وهو لن يجد طريقه الى الله الا اذا وجد طريقه الى نفسه . الانسان طريق الانسان الى الله ، والانسان طريق الانسان الى الانسان . فما اغباه يفتش عن الله وعن نفسه فى غير نفسه .
وهو كتاب الإيمان بالانسان ، لأنه كتاب الفناء في الخلق ، في الله . . . .
كم اردنا الروح فيضا
جارفا صخر السدود
الانسان بين المادة والروح . ذلك تنازع قديم قدم الانسان فى العالم . وهو صراع قوى لم يهدأ ، وخصومة شديدة لم يعرف التاريخ لها فتورا . مادة وروح فالاولى جاذبية واستجابة للشهوات ، واغراء باللذة ، والثانية جاذبية وايحاء بالطهر ، واشعار بالسمو والرفعة نحو الانسان كما يجب أن يكون ، ثم نحو الله.
لقد عرف الانسان ، بل الانسانية كلها احقابا كانت فيها من امر المادة والروح بين مد وجزر ، واقدام واحجام تبعا لمعطيات اقتصادية وجغرافية وسياسية وحضارية بوجه عام . وكان التنازع يبلغ اشدة كلما أوغل الانسان فى اتجاه على حساب آخر ، واسرف فى جانب دون الجانب المقابل ، وهكذا عرفت مجتمعات يغلب عليها التمسك بالدين والارتباط بالاخلاق والتعلق بالمثل
واحرى بما غلب عليها من البذخ والترف والافراط فى الثراء والتهالك على ما يرضى الغرائز ويملأ البطون والجيوب
وصراع انسان المسعدى فى السد يختلف عما تعوف من قصة المنازعة قديما وحديثا من ان الانسان يكون موضوع الصراع ، اذن فموقفه للاستسلام اقرب ، وبالخنوع اشد اتصالا ووثوقا . هو موضوع التنازع لانه ينجذب وينحاز اما عن وعى او عن غير وعى ، تاتيه المادة فيرتمي فى احضانها ويكون عبدا لها . وقد نهزه اليقظة الروحية هزتها العنيفة فيأخذه حنين قوى الى السمو والخلود واذن فان انسان المسعدى ليس من هذا الصنف الضعيف ، انه ليس ضحية الصراع وانما هو يقود الصراع ، ودوره اقرب الى الاستسلام . انسان السد بطل لانه يصارع فلا يصرع ، ويقاوم فى غير استسلام ، وبذلك وجوده يمتاز بالايجابية والايمان
ولئن كان البطل فى السد يصارع فلانه آمن بالانسان ، وسير طول الطريق وبعد المسافه واعماق الابد ، ولان حظه من الروح يتعاظم ويتسع حتى يفيض فيكتسح المادة ويخلق تيارا قويا يدفعه الى غايته البعيدة الشاقة التى سعى اليها فى غير توان ولا اعياء .
اما عالم المسعدى فهو عالم جدب وصلابة . وقد يتوهم البعض فى فهمهم " للجبل الأخشب والنبات كالابر والارض الضماى " انه حدب مادى ، والحق ان الكاتب انما اختار هذا الاطار القاحل الشائك ليوحى بالحدب الروحي والخصب المادى ، ولكنه خصب جامد قوامه الصخور والجلاميد واليبس . عالم فراع إلا من المادة ، ومحيط لا حظ فيه للقيم والمبادى التى يتخذها الانسان مطية السمو الروحى الاخلاقي . ان قساوة العالم ويبسه واشتداده لهو الاطار الطبيعى واللازم لكل صراع .
وخلافا لما عرفناه فى كتاب آخر للمؤلف " حدث ابو هريرة " من رحابة العالم الذى يصطرع فيه الابطال وتراميه ، اذ هو يشمل الصحراء على رحابتها بكثبانها وتلالها ورمالها نجد انفسنا فى السد وقد اشرفنا على عالم ضيق لا يكاد يتعدى الجبل والصخور والكهوف والوهاد السحيقة . لاشك في انة عالم ثرى بالاشكال ولكنه فقير فى المساحة . ثم ان تلك الاشكال على نشازهم وجفائها لا تخلو من جمال عليه مسحة من القوة والعنف : " وفي الوادي صخور كرب من الحمير تشرب " .
