الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الدولة الفارسية الأولى فى الاسلام ، " الطاهرية "

Share

كان فتح العرب لبلاد العجم ، وهى الارض المعروفة قديما بفارس وخراسان وما وراء النهر ، فى سنه 30 للهجرة ، فى خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه .

و كان من الطبيعى ان يترتب على ذلك عدة أمور ، منها : أن يتولى العرب الفاتحون وحدهم أولا ، دون أهل البلاد الاصليين ، حكم العلم الجديد الواقع صلحا او عنوة تحت سلطانهم ، وأن تتأخر كل مشاركة فى الحكم بين العرب الفاتحين ومواليهم من الفرس الى ما بعد زمن الفتح بوقت مناسب ، لعدة عوامل واعتبارات دينية وثقافية واجتماعية ، وأن تخضع هذه المشاركة في السلطة الى حتميه الصراع السياسى بين الشعوب ، حتى الشعوب المتآخية دينا ، وذلك لأن التنازع على السلطة مجبول فى الطبيعة الانسانية جماعات وافرادا .

فى ذلك ، فالقول بأن الصراع الذى نشب بين العرب والفرس في تاريخهما الاسلامى الاول ، هو صراع عنصرى ، إنما هو زعم باطل والعنصرية وإن كانت من مركبات هذا الصراع فى بعض أطواره ، إلا أن هذا الصراع فى جوهره كان صراعا سياسيا كذلك الصراع نفسه الذى كان قائما بين العرب بعضهم وبعض قبل الاسلام وبعده . ومع أن الصراع بين العرب أنفسهم يمثل لنا فى التاريخ القديم فى شكل عصبيات قبلية متنافرة ، الا أن هذه العصبيات القبلية لم تكن شيئا فى الحقيقة ، وان كانت قائمة على النسب ، سوى صراع سياسي حزبى ذى أبعاد اجتماعية واقتصادية ، قائم بين تكتلات واحلاف بشرية لها كيانات خاصة ومصالح مشتركة في صلب أمة واحدة ، هم العرب .

فلما ألف الدين الجديد بين العرب والفرس في أمة واحدة كبرى ، كان لا

بد أن تحدث تفاعلات سياسية أخرى داخل المجتمع الاسلامي ، تبرز نتيجتها تكتلات ومحالفات جديدة ، نتدافع فيما بينها فى طريق تحقيق الصالح العام لدولة الخلافة . وكانت كل من هذه التيارات الاجتماعية المتدافعة تصدر فى حركتها السياسية عن مفاهيم أو دعوات مذهبية اعتقادية ، هذه الدعوات كانت تتقاذف فى سبيل تحقيق وجودها الخاص وانتصارها الواحدة على حساب الاخرى بتهمة مزدوجة هى المروق الديني المنكر والشعوبية البغيضة .

ومع ذلك فقد كانت حركة الصراع المستمر ، وانتقال مراكز القوة بين الاطراف المتنازعة ، وتعاقب الادوار الطبيعية فى تداول السلطة - كل هذه الامور كانت تفضى بصورة حتمية الى انقلابات دورية فى الحياة السياسية للعالم الاسلامي . وبديهى أن الصراع فى مختلف أشكاله لازمة حياتية محركة لا يتم بدونها النمو الحضارى لمجتمع من المجتمعات .

وكان حدوث الانقلابات السياسية الخطيرة يقدر ، بحسب امكاناتها فى الزمن القديم بنسبة واحد فى كل مائة سنة ، وهو معدل ثلاثة أو أربعة اجيال . وعلى ذلك فخالي الذهن تماما من تاريخ العرب والفرس في ايران منذ الفتح ، يمكن له استنادا الى ما تقدم ، مع عدة اعتبارات أخرى معروفة تتعلق بطبيعة الفتح الاسلامى وما ينجر عنه بالضرورة من تغييرات جذرية في علاقات الشعبين العربى والفارسى على مستويات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية - يمكن له أن يقدر أبعاد التطورات السياسية ومراحلها التقريبية المنتظرة بعد الفتح .

لا جرم أن يرى الفاتحون الأوائل أحق من غيرهم بالتفرد بزمام السلطة في الأرض الجديدة التى نشروا فيها راية الدين وقد تحملوا الجهاد في سبيله . ولا شك أن كل من عاصرهم من الفرس المسلمين سيلوذون بهم ولاء فيهم وخدمة لهم وقدوة بهم وتخرجا فى لسانهم العربى المبين الذى نزل به القرآن الكريم .

