أشعلت ثريا ضوء بيتها وأخذت تهيئه للليل كالعادة . أدخلت الكانون ومائدة صغيرة كانت قد وضعت عليها طبقا فيه الكؤوس و " سكرية " و حقة التاى .
فرشت زربية أمام خزانة الملابس ، ثم اخذت قرقافها ووضعته على الكاناباي ، أدخلت بعض الملابس المغسولة التي كانت قد جفت لكي تسهر على طيها . كان البيت منظما مرتبا . وهذا دليل على ان صاحبته ذات ذوق .
في ركن من أركان الحجرة سرير مفروش بلحاف مطرز وضع عليه وسائد بكل ترتيب . في صدر البيت توجد مرآة بها رف عليه ادوات التجميل . وبالجدران اطارات معلقة . كما يوجد في نفس البيت دوح جميل عليه علامات الانتظار .
كانت الشابة تهيء بيتها ببطء مختالة ، متبخترة ، مفتخرة ببطنها .
قدم الزوج من عمله تعبا يطلب الراحة ، ودخل مع زوجته الى المقصورة التى جعلت غرفة للطعام .
جلسا امام المائدة لتناول العشاء ، فدار بينهما حديث : _ آش بيه وجهك أصفر ؟ _ لا شيء . _ بالكش عندك وجيعة ؟ _ لا - لا . _ حتى العشاء ما تعشيتش كيف العادة ، لازم عندك حاجة ؟ _ تشي ما عندى يا ولدى
وبعد العشاء دخل الزوجان بيتهما للسهر ، فشربا التاي وسمرا بالحديث حتى كثر تثاؤب الزوج وتناعس ثم اسلم نفسه للنوم . اما ثريا فهي لا تزال ساهرة في سكون شامل ما عدا تنفس الزوج المنتظم ، او تكتكة الساعة التي وضعت على آلة " الراديو " . وبينما هي منهمكة في تطريزها البديع ، أحست بالم في بطنها فرمت بقرقافها على الارض و نهضت مسرعة للسرير لعلها تأخذ راحة . وتقلبت على الفراش
محاولة ان تنام ولكن النوم يأبي القدوم . وازدادت الاوجاع عليها فصاحت آه جوفي ! . . .
فاستيقظ محمود وسالها عن صيحتها ، فطمأنته بأنها اوجاع خفيفة . رجع محمود الى نومه وبقيت ثريا تغمض عيناها تارة وتفتحهما اخرى واخيرا نهضت تتمشى في البيت ، وكثر الالم عليها ، فاحمر وجهها حتى كاد ينفجر من الدم . وتيقنت انه المخاض لما صارت غير قادرة على المشي . تهالكت على اقرب اريكة وجدتها امامها واطلقت صرخة عالية افاقت الزوج ثانيا فسألها :
_ آش بيك ؟ _ نحس في وجيعة كبيرة يا محمود . _ نعطيك جغيمة زهر والاعطرشية ، والاتحب ناديلك الطبيب ؟ _ لا طبيب ولا زهر ، برة توة لخالتي صلوحة باش اتونسني ومن بعد امشي للقابلة هذه وجيعة متع حس .
خرج محمود مسرعا الى خالتي صلوحة ، وكانت تسكن بعيدا عنهما . فماذا يفعل ؟ تمنى لو كانت له اجنحة فيطير وكان الشارع خاليا . سار محمود ينتظر تاكسي ، ولكن رغم طول الانتظار لم يعثر على اي حركة سوى معركة بين القطط .
اتجه الى الطريق العام لعله يجد احد المارة . بقي طويلا وهو في خلوة الشارع المضيء بأمبوبات كهربائية ومن فوقها القمر والنجوم .
كان محمود سابحا في افكاره . في الاحلام السعيدة التي سيقضيها مع مولوده القادم . وكان في نفس الوقت خائفا على امراته . وفجأة مرت تاكسي فهم محمود بايقافها لكن وجدها عامرة وبعد قليل مرت اخرى ثم اخرى ولكن من سوء الحظ كانت جميع السيارات التي مرت امامه عامرة فماذا عساه ان يفعل ؟ هل ثريا تضع في غيبته وهي وحيدة في الدار هذا ما كان يفكر فيه .
