الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الدقلة في عراجينها، نظرات في الأسلوب

Share

قد يبدو ضروريا ونحن نتهيأ للحديث عن أسلوب رواية خريف " الدقلة فى عراجينها " أن نحدد معنى هذه الكلمة ، خاصة وأن حداثتها بالنسبه للأدب العربى جعلت منها مفهوما يكاد يكون ضبابيا بعد أن سيطرت الدراسات البلاغية على " النقد " العربى قرونا .

وقد بدأ النقد العربى يتخلص بالتدرج من هيمنة البلاغة ، وانفتح على مناهج نقدية غربية - فى انتظار أن يحيك منهجه الخاص به - وشهد فيما شهد تطور الدراسات اللغوية واعادة النظر فى معطياتها .

إلا أن ذلك لم يمنع جفوة غريبة ، بين الأدب واللغة ، زادها حدة ما شهدته المدارس النقدية من هيمنة على المناهج رغم أن لا وجود للغة تصلح كموضوع للنقد الا ضمن تشكيلة ما ، هذه التشكيلة هى الأدب فهو هيكلها العظمى وعمادها وحاملها ، وفى معزل عن الأدب تكون اللغة مجرد نظام صوتى .. ومن هذه النافذة أمكن تطبيق الدراسات اللغوية على الأدب ، ونتج عن ذلك علم الأسلوب او الاسلوبية ، واقترح " الأسلوبيون " منهجهم كبديل للنقد الكلاسيكى ، اقتباسا عن مبادئ اللسانيات . فدراسة الأسلوب تهتم حينئذ بالعلاقات الاستبدالية لأنها تشكل المادة الخام للأسلوب .

ما الأسلوب ؟ اتفقت كل التعريفات على أن الاسلوب موهبة لا يمكن تحديدها بسهولة ، ذلك أنه مرتبط بذات الانسان وخفاياه ، فيعرفه الناقد الفرنسي " رولان بارط " على أنه " دفق خالص نابع من ميتولوجيا الانسان " ،

ويعرفه " فردنيان دى سوسور " على انه " حدث اجتماعى محض " ، وهكذا يتجاذب الاسلوب قطبان " الذاتى والاجتماعى " فهل هو عمل فردى أم حدث اجتماعى ؟

إن الاسلوب من حيث هو عمل فردى انعكاس للذات ، ذلك أن ما يبذله الفرد من مجهود للتعبير عن فكرة ما بموضوعية تامة يكاد يكون مستحيلا ، لأن الانسان عبد للذات ، ولا مناص عند التعبير عن فكرة من ادماج ذواتنا (1) ثم أن علاقتنا بالعالم تتأثر بالذات والشخصية بجميع مكوناتها لذلك فان سلوك البشر يختلف ازاء الحدث الواحد والفكرة الواحدة ، وأسلوب هذا الكاتب يختلف عن أسلوب الآخر .

والاسلوب من حيث هو حدث اجتماعى يعكس انتماء الفرد اللغوى والاجتماعي والايديولوجى ولعل الكاتب اذ يمارس فن القول يصطدم بهياكل المجتمع قبل أن يصطدم بهياكل اللغة ، فالتصرف فى الكلام تضبطه فى كل بيئة لا قواعد اللغة فقط ، بل وجملة من الاحكام السياسية والعقائدية والاخلاقية والأدبية (2) فالأسلوب فى نهاية الامر عمل فردى خاضع لنواميس المجتمع ، ينشأ بينهما صراع متصل يفرز ما عبر عنه " شارل بالى " بالدفق العاطفى المحض " من ناحية ، والمشاعر الاجتماعية الناشئة من اعتبارات خارجة عن الذات .

اختيار اداة التعبير :

ازدوجت لغة خريف فى رواية " الدقلة فى عراجينها " ، فكانت عامية وفصحى ، عامية تحتل مواقع الحوار ، وفصحى تضطلع بالوصف والسرد وبقية أنماط الكلام . الا ان هذه القسمة ليست مطردة دوما ، فكثيرا ما يورد المؤلف خبرا بالعامية يلبسه بالفصحى ويدرجه فيها .

- وأخذ من كبوسه خيطا وميبرا (3) فالراوى يتجه الى القارئ باللهجة العربية المتداولة التى يشترك فى فهمها الناس دون اعتبار لدرجة دراسية أو علمية ،

وكأنه حريص على نقل بيئة الجريد مما هى فى لغتها و أطوارها و بذاءتها مدعما بذلك ما أثقل به العرجون الاول من مقاطع تسجيلية (4) .

وعلى خلاف الطيب صالح فى رواية " عرس الزين " الذي قال عنه الاستاذ بكار ان ازدواجية اللغة تحدث توترا داخليا على قدر المسافة الموجودة بين الخطاب الثقافى والخطاب اليومى فان خريف يحدث بين اللغتين انسجاما وتواددا ، فالقارئ لا يشعر بتضاريس الكتابة غائصا فى عمق القاموس العربى ولا طافيا سطح العامية ، ولكنه يجرى على اللغة رخاء غير شاعر بتبدل الالوان او التربة اللغوية .

وغاية هذا الاختبار - فيما يبدو - الملائمة بين أشخاص الرواية وبيئة الجريد ، حتى تتجذر الرواية فى صلب الواقعية . وأسلوب " الدقلة " لا يتوقف عند العامى والفصيح ، بل يتجاوز كل ذلك الى المعرب والدخيل كما ستبينه دراسة المستوى المعجمى .

( أ ) المستوى المعجمى :

كثرت السجلات وتنوعت ، ولم تقتصر دراستنا على الألفاظ بل تجاوزتها الى بعض التراكيب المقتبسة من آثار مختلفة أهمها القرآن ، الا أن اهتمامنا بالعامية لا يتناول الحوار بل يقتصر على مواقع السرد أو الوصف ، ذلك أن الحوار كله عامى .. قد تخرج مسؤوليته عن المؤلف ويتحملها الاشخاص .. أما ادراج العامية فى الوصف والسرد وبقية أصناف الكلام فانه يمثل اختيارا فنيا يتحمله المؤلف ولا يشاركه فيه أحد من الأشخاص .

1) الالفاظ الاجنبية :

هى متنوعة الأصناف ، اذ نجد منها : - ملابس : كاسكيته ، بالطو ، بريطة ، فيسته . - آلات وأدوات : كرهبة ، برويطة ، مشينة ، تلفون - مهن : كوافير ، فكتور ، شاف شانطى ، كنطابلى ، شاف لتقار

- صفات : ملاد ، مدام ، سوفاج ، بريمة ، تروازيام - محلات : الكافيشانطة ، البوسطة ، لنقار ، القاراج ، الكانطينة الكوليج

- مأكولات ومشروبات : بلانكيط ، بوفتيك ، فازوز ، كرام ، مكشتى - منظمات سياسية : القامرة ، الصانتيكة - مصطلحات طبية : الفازيتة ، الفاصمة ، زريقة ، ميكروب - الفاظ مختلفة : فسفاط ، تريسيتى ، أنبوش ، كارط بسطال

أما لغاتها الاصلية فهى الفرنسية غالبا والايطالية : بريطة ( Berrata )  الفاميليا ( La famiglia ) البريمه ( Prima ) القامره ( La Camera ) الكارطه ( La carta ) بيرة ( Birra )

وقد استعمل أكثر الالفاظ الاجنبية كما ينطق فى لغته ، دخيلا ، مثل : لوزنج كارط بسطال ، قاراج .. وقليل منها اتخذ له وزنا عربيا .

وقد استعمل أكثر الالفاظ الاجنبية كما ينطق فى لغته ، دخيلا ، مثل : لوزنج وقد دل هذا التمازج المتنافر على أن هياكل اللغة لم تتكيف بلغة المحتل وان اضطرت اليها ظروف الحياة الجديدة ، فهى لم تتبناها ولم تفسح لها من أوزانها ونظمها ولم تسمح لها بالانصهار فيها والالتحام بها .

وقد توزعت الالفاظ الاجنبية على أصناف الكلام بنسب متفاوتة فكانت بالسرد بنسبة 30 % وبالوصف بنسبة 10 % وبالحوار بنسبة 60 % فالملاحظ أن النسبة كانت مرتفعة فى الحوار ذلك أن تأثير الحياة الجديدة فرض على مستعملى اللغة أن يقتبسوا من لغة الدخيل ، وهذا يعكس عجز هياكل اللغة عن استيعاب مظاهر الحياة الجديدة ، فكانت الكلمات الدخيلة متعلقة على الخصوص بأدوات مستحدثة أو بمظاهر حضارية لم يعهدها السكان ولم يوجدوا لها تسمية . اما النسبة بالسرد فكانت مرتفعة نسبيا وذلك يبرز مدى قرب الراوى من أشخاصه على مستوى الاستعمال اللغوى ، فهو فرد منهم ، يتحد بهم ثقافة وتأثرا بالمحيط الحضارى والثقافى لكن ذلك الفارق فى النسبة يذكر أن الراوى مهما اشتدت الاسباب بينه وبين الاشخاص فان بينه وبينهم حاجزا فنيا يكرس انتماءه الى نخبة مثقفة متعالية ، مترفعة عن لغة العامة بما فيها الدخيل وأكثر انصياعا لحرمات المجتمع اللغوى ، الا أن الراوى ، وهو يعالج هذه

المحظورات ، وبستبيح لنفسه 30 % من الدخيل فى السرد يحمل مسؤوليتها الاشخاص ونظام المجتمع ، ذلك أنه يورد أخبارا تتعلق بالاشخاص و نمط حياتهم بدعوى الامانة الادبية وتحت حصانة الواقعية ، واذ ترفع عنه هذه الحصانة وينبرى للانشاء كالتعليق والوصف يبدو أكثر احتشاما ، فلا يستعمل من الدخيل الا القليل ( 10 % ) .

2 - القاموس القرآنى :

يندرج القاموس القرآنى ضمن العلاقات الدالة على تواجد المؤلف ، ويعكس نمط الثقافة التى تلقاها وجانبا من ايديولوجيته المتمثلة فى التأثر الدينى واستعمال القرآن كمنهل لغوى بحيث أن القرآن تجاوز عنده حدود الكتاب المقدس الذى يتلى في ظروف خاصة الى حيز الرصيد اللغوى المستعمل .

ثم إن تواجد العامية والمفردات الاجنبية مع قاموس قرآنى هام يدل على تنوع فى الرصيد اللغوى ، بين ما تصنع البيئة من أشكال تعبيرية ، بين ما تأتى به الحياة الجديدة في ظل الاستعمار وبين ما توفره الثقافة التقليدية من أساليب تعبيرية انصهرت كلها فى بوتقة واحدة ضمن أثر ملون على مستوى المادة اللغوية وقد تواحدت الآيات القرآنية فى الرواية على ثلاثة أشكال هي الاقتباس والادراج و الاقتباس بالقلب والتصرف ، وتوزعت على السرد والوصف والحوار .