ويعقب هذا الجيل الاول جيل ثان متكون من أبناء الفاتحين مع أبناء الموالى الفرس المشاركين فى الفتوحات الاولى ، فيكون حرص الاولين على توطيد ملك آبائهم حافزا لهم ، ليس فقط على الاستمساك بالسلطة بل بتوريثها فى عقبهم ، بينما تقوم الرغبة ملحة فى نفوس الآخرين للمشاركة بنصيب وافر في الحكم ، لقيام شروطه فيهم ووصلا لتليد ما كان لأجدادهم من سابق السيادة قبل الاسلام .

فيكون الشد والارخاء فى حبل السياسة هو الديدن مدة بين هؤلاء وأولئك تجنبا للقطيعة وتحقيقا للمراضاة المتبادلة وخاصة للوقوف صفا فى وجه العناصر المناوئة للحكم       .

لكن العناصر المناوئة ، الداخلية منها فى الامة ، المضروبة على يدها سياسيا ، من طبيعتها أن تستغل هذا التوازن الخطير في الدولة متى لاح ، لتلعب لعبتها وتجعل الكفة ترجح فى جانبها . فتسعى المعارضة عندئذ لتنظيم صفوفها فى دعوة جماهيرية ذات شعار موعد خلاب ، وتتحرك في البدء في طى السرية ريثما تستهوى ، فضلا عن مزيد من الناقمين العاديين ، جانبا من غير الراضين بما قسم لهم من السلطة فى الدولة القائمة - تستهويهم المعارضة بالاسهام فى قيادتها لتحقيق مجتمع افضل .

ثم يتبلور السخط السياسي لدى الجيل اللاحق ، الذى يتولى الاصداع بالدعوة ، وهو جيل أبناء تابعي الفاتحين من عرب وفرس ، وهو جيل النابتة والمولدين الذين أصبح من الصعب التمييز بين عروبيتهم وفارسيتهم ، لما وقع من التمازج الاجتماعى والثقافى فى عناصرهم الاولى . هذا الجيل هو جيل الدعوة العباسية فى خراسان والعراق ، وكانت قيادته عربية او كالعربية وجماهيره فى أكثرها فارسية مولدة للجغرافية البشرية المكونة لهذه المنطقة .

وهكذا يكون قد تحقق انقلاب سياسي خطير في الدولة الاسلامية بعد نحو مائة سنة من فتح بلاد فارس .

غير ان الثورة العباسية كان يجب أن تجابه بعد انتصارها تجربة الحكم القاسية. وهنا فان لا بد أن تنكشف مع الايام بذور الضعف فيها ، وبالتالي دواعي الانقلاب عليها . ويتمثل ضعفها ، فى قلة توفيقها ، كاية ثورة أخرى فى الملاءمه عند التطبيق بين مقتضيات السلطة وقسرية الواقع من ناحية وبين المبادئ المثالية التى كانت تدعو لها وآمنت بها جماهيرها .

وهنا لا تلبث القطيعة طويلا حتى تحدث بين رجال الدولة العباسية وبين جانب عظيم من جماهيرها . وتأخذ بطبيعة الحال دورة جديدة في التكوين في الحياة السياسية للامة . ويحقق الجيل الاول في هذه الدورة تعاطفا بين العامة المخيبه الظن والأمل وبين الخاصة المعزولة أو القيادات المبخوسة الحق في الحكومه القائمه ، وتنصرف عناية الجيل التالي بالبحث عن نظرية سياسية جديدة للحكم وبث الوعى بها . ولا بد أن تستفيد هذه النظرية من التجارب

السابقة وبخاصة من حال انقسام الدولة الاسلامية الى اكثر من خلافة وغلبة نزعة توريث الحكم لدى الولاة قياسا على أسرة الخلافة وقيام الدواعي الملحة للتخفيف من مركزية الحكم .

كل هذه الامور كان من شأنها أن تقوى التفاف الجيل الثالث فى أقاليم الخلافة العباسية نحو الزعماء المحليين الذين يرى صلاحهم وتأبى الدولة المركزية فى العراق أن تعترف بهم لاعتبارات سياسية أقلها أن لا يرى الخليفة مضطرا للاