سيرى القراء الاعزاء فيما يلى (( التقديم )) و (( التعريف )) و (( المحاضرة )) المشار اليها آنفا جميعا
وجدير بالذكر والاشادة ان الفضل في نشر كل هذه الآثار والمعلومات القيمة يعود بعد الله تعالى الى الصديق الاستاذ الكبير والكاتب الاسلامى المعروف السيد محمد حسن كتبي .
هذا ولطرافة الموضوع وتسجيلا لخط الدكتور عبد الكريم جرمانوس فقد حلينا محاضرته المنشورة فيما يلى بفقرات من خط يده . ومحاضرته هذه ظلت لدى السيد الكتبي - على ما أفادنا به - ما ينيف على ثلث قرن محتفظا بها ومحافظا عليها حتى نشرت بهذا العدد ، كما نشرنا صورة لبطاقة الدعوة التى وجهها السيد محمد حسن كتبى للاستماع الى محاضرة الدكتور جرمانوس .
- كلمة التقديم -
في صباح يوم من شهر ذى القعدة منذ نيف وثلاثين عاما لفت نظرى فى الطريق
وجه غريب لم اعهد تقاسيمه بين المواطنين ولا الحجاج المألوفين ، فتصديت للتعرف عليه ، وقد كان تطلعه لمعرفة أى انسان أعظم من تطلعى ، وسرعان ما صحبته الى مقر جمعية الطيران التى كنت عضوا من أعضائها ، وكنا نقضى أوقات فراغنا في مقرها .
وقد سمعت منه نبأ عجبا زادنى تعلقا بملازمته حتى توثقت بيننا الصلات ، فتتلمذت عليه ثم بقينا أصدقاء على صعيد الثقافة والعلم والمعرفة ولم نزل كذلك .
ولقد حرص العلامة الصديق الفاضل عبد القدوس الانصارى أن يسجل ذلك في منهله العذب النمير تمشيا مع روحه الوثابة فى متابعة كل ما هو من هذا الشأن فى الثبت والرواية والدراية ، فلم أجد بدا من الاستجابة له الى ما أراد .
لقد ذكر لى البرفسور جرمانوس ، انه نشأ مسيحيا واشترك فى الحرب العظمى وهو كذلك ، ويعلق بعد هذا بقوله : ولو مت قبل أن يهدينى الله الى الاسلام لمت على غير دين .
ويقول : ثم رجعت بعد أن وضعت الحرب أوزارها الى جامعة بودابست حيث كنت أدرس التاريخ ، ومر بى تاريخ العرب فادهشنى ظهور ذلك اليتيم الذى مات أبوه وأمه وكفله عمه وحاربه كل اهله وعشيرته وصادقه وآمن به الفقراء والمستضعفون ثم أخرجه كفار قريش من دياره مهاجرا فى خفية وحذر ، وكان معرضا لأن يقع فى شباكهم لولا حماية الله له ، ثم لم تمض على دعوته فترة قصيرة من الزمن حتى انتشر دينه وامتد سلطانه الى اكبر دولتين كانتا تحكمان العالم فى ذلك الوقت .
لقد أدهشتنى الدعوة والداعى وحرصت على دراستها باستقراء وتتبع وامعان فبحثت عن القرآن مترجما الى اللغة الانكليزية ، ووجدت نسخا عديدة ، واحدة منها ترجمة للميكادو ، والاخرى ترجمت للملكة فيكتوريا ، وبعد قراءة هذه الترجمات لمست أنها خالية من الاشراقة والروح ، وانها لا تعبر عن جمال المعانى القرآنية وسموها ..
فدرست اللغة العربية فى المعاجم حتى تمكنت من قراءة معانى القرآن في اللغة العربية وعندها أحسست بتلك الروعة الالهية التى يصفها القرآن بأنه ( تنزيل من حكيم حميد ) وانه ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) وانه ( هدى ونور ) .