3 - القاموس الجنسى :

وفير ، يكشف عن طاقة شبقية هامة ، متنوع من حيث اللغة الدالة عليه اذ تراوحت بين الايحاء المستتر والتصريح الفاضح ، وبين الوصف والفعل ، وبين " الجنس المتحرك " و " الجنس الجامد " وبين الجنس السوى والشذوذ الجنسى وتشترك الحواس كلها - أو تكاد - فى بلورة الاحساس الجنسى ، وقد تدرج المجاز الجنسي من أعلى الجسد الى أسفله بطريقة سينمائية واعتمد على ابراز الالوان كالسواد والحمرة والنصاعة وعلى ابراز الشكل كالاستدارة الاستطالة والشفافية ، كما يلاحظ اهتمام تدرجى من الاعضاء ذات الاهمية الجنسية القليلة إلى اعضاء ذات أهمية اكبر ( وصف العجوز بنت باسى للعطراء الدقلة ص 102 ) . أما مراجع المجاز فقد كانت البيئة الريفية والبيئة المنزلية . والجدير بالملاحظة ان هذه المجازات يقدمها المؤلف على لسان احدى الشخصيات هى العجوز بنت باسى ، وتستمدها كامرأة ريفية ، من بيئتها الفلاحية ومن البيت ، وهكذا يشارك بعض الاشخاص فى المجهود التأليفى .

وأما الوصف فثابت ومتحرك ، وكثيرا ما يساهم الثوب فى بلورة الاعضاء ذات المدلول الجنسى عندما تكون هذه الاعضاء فى حالة حركة ، وكثيرا ما يبقى العمل الجنسى فى مستوى الحواس كالنظر واللمس ، وتخيل الذوق ، والشم وفى الحالات القليلة التى يتعدى مستوى الحواس الى العمل الفعلى يوارى الراوى الحدث بفنون من البلاغة أو التنقيط : ( أخذها أخذة رابية ص 331 ، واستسلما للطبع دون تحفظ ص 343 ، ثم انها دفعته بعيدا عنها ص 292 ) .

أما الشذوذ الجنسى فقد تحدث عنه فى شكل تماثل جنسى لم يتعد الحواس كالنظر واللمس أو ابداء الاعجاب والتقبيل ( غرسة - العطراء ) أو في شكل فاحشة (Perversion) : ( ثم رأته يقوم الى بنية ويمسكها ويمرس مواضع نهديها ص 424 - يريد أن يحملها ما لا قبل لها به ص 377 ) .

4) أدوات :

الالفاظ الدالة على أدوات معربة أو دخيلة : ( بابور ، تلفون ، بالة .. ) والبعض أوجدت له تسمية عربية ( كلاب ، جهاز ، مغنية ، فياقة ، عجلة ، مقود ) والملاحظ أن الكلمات المعربة يسهل نطقها فى لغتها الاصلية لذلك احتفظ بها دون ادخال تغيير عميق عليها ( بابور ، بالة ) فى حين سهل النطق العربى لكلمات ذات تسمية عربية ففضل على أسمائها الاجنبية ( كلاب - توناى ) ..

5 - الادارة ، السياسة ، الاقتصاد ، الفلسفة :

فى هذا المضمار ، نجد أن الالفاظ متنوعة : ( مدير المكتب ، رئيس البلدية ، القائد ، تشريفاتية ، وكالة أخبار ، بورصة أسعار ، تقدمية ، وجودية .. ) وهى ألفاظ حديثه أبدعها الوجود الاستعمارى وليس لها مكان فى سوى السرد وتجسم مظهرا من مظاهر التواجد للراوى على الساحة الروائية ، وشكلا من أشكال الاستعلاء اذ لا نرى واحدا من الاشخاص يستعملها وان كان لبعضهم اتصال بمضمونها ، فهو اتصال غير واع ولا مسؤول ، ويؤكد هذا على المساحة الثقافية التى تفصل الراوى عن أشخاصه ، والمتجلية فى قدرته - وعجزهم - على التنظير واطلاعه التسموى .

أما قلة المصطلح السياسى فدليل على غياب تسييس الناس ودليل على اهتمامهم بحاجياتهم القريبة الملحة ، فالسياسة ترف فكرى من شأن " الموسرين " مثل سى العروسى المعلم ، والفقرة التى أدرجها المؤلف متحدثا عن الحركة القومية لم تكن لها بالاشخاص ولا بالاحداث صلة ، ولكنها عادة درج عليها كتاب فترة التأليف وتمثلت فى تطعيم ما يكتبون بما تيسر من تاريخ الحركة الوطنية ليدرجوا مؤلفاتهم ضمن " الأدب المناضل " .

6) المصطلح القضائى :

المصطلح القضائى كثيف ومتنوع منه القديم المستمد من الفقه الاسلامى : ( مجلس شرعى ، كفالة ، القيام بالرزق ، محاسبة ) ومنه الحديث المقتبس من النظام القضائى الحديث ) محكمة ، تصرف ، استئناف ، توكيل مفوض ) أو متعلق بإجراءات ادارية وقضائية ( محاسبة ، تقييد المخلف ، رفع اليد .. ) أو بهياكل عدلية ( مجلس عدلى ، مجلس شرعى ، مكاتب عدول ) .

