الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الدوعاجي قصاصا

Share

كنت كلما وقفت عند أثر ادبي سيما إذا كان قصة وجدتنى أستنجد فى احيان كثيرة بعدد من الكتاب الغربيين أمثال بوريس فيان أو جلبار سنبرون لفهم قصة من أقاصيص سمير العيادى او عز الدين المدني ومن لف لفهما من كتاب القصة التجريبية .

لكن أجدني مع الدوعاجي - مع اعتبار الفارق الزمني الذي يفصل بينه وبين اولائك - فى كل قصصه ازاء انتاج رائع ممتع لا غبار عليه ، غص الى اعماق واقعنا الانساني والتونسى فى الآن نفسه . فكان له منحاه الخاص ومنهاجه المعلوم في الايجاز والوضوح . وقدم الينا فى جل قصصه نفسيات تونسية من ذاك الوسط الذى عاش وتربى فى أحضانه .

ولقد أدرك الدوعاجي أول ما ادرك ان المذهب الواقعى هو انسب المذاهب لتصوير ما يجرى فى الحياة وللتعبير عما تشعر به النفس من فرح وحزن ، امل ويأس ، هناء وشقاء . فالتزم بالواقع ، وانتهج سمتا مستقيما هو سمت التعبير عن مشكلات بني وطنه ، واعتنق مفهوما محددا هو الايمان بالشخصية التونسية ، وسعى الى تحقيق غاية سامية هى تأكيد كل ما هو رائع وجميل فى الانسان .

والقارىء لقصص الدوعاجي لا يكاد ينتهى من مطالعتها حتى يجد فى نفسه حاجة الى اعادة قرائتها والوقوف عندها طويلا لا لكونها خارقة للعادة - تصور الذئاب تعوى فى العراء ، والسدود تنهار بين العواصف والاعاصير - بل لكونها عادية تصور حياة الناس كما هى وبما فطروا عليه ، وعنصر الابداع فى القصة انما يظهر في مثل هذه القصص ذات المواضيع العادية والتى توهم بأنها لا تحتاج الى درس ولا الى تحليل .

وقد يرى الكثير ممن يكلفون بالقصة كتابا وقراء أن فن الدوعاجي تغلب عليه الفلكورية ولذلك فليس لفنه كبير قيمة ، لكن فات هؤلاء ، فى الحقيقة ان الدوعاجي وان استمد أقاصيصه من الواقع ، فان هذا الواقع ، لم يستبد به ، وانما هو " الواقع أعيد خلقه من جديد في صورة إلا تكن أصدق من الواقع الصرف فهي أبلغ منه وأدل " ( 1 ) .

وهاك عينات من قصص الدوعاجي تكون دليلا على ما نقول : خلد لنا الدوعاجي في قصة "موت العم باخير " ( 2 ) جوا من أجواء الحياة اليومية عرفناه ونحن صغار نلهو بين الشوارع والازقة وقد أشرف هذا الجو اليوم على التلاشي للتقدم الكبير الحتمى . فتنفر نفوسنا من ربقة الحاضر لتعيش لحظات في كنف تلك الاجواء المحببة الينا .

هى قصة رجل بسيط سقاء يقطع كامل يومه جيئة وذهابا بين " السبالة " والمنازل حتى إذا أظلم عليه الليل رأيته راجعا الى مخزنه والبشر والسرور باديان على وجهه ليبيت فيه ليلته .

وليس العم باخير بغريب عن أطفال الحي الصغار فهو جد الجميع يحبونه ويمشون من ورائه حتى اذا دخل مخزنه رأيتهم ينظرون اليه من بين ثلمات الباب ويسترقون السمع لينصتوا الى احاديثه وتمتماته الليلية . وهو كذلك محبوب من طرف كبار الحي ، يدخل بيوتاتهم متى شاء وبدون استئذان فيتحدث مع ربات المنازل حديثا خالصا ملؤه الانس فتفهم ان هذا المسكين له من يؤانسه فى الحياة وله من يستمع الى احاديثه رغم تفاهتها كما له من يعينه على تنظيف ثيابه وقضاء بعض حوائجه . ويمضى العم باخير فى جادته التى رسمها له القدر حتى اذا ما أصابه توعك جسمى رأيت من تطيب نفسه لقبوله وعلاجه ببيته ، فيأخذه رجل من رجال الحي الى منزله ويوكل إلى بناته الابكار تمريضه فيعتنين به ويسهرن على راحته الى أن يموت .