وكما ان صلابة المحيط فى عالم السد توحى بالصراع والثورة فان ضيقه بشعرنا بان الغاية التى يقوم من اجلها الفعل ليست بعيدة فى الواقع اى فى المكان ، وإنما هى أبعد من ذلك بكثير فى عالم النفس أو فى عالم المثل
ربما يكون المسعدى قد ضاق بالحضارة المادية وكره المدنية المحمومة ، تلك القلعة الكبرى وذلك الصرح الضخم الذي تم للانسان بناؤه وخلقه فى ما مر به من الزمن . ولم تمنع عظمة البناء ولا فخامة الصرح من ان ينوء بهما الانسان فله من ثقل ما بني عبء وأى عبء . واذا كانت المدنية بماديتها البراقة تنقض ظهر الانسان فلانها اقيمت على اسس من الجفاف الروحى ، هو نفس الجفاف الذي نعيشه فى جبل السد ونحن نقبل على قراءة الرواية : " تنقض الاعباء ظهور العباد . . . فتكون الصلاة ، ويكون الدعاء . "
ولست ارى فى ذلك دعوة الى الدين او حنينا الى الصلاة والعبادة وانما هو ندكير بالنفس وبكل ما يثرى الروح ويدعم ثقتها فى قيمة الانسان وفي حظه من السمو الا لهى ان هو عمل على ادراك ذلك السمو او الانتحاء منحاه .
ومن اجل ذلك كان بناء السد . انه سد فى وجه الغرائز الجامحة وحاجز محت من شهوات الجسد وطغيان اللذة على الانسان ، واستبداد المنفعة والتكائر والجشع بنفسه حتى لتخاله انسانا وهو الى البهيمية اقرب . ولا سبل الى ان بحقق الانسان هدفه الاسمى من السمو بانسانيته ان لم يشرع فى بنائه الروحى العظيم مبتدئا بالتحرر من سلطان المادة عليه . ولن يخفى على اى قارى للسد ما قصد الكاتب الى التماسه من معاني القوة والعظمة والثبات لهذا السد بدل على ذلك ما قدم من تصوير حسى دقيق للجو الذي كان ينجز فيه : وحول السد قواة لا تحصى وحركة ودووى وعمل شديد وجهد عرديد . .
ان تلك المعانى الفياضة بالقوة ، النابضة بالحركة لتدعم في اذهاننا ما قد يكون المسعدى عمد اليه من خلق ضرب من التوازى بين ما يعتبر مفخرة الانسان حضاريا وما يقابله من ذلك الهيكل الروحى الفخم الذي لا ارتقاء بدونة للانسان .
وتعتمد الرواية اساسا على اتجاهين يمكن تعريفهما بالواقع والممكن والواقع هو صوت المادة والجمود الروحى تجسمه ميمونة وصاهباء ، ثم الممكن ويجسمه غيلان . وقد نلاحظ من أول وهلة ان القصة تتبع هذين الاتجاهين
فى وضوح وجلاء . يقول غيلان فقد نزلنا بالخيال وتجيبه ميمونة " حلول الدودة بالثمرة " . . . والبعد ما بين الخيال والدودة هو نفس البعد ما بين الروح والمادة
ثم ان سلوك الاتجاه الخيالى ضمن التيار الروحى الجارف تدعمه ثورة عارمة نفوض الحدود والنواميس والعراقيل ، حتى يتحرر الانسان ويكون الفعل محديا مفضيا الى اقامة البناء الروحى للانسان . والحرية التى ينشدها انسان السد نطلاقه من قيود المادة الخالقة للعجز والصانعة للجمود الروحى والاضراب عن الفعل
- غيلان : لا يا ميمونة ، بل الكفر بالنواميس والحدود والعراقيل وانكار العجز والاسلام ونفي العدم . . " .
والحرية فى السد ، او الثورة من اجل الحرية ، لم تكن هدفا في حد ذاتها وانما هى وسيلة ناجعة ولازمة لجعل الفعل ممكنا ، اي فتح طريق الانسان لتحقيق ما رسم لنفسه من غاية نفى العدم وتحقيق الخلود
ولقد مهد الكاتب لثورة الانسان الروحية فى الرواية بان خلق لها اطارا من الماورائيات كالاصوات الهاتفة والوحى والانبياء : " اني اسمع هاتفا . . " " انه وحى وانانبيان . . . . " .
ولم يهمل ما يبغى اخفاؤه عادة على الجو الثورى من الهول والقوى الجارفة ، وعناصر كالنار ، والأوار ، الحر الرعد والجلاميد
قد يكون متحتما تحديد ما ينصرف اليه مدلول الفعل في السد . وخلافا لما قد يتبادر للذهن من انه فعل مادى بناء فى الحقل الحضارى للانسان فانى أو من بان الفعل هنا هو فعل للانسان من اجل الايمان بالانسان والسمو بروحه ووجدانه .
