ظل الجرس يرن ما يقرب عن الدقيقة والبواب واقف فى مدخل مكتبه الضيق يراقب حركة التلاميذ الذين انقطعوا عن اللعب واندفعوا نحو الاقسام بعضهم بسرعة والبعض الآخر بخطى بطيئة بينما تكاسل عدد قليل وانتظر نهاية رنين الجرس ليتحرك بخطوات قلقة وملامح حائرة ، وهناك فى اقصى الساحة الفسيحة انتحت مجموعة من الاطفال زاوية واستمرت في المرح واللعب غير عابئة بما حولها متجاهلة كل شئ حتى البواب الذي انتصب يحملق مكفهر الوجه متململا متمتما :
- تلامدة عقاب الزمان ، وفات القراية ، خلاص ايام زمان كان اطفال المدرسة الكبار اعقل التلامذة واحرصهم على النظام واليوم الكبير على خوه اشطن واحد وابخل تلميذ . . . ايه وازورهم زاده . .
وتقدم اليهم بخطى سريعة ملوحا بيديه مهددا - ادخلوا اقراو على أرواحكم ما تزيدونيش على ما بيه ، ما سمعتوش الناقوس ؟
تقدمت اليه المجموعة التى كفت عن الضجيج وصاحت في وجهه : - ما على بالكش باش نوليو نقراو فى الساحة ننتظر فى سيدنا اللى مشى يحضر فى الماتيريال ؟ . .
زم فى وجوههم وقلقل رأسه وضرب كفا بكف وكشخ فى وجوههم - اقراو حتى فى البحر ، لا بقات قراية ولا قارين ، اقراو في الساحة والعبوا فى الاقسام باهى ياسر ، يلزمكم فيلق عسكر باش ينظمكم ، انتم محصورين بين اربعة حيوط وعاملين فارعة خلى كيف يعطيوكم الحرية اللى من ها النوع .
ثم خفف من حدة لهجته واصطنع الهدوء وقال لهم - هاك العام التلامذة كانوا ما يتنفسوش قدام القانون ولا قدامى ولا قدام المعلمين والكل طلعوا رجال ، رانى درت الشرق والغرب اسمعوني نقول لكم
رقص احدهم امامه وغنى : ) صغير ما نعرف كان نرقص الممبو السودانى وفر هاربا عندما تقدم اليه يريده ، فعاد الى ركنه يتمتم : خسارة فيكم كل شئ ، ماكمش اهل للنصيحة ٠٠ .
اعترضه المعلم قادما وهو يحمل تحت ابطه صندوقا وفى يده اليسرى مجموعة من العصى المتفاوتة الطول واللون
- صباح الخير يا عم صالح بربى خرجلى طاولة م القسم نحط عليها الماعون لم يجبه وواصل سيره يلتفت اليه ويصطنع الابتسامة ثم عاد بالطاولة ووضعها امامه ورجع يترجم عن عدم رضاه بقلقلة راسه .
- باش نبدأو الدرس يا لولاد ، تعرفوش آش جبتلكم اليوم في بداية المرحلة الجديدة
- جبتلنا العصى يا سيدى . . باش تادبنا يا سيدي . . باش ما نقلقوكش ياسيدي ٠٠٠
: - نبدأو نشوفو آش فى ها الصندوق وما يلزمش المجراب تحكو مناكبو - قراطس يا سيدي باش نطلعوا آش كون مولاها - لا يا سيدى هو غالط ، نواشين باش تعلقهالنا
اخرج المعلم مجموعة من الشواشى المتباينة الاشكال والمختلفة الالوان . وكدسها على الطاولة فارتفعت قهقهات الاطفال وبدت على البعض منهم علامات استغراب ومرح مفاجئ :
- باش نحلو بيها يا سيدى معرض للصناعات التقليدية . . - لازم يلقى اقبال كبير عنا برشه وتله يا سيدي ملايه بالسواح على كل لون يا كريمة .
ضحك الجميع . - لا يا سيدى روسنا تعرات عام الزمه واليوم جات سنين الخير وباش نغطيوها . - أش عرانا روسنا وآش غطاها ، احنا يا سيدي ما عنا شى ، كس نقفز نجى ع السطح
كان المعلم يتاملهم فى صمت وعلى وجهه علامات كئيبة مجهولة المصدر ، ربما الظروف قفزت بمستوى التلامذة الى هذه الدرجة .