أما وظيفة المصطلح القضائى فتبين صلة الناس بالهياكل القضائية ، وتنوع هذه الاصطلحات قد يعكس صلة الناس فيما بينهم ، علاقة فيها خصام ومطالبة كثيرة وتناحر على المكسب المادى ، مجتمع مادى ، وتصلب فى المواقف واضطرار الى احتكام تسوده الرشوة والحيف .

7) المصطلح العلمى والتقني :

كثير الحضور رغم تبدى الرواية .. مزيج من ذكريات الحرب الكبرى ( غاز مخنق مدافع الخمسة والسبعين ، مرآة الكشف ) ومن وسائل النقل الحديث ( الطائرة ، القطار ، الكرهبة ) : تأثيرات العلم الحديثة بدأت تتسرب فى مظاهر الحياة العامة لكن بين أكثر المظاهر الحضارية وبين السكان وحياتهم اليومية جفاء فاضطراب " حفة " وزوجته ابان السفر ، وحادثة السفر نفسها وما اكتسته من أهمية دليل على أن ظاهرة السفر ووسائله أمر غريب على الحياة اليومية .

8) مصطلح الطبيعة :

مستمد من بيئة الصحراء : ( رمال ، هضاب ، شمس ، حرارة ، لفح ، جبل أجرد ، أودية قفراء ) وبيئة الجريد ( نخل أخضر ، غابة ، عيون ) ، متعلق ببعض الفصول ومراحل اليوم ، ويؤطر الزمان والمكان مصطلح الطبيعة ، لكن عنصر الزمان مطلق فى التاريخ .

9) المصطلح النفسى :

متعلق بالحب وما شابهه ( حب ، حنو ، عاشق ، سعادة .. ) أو بالسلوك البشرى ( مكر ، خبث ، متزمت ، ثقيل .. ) أو بأوضاع نفسانية ( حزين ، وحشة ، طرب .. ) او بصفات انسانية ( كذوب ، نفاق ، خبث .. ) أما وظيفته فبلورة سلوك الاشخاص وأغلبه يفيدنا به الراوى على لسانه او لسان الاشخاص .

10) المصطلح الدينى :

كثير ، ومتنوع منه ما يتعلق بالاسلام ( مسجد ، قرآن ، منبر .. ) ومنه ما يتعلق بالمسيحية ( كنيسة ، قس ، قداس ، لاهوت ، ناسوت ) أو بمظاهر طقوسية ( آذان ، بسملة ، قنوت ، أدعية ، صوم .. ) أو بأماكن العبادة ( مسجد جامع ، كنسية ) أو بأشخاص ذوى وظيفة دينية ( مؤذن ، امام .. ) ونجد ضمن هذا القاموس مصطلحات قرآنية ( قرآن ، سورة ، حزب ، آية .. ) وأخرى ما ورائية (العوالم العلوية ، الروح القدس ، نجاة الروح ، شجرة المنتهى) وأخرى متعلقة بالصوفية والاسلام الخرافى ( رسائل اخوان الصفا ، التصوف ، اللاهوت ، الصناجق ، البركة ، سيدى .. )

ويبدو أن للدين سيطرة على مختلف جوانب الحياة ، فنلاحظ اسلاما خرافيا واسلاما طقوسيا وآخر تعليميا ، وتتعايش هذه الاصناف دون تنافر . وهذا التعايش السلمى يدل على أن الدين ، على انتشاره بمختلف مظاهره ، لا يعيشه الناس بعمق عاطفى اعتقادى ، بل هو مظهر عادى من مظاهر حياتهم ، منزلته عندهم أقل من منزلة بضع نخلات او عين ماء ، ومن مظاهر خفة الدين ان الشخص الواحد يمكن أن ينتمى الى هذا الصنف وذاك فى آن واحد ، فالمكى " المثقف " مثلا ، يوم الصلاة ويتردد على مجالس العلم ، ويختلف الى الكوليج العصرى وينصرف الى جامع سيدى عبد العالى ، ويدعو أجداده الصالحين ليبلو كرامتهم .

11 - الواقع والرمز :

تحتوى الرواية على بعض مظاهر الرمز يندرج عموما فى الجانب الوجودى للأشخاص ، ومن هذه المظاهر ما يمليه السكر ومنه ما تسطره يد علوية هى الله او القدر ، فتتشابه الحالات والظروف والازمنة والاحداث وحتى المظاهر الركحية ومتطلبات الاخراج ، وفى حالات من الرمز تشترك الطبيعة فى الاشارة الى مصير الانسان وتتخذ منطلقا للتفكير الماورائى مجسمة لمصير الانسان فى مغامرته الوجودية ، فالجذع الملقى فى الوادى ليس الا جثمان خديجة المسجى فى جدث ، واذ يتساءل المكى عما طرح ذلك الجذع انما يتساءل عن كنه مصير أمه ( أو مصير الانسان عموما ) ( الدقلة ص 122 ) ولكنه تساؤل ساذج ، تقليدى خطر للمكى بمناسبة ، ولكن الرواية - كعرض لنظام الحياة القروية البسيطة - لا يمكن ان تطرح من التساؤل - على لسان الاشخاص - ما لا يتناسب ومستواهم العقلى ، الا أن الناحية التراجيدية فى رواية خريف يتمثل فى هذه المساواة

العجيبة بين الحب والموت ، بين الوجود والعدم : ليلتان من حياة العطراء تشابهتا أو على الاصح تجانستا ، ليلة حب وليلة موت :

