصوت خافت عادى كأنه يتابع حديثا توقف مند لحظة : - قلت له اقعد رايض ما حبش - راسه صحيح
فيجيبه عم لعروسى - خليه توه يرجع له عقله - لا ، لا راهو ديمه هكاكه ما يتبدلش - انا قلت للطيب وحذرت مرات - الطيب اعقل منو ، فرق بعيد . - اقول الحق ، اقول الحق ، هو ظالم - حتى الطيب ما خلاش من جهده - الحق هو ظالم كان جاء الطيب ظالم رآهم كلهم قاموا ضدو ، وشعلوا فيه - حتى الآخر رأسه صحيح - موش اول مرة - توه اللى فات فات آش نعملوا لهم ، بالسلامة عروسى . - بالسلامة خميس .
يبتعد خميس ويبقى عم لعروسى زمنا يتمتم ، يتابع الحديث وحده ، ثم يتثاءب من جديد ، ويغطى فمه بيده اليمنى ، فيلمع خاتمه من جديد ، ثم يتناول كرسيا من باب الحانوت ويخترق به النهج ، ويضعه عند الحائط الابيض ،
الطويل ، قبالة الحانوت ، ويمتطيه كما يمتطى دراجة ، جاعلا ظهر الكرسى امامه ويضع يده على خده ومرفقية الاثنين على ظهر الكرسى ، ويبقى هكذا ساكنا ساكتا ينظر نصف نظرة إلى الدراجات القادمة ويشير نصف اشارة الى الاطفال والفتيان ليضعوا الدراجات اما بجانب الحانوت او قبالته او داخله اذا نوى تصليح الدراجة او النظر فيها . ومن حين الى حين يفتح نصف كفه الايمن لا اكثر لتوضع فيها النقود ، وعندما تتجمع كمية لا باس بها ، يميل قليلا الى اليسار وهو جالس لا يفارق كرسيه ويطلق ساقه اليمنى ويدخل يده بصعوبة فى جيب سرواله الابيض القصير ، ويلقى بالقطع فيه دفعة واحدة .. ويبقى يأمر وينهى ، يشير ويحذر ، يتوعد ويؤنب ، بصوت لا يكاد يسمع ، بكلمة أو كلمتين او ثلاث « وقتك » ضع الدراجة « ضعها هناك » « أخرج » « اذهب » حذار لا تتأخر « وقتك » « انتبه » « لا تسرع » « خذ الحمراء » « خذ البرتقالة »
« وقتك » والاطفال كلهم والفتيان وحتى الكهول يذعنون ، يختلجون من كلماته يرتعدون ، ويمتقع لونهم فكأنهم أمام أسد فاجع ساكن ، ولكنهم يعرفون انه خطير .. ويتثاءب من جديد ، ويفتح فمه على مصراعيه مكشرا ، متأوها متنهدا مظهرا انيابا ذهبية ، حادة لماعة .. ويبقى فمه مفتوحا حتى نظن انه استحال عليه غلقه ، ثم يشخر شخرة مدوية ، مزعجة ، تفيض لها دموعه ويغلق اثرها فمه دفعة واحدة ، وتصطك سنانه كاصطكاك أسنان حصان « كريطة » حمادى وهو واقف فى الظل ، فى نهج حمام الرميمى ، عند راس زنقة البنزرتى ، وقبالة حمام باب الخضراء ساعات القائلة ، عندما يتركه حمادى هنالك ويدخل الى الدار فى قاع الزنقة ، ويطلع بليون ماء من البئر ، ويغسل اطرافه ، يتناول حمادى فطوره فى الغرفة شبه المظلمة النظيفة المرتبة الباردة وشعر باب الغرفة هابط وزوجته بين يديه .. ثم ينام ، ويعو شخيره ساعتين أو ثلاثا وحصانه يترقب عند راس الزنقة ويتثاءب ويفتح فمه كبيرا