خليتكم تعبروا على رايكم بكل حرية ، هذي المرحلة الاولى متاع الدرس والآن باش نمتحن مدى الدقة فى اعمالكم فى مرحلة التطبيق بها الشواشى والعصى . . باش نعطيكم كل واحد شاشية من غير ما تختاروا باش ما يغضب حد ، الكل كيف كيف ، فرتونة وزهر
- واللى سعدو راقد يا سيدي آش يعمل - يصبر ، موش هكه يا سيدي ، عند ربي خير
اغمض المعلم عينيه ووزع عليهم الشواشى بدون تمييز ثم وضع نظاراته على عينيه وفتح دفترا وقال :
- اللي يسمع اسمو يقول على لون شاشيتو ويزيد يجيب جملة بسرعة من غير ما يفكر باش نمتحنكم . نبدأو : - الهادى
- شاشية خضرة كيف ملوخية رأس العام ، اللى يستنا خير من اللى يتمنى . - وانا كيفو ، وانا زاده ، يا سيدى ،
- باهى متوسط . محمد . - شاشية بيضة كيف حليب البقرة والصلاة على النبي واصحابو العشرة الصابر ينال .
- حتى انا كيفو وانا كيفو سيدي - قريب من المتوسط . عبد الله
- شاشية صفرة عقرب خاذلة باش طامع يا مغبون تسقي فى وردة ذابله ، رأيك فاشل والدبارة فاشلة . أنا خاطى وأنا خاطى زاده ، يا سيدى انفجر الاطفال ضاحكين : حتى سيدنا خاطى اشار إليهم المعلم بالسكوت وواصل - فوق المتوسط . بعدو ، عمر
- شاشية حمرة نار تشعل طفات اليوم لكن راهى تشعل اذا ما تصبش عليها المطر . . ما نصدق كان ما نعنق - خاطى خوك ، وانا زاده خاطي خوك - قريب من الحسن ، احمد
- شاشية كحلة يعجبني نوار الدفلة من غير ما يكون فى الواد عامل ظلايل ويعجبني زين الطفله من غير ما نشوف لفعايل - يا لطيف الطف بيه وبينا . - حسن . الشاذلى - شاشية قرفى ، فى الخدمة عرفى نهار لخلاص كلانى لا عطاني لا كوارطى ولا صرفي . الحيط لقصير يا زيانه
ضحك الاطفال ، وهتفوا : اخلص سلعة بسلعة والا حل حساب جارى بالبانكة . - قريب من الحسن . واخيرا منصور - شاشية زرقة نيله ، لياليهم ديمه قصيرة وليالينا طويله . المفعول به مرفوع والفاعل منصوب
- والفعل ساكن يا سيدي . . - حسنا . باش نبدأو المرحلة التطبيقية الهامة اللى باش تظهر قيمة كل حد . كل واحد ياخذ عصا . ضج الاطفال فى مرح برئ :
- علاش تسمح لنا باش نختارو العصى أما الشواشى لا - على خاطر العصى الكل تضرب وموش كل شاشية تغطى الراس موش هكه يا سيدي ؟
امرهم بان يثبت كل منهم الشاشية على طرف العصا بكل دقة وان يطلق بها يده اعلى من راسه بدون ان يسقطها واندفع الاطفال فى التجربة :
- سيدي هذى تجربة صعيبة ما نجمهاش خلقني ربي لا نعلى لا نهبط - سيدى عصاتى طويلة لكن شاشيتى ما ننجم نعليها كان قد كتافى - سيدى كتافى وجعتنى
- سيدى كيفاش شاشية توقف على ذبابة عصا وتعلي ، ما وهرتها كان ع الراس النظيف .
- غالط يا سيدى هي اليوم حتى العين تعلى ع الحاجب واغلب الروس تعرات ٠٠
ضرب المعلم على الطاولة ضربة اخرست السنتهم وجمدت عيونهم فى احداقهم واثبتت انظارهم عليه
- يكفى ، كنت نظنكم بارعين ، حبيت نجرب بيكم واعطيتكم الثقة ، لكن الكل فشلتو . . شوفو كيفاش . حتى عشرة شواشى نعليهم ونهبطهم مع بعضهم كيف شئ . .
- سيدي عاد انت معلم ، يديك قوية على خاطر صحتك لا باس وجيبك مليان - اللى يديه طوال وكتافو عراض ينجم كل شئ يا سيدي - العزيمة هى الساس ، والنية الحسنة . موش صعيب حتى شىء ما هو صعيب . .
اثبت عددا من الشواشى الواحدة فوق الاخرى على طرف العصا ، واخذ جسمه يتقلص استعدادا للعملية ، ثنى مرفقه بهدوء ثم اطلق ذراعه طلقة واحدة دفعت الشواشى الى الفضاء حيث تناثرت وتفرقت ، الا ان طلقة يده لم تكن عمودية بدقة فسقطت بعض الشواشى على الارض وبعضها الآخر سقط على السطح .