قحط وماء . . ان السد فى وجه القحط ما هو الا سد فى وجه المادة لا براءة الروح وانمائها ، والروح هى الماء . . " وانما هم قوم افعمت نفوسهم مياه كاذبة ورطوبة كاذبة . . . . فروا من الفعل عجزا . . "
وسوف لن يندفع التيار القوى نحو ما اريد له من غاية بدون ان تعترضه حدود وعقبات وعوائق تصده عن سبيله صدا ، ولكنه يستمر كاعنف ما يكون قويا
عاتيا جرا . وأهم ما يبرز من هذه العوائق الاهة المادة وحبيبة الجفاف الروحى صاهباء : " ويذهب الماء يصاهباء وقحطها ونبيها . . . واخرى ميمونة وهي النفس الامارة بالسوء ، غايتها القعود بالانسان عن انجاز بنائه الروحى فتكون حجر عثرة بما تثيره من مخاوف وما توحى به من التشاؤم والتردد والحبرة . . " وانت يا ميمونة ؟ . . ألست الشك والحيرة ؟ . . " . ويقول ايضا " ميمونة ، يادودتي ويا دائى ويا صيحة الحيرة فى روحى . . . " ونرى البطل فى الرواية او نزوع الانسان نحو السمو الالاهى يقف مقاوم ثابتا ثبوت الايمان فى النفس لا يتزحزح . . " ليس فى الحدود والعراقيل حد واحد ولا عقال واحد يعجز عن كسره العزم . .
ولكن ألا يكون استخفاف الانسان بالحواجز والعراقيل من قبيل اعتداده بنفسه وما يحمل من كبر وغرور ؟ . . . والا يجوز ان يكون كل ما ارتاه ممكنا لا يتعدى الفراغ والخيال العقيم ؟ ٠٠ ان تعلق الانسان بالاهداف البعيدة لهو ضرب من الاستجابة لظمأ لا يرتوى ، وطموح لا يحد قوامه الضعف واساسه الخبال والخلاء : " والبشر من عادتهم ان يجمعوا الاوهام والمعتقدات . . "
ولن يخرج الصراع من حوزة المادة والروح بانتقاله ظاهريا الى تنازع بين الواقع والخيال ، بين الممكن وغير الممكن . الم يكن الخيال هو المزين للانسان بان يدرك الكمال فيتطاول على الصعاب ويهزأ بكل الحواجز ويستخف بالحدود والعقبات ، ولكنه مع ذلك عاجز قاصر كل القصور والعجز الى درجة لا يقوى معها حتى على " ادراك ما تقتضيه الحياة من التسليم والجبن والاسلام . . "
وليس من غرض المؤلف في الرواية ان يظهر قصور الانسان او وقوفه عاجزا مدخورا امام " اللاممكن " ، وانما هو يجعل كل همه تصوير انسان قوى تالايمان ، عاجز فى الفعل ، تترامى غايته بعدا مثلما يترامى عجزه ضعفا وصغار وهو فى هذه الحالات جميعها غير مدرك ، اللهم الا لما ينسبه لنفسه من طاقة مزعومة وقدرة كاذبة . فهو يعيش الضعف ويتوهم القوة ، يتنفس الحقارة والصغر وهو ادنى من ان يرى نفسه او ينظر فى أعماقه .
والسد لا يفضح ضعف الانسان رغم ما نعرف من الفشل الذى ينزل به فى آخر الرواية ، وانما هو يستغل ظاهرة الضعف ليبرز فى وضوح وجلاء قوة لجانب الروحى لدى الانسان ، تلك القوة التى جعلته يروم ادراك السمو الالهى وقهر الفناء والعدم ؛ فيبدو بذلك تخبط الانسان واضطرابه اضطرابا أبديا بين
قصور يدعمه الواقع والفعل ، وقوة طموحة لا يبررها الا الخيال ، ولا تقوم الا على الوهم والفراغ ، ولا يحركها الا ذلك التعلق الدائم بغاية تتعدى كل قوى وكل طموح . . . " ان حياتنا مفعمة عقبات . . خلو من كل وصول ونزول وكل قرار وسكون . . . . " .
ان تطلع الانسان الى الكمال الروحى لا يفسره الا جهله بما تنطوى عليه نفسه من ضعف ، وما تخبئه حناياه من ظلمة وفساد . . " انما اردت ان اقول : حلول الدودة بالثمرة ، فالثمرة الى التعفن والفساد . وسواء كان بطل السد اى انسان المسعدى ، مدركا لضعفه شاعرا بقصوره ، أم هو جاهل لهذا أو متجاهل ذاك ، فان مرماه البعيد يبقى فى كلا الحالتين مصورا لمحاولة الانسان الأبدية تغطية نقصه بالتعامى عن ذاته او بسترها واقامة الحواجز والحجب التى تقوم حدا مانعا لبصره وبصيرته عن النفاذ الى ما لا رغبة له فى الوقوف علي من عفونتى النفس والجسد .
