الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الدفاع عن أدباء الارض المحتلة ،

Share

لا يعدو طرح شعار الدفاع عن أدباء الارض المحتلة ، بمفهومه الضيق ، كونه لونا من الوان المزايدة . اذ لن يكون الدفاع المذكور فى هذه الحالة عمليا على الاطلاق ، ولن يكون شعاره بالتلى مجديا . . ولا مخلصا .

ان الشعار بمفهومه الواسع هو وحده الجدير حقا بالبحث والمناقشة واتخاذ ما يناسبه من القرارات .

والمفهوم الواسع لتعبير " الدفاع عن ادباء الارض المحتلة " لا يعنى اشخاص هؤلاء الادباء الذين يعيشون حاليا فى الارض المحتلة .

وانما هو يعنى أولا أدبهم بشكل عام . . . ويعني ثانيا كافة الادباء الذين هم على شاكلتهم ، والذين ينتجون أدبا من طراز أدبهم فى مختلف الاقطار العربية الاخرى .

ان ادب الارض المحتلة - كما يؤكد أدباء الارض المحتلة انفسهم - ليس - من الناحية الجغرافية - سوى رافد صغير من روافد النهر الكبير للادب العربى المعاصر .

وهو الى ذلك - من الناحية الفكرية - رافد جد صغير ايضا من روافد النهر الكبير الكبير الكبير للادب العالمي ، المندرج تحت لواء الواقعية الاشتراكية .

واننا لنجد لمثل هذا الادب تراثا ضخما ، ونماذج جمة صالحة لان تكون خلفية قوية . .

أولا : على الصعيد العالمى بطبيعة الحال . وثانيا : على الصعيد العربى ، ولو على نطاق محدود ، بسبب ما كانت وما زالت تعانيه من الكبت والاضطهاد .

وثالثا : على الصعيد الفلسطيني قبل علم 1948 وبعده ولعلنا فى غني عن سرد الشواهد والاسماء فى هذا المجال .

لامشاحة فى أن من الجوانب الايجابية لهزيمة العرب ، بقياداتهم البرجوازية الكبيرة والصغيرة ، عام 1967 ، أنها أطلعتنا بشكل لا بأس باتساعه ؛ على نماذج من هذا الادب العربى الطليعى ، صادرة هذه المرة من الارض المحتلة .

ولقد كان لهذه النماذج في الحق فضل فى تعريفنا على نطاق واسع بمضمون هذا اللون من الادب ، وفي تخفيف قيود الكبت والاضطهاد التى كانت مفروضة عليه .

ويرجع هذا الفضل : أولا - الى ان اصحاب ذلك الادب الطليعى كادوا يكونون الادباء الوحيدين الذين رفعوا اصواتهم هناك فى وجه العدوان . . وثانيا : الى تعلقنا بالارض السلبية التى صدرت عنها النماذج ، والى تشبثنا بمقاومة العدوان عليها ، وتحرقنا شوقا الى استعادة الثقة بانفسنا التى كانت قد وأدتها نكسة حزيران . . .

وثالثا : الى خشية القوى المضادة لمضمون الادب الطليعى عندنا - اذا ما واصلت اضطهاده وكبته بمثل شدتها السابقة - من أن تتهم نفسها بنفسه على رؤوس الاشهاد بانها مضادة للمقاومة فى الارض المحتلة .

ونحن هنا لم نكن لنستخف مع ذلك مطلقا ببلاغة نماذج الارض المحتلة ونواجبها الحمالية الاخرى ، ولا بمواهب اصحابها وكفاءاتهم ، مما كان له اثر ايضا فى ذلك .

من هنا ينطلق تقييمنا للدور الفعال لادب الارض المحتلة فى تطوير ادبنا العربى المعاصر ، وبالتالى فى توجيه نضالنا التحررى في معركة المصير

لقد أجمع كافة من تصدوا بنزاهة وتجرد الى نقد النماذج الادبية الواردة البنها من الارض المحتلة ، على أن أهم ما تتميز به هذه النماذج بوضوح ، هو

الصراحة ، والشجاعة ، واحترام الكلمة ، والتفاعل مع قسوة المأساة وضراوة التجربة ، والتعلق بالارض ، والالتحام بالجماهير ، واتخاذ الثورية الواقعية بديلا عن الوطنية الرومانسية نبراسا فى ممارسة النضال .

وهذه السمات بالذات هى نفسها التى تميز كذلك نهر الادب الطليعى - أدب الواقعية الاشتراكية - فى سائر انحاء الوطن العربي الكبير .

