الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الدمعة الثالثة

Share

تقابل خطيبان بعد فراق دام سنوات ، ولما جلسا الى مائدة ، فى حديقة مقهى صغير ، تأمل كلاهما الآخر مليا ، فلاحظت الفتاة تحت عين خطيبها اليسرى " وشما غريبا على شكل دمعات " ، فقالت له مستفسرة :

هى - ما هذا يا حبيبي ؟ .. هو - ... ... هى - أراك حزينا ! . . قل بربك ما الذى صنعته بنفسك ؟ ! هو - ما صنعت أنت بنفسك ! ألم تنتبهى الى جسدك الذاوى ؟ ! . أهذه خطيبتى التى كنت أعرفها يوم ربطت مصيرى بمصيرها !؟ ..

هى - ... ... هو - ما نالنى نالك يا عزيزتى !..  الذي رأيته : " دمعات " ، أو إذا شئت وشمات .. أردتها ألا تنمحى تخليدا لمأساتنا .. هى - هي فعلا مأساة .. ولكن ، مامعنى هذا الوشم ؟ ! .. هو - ألا تذكرين ؟.. ألا تذكرين يوم خطوبتنا ، منذ زمن ، عندما قامت تلك المعركة بين الاهل ؟ فحالت دون زواجنا !.. ألا تذكرين الضحايا الابرياء ، والدماء التى سالت هدرا بسببنا ؟!..

هى - نعم نعم أذكر حدث ذلك منذ زمن طويل ، طويل .. ولكن الذى حصل فيما بعد ، كان أدهى وأمر !... هو - تعنين قيام الخصومة الثانية والقتال الدامى الذى جعلنا نبتعد عن بعضنا أكثر ... هي - ولكن .. ما أظنهم فى هذه المرة يعيدون الكرة ؟ .. هو - واهمة !.. كأنك تعيشين فى عصر آخر غير عصرنا.. انظري حولك.. تأملى أحقادهم الدفينة .. وأغراضهم السافلة ، وجشعهم وقسوة قلوبهم !. تأملى كل ذلك !. ألا ينبئ ب ...

هى - لا تكمل .. أرجوك .. انى تعبت .. لم أعد أحتمل ... هو - تطلبين مني هذا !.. كأن الامر بيدى أو بيدك .. أو كأن لى عليه اقتدارا !..  هى - لا تنس ، أن الذى حصل بسببك .. هو - بسببي ؟!! هى - آلست أنت المهندس الشاب الذى خرجت من تحت يديه كل هذه المدمرات ؟

هو - تعنين : اختراعاتي ؟ هى - وهل غيرها أبعدنا عن بعضنا ؟!.. وهل غيرها أهلك أهلى وأهلك ؟! هو - لم أكن أتصور أن بنات أفكارى وأعمالى ستؤول فى يوم من الايام الى نتائج مخربة ؟!..  فقط ، لو كنت علمت ذلك فى الابان ؟..

هى - لا داعي للتندم والتحسر .. فات الاوان.. هو - نعم فات الاوان ... هى - ثم ... هذه الدمعة الثالثة ( او وشمها ) اهى ايذان ب ... هو - لا ..لا تنطفى بربك .. لا تتفوهي بكلمة أخرى .. سأمحوها.. سأزيلها لست أدرى كيف حدث ذلك ؟ ولمه ؟!! ...

هى - قلت لك : فات الاوان .. نحن مقبلان على الفراق ثانية ، ولعله فراق أبدى لا لقاء بعده .. هو - أرجوك .. كفى ، كفى .. هى - انظر .. إلى جسدى الفانى!.. أنت محق فيما لاحظته الساعة تأمل!.. امل عينى الغائرتين !.. وشفتي اليابستين !.. وعروقي البارزة !.. واعصابي المحطمة !..

هو - ... ... هى - منذ صغرك ، وانت مولع بتفكيك لعبك واعادة تركيبها ... ولما أصبحت شابا ، لا ترى فى العالم سوى لعبة من لعب صباك ، تركه وتفككه .. كل همك ان تصنع الجديد .. وتخترع .. وتكتشف . حولت الطبيعة البريئة الى ( روبو ) مدمر ، كالذى كنا نشاهده - ونحن صغارا - ف الافلام .

هو - لم يكن قصدى ذلك .. لم يكن .. هى - قلبت حياتى معملا لتجاربك العديدة ... هو - كنت أريد أن أخلق منك فتاة عصرية ، بكل ما في هذه الكلمة من معنى .. لم تكن اختراعاتي الا من أجلك .. من أجل أن أبنى لك حياة جديدة بعيدة عن مغاور الكهوف ووسائل العيش البدائية التى كان يحياها اسلافنا .. كنت أريد لك حياة مفعمة بالرخاء والسلام ...

هي - واذا بسلامك المزعوم يتحول الى حرب ، بل الى حروب لا تبقى ولا تذر . وعما قريب ستحطمنى وتحطم نفسك. هو - أكان من اللازم أن تنقلب اختراعاتي السلمية الى وسائل جهنمية هي - علمك !.. علمك يا صديقى ذو حدين .. هو - ولماذا يتحول الحد الاعلى الى حد أسفل !؟ .. هى - لان ( أسفلك ) تغلب على ( أعلاك)..