تلك هي قصة العم باخير كما رسمها لنا الدوعاجي ، تبدو عادية فنتساءل عن مأتي الابداع فيها . ان ابرز ما اختصت به هذه القصة هو عنصر التصوير. وليس هذا غريبا فالدوعاجى معروف بكلفه الشديد بالتصوير الكركاتورى لذلك تراه اذا قدم لك صورة شخص من شخوص قصصه وجدته يتفنن الى أبعد حدود التفنن فيرسم الملامح البارزة بخط عريض والدقيق منها بخط رهيف ولا أدل على ذلك من تصويره الخلقي للعم باخير :

" كان العم باخير خفيف الروح ، دميما دمامة عليها مسحة من جمال التناسب مما جعل دمامته مقبولة فالانف البارز المكور تعلوه عينان حمراوان تحتهما فم واسع ، له شفة سفلى متورمة متدلية فى مستوى أفقى مع ذقنه وعلى الجميع لون من ألوان الاشراق" .

ذلك هو العم باخير بملامحه الغليظة والدقيقة ، ينبض تحت جلد الكلمات فترتسم صورته فى ذهنك ويذكرك بصنف " الفرباجيه " عموما في جميع الاحياء الشعبية بالعاصمة وعندما يحدثك الدوعاجى عن صفاته الخلقية يجعلك تطمئن اليه وتحسن به الظن فيدخل بيتك فى كل ساعة ويسلم على ربته ويطلب منها ما يحتاج :

" كان رجلا خيرا ، طيب القلب ، ورعا ، لم نعثر له على زلة قط " .

ولا يقف الدوعاجي عند هذا الحد من الوصف لكأنى به يريد ان يخلد صورة صاحبه فى أذهان القراء ليكون نموذجا بشريا صادقا من المجتمع التونسى فيحدثك عن هيئته وعن ثيابه التى يكدسها فوق جسمه تكديسا ، فتراه ضخما بتلك الملابس التى لا طائل من ورائها الا ستر العورة :

" كان لا يملك صندوق ملابس بل كان يرتدى كل ما يشتريه فتراه مثلا معتما بعمامة بيضاء عليه " محرمة " حمراء يربط الجميع بخيط من وبر قاتم اللون ويرتدى فى أوقات الراحة الجبة والبرنس والقشابية والبلوزة صيفا وشتاء "

ولا تعجب ابدا اذا أخذ الدوعاجي بيدك من جديد ودخل بك بيتا من بيوتات الحي قبعت ربته فى ركن - بحضور خالتها التى قدمت لزيارتها - وراحت

تحكى قصتها مع زوجها السكير الذى آلمها سلوكه وسهرت من أجله الليالي تعد له ما يحتاج من أطعمة وما تشتهيه بطن كل سكير من " مشلوش " وغيره استجابة لرغباته وحتى تسلم من سخطه وأذاه . ان زوجة كهذه ذاقت ما ذاقت من الاتعاب وقاست ما قاست من عذاب السهر تظن أنها اذا حدثتك عن زوجها ستحدثك ناهرة قلقة من وضعها تطلب الفراق كلفها ذلك ما كلفها . اعلم انك اد افكرت كذلك فقد اسأت ظنا بها وفاتك أن هذه المرأة تكن لزوجها من العطف والحنان ما تمنعها التقاليد والعادات بأن تفوه به . فهي تطلب من خالتها ان تخفت من صوتها عندما احتد النقاش بينهما حتى لا ينزعج هذا الزوج السكير وينام في هدوء تام لكأنه فلذة كبدها . ذاك ما سعى الدوعاجي الى ابرازه فى هذه القصة ، وهو لعمرى ركن نير فى المرأة لا يغضب . ) (3)