المحيط البشرى تهيئة المحيط الخارجى وحدة المناخ وحدة المنبه العاطفى وحدة المحيط الطبيعي حضور المحب تشابه المصير فى الليلتين

الليلة الاولى ( فى قفصة ) : الاختلاء بالمحبوب الجماعة تلكمتوا ورقدوا ص 434 قل السمار ، وفرغ الشارع ولم يبق الا معتوه القرية يهذى ص 435 لاطف وجهيهما نسيم أزرق منعش ص 435 .. وصوت المغنية يبعد ويقرب مع النسمة وعبد الوهاب يعيد ويكرر مشيت أنوح والليل ساحرنى ص 435 وأحالت بصرها فى السماء ص 435 هو ذا معبودها صار عبدا لها وها هى ذا تحيى ليلة عمرها ص 435 . - أنا عارفة ، لى سنين ومنين نرجى فى ها الليلة ، ونعرف اللى فراقها الصباح ص 437

الليلة الثانية ( فى نفطة ) الاختلاء بالموت نامت الرفيقات الواحدة تلو الاخرى ص 447 عم السكون وهبت نسمة من الجر تحمل صوت المغنين من السكارى ص 447 وهبت نسمة من الجر ص 447 استمعت الى الاغنية التى يردد فيها عبد الوهاب امشيت أنوح والليل ساحرنى ص 447 واتسعتا (عيناها) فى السماء والنجوم تلصف ص 447 فى ذلك الفناء حيث كانت تخرج فى العشية تناجى المكى : ص 447 وعندما سكت آخر سكير وطلع المؤذن يتهجد .. ماتت ص 448 .

(ب) أصناف الكلام وخصائصه التركيبية :

الخطاب ، فضلا عن الخطاب الأدبى - يتكون من أنماط مختلفة تتعاضد كلها على بلوغ غايته التى هى الابلاغ ، وابراز صورة عن المدلول أكثر وضوحا ، لذلك فرواية " الدقلة " كخطاب أدبى تركبت من أصناف من الكلام ، ولكل صنف وظيفته ، وخصائصه التركيبية .

السرد هو حكاية الافعال واخبار عنها ، وظيفته فى الرواية اعلامى من وجهة نظر الراوى على طول الرواية ، وجمالى بمظاهر البلاغية ، واضح الشكل له علامات لغوية تدل عليه وتعلن حضوره ، أفعاله ماضية عموما ، مسند الى ضمير الغائب ، متميز بذلك عن الوصف والحوار والاستطراد .

وأغلب جمله فعلية ، متوسطة الطول ، مركبة أحيانا :

" وصبت العطراء الماء فى آنية تضع فيها خديجة دراهمها " ص 95

وقد تتعقد وتطول احيانا :

" وكان يتأثر شديد التأثر عند انشاد سى الطيب بالازهارى من صيحات عمر بن الفارض الخالدة أيام تيهه بوادى المستضعفين فى سفح جبل المقطم :

قف بالديار وحى الاربع الدرسا      ونادها فساها ان تجيب عسى

ص 131 " .

أو يثقلها الوصف : وقد لجأت فى اعداد المائدة الى أفخر الاسفاط التى يزينون بها الحائط ص 95 . " وسبح لله الذى أوكل للصناع من ملائكته " ص 195 . وتكثر فى السرد الجمل النعتية : فخف اليه شاب لم يتفطن لوجوده بين العملة " ض 194 .

وقد تتعاقب الجمل الفعلية القصيرة فى سرعة تلغرافية :

" نزل العربى الى الواد ، وغسل الليفة وعصرها ، وسد بها الباطية ، وحفر لها فى الرمل ، وتكاها ، وأخذ طويلسا ، وأمال عليه الباطية " ص 169 .

وتشترك الجمل الاسمية فى عملية السرد ، وهي فى الغالب منسوخة : كان يجب السير فجرا ، ص 9 ، كان يرجو أن يرى هذا الطير ص 11

وتتنوع نماذج الجمل ، فنجد الجمل التلازمية ، شرطية أو ظرفية : فان مات ، ترث النصف عن أبيها ص 223 ، كلما وقف بحضرتها تلخبط فى أمره ص 228 .

والاعتراضية : فلما كان الليل أعد المائدة - وكان مفلسا - فأنفق على نفسه بسخاء ص 228 .

والمختزلة : المقبل على السوق والعائد من الغابة : بكم أصبح البسر الحلو ؟ ص 15 .

والتفسيرية : اللويحة أو المسيحة : يقصد أن جده حدد لهم أسباب الرزق ص 92 . وهكذا فقد ألم السرد - أو كاد - بكل أنواع الجملة العربية وبنياتها ، واختار المزج بين البساطة والتعقيد فى التعبير ، فبجانب تلبيس الفصحى بالعامية واختيار الجمل الفعلية القصيرة ، نجد الجمل المعقدة التركيب من تركب وتلازم واختزال : توزع بين النماذج الحديثة فى الكتابة وبين نماذج اللغة الكلاسيكية المستمدة من القرآن والآثار القديمة ، توزع بين " التدلى " الى الواقع المعاش باقتصاده اللغوى وبساطة تعبيره ومباشرة لغته وبين " التحليق " فى علياء الثقافة والتميز عن العامة بميزة العلم والانتماء الى " الخاصة " العلمية .