وهكذا يكون التفات الانسان الى اثراء الروح فيه ، ثم اتخاذها مطية يتوهمها موصلة الى كمال لا يعرف النقص ، الى سمو روحانى كله نقاء لا تشويه شائبة يكون من قبيل التماس الملجا او المهرب الكفيل وحده بان ينسى الانسان كلما التجأ اليه او لاذبه ما يكبله من قيود لا مفر له منها ، قيود المادة كما تجسمها الغرائز والشهوات ، ونزوات النفس على اختلافها
لا يغطى عتو المادة الا وداعة الروح ، ولا بشاعة الضعف الا جمال القوة ، ولا سفول النقص الا سمو الكمال . . " وما احتاج الى سد الا من خشى التجرد . . وما استحيى من كشف النفس الا من كانت نفسه فى قبح العورة "
وهكذا فان انسان السد ينشد الكمال الروحى بلهفة قصوى وعزم ثابت لا بوازيهما الا لهفة وعزم غيلان فى بناء سده
واذن فالدفق الروحى فى السد من الانسان وللانسان ، وبذلك يكون البناء الروحى العظيم مجردردفعل ضد الحدود والضعف والعجز . وانما هي معان لم تتجاوز الانسان رغم ما انطوت عليه من معالم السمو والكمال والجلال دع عنا السماوات والاعالى ولنكتف بالارض . وانك ان اتممت الفعل وانهيته فقد قتلته .
انك لن تكون مؤمنا بمجرد ادعائك للايمان واعلانك له ، وانما انت مؤمن لانك تحاول دوما ان تكون ، فتهدف اليه بكل جارحة فيك ، وبكل نبضة فى
قلبك وكل خلجة من خلجات وجدانك وشعورك ، فانت مؤمن بقدر ما تنهد الى الايمان ، لا لانك تحمله في قلبك وينطوى عليه كيانك . واذا كنت لا تؤمن فلانك تفنى وجودك وتذيب كيانك فى سبيل الوصول الى الايمان ؛ تلك هى قوة الانسان ، وذلك هو الدفق الروحى القوى الذى لا يتوقف .
وانا لنضع حدا لايماننا بالانسان اذا آمنا بانه وصل او قارب الوصول الى غايته عن طريق الفعل في البناء الروحى لان ذلك الايمان انما هو مستمد من جهاد الانسان الابدى ولا مما يتولد كنتيجة لذلك الجهاد . وان سمو الجهاد وشرفه ليس من سمو الغاية وشرفها بل لكونه لازما وابديا خالدا . " فليبق هذا السد غير تام ليبق له خلوده . . . " . " لا تكون الطريق طريقا حتى تكون بلا نهاية ٠٠٠
وطلائع الفشل فى السد تبدو لنا فى أول الامر مستأنية متمهلة تمهل انهيار الايمان وموت الروح ؛ وعلى حين يرتفع صوت المادة مجلجلا عاتيا داعيا الى الفشل والتراجع امام سلطان اللذة والشهوة ، نجد الفيض الروحى يتقلص ويتناقص حتى ليكاد يترك الانسان فى جفاف مميت
ولعل اهم ما يؤدى محتوى الرواية ما ورد من قصة هامان على لسان ميمونة فهامان قد لقى من الجسد والحس شديد العذاب ، فاعتصم بالعقل يلتمس فية السمو واشتداد الروح ، ولكنه توهم انه خلق نفسه خلقا جديدا . وسرعان ما تردى فيما كان لابد من ان يتردى فيه من عبودية الجسد ، لان " الحس بقي تحت العقل كخامد النار ، وانه كان للعقل حدا وقيدا . . " .
وبعد انغماس فى اللذة واستجابة لداعي الجسد ثم مجاهدة كل ذلك ومغالبته بالعزم والحرمان بلا طائل ، يدرك هامان " انه قصر عن نفسه وقصرت عنه نفسه . فدخله من ذلك اليوم الجنون . . . . " فسقط وتساقط في باطن نفسه انقاضا ، كانقاض بيت متهدم . . " .
تلك هي بداية هدم السد ، أوهدم ما توهم الانسان انه قادر على بنائه من صرح " الروح والعقل والايمان بالانسان والقوة . . " . وهي فى الآن نفسه بداية الاستسلام والرضى بما قدر للانسان من انتصار الجانب الحيوانى فيه على ما اراده من سمو روحي . قدر لهؤلاء الناس وهذه الارض غير الظما والامحال واليبس والقحط .