ثم درست السنة واعتنقت الاسلام ، وحين حصلت على أول اجازة من الجامعة توجهت بالباخرة الى القاهرة . وفي مياه مصر سمعت الحمالين يتحدثون باللغة العربية العامية ، وكان ذلك أول ما طرق سمعى من اللغة العربية ، وبقيت في مصر فترة من الزمن وأنا فى طريقى الى مكة المكرمة .
(( وقد أردت مقابلة شيخ الازهر فقدموا الى أوراقا وطلبوا منى ملء ما فيها من بيانات ، فأدهشنى ذلك ، ولكنى فعلت , وعندما لقيت شيخ الازهر قلت له : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : ( لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه ) أو كما قال : وها أنتم تتبعون تقاليد رجال الدين المسيحى في الطريقة التى تستقبلون بها من يراجعكم من المسلمين مع أن محمدا عليه السلام كان يجلس فى المسجد ويحيط به أصحابه حتى اذا أتاه
الأعرابى من قريب أو بعيد يسأله في أمور الدين أفسح له المجلس وتحدث معه فى رفق وتواضع ولين ، وأنتم العلماء حملة أمانة الرسالة فكيف لا تسلكون في أدائها سلوك صاحب الرسالة ؟
قال : وبقيت في مصر فترة من الزمن تعرفت على علمائها وأدبائها ، وكنت فى تلك الفترة أكتب مقالات عديدة في مجلة الرسالة أعرب فيها عن آرائى وانطباعاتى بصراحة .
قال : ثم جئت الى بلادكم فوجدتها كما قرأت عنها في التاريخ ، وجدت عبلة ووجدت الخباء والجمل ولم أنكر شيئا مما رأيت بالنسبة لما قرأت .
وكان قد التقى بالملك عبد العزيز رحمه الله ، فبهرته شخصيته وشجاعته وكتب فى ذلك مقالا مؤثرا جدا نشر في جريدة صوت الحجاز ، على ما أذكر .
وفي تلك الرحلة مرض مرضا شديدا كانت تنتابه حمى قاسية ، وهو يسكن فى حجرة فى المصافي من بيت صغير تملكه سيدة ، فكان يشكو من البعوض ويقول : انه يقضى معظم الليل في حرب كحرب داحس والغيراء مع البعوض ، حتى اذا غلبه النوم فى آخر الليل ، قام ديك الحارة يؤذن
للصباح .. ويعزو مرضه الى هذا الارهاق والقلق ، وقد بذلت كل جهد لشراء ذلك الديك من صاحبته ودفعت لها أضعاف ثمنه لتريحه منه فلم تقبل ، ثم نقلته الى فندق الكعكى ، وكان يسمى آنذاك فندق بنك مصر ، ولما اشتد عليه المرض أوصانى بأن أكتب على قبره اذا عاجلته الوفاة ، اسمه وانه أول مجرى أسلم وحج ومات في هذه البقاع الطاهرة .
ولكن الله أكرمه بالعافية ومد في عمره وعاد الى بلده ثم كرر الزيارة لهذه البلاد مرتين بعد ذلك كانت أخراهما بسنة ١٣٨٤ ه - ١٩٦٥ م حين وجهت دعوة الى علية القوم
قدمته فيها لهم ليلقي في مدرسة الثغر النموذجية ، المحاضرة التى يتولى الاستاذ عبد القدوس الانصارى نشرها الآن وهى مكتوبة بخطه الذى اعتز به لما عرفت من علمه وعظيم جهاده في سبيل نشر الدعوة الاسلامية فى جهده ب سبيل سركوه الاسمية في بلاده وبين مواطنيه وفى تآليفه العديدة .
هذا وفي زيارته الاولى قرأت عليه كتاب ( المدينة الفاضلة - للفارابى ) وفي الحقيقة اننا كنا نبدأ الدرس بجملة أو جمل من كلام الفارابى ، ونقضى الوقت كله في سماع تعليقاته وأفكاره والشرح الذى يجود به
اطلاعه الواسع وعلمه الغزير .