الوصف هو حكاية الاحوال يقدم حسب وجهة نظر ما ، قد تكون للراوى ومن ورائه المؤلف أو حسب وجهة نظر أحد الاشخاص ، وقد تنوعت مواضيعه وأشكاله وأحجامه ووظائفه ، فشكل بطانة للسرد : " فرش برنوسه ، وأجلس البنية .. وكان زيتى اللون طويلا نحيفا ، كور ثيابه وحشاها بين فخذيه .. ص 28 " . فهو فى هذا الموضع قصير ، لا يتعدى الجملة أو بعض الجملة ، وظيفته الابانة عن حالة الموضوع إبان قيامه بالحدث أو وقوعه عليه . وقد يقدمه فى شكل مشاهد سريعة ( فلاش ) يجهز لها ناظر يقوم بدور آلة التصوير ، وتهيأ لها أسباب السرعة ، روائيا ، كمرور المكى أمام خيمة المغاربة ( ص 337 ) أو استراق العطراء النظر من فجوات حجبها ، خلسة عن زوجها ، لترى عاملى سكة الحديد ، وكثيرا ما تبدأ هذه المشاهد السريعة بجمل اسمية ، تعزلها عن حركية السرد ، وتنتفى منها الافعال أو تكاد ، وتعوض بأسماء فواعل " متوسدين مرافقهم ، براد عروته سلك مفتول ، رجل منحن على سنيطره يهرش جوفها .. " ص 337 ، والافعال المتواجدة تدل على استمرارية الزمن وركود الحركة : " ينامون ، ترن بلحن ممدود ، الشاب يشكو ورفيقه يوصيه بالصبر .. ص 386 "

" تراكم عليها الغبار " ص 211 .. وقد يأتى الوصف فى شكل لوحات تتهيأ لها أسباب المتأنى والملاحظة الدقيقة كأن تكون خديجة جالسة تنظر فى ما أحدث من تغيير فى بيت أخيها ( ص 39،37 ) ويقدم لنا الوصف فى هذه الحالة اطارا عاما للأحداث ، يراه الراوى فى غير تفصيل ولا دقة ، " وكانت الجبانة وسط البلد تحيط بها الطرقات الرئيسية التى تصل بين السوق اللوطانى وسوق البياضة " ص 121 ، أو جزءا من هذا الاطار كما يراه الاشخاص ، يعتمد الدقة والتجزئة ، وتمثل الاشياء الموصوفة عنصر " ديكور " للاطار العام ، كأن تتأمل خديجة صورة معلقة بدار أخيها ( ص 39 ) أو ينظر حريف إلى زينة بدكان الحلاق ( ص 140 ) .

وقد يحل الراوى أحيانا بمسرح الاحداث ، قبل وصول الاشخاص ويقدم المكان للقارئ ، كمشاهد يرفع أمامه الستار ليدقق النظر فى الركح قبل حلول الممثلين ، وأحيانا يجلس الراوى بين " المتفرجين " وينتظر أن يبدأ التمثيل ثم يشرح المشاهد ويحللها ( ص 39 ) .

ففي الصنف الاول يكون الوصف من وجهة نظر الراوى ، موضوعيا ، بعيدا عن عواطف الاشخاص وانفعالاتهم اذ هو يهئ لعمل مادى ما ، يقومون به ، كمعاينة المكى لمنزله الجديد : " أمام الدار مجاز طويل مسقف بالقرمود " ص 211 أما فى الصنف الثانى فيكون الوصف من وجهة نظر الاشخاص ، قريبا من عواطفهم وأحاسيسهم ، يهئ لدفق من الانفعالات والاحلام والافكار : " وفى وسط البستان فسقية عليها زوج من الطاووس ، أحدهما فاتح ذيله والآخر يلاطفه بمنقاره ، وعلى البعد بحر وجبال ووراء القصر غابة فى جوها ملائكة الحب .. قال لزوجته : اتفقنا ، أنا على دروج الرخام ، وأنت معايا ، متكئة على المحبس " .. ص 39 .

قاموس الوصف ، فى قاموس الوصف ظاهرة واضحة هى كثرة الاوصاف المادية المحسوسة ، وقلة الاوصاف المعنوية ، وقد تنوعت فى حجمها ونوعها بين اللفظة الواحدة واللفظتين والجملة ، وتعلقت الاوصاف المادية بحالة الموصوف أو بلونه .. أما مادتها الصرفية ، فقد كانت صفات مشبهة ، أو تراكيب اضافية ( قصير القامة .. أخضر العينين ، كثير اللعاب .. ) أما الاوصاف المعنوية القليلة ، فقد تعلقت بصفات أخلاقية أو بحالة نفسية ، وأما مراجع الاوصاف فمتنوعة ، فيها الفلاحى والاخلاقى .. وهو ما يتاح لنا الحديث عنه فى الق الموالى من هذا البحث ، وهو المستوى البلاغى .

( ج ) المستوى البلاغى :

تعرف كتب البلاغة المجاز على أنه لفظ استعمل فى غير ما وضع له ، فالمجاز ، مبدئيا ، هو خروج عن عوائد اللغة ، وحرية أخرى ، بعد الاسلوب ، مكتسبة ضد قواعد اللغة ، هو درجة قصوى من درجات الانشائية ، تقصد للغاية الجمالية خصوصا .