- سيدي موش الكل هبطوا بعد ما علاو ثم اللى طاحو ع السطح . - توه نهبطهم الدفعه جات قويه . الله غالب ما قريتش حساب السطح مانيش قد بعضى اليوم ، لازم مريض ، ما يسالش على كل حال . - سيدي يقولو السماح فى بحيرة حمزة ، آش كونو حمزه هذا ؟ - السطوح متاع بني اليوم قصيرة متاع بني قبل اعلى - سيدى يلزمك سلوم باش تهبط الشواشى اللى ع السطح والا صنارة ماضية . - انت ما تنجمش تطلع ع السلوم سيدي ، يلزم واحد خفيف نظيف
تململ المعلم فى مكانه واخذ يحملق تارة فى الشواشى المنثورة على الارض وطورا فى التى ظلت على الطاولة بلا نظام واخرى فى التلاميذ الذين لا يشك فى انهم أصبحوا ينظرون اليه ببعض التهاون وربما السخرية والاحتقار . . هل كان الدرس فاشلا ؟ والتجربة الجديدة التى كان ينوى ان يكسب بها عطفا اكبر ومحبة اكثر من التلاميذ هل تكون هى الاخرى فشلت ؛
طلب من الاطفال ان يجمعوا له الشواشى فجاؤوه بها بعد طول انتظار وظل واقفا يفكر شاردا . .
- سيدى نعملو تجربة أخرى ، ما يهمش لازم تنجح فيها واحنا زاده يمكن ننجحو - حتى كيف تغلط انت باقى سيدنا يا سيدي والدنيا تجارب - صحيح ، الصابر ينا ل يا سيدي ، ما معصوم م الاغلاط كان سيد الخلق نزلت على قلبه هذه الكلمات بردا وسلاما واخذ الصندوق الفارغ ووضعه فى مدخل القسم ثم وقف هناك على العتبة متوجها الى التلاميذ واخذ يشرح لهم التجربة :
- آش كون منكم ينجم ياقف هنا ويأخذ الشاشية من قدامو بذبابة العصا . برفعها برفق ويرميها فى الصندوق الموجود فى داخل القسم من غير ما يتلفت واللى يخسر ما يهمش شاشيتو تقعد عندى وما ياخذهاش واللى ينجح شاشيتو تقعد فى الصندوق نجلسو ونقرروا يأخذ جايزه والا لا .
فرح الاطفال وتسابقوا وتدخل المعلم يفرض النظام بصعوبة . - سيدي آش نيه الجايزه هنشير والا قصر ؟ تعالت ضحكات الاطفال .
- سيدي برشه شواشى تمسخت كيف جات ع القاعة نخليوها على جهة واش تدخل فى الحساب ؟ - ما يهمش انفض شويه ويكفى - ما تنظافش يا سيدى كان بالماء والصابون . . حتى بالأومو وشوف . - ابدى بيها ويكفى م التفلسيف
وتعاقب التلاميذ الواحد تلو الاخر وفشلوا فى ضبط الشواشى داخل الصندوق ويئسوا من العملية
- سيدي انت برك تنجم تحصرهم فى الصندوق وتنجح على خاطر فشلت في المرة الاولى ، ،
- سيدى لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين - احنا صبووين كان فى الكلام يا سيدي - انا قادر باش نعمل خطبة والا اثنين والا نكتب حتى جريدة - جرب بالشاشية الحمرة يا سيدي
ونجح المعلم وصفق الاطفال وطلب منهم بقية الشواشى لكنهم رفضوا : - لا نريد منك ان تفشل يا سيدى . . احنا شادين فيهم وفى ربى ، والناقوس قريب ينوقس
- سيدى نربحو على الاقل شاشية ، احنا روسنا عراية ، - أمي تفرح بى يا سيدي كيف نروح بحاجة هناني بنانى . . ورن الجرس فتفرق الاطفال وبقى المعلم فى مكانه يفكر ، ربما كان الدرس فاشلا ، جاء الحاجب اليه يتامله :
- خوذ خلى الصندوق عندك يا عم صالح - بشواشيه والا كان بالعصى ، والا الشواشى ما زلت حاجتك بيهم . - شاشية برك داخل الصندوق يا عم صالح - مالا برشة شواشي قعدو لبره - برشة شواشي قعدو لبره . . البعض ع السطح والبعض رقدو عليهم الصحاح من هاك التلامذة يا عم صالح
- السعد راقد والا علاش برشة شواشى يقعدو لبره وما يجيوش فى الصندوق . فين ناوى باش تقري الدرس الجاى ، لازم فى الحديقة المره هذى
- لا لا يا عم صالح باش نطلب التقاعد النسبي واذا رفضوا نقدم استقالتى ، امورى اصبحت تقليدية ، حبيت نجدد فشلت ، والتلامذة فاقولى بنقطة الضعف ، ما كنتش نتصور وانى نفشل ويقعدو برشة شواشى لبره وقت اللى حبيت نورى للتلامذة اللى انا قادر باش نحصلهم الكل . . ماكنتش نظن انهم باش يتمكنوا ويهربوا بالشواشى معاهم وقت اللى فشلوا كيفي . .