كبيرا ، ويرفع رأسه ويبقى فمه مفتوحا زمنا ، ثم يغلقه دفعة واحدة ثم يجعل يدق الارض بحوافره يستيقظ حمادى وتحضر له زوجته كاس الشاى فيتناوله وسط الدار ويخرج ويغلق الباب بقوة ويتدهشر من النوم ، ويتجشأ طوال الزنقة ، ويتثاءب ويجد الحصان والكريطة كما تركهما فيربت على رقبة الحصان بدون ان يقول له كلمة ثم يقفز فوق الكريطة .. يتكىء عم لعروسى حتى يستند بالحائط هكذا جالسا على الكرسى وكأنه راكب على جردينة ويبقى نائما ، هاجعا ، مستسلما للراحة والسكينة .. أحيانا يفتح عينه اليمنى او اليسرى ونشاهدها زرقاء شديدة حادة تكاد تخرج من بؤبئها وذلك عندما يتفطن الى قدوم دراجة أو يشك ثم يتيقن ان راكبها تأخر .. ويبقى ينظر ويحدق فى راكبها تحديقا
مزعجا .. حتى يفطن الطفل او الرجل انه تفطن لتاخره ولم يبق له الا أن يضع الدراجة بجانب الحانوت بسرعة ، ويضع خمسة فرنكات فى كف عم لعروسى بعجل ، عند ذلك يغلق عينه ويعود الى نومه وقطعة النقود او قطع النقود هاجعة فى كفه نصف المغلق .. وأحيانا يقول لطفل عندما يشعر بقدومه وبدون أن يفتح عينا : « انت اذهب عن وجهى والا ضربتك بهذا المفتاح « ويشير باصبعه نصف اشارة الى مفتاح ملقى على الارض بين بقية ادوات الحانوت » وأنت هات دورو خير لك ، ولا تتكلم ، ولا تفتح فمك « ويلقى له الطفل تلك القطعة الصفراء الجميلة فى كفه بخوف ووجل ويبتعد عنه بسرعة ، متجنبا ركلة أوكفا أو لطمة « وقتك » الآن اخذتها يا عم لعروسى « قلت لك وقتك » « والله الآن أخذتها » «وقتك» «يا عم لعروسى اخذتها منذ دقيقتين» «اسرع اذن ولا تتأخر» وتعود الدراجة الصفراء ، ونشاهدها تعود وطفل صغير يسير بجانبها وعرقه يسيل وكأنها تجره مرتفعة المقود هائجة متنطعة ككبش عيد راجع بعد فوز ونطاح شديد وطفل صغير بجانبه والكبش يجره ولا يعبأ به فهو قوى أبى شجاع مقدام فحل أصيل شديد يريد مزيدا من العراك .. يجد الطفل عناء كبيرا فى كبحه وشده اليه .. ويقبل خائفا مرتبكا ونأخذ الدراجة من بين يديه . فتعود اليه روحه ، ويتنفس الصعداء كما تنفسنا الصعداء ويفارق الحانوت بخفة وقد خف حمله .. نقول لنا عم لعروسى قبل ان نفارق الحانوت وقد أغمض عينيه : - لا تتاخرا انتما الاثنان !
ويقوم دفعة واحدة كان عقربا لسعته ، أوحية لدغته ، أو كلبا كدمه ، أو قطا خمشه ، أو طفلا صغيرا بعول له رجله من تحت الكرسى وهرب ، يقوم دفعة واحدة وينطلق يجرى وراء طفل وضع دراجة على الحائط خلسة وتسلل بخفة وصمت طالبا الفرار ويجرى عم لعروسى وراءه بسرواله القصير وجسمه الضخم وبطنه المكور يهتز اهتزازا يبعث على الضحك والخوف فى آن واحد ، صائحا بصوته المبحوح الخشن : - شدوا شدوا الكلب تأخر !؟ شدوا شدوا الكلب بقى ساعة كاملة ..