هو - أوه !... هل التقينا فى هذا المكان الجميل لنتوغل فى ظلام الماضي وننطلق فى لوم طويل لا فائدة ترجى منه ؟!..  هي - هذه الدمعات الموشمة فى اسفل عينك ؟؟ هو - ليتنى ما وشمتها .. بل ليتنى ما ولدت وما كنت .. بل ليتنى اذ ولدت ما تعلمت الهندسة ، وما أصبحت مهندسا .. هى - هذا طريقك فلا تتهرب منه يجب ان نتقبل مصيرنا بل ان يتقبل كلانا مصيره بثبات .

هو - ولم لا يكون مصيرنا مشتركا كما أشرت اللحظة ؟ هي - لانني .. لانني تذكرت دمعتك الثالثة . فربما قامت الطامة الكبرى وحالت دون زواجنا ، فيصبح لكل منا مصيره . هو - آه ..آه . . ليتني عشت معك في بساطة !.. ليتني قبلت أن أربط مستقبلى بمستقبلك على بساط الطبيعة البكر !.. فنقنع بما تجود به علينا من قطرات الهناء ونفحات السعادة . ما أجمل الطبيعة العذراء التى لم تلوث ب ...

هي - بأفكارك ، ومشاريعك ، واختراعاتك وآلاتك ... هو - تحاسبيننى كأننى المسؤول وحدى ؟!.. هي - ومن غيرك .. أيها الانسان ، أيها العاقل ؟. من غيرك يا حبيبي ؟..  

هو - حبيبك ؟! و ؟!... هى - وأصارحك . نعم أصارحك بالواقع المر .. أتريد أن أحلم مثلك فيحون حلم دمارا كحلمك ؟!.. نعم.. أنت حبيبي ولا يمكن أن أحب عيرك قسمتى قسمتك ، وطريقي طريقك ، ما لم تفرقنا هذه الدمعة الثالثة

هو - ما كنت أظنك على هذا القدر من الذكاء !.. هى - وماذا يفيد الذكاء مع المصير المحتوم .. ما تفيد الحيلة مع القضاء والقدر ! انني يا حبيبي أنفس عن خاطرى المهموم وقلبي المكلوم ..

هو - ولكن قلت لى : " أنت المسؤول " كيف ؟؟ هى - نعم أنت المسؤول .. لانك نظرت الى أسفل فأعمتك المادة هو - و وكيف انظر الى أعلى وكل ما حولى مادى ؟! فالارض التى أقف عليها مادة ، والطبيعة التى أسكن فيها مادة .. وحتى السماء مادة.. وعقلي يحمله وعاء مادى.. وقلبب داخل قفص مادى ، بل انه ذاته قطعة مادية..

هى - وروحك ؟؟ .. هو - روحى ؟.. من يعلم الروح !!؟ هى - ... ... هو - هكذا صديقتي صنعت ما صنعت .. فاتى العالم الذي نسجت خيوطه ماديا .. يكاد يخلو من الروح .

هي - ... ... هو - اخبرينى كيف السبيل الى الروح ؟... أريد أن أعلم .. وهل إذا وصلت ، يتم زواجنا فى أمن وطمأنينة .. ونحيا بسلام ؟؟

هى - ... ... هو - أخبرينى .. لماذا سكت ؟! هى - أفكر .. هو - ألم تحاسبيني .. لانني قمت بجريمة التفكير ؟! هى - أنت فكرت فى المادة ، وأنا أفكر في الروح هو - فى الروح !!؟ .. لا تتعبى نفسك ..

هى - بلى يا صغيري .. لو تناسيت قليلا نفسك ، وانكرت سلطانك واعترفت بضعفك ..

هو - بضعفي!! .. هى - نعم بضعفك .. هو - ماذا يحدث لو انكرت سلطانى ، واعترفت بضعفي ؟.. هى - تصل الى الروح .. أو على الاقل الى جوها الفسيح فتتنسم نفحة من ذراته .. وبالتالى يتم زواجنا.

هو - أيحصل ذلك .. أيتحقق الحلم.. ؟؟ هى - لماذا تصر على أنك الاقوى ؟ وان لا شئ يدانيك ، بل لا شئ فوقك؟ هو - لان .. لان لى عقلا جبارا هى - عقل جبار !! هه !.. الم تر الى أى مدى أوصلك عقلك الجبار ؟؟؟ .. هو - ... ... هى - هى ذى نقطة الخلاف.. أنت تعترف ، بل تفاخر بجبروت عقلك وقوة تفكيرك وفى الوقت نفسه تقع ذليلا مغلوبا فى شرك التدمير الذي لحقنا ويلحقنا !...

هو - التدمير خارج عن طاقتنا .. هى - لا ، بل هو نابع من طاقتك.. ارجوك ، ارجوك انس لحظة أنك الاقوى.. حاول .. هو - ... ...

هى - عد إلى الحكمة والرشاد . ثم ابتعد قليلا عن الهندسة . اعتن بالقضايا الانسانية النبيلة .. ادرس الفلسفة .. ادرس الاديان . هل أنت معترف بالقوة العليا ؟ ... هو - لست أدرى ..

هى - يجب أن تعتنى .. يجب أن تعترف.. هو - أتعتقين أن ذلك سهل ؟ هى - حاول ... هو - سأحاول .. وهذه الدمعة التى وشمتها أسفل عيني ؟.. هى - لا تشغل بالك بها .. أتركها للايام .. فقط حاول .. حاول أن تتعلم الحكمة ..حاول ... هو - ... ...

اشترك في نشرتنا البريدية