لقد عرفت في ذلك البرفسور العظيم ، المؤمن الذى تذوق حلاوة الايمان ، وصقل حقائقه بالعلم والمعرفة ، وابرزها في الآفاق الخالدة ، ووجدت فى علمه الصورة التى وصفها الرسول عليه السلام بقوله ( العلماء ورثة الانبياء ) وكذلك كان عالما أشبه بعصره وأنفع له ، وأقدر على التعريف بالدين من كثير من علماء المسلمين المعاصرين .
( جدة )
بعد تحياتى القلبية ، فانك قد سألتنى عن حياتى وعن الاحوال التى قادتنى إلى اتخاذ الدين الاسلامى دينا لى ، وأجيب فيما يلى : اننى كنت فى طفولتى تمليذا بليدا لا أحفل بالدروس ، وكان لى شغف بالفن أعشق الموسيقى واللعب ، وفى لحظة لا أنساها كرهت نفسى بلادة ذهنى فتناولت أول كتاب فى أول درس من دروسى وقرأت فيه ، فكان هذا الكتاب (( تاريخ نبوة محمد )) صلى الله عليه وسلم ومنذ تلك اللحظة اخذ بخاطرى أمر هذا الدين وشغل تفكيرى واستولى على وعيى ، ثم تنبهت وتوافرت على درسى حتى أنهيته ونلت ما أريد من الشهادات المدرسية وذهنى لا تفارقه الأخيلة والصور والاحلام عن الشرق وعن حياة المسلمين .
ان تلك التجربة الروحية كانت بداية الهامى نحو الاسلام ، وحينما دعيت الى بلاد
الهند أستاذ لجامعة مانتينيكتان ورئيسها الشاعر الشهير البندانايت طاغور ، أعلنت الاسلام دينا لى فى منبر جامع مسجد عمر فى دهلى بالهند وأسميت نفسى (( عبدالكريم )) .
وبعد أربع سنوات حججت الى مكة المكرمة وبعد رجوعى الى بلاد المجر واصلت تدريس العلوم الاسلامية بجامعة بودابست عاصمة المجر ولم أزل . وقد ألفت كتبا وكتبت مقالات كثيرة عن الأدب التركى والفارسى وبخاصة الادب العربى ، أهم آثارى فى هذا الموضوع كتابى الكبير وعنوانه (( الله اكبر )) باللغة المجرية والالمانية والايطالية والسويدية وهو يحتوى على تاريخ الاسلام وحجى ومجموعة الاشعار العربية من الجاهلية إلى يومنا هذا باللغة المجرية مترجمة نظما ويمثل هذه المجموعة قسما هاما للأدب العربى .
وألفت كتاب (( تاريخ الأدب العربى )) ، وهو كتاب ضخم فى حجم كبير ، وكتابا ألمانيا عن الشاعر ابن الرومى مع ترجمة بعض أشعاره ومقالة عن تراث العرب القدماء وهى انتقاد أصلية الاشعار القديمة ، ومقالة أخرى : الادب العربى فى المغرب الاقصى وهما باللغة الانكليزية .
ومنذ سنوات طوال أشتغل بكتابة أثر ضخم هام وهو الادب العربى فى المهجر , وذلك الادب يمثل فخر العروبة لانه لا يوجد أدب فى أمريكا يستحق اسم الادب الا الادب العربى وسوف ينشر هذا الكتاب باللغة الانكليزية .
واعترافا باجتهادى فى سبيل الاسلام والادب العربى انتخبنى مجمع اللغة العربية بالقاهرة عضوا مراسلا ، والمجمع العلمى العراقى أيضا ، واننى عضو فى روما وعضو لجنة الاستشراق للمجمع
العلمى المجرى وعضو شرف لرابطة الادب العربى الحديث بالقاهرة . وقد ألقيت محاضرات كثيرة فى اذاعات بوادبست وفيينا بالنمسا عن موضوعات اسلامية وأدبية . والآن حضرت مرة أخرى الى جزيرة العرب لاداء فريضة الحج وزيارة مسجد نبينا
صلى الله عليه وسلم فى المدينة المنورة ولا أزال أواصل خدماتى فى سبيل الدعوة للحق والانسانية كما تعلمتها من الدين الاسلامى الحنيف .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
( بودابست )