ويستأنف الدوعاجي بك الطواف وكأن نفسه فطرت على استكناه نفسيات البشر وكأنه لم يقل كلمته الاخيرة فى الانسان رجلا كان او امرأة ، هذا الانسان الذي اضطهدته الاقدار وحرمته ما تمتع به غيره هو رغم كل ذلك ركن نير يشع رغم الفقر ورغم الحرمان . فيقودك الدوعاجي اثر الطواف الى كتاب "الحومة " فاذا هو كتابك الذي قرأت فيه واذا المولدية التى كنت ترددها وانت صغير تسمعها من جديد فى نغمة جميلة عالية يصدح بها الاطفال فرحين مسرورين بقدوم العيد . ويقوم المؤدب ليفرق الريالات على الصغار . ثم هو يبتزها من بعضهم اذا تلكأ فى حفظ سورته . ويكون من سوء الحظ الطفل ابراهيم الفقير من المتلكئين ، وتعلم زوجة المؤدب بصنع زوجها مع ابراهيم فتبتئس بما فعل وتشفق لحال ابراهيم كما تشفق كل أم حنون على صبيها وتسعى الى ارضائه ، فتسرق الزوجة بعض الدراهم من مال زوجها وتقدمه الى هذا الصبى وتعصد والدته العصيدة كما يعصد كل الناس . وتمضى السنون حتى اذا توفيت هذه الزوجة وجدت من يقف على قبرها يردد البردة ولم ينس حسن صنيعها .

فترى الدوعاجي من جديد يصور لك قلب المرأة الشديد الحساسية وشفقتها التى أملت عليها ان تسرق ، فاستحبت السرقة على ان يحرم فقير مما تمتع به غيره . وحبذا السرقة فى مثل هذه المواقف (4) .

تلك عينات من قصص الدوعاجي ومواقف توقفنا عندها لنرى المكانة التى تبوأها هذا الفن مع الدوعاجي ولا يغرنك وقوفنا عند ثلاث قصص فقط من قصصه على انها هى أجود وأحسن ما كتب ، فقصص الدوعاجى كلها زاخرة بمثل هذه المواضيع الانسانية طافحة بنبل المشاعر وصدق النيات ونير الخصال .

اما عن الاسلوب الذى كتب به الدوعاجي أقاصيصه فهو أسلوب واضح بعيد عن الاسفاف قليل التكرار والالحاح الثقيل ، بعيد كل البعد عن أسلوب من تقدمه من الكتاب الذين رصعوا قصصهم بالخطب والمواعظ لا لشىء الا ليعتبر القراء بها . ولما كانت قصص الدوعاجي في أكثرها تعتمد الحادثة اساسا فقد كان السرد مرتبطا ببعضه ارتباطا متينا ، وليس هو بالسرد المتواصل الممل بل كان يتخذله الحوار . وكثيرا ما يكون هذا الحوار كاشفا عما تخفيه النفوس فكان عنصرا هاما من عناصر التحليل النفسانى فى قصص الدوعاجي . ولم يتورع الدوعاجي أبدا من أن يدخل فى الحوار العبارة العامية الحلوة ، فكان بذلك حراره خفيفا تعهده الآذان فتطرب اليه وتستسيغه .

فالاسلوب قد تطور مع الدوعاجي تطورا كبيرا وسريعا فى الآن نفسه ، ونظرته الى الاقاصيص التى كتبت قبل الثلاثينات تجعلنا ندرك الخطوة التى خطاها الاسلوب مع الدوعاجي . ولعلنا بعيدون عن الاسراف اذا قلنا ان تطور الاسلوب كان ثمرة اطلاعه على الآداب الغربية مترجمة وباللغة التى كتبت بها .

ذلك هو الدوعاجي واقف بذاته أمامك وقد استخلصته مما كتب من القصص . وقد تعاودك النخوة كلما وجدت متسعا من الوقت الى الكتابة عنه جاعلا فاتحة لمقالك متضمنة قول أحدهم : هو أبو القصة التونسية ولا منازع .

اشترك في نشرتنا البريدية