1 مصادر المجازات ومراجعها :

تنوعت مصادر المجاز ، فكانت منبثقة من الحواس كالبصر واللمس والسمع ، واشتراك اغلب الحواس فى اصدار الصور المجازية نزعة مادية تزيد الرواية التصاقا بالواقع والمحيط المادى ، واستمد المؤلف بعض صوره من الثقافة ، كالتاريخ ( كأنه هرم صغير ص 420 ) والانتروبولوجيا : ( تقدح به النار كما يفعل رجل العصر الحجرى ص 28 ) والفنون : ( ولبثت لحظة كأنها صنم اغريقى من المرمر الابيض ص 130 ) والجغرافيا ( قبة سيدى بو على لنفطة  ..كصومعة ايفيل لباريس ص 217 ) وهكذا ، فالمؤلف يستمد صوره البلاغية من الثقافة القديمة خصوصا ، وفى ذلك حضور مباشر له ، وافراز لبعض جوانب شخصيته .

أما مراجع المجاز فيكثر فيها الحيوان ، ونجد ضمنها حيوانات صحراوية : ( بعير ، غزال ، نعام .. ) وحيوانات غابية ( فيل - غوريلا .. ) وأخرى مائية ( أوز ، سمكة .. ) وحيوانات أهلية : ( فرس ، ثور ، كبش .. ) أو دواجن ( دجاجة ) وهكذا فان قاموس الحيوان يحيلنا على أماكن جغرافية وأوساط مناخية مختلفة تخرج بالرواية من نطاق المحلية الضيقة الى حيز واسع ، حتى كاد عالم الرواية أن ينسحب على الارض كلها ، فنجد من الهند بعض تقاليده ومن أوربا ما يشبه معالم القرية ومن إفريقيا بعض حيواناتها ومن اليونان أشباه تماثيله ، والرواية كما سبق ضرب فى عمق التاريخ وفرار من حصار الزمن عبر ثقافة المؤلف ، فهى - وان كانت ملتصقة ببيئة الجريد فى مشاكلها ولغتها ، تعالجها على مستوى الوعى الجماعى - فان المستوى البلاغى يجذر تلك المشاكل فى أعماق اللاوعى الجماعى كذلك ، عائدا بها الى مرحلة بائدة من الوجود الانسانى .

واذا كانت القرية تفرض على المكان حالة الحصار ، وتعاقب من ينفلت منها بالموت ( المكى - العطراء ) أو بالاضمحلال أو بانزال عاهة .. فان الانعتاق من

هذا الحصار يتم عبر ثقافة المؤلف ، وما يقال عن الاشخاص ينسحب كذلك على المؤلف اذ الكتابة فيما يبدو ، انقطاع عن الواقع الى العالم المرجعى وانحباس فيه وهو عالم تصنعه الاحلام وتزوقه التصورات ، يعيشه المؤلف - والقرية - بنظمها وأخلاقها ، وكأنها تبعث من جديد ، فتتحدث عن نفسها وتروى قصتها .

2 الطبيعة :

لا تبدو الصحراء واضحة التقاسيم فى ما يتعلق بالطبيعة من صور البلاغة فنجد : نباتا قد لا ينتسب للصحراء ( اجاص ، نوار ، ورد ، قمح .. ) أو حيوانات قد لا تنتسب للصحراء ، وحيوانات صحراوية .

أما الصور البلاغية فهى جامدة أو متحركة ( اجاصة تسعى .. قطعة خشب ميت .. ) وهكذا فان قاموس الطبيعة فى الصور البلاغية ضحل لا يتناسب مع تأصل الرواية فى المكان ، وعلى عكس الطبيعة كان الانسان كثيف الحضور فى مصادر التشابيه والصور المجازية عموما .

وعلى مستوى الشكل نجد حضوره فى شكل صفات مفردة ( مسافر ، حسناء أجرب ) أو فى شكل جمل موصولة ( من عضد بحديدة حادة ) ص 115 ، وتعلقت الصفات بأعمال يقوم بها الانسان ( القائد ، اللص ، العريس ) أو حالات يتصف بها ، وقد يتعلق محور المجاز بجزء أو بعضو من الجسم ( كأنه عين ذهب انسانها ) ( كأن عين الزقاق مغمضة ) فالانسان مصدر البلاغة وموضوعها ونشاطه مصدر شعرى ، ومحور تحوم حوله الافكار .

3 محاور المجاز :

استأثر بها الانسان فسبعون بالمائة من مجموع الصور البلاغية محورها آدميون ، وقد تنوع الاهتمام بالانسان الى حد تجزئته وتشريحه ، فتراوح محور الصور البلاغية من الجسم ككتلة بلا ملامح الى الاعضاء ، وما يصدر عن الجسم من أصوات وما يحمل من ملابس وما يحدث له من الحالات أما الطبيعة فلم تشكل محورا هاما فى التشابيه وصور المجاز وقد اعتمدت هذه الصور على الحواس ، وعلى البصر خصوصا ، مشكلة بذلك مزيجا من الالوان منها الاحمر والاخضر ، وهو تقارب تقليدى مستمد من الميتولوجيا التونسية ، والابيض والاسود ( الشقرة والسمرة ) وهو تنافر يبرز كلا اللونين عند تقاربهما .

وكانت أوجه الشبه مركزة خصوصا على التقارب فى الشكل ، والتشابه فى اللون ، والتجانس فى الحركة والتأثير .

4 وظائف المجازات

وظائف المجازات تجسيم حالة معنوية فى مشاهد محسوسة : ( تركت الظلمة تغمر الحجرات وهي ثابتة البصر متدلية اليدين كمسافر تركته القافلة ص 174 ) او التقارب بين صورتين محسوستين ، ومحصول الصور البلاغية فى هذا المضمار ضئيل ( وسار بخطى عائمة كأنه فى الماء ص 52 ) .