وبينما هو كذلك مرت تاكسي فاعترض طريقها واوقفها عنوة وقال : - مرتي في حالة حس ومانيش باش نخليك تتعدى والسيد هذا ينجم يأخذ وحده اخرى اما انا ما عادش نجم نزيد نستنا . فنزل راكبها بطيبة خاطر قائلا لمحمود : - تفضل يا خويا اشبيه عاد كيف انت مغصور . المؤمن للمؤمن رحمة . تفضل
ياخويا ربي يخلص وحلها النافساء وارتاح قلبه لما ضغط السائق على محركه . فغدت السيارة تبتلع الكياس تحتها ابتلاعا . وصل الى دار خالتي صلوحة واخذ يطرق بابها بشدة وعنف فلم يجبه احد سوى الكلاب بنباحها . فغلى الدم في عروقه وكاد يكسر الباب غيظا . استيقظت العجوز ترتعش من البرد ، ولما اعلمها بالامر لبست سفسار يها وعصابتها واخذت عكازتها وصاحبته . فاوصلهما تاكسي ثان للمنزل .
دخلت العجوز ، ولما رات ثريا على ذلك الحال من الاوجاع وهي على مضجع المخاض ، اخذت تواسيها وتخفف عن آلامها بعبارات مملوءة عطفا وحنانا _ راك انتي كيف بنتي ياثريا ربي يعلم معزتك عندى . شوف هكة ربي عمل الاولاد زينة الدنيا ، ايجا بنيتي في حجري ربي معاك .
اسندت ثريا راسها على صدر العجوز والعجوز تضغط على راسها وتتلو التعاويذ واخيرا عمدت الى القصص لتسري على الحامل : _ قالك على هاك التاجر ما عندوش اولاد . نهار هو قاعد يخمم تعدى عليه المدب ، قال له لاباس عليك يا سي فلان ، حكى له ، يا اخي عطاه تمرة من الحج وقال له كول انت شطرها ومرتك شطرها تحت الميزاب القبلي توه يرزقك بصغير . . .
وتمادت العجوز في خرافها حتى كثر صراخ الحامل ، وتعالت اصواتها . وفجأة لمحت امامها امراة لطيفة بشوشة لابسة مئزرا ابيض بيدها حقيبة وهي تقول بوجه ضاحك : لاباس- لا بأس .
كسرت القابلة انبوبة الدواء ، وافرغت السائل فى المحقن ثم تقدمت لتغرز الابرة فى جلد الحامل . ولكن العجوز امسكت بيدها فجأة وصاحت بها بشوية استنا يا سيدى عبد القادر . يا سيدى " الرصاص خرج الراس ، اقرا يا ثريا آيات الكرسي ماك حافظتهم .
نظرت القابلة اليها بنظرة مملوءة سخرية ثم غرزت الابرة . اما محمود فبقي يطلب الله لاعانة امراته ، يتمشى بين حجرة واخرى وبهو المنزل والسقيفة ثم يعود . وكان من حين لحين يسمع صوت زوجته وهي تصيح يا رسول الله معايا . اخذت العجوز عصابتها وقرطت بها راس الحامل وقالت اسم الله على بنتي اسم الله .
بدات القابلة تضغط على جوف ثريا ، وثريا تصيح . والخالة صلوحة ترفع صوتها قائلة : سايسها بشوية شنوة يا خي من اين جات يا وخيتي هالغشيرة .
وآين تعرف انت انا قبلت امها .
واثناء مشاجرة القابلة والعجوز تم الامر ، وخرجت خالتي صلوحة واطلقتها زغردة طويلة دوى لها الليل وقالت : _ المبروك - المبروك يا محمود !
استبشر محمود بمولوده واحس بزيادة في شخصه انه صار ابا ، وسمع صوتا جديدا ، بكية لمولود ترن في اذنيه ، وفرح لقدوم الملاك المنتظر الذي كان يترقبه منذ تسعة اشهر .
ألبسته القابلة ملابس صغيرة مطرزة ولفته في الاقمطة التي كانت قد وضعت في حقيبة خاصة بملابس المولود . ثم قصت له صرته ووضعته في دوحه الجميل . عالجت النفساء كما ينبغي وطلبت لها الشفاء بعد ما هنأتها وودعتها معلنة انها ستعود غدا لزيارتها لكي تفحص صحتها وصحة المولود ، وصاحبها محمود للباب حيث توجدسيارتها امامه . ثم دخل ليرى ابنه وزوجته .
كان المولود بنية ، ففرحت بها ثريا كثيرا . ابتسم محمود وقال : سبحانك يا ربي شوف ما أحلاها يا ثريا شوف ما اصغر يديها ووجهها . . وفمها ما احلاه !
نعم ! المولودة جميلة وصغيرة جدا ، بيضاء ، وحمراء ، عيناها نصف إغماض ذات فم صغير ينفتح في بكائها فيظهر لغبها احمر رقيقا . سعد الزوجان بها ، فمنذ السهرة كانت الدار لزوجين والان تكونت اسرة تجمع بين ابوين ومولود .