والحقيقة ان الهدم وما يوحي به من الفشل والاسلام والياس لا يعنى فى السد اضرابا عن الفعل وتوقفا عن مجاراة الدفق الروحى ، وذلك فى نظري من اهم الجوانب الانسانية التى وفق الكاتب الى تصويرها . ومع ان السد بنتهى بالفشل فانه لم يزد على أن اظهر قوة الانسان . انها ليست قوة جبارة ولكنها قاصرة محدودة ضعيفة مكابرة . وبذلك تكون قوة الانسان الروحية المغرية بالايمان به اندفاعا فى عجز ، وتطاولا فى قصور ، وطموحا فى خلاء وفراغ . ومن ذلك التضارب القوى تتبع قوة ان شئنا سميناها موهومة كاذبه ولكنها قوة روحية دفاقة كالسيل لا يزيدها ما يحف بها من مظاهر الضعف الانسانى الا رسوخا فى الاندفاع وامعانا فى الثبات ، وقد ينتهى بها ذلك الي بناء صرح روحي سريع التداعى والانهيار ، ولكن القوة لا تبرز فى عظمة البناء وشموخه بقدر ما يظهرها العناد وتزينها المكابرة الدائمة دوام الحياة . ان هدم السد ما هو الا تصدع حلقة تافهة من حلقات كفاح الانسان من احل ادراك السمو الالهى عن طريق الروح ، وهو ، ابعد ما يكون عن الفشل المتعارف المفضى الى القعود عن الفعل وتجميد الحركة . . " وسنرسل فيهم كلامنا وروحينا سبلا جحافا حتى يعلموا قوة الروح ويذعنوا اليها . . . "
ولما كانت القوة موهومة كاذبة ، فالسد بدوره يكون موهوما كاذبا . . " وهذا سدك عماده الوهم والزور واصله خداعك للنفس " . ويترتب على ذلك ان الفشل فى السد ليس فشلا حقيقيا ، وان شئنا فهو فشل ايجابي خلاق لدفق روحى متجدد . وهذا يعنى ان قوة الانسان تكمن فى صموده الدائم - على ضعفه وقصوره - لا فى ما ينتهى اليه ذلك الصمود من مطامح الانسان اللامحدودة . . " وليس فى شأن الزائفين العاجزين المتقادرين امر من العناد وادهى . "
وخلافا لما ذهب اليه بعض قارئى السد من ان ما ورد فيه من فشل انما هو مشين للانسان بالنظر الى ما بنته الانسانية من حضارة عملاقة ، قائمة ، تستمد جذورها من أقدم العصور وترتمي أغصانها فى ابعاد تتعدى ايامنا هذه الى ما لا نعلم من المدى البعيد . هؤلاء ذهبوا فى فهمهم للفعل مذهبا اجتماعيا انسان محدودا لا يبرر طموح الانسان ولا الايمان به . وهب ان تلك الحضارة العملاقة هى المقصودة بالفعل فى السد فان الفشل لا يزيد على ان يكون حقيقة محضة فالحضارة وكل جهود الانسان قديما وحديثا فى سبيل دفع عجلتها ، ثم ما تشع به اليوم من بريق خلاب لا يمكن أن ينسينا ما يجثم تحت كل ذلك من ظلام وتعاسية وبؤس . والا فأى بناء هو ذلك البناء الحضارى الضخم الذي لا يزال
الانسان يستعبد ويشقى ويجوع فى رحابه . انه لبناء كاذب قائم على الفراغ لانه يحسن حظوظ الانسان فى الارض . وانه لصرح متدع متقوض الاركان والانسان بين انقاضه يتجرع مرارة الفشل ويعاني كابوس الاستسلام
ان الفشل في السد هو النهاية التى كان يجب ان يفض اليها غرور الانسان وطمعه فيما يتعدى طاقته ويتجاوز ذكاءه وما ينفذ اليه بصره وبصيرته ؛ وان هو توهم انه ملك ناصية المادة فاخضعها لمشيئته بوقوفه على بعض اسرارها فان وهمه ذاك قد زين له ان عالم الروح بما ينطوى عليه من سمو وجلال أمر هين ميسور ، فى الامكان اخضاعه لارادة الانسان . ولكن يبدو ان الانسانية لم تدرك لحد الآن ان الطريق الى السمو الروحى والكمال الخلقي ليست نفس الطريق التى مكنت الانسان من زمام المادة .