وقد نجد التشابيه الكريكاتية المجردة التى لا تحمل شحنة انفعالية ، نصيبها من الموضوعية اكثر مما فيه من ذاتية ، ذلك أن الشخص الموصوف لا يمثل طرف اصطدام مع طرف روائى آخر ( حمة الصالح ) : ( فظهرت رجلاه طويلتين حافتين مغبرتين كأنهما قطعتى خشب ميت ص 28 ) والتشابيه الكريكاتية الذاتية ، وهى تحمل شحنة انفعالية ، اذ ان المشبه يمثل طرفا عاطفيا فى قضية ما ، فقد تكون هذه العاطفة اشفاقا ( تسحته الكبانية كالبعير الشارف ص 191 ) أو سخطا ( بشرته رقيقة حمراء كوجه كلب مسلوخ ص 194 ) ويتجلى منها التأثر العاطفي للمؤلف ( كصاحب الانشاء ) بوجهة نظر الاشخاص فيشاركهم عواطفهم .

ونجد كذلك الكاريكاتور التشويهى وهو قليل الجدية ، لغو يتبادله العملة السكارى : ( وجهك بحال حكة مغفصة ص 244 ) والكاريكاتور المسخى : غايته تصوير حالة من الحرج والاشفاق من ولوج المحل العمومى : ( خرج اليه رجل كالغوريلا ص 285 ) وتهدف المجازات أحيانا إلى غاية جمالية : ( علقت بشحمتيها قطرتا ماء وجعلتا تترقرقان ، فرأى أجمل اللآلى ص 104 ) والى التصعيد الجنسى للمؤلف : ( الدخان يتلاشى كما يتلاشى شعر حسناء سابحة ص 205 ) (وتفتحت شفتاها عن مثل لوز صغير مقشور ص 265 ) .

5 الاشعار :

تضمنت الرواية أشعارا وردت بالفصحى حينا وبالعامية حينا آخر وقد تضمنها السرد ، والمقاطع التسجيلية ، والاستطراد ، وأوردت رواية عن الاشخاص أو عن شعراء قدامى ، أو مما يتداوله الناس أما وظائفها فهي مرجعية ( ص 83 ) أو وصفية تقدم مجالس الشعر ومناسبات التهاجى ( ص 98 ) أو أدبية تبرز نوعا من التداعى لدى المؤلف ، اذ تذكره حالة أو حادثة من العالم

الروائى بشئ من محفوظاته الادبية ص 137 ) او مترجمة عما بدواخل الاشخاص ( ص 203 ) .

6 خاتمة القول فى الأسلوب :

" كل مجتمع يشرع أحكاما تضبط الحد بين ما يجوز وما لا يجوز من القول ذلك أن له حرمات ينهى عن الخوض فيها الا عن سبيل الاحترام والتمجيد ، وتشكل هذه الاحكام الظروف الموضوعية للكتابة .. وموقف المؤلف ، اما أن يكون موقف انصياع ، ايمانا أو حذرا ، وإما موقف تحد نقضا أو تمردا ، واما موقف بين بين ، يعالج المنع بأفانين من الحيل والكلام (*) .

ومن أولى مقدسات المجتمع اللغة ، لارتباطها بظاهرة الدين واكتسابها ما له من قداسة ، حتى أصبحت قوانينها لا تحرف ، وأسقطت عليها مبادئ المثالية والفلسفة ، حين امتزج الدين بالفلسفة أو تعامل معها بوجه من الوجوه ، وموقف خريف من اللغة تجاوز محاذير الفصاحة ونقاء اللغة ، فهو قد اختار المزج بين عامية وفصحى وحاول اكساب العامية " أدبية " خاصة متدرجا بها من وظيفة الابلاغ الضيقة الى درجة الانشاء ، فأتى فيها ببعض مظاهر البلاغة وأناط بها مهمة الافصاح عن بعض العواطف والافكار ، الا ان اكثار خريف من استعمال العامية فى المقاطع الحوارية وفى الوصف والسرد أحيانا قد يضيق على الرواية سبل الانتشار فى العالم العربى ويفسد عليها عند من يأنفون من ادماج العامية فى الادب بدعوى الاضرار بالقومية العربية والتشجيع على المحلية والانعزال أو بدعوى افساد الذوق الأدبى ، والاضرار بالأدب العربى عموما وذلك بالصاقه بالمشكلات المحلية وعدم تجاوزها الى مستوى راق انسانيا ، يتجاوز البيئة الجغرافية والحيز التاريخى .

وتعيب الاخلاق على رواية " الدقلة " طلاقة فى سوق الهجين من القول مما بتلفظ به الاشخاص ، أو فى عرض ما يقومون به من أعمال جنسية ، ونلمس من ذلك تحديا سافرا لأخلاق الكتابة اذ " نزل " المؤلف بقلمه الى أماكن تحجر الكتابة فيها ، وتطويها الاخلاق فى دفتر النسيان كالحانات والمحل العمومى ، عورة المجتمع ، وتتحدد بذلك علاقة المؤلف بالاخلاق ، فهو فاضح تناقضها بين التشدد الواضح والعبث المستتر ومعلن نفاقها اذ تعلن نقيض ما تسر .

اشترك في نشرتنا البريدية