خرجت الخالة صلوحة من البيت وملات يدها بخورا ورمت به وسط الكانون المتقد فتفرقت طلقاته ، وعجعج دخان شذي منعش وقالت : اللهم صل على النبي الوشق والداد في عينين الحساد ! ماذا يربح وينال عبد ان صلى على رسول الله ورر . .
قال محمود لزوجته : آش تحب تسميها يا ثريا ؟ واخذت ثريا تتذكر اجمل الاسماء واحسنها ، وبدأت تفتش عن اسماء بعض الصديقات اللواتي كن قد زاولن معها التعليم .
فعثرت على اسم سلوى . ثم هدى ، ثم وفاء ، وعليه ، وهاجر و نجوى ، وليلى واخيرا قررت ان تسميها رجاء فلم يرض الزوج لهذا الاسم وقال لها : _ علاش ما نسميوهاش على امي خديجة آش بيه اسم امي الله يرحمها . _ لا ياسيدي دبر على نفسك هو لازم اسم امك باقي موجود هذا بكل ما عجبكش رجاء ماني نعرفك لازم تتعرض لي في كل شيء . اسمع يا سيدي اسم امك انتيكة وانا نحب اسم خارج .
وبينما هما كذلك أقبلت عليهما خالتى صلوحة : - آش بيكم تتخاصموا هذا كله على خاطر الاسم ؟ شوف يا محمود لا تسميها رجاء ولاخديجة ، سميها قدرية . وليدي لو كان موش سيدي عبد القادر ما كانت تخلص مرتك . " الشي لله يا سيدى عبد القادر. "
فلم يقتنع الزوج بكلام العجوز وسخر من تفكيرها البسيط كما ان ثريا صممت على الاسم الذي اختارته ، وغضبت .
فخاف محمود عليها لانها في صراع مع الموت ، ووعدها بأنه يسميها رجاء لكي تقتنع ، ولكي لا تتجدد لها الاوجاع لشدة غضبها .
عاد الحبور في المنزل وزودت العجوز الكانون بفحمات كبيرة لامعة ، وغرفت من حقتها نفة وافية ، وبعثتها في دماغها ، وطفقت تمروح والشرار يتطاير كأنه فريق من الاولاد خارجين من الكتاب اسرابا متلاحقة . _ علاش يا امي صلوحة الكانون الكبير . _ وه ! ماني باش انطيب الزرير ، قل لي وين محطوط الجلجلان باش نعمل برشة ونهز وعدة لسيدي عبد القادر .
بدأت وجوه الصباح تظهر وبدأ الجيران يفدون على المنزل فكثر الكلام والضوضاء ، وكثرت فيه الحركات .
اراد الاب ان يقبل ابنته لما راها تبكي ، وقبلتها امها كذلك . ثم ارجعتها الى دوحها وانشدت لاول مرة انشودة على الدوح . أخذت البنية تبكي وتصيح بصوتها الصافي اللطيف . فبدأت ثريا تسكتها بحنان ، وخافت عليها اشد الخوف . وما كادت تهدأ حتى سكتت سكتة لم تعد تتنفس فيها .
فزعت ثريا على ابنتها واخذت تحملق في جسمها وعينيها لكن ما الفائدة ! انها ماتت .
جالت الدموع بين اجفان الام ، وذاقت حرقة الامومة وطعمها وبكت على حرمانها من رعاية الصغير .
وطلع النهار فحملت البنية للمقبرة . وبقيت الوالدة تبكي والاب يفكر حزينا على كبده . اسند راسه بيديه واخذ ينظر للدوح الذي صار فارغا . اما ثريا اخذت تقلب الثياب التي لم تعد بها حاجة وقالت : يا ناري يا ناري على بنتي ما شبعتش فيهم لشكون يقعدو هالحوالي والقمايط .
خالتي صلوحة شرعت تستعد للانصراف ، وبدأت تطيب خاطر الزوجين الشابين قائلة : آش باش نعملوا وليداتي هذه حاجة ربي اصبروا ربي يعطيكم الخليفة .
انتظرت ثريا فرصة خروج محمود من البيت ، ولما لبست العجوز " سفساريها " وهي تقول لها :
_ رتح نفسك عيش بنتي وما تحط شيء في بالك . انتزعت ثريا هذه الفرصة ، فرصة رجوع الامل وهمست لها : - امي صلوحة عيش امي انشد المدب ما زالش من تمر الحج جيب لي كعبة .