ان أحدا من اولئك النقاد لم يستطع ان ينكر على أدب الارض المحتلة - وبالتالى على كل الادب العربي الطليعى الذى هو من طرازه - كونه أدبا صادقا .

ولم يكن هذا الصدق ليصدر بتاتا عن أديب غير ملتزم بفكرية أو مذهبية متكاملة معينة .

فما هى هذه الفكرية أو المذهبية المتكاملة التى تعرفنا عليها باطلاعنا على نماذج الادب العربى الواردة الينا من الارض المحتلة ؟

لعل من أبسط ما يبغى لنا ان نتحلى به نحن ايضا كأدباء ، أن نكون صادقين على الاقل مع أنفسنا ، فنبادر الى الاجابة بجرأة وصراحة على هذا السؤال , فنقول - برضى منا أو على مضض - إن كافة من وصلتنا نماذج من أدبهم في الارض المحتلة ، فتعلقنا بها وأعجبنا باصحابها ، انما هم من المثقفين الثوريين . . من المناضلين التقدميين الديمقراطيين . . من الادباء الواقعيين الاشتراكيين .

ان الاشتراكية العلمية اذن - سواء قبلناها أم رفضناها - هي هى هى الفكرية أو المذهبية التى تعرفنا عليها وتفهمناها - على نطاق واسع - عن طريق اطلاعنا على نماذج الادب العربى الوارد الينا من الارض المحتلة .

وهذه الفكرية او المذهبية المتكاملة - رغم كل مظاهر الديماغوجوجية المضللة للسلطات الاسرائيلية - انما هى هدف الاضطهاد الاول فى الارض المحتلة ، ولا غرو أن يكون اشخاص اولئك الادباء الذين يعتنقونها ، محل اضطهاد ايضا من قبل السلطات الصهيونية .

وليست الاقامة الجبرية ، واثبات الوجود اليومى ، ومنع السفر بدون نصاريح ، والحد من التنقل ، ومحاربة الاديب فى لقمة عيشه ، بل والزج في اعماق السجون ، الا بمثابة مظاهر يومية عادية من صورة ذلك الاضطهاد .

غير أن انقطاع الصلة بين هؤلاء الادباء وبين اخوانهم من أدباء الاقطار العربية الاخرى ، والحد الى حد كبير بينهم وبين مساهمتهم مع غيرهم من الادباء العرب في مخاطبة الجماهير فى الوطن العربي الكبير ، أقسى على نفوسهم كأدباء من سائر تلك المظاهر التعسفية .

ثم ان قضايا تضييق نطاق النشر باللغة العربية داخل الارض المحتلة على يد السلطة الاسرائيلية من جانب ، وحظره هناك كلية على انتاج كافة الادباء الفلسطينيين الغائبين فى البلاد العربية من جانب آخر ، والحيلولة بشدة دون نسرب الانتاج الادبي العربى الخارجى الى داخل الارض المحتلة من جانب ثالث . . كل ذلك أحد باهتمامنا فى هذا المجال من كافة ما سلف ذكره من الاجراءات الاسرائيلية الحائرة . ذلك ان هذه القضايا لا تعدو كونها فى الواقع قضيا محاولة عزل الانسان العربي الفلسطيني داخل بلده عن المصادر الحقيقية لثقافة العربية القومية والفلسطينية المحلية .

فما الذى ترانا نفعله فى معرض الدفاع عن أدباء الارض المحتلة ؟ لا نستطيع مع الاسف عمل الكثير عن طريق الحملات العالمية فى مجال نخفيف القيود المفروضة عليهم كاشخاص . . وقد لا يكون من العملي تقديم أية معونات شخصية لهم كأفراد . . بل ليس فى امكاننا ايضا مع الاسف ان نمد اليها ايدينا لنعينهم فى حياتهم اليوم اليومية كادباء يعيشون هناك . . .

وقد نذهب الى أبعد من ذلك فنقول ان ايدينا قاصرة عن الدفاع عن فكريتهم أو مذهبيتهم ذاتها فى وجه السلطات الصهيونية .

ولربما كان هذا كله هو بعض اهداف المعركة التى تخوضها الامة العربية برمتها . ووصولنا إلى هذه الاهداف متوقف على انتصار الامة العربية فى المعركة الكبيرة على المدى البعيد أو القريب .

فكيف يكون دفاعنا اليوم اذن ، نحن هنا كأدباء ، عن اخواننا الادباء العرب فى الارض المحتلة ؟

ليس سوى أن نعينهم أولا على حمل الراية التى يحملونها داخل الارض المحتلة ، ثم ان نعمل هنا ثانيا على حمل نفس الرايه فى العالم العربى خازج الارض المحتلة .