ويبتعدان ، ويعرجان يمنة ، ويغيبان عن الاعين .. وبعد دقائق ، يعود عم لعروسى محتقن الوجه، منزعج العينين، صدره يعلو وينخفض، لاهثا مزمجرا، وسبتة صغيرة فى يده . يقف أمام الحانوت وعرقه يسيل كحصان هرم بعد
سباقه الاخير .. ثم .. ثم يتهالك على كرسيه منهوك القوى ، ويضع السبتة على ركبته اليمنى .. ويبقى يمسح عرقه بمحرمته زمنا .. يعود الطفل بعد حين بخطى مضطربة ويقول من بعيد وبدون أن يقترب بصوت مرتبك حافت، لا يكاد يسمع :
- يا عم لعروسى رجع لى سبتى يعيشك ؟! - يفتح فمه ويجيبه حانقا صائحا وقد انتفخت رقبته واحمرت وظهرت عروقها كلها : - تبقى ساعة كاملة يا كلب ؟! ويسرع الطفل متوسلا ، متهدج الصوت ، يكاد يبكى : - يا عم لعروسى تاخرت عشرة دقائق فقط !! يزداد غضب عم لعروسى ويصرخ : - كذاب ، أنت خرجت فى الرابعة والربع والآن الخامسة والربع يشعر الطفل بشىء من الياس فيجيب محتجا : - ساعتك لا افهمها يا عم لعروسى ؟!
فيصيح فيه : - تفهم أو لا يجعلك الله تفهم .. أنت تأخرت وعليك بثلاثة دورو . فيجيب الطفل مدافعا عن نفسه متوسلا فى آن واحد : - والله تأخرت عشرة دقائق فقط !! - تزيد تحلف يا كلب - يا عم لعروسي انى - ثلاثة دورو - يا عم لعروسي سامحنى ما عادش نعاود صنعتى ! - لا ارجع لك سبتتك الا عندما تأتى بثلاثة دورو - أنا والله ما عندى فرنك وأمى ستضربنى وكان يسمع بابا يقتلنى يا عم لعروسى يفرحك - ثلاثة دورو
يا عم لعروسى براس اللى يعز عليك رجع لى سبتتى . - لا - براس اولادك - لا - يا عم لعروسى براس الشمس الزارقة على قبر سيدنا محمد !! - ثلاثة دورو - يا عم لعروسى بالقرآن الشريف !! - ثلاثة دورو - ان شاء الله تدخل الجنة ! - ثلاثة دورو
- يا عم لعروسى يلعن « أبوك وامك وجدك وجد جدك وخالاتك » ويطلق الطفل ساقيه للريح ، ويزيد صائحا من بعيد : يا لعروسى يا دبوزة يا لعروسى يا بنبونة يا لعروسى يا دب ويقف بعيدا وبعيدا جدا ويصيح ثالث بملء رئتيه يا دبوزة ، يا فاشكة ، يا دب الدبوبة ، تقفز كالدب ، وتجرى كالدب ، وكرشك تتهرطل بنبونة متاع شراب أنت « دب سكران » وكال كلاب وكلب مشوشط فى الفرناق . دبدب دبديب دبدب
يجن جنون عم لعروسى، يدخل الى الحانوت بسرعة،ويخرج بعصاطويلة غليظة ويفر الطفل ويبتعد وعم لعروسى يجرى يجرى وراءه ويفر الطفل كطائر صغير خلفه طائر ضخم ثقيل مرعب ، ويفر الطفل كحمامة بيضاء وخلفه نسر أو عقاب كاسر .. ويفر الطفل كأرنب صغيرة جميلة بيضاء وخلفها أسد هرم جائع ويطير الطفل كنحلة وخلفها دب جن من لسعاتها .. ويبتعدان ويغيبان عن الاعين .. ثم .. ثم يعود عم لعروسى .. ذليلا .. خائبا يتميز غيظ يتوعد ، يرتعد من شدة الغضب شاتما لاعنا عرقه يسيل كالزيت على جبينه ، على خديه على رقبته ، صدره يعلو وينخفض بطنه العظيم المكور أمامه منتفخ ضخم يولمه فيئن عند كل خطوة يخطوها ، حتى صار يتنقل بصعوبة كدب مسن خطير عاد بعد شحار حاد ، عاد بعد ما فكت منه فريسته منكسرا جريحا . ( للقصة صلة )