وان الامرين كليهما ليتمان معا عن طريق التعريف . على النسيج الحقيقى الذى صنعت منه تلك اراية ، الا وهو فهم روح العصر ، والتفاعل معها تفاعلا تاما . وتتمثل هذه الروح ، فى المرحلة التى نجتازها : بالنضال من أجل التحرر الوطني ، وباختيار الاشتراكية منهجا وغاية ، والكفاح الجاد من ثم مع كافة الشعوب ومع ادبائها بالطبع - فى سبيل دحر الامبريالية والاستعمار وكذلك فى سبيل بناء المجتمعات الاشتراكية .

اننا حين نستوعب كأدباء ، حصيلة الفكر الاشتراكى العلمى ، ونتخذها نبراسا لنا فى كافة نشاطاتنا العقلية والجسمانية ، بشكل قابل للنمو والتطور . . وحين ننتصر على كافة المخاطر التى قد نتعرض لها كأدباء ثوريين أحرار . . . نستعلى على اغراء السلطة والمنصب والمال والجاه ، وتتجاوز التطلع الى  المكاسب الطبقية ، ونتجنب الانعزالية ، والهروبية ، والمزايدات والمؤامرات والحذلقات ومختلف الصغائر التى يتفرغ لها بعض ادبائنا اكثر من تفرغها للعمل الادبى .

وحين نوثق اواصرنا كمثقفين مع جماهير شعبنا وشعوب العالم . . نأخذ منها ونعطيها . . نقودها ونتقاد لها . . . ولا تعتبر بنا معها يوما اثارة استعلاء . .

وحين نفهم المعنى العلمى لنضالنا من أجل فلسطين ، ونعتبره كما يجدر به او يكون ، جزءا من نضال الشعوب ضد الاستعمار ، وصراعا حياتيا بين دولة اسرائيل الفاشية العنصرية العدوانية المستغلة ، وركبزة الاميربالية العالمية من جهة ، وبين الشعب العربى الفلسطيني المضطهد المنهوب المسلوب , ومعه مجموع العناصر الديمقراطية العربية واليهودية داخل الارض المحتلة من الجهة الاخرى . . .

وحين لا نتغاضى عن المضمون الطبقى لهذا الصراع . . . باعتبار الطبقة تجمعا اقتصاديا كبيرا وليس تجمعا دينيا او ثقافية او اجتماعيا . .

وحين نعير اهتمامنا لنقاط الالتقاء المتواجدة بين جماهير اولئك الذين بضربون ويتظاهرون يوميا ضد السلطات الصهيونية فى الارض المحتلة ، وبين جماهيرنا التى ترفض الدولة الصهيونية فى قلب الوطن العربي ، ونعير التفاتنا فى الوقت نفسه الى ذلك القاسم المشترك الاعظم الذى يجمع كذلك بين مضطهدى الفكرية الديمقراطية فى الارض المحتلة ، وبين معاديها ومقاومتها فى الوطن العربي .

وحين نضع نصب أعيننا على الدوام أننا انما نناضل من اجل تخليص أرضنا من براثن الصهيونية ، وليس من أجل طرد أحد من الناس الذين يعتنقون دينا - مهما يكن - من الاديان ، أو من أجل اضطهادهم أو نهبهم أو سلبهم أو رميهم فى البحر . . . .

وحين نفرض فى النهاية ارادتنا - كأدباء أحرار - على نشاطات اجهزة الثقافة والاعلام والنشر فى عالمنا العربي ، فنوجهها الى اعتماد التقييم الموضوعي والمخلص ، لما تنشره وتذبعه من الادب ، ونحو دون تسرب ما تنتجه مصانع المخابرات الاميركية والاسرائيلية وامثالها الى اسواقنا ، وتصدرها فيها واجهات المكاتب والاذاعات والشاشات الكبيرة والصغيرة ، ونشجع من ثم عن طريق وسائل الاعلام - وعلى رأسها وسيلة الاذاعة فى هذا المجال - على ايصال أدبنا التقدمي الديمقراطى الحقيقى الى الجماهير الكادحة والمثقفة فى العالم كله ، وفي طليعتها جماهيرنا العربية فى الارض المحتلة ، وكذلك على ايصال أدب العالم التقدمي الديمقراطى الحقيقى ، ومنه أدب ادبائنا فى الارض المحتلة بالطبع ، الى أوسع الجماهير فى عالمنا العربى . .

اننا حين نفعل ذلك . . نكون قد رفعنا فعلا تلك الراية ، وأعنا أدباء الارض المحتلة على رفعها هناك .

اشترك في نشرتنا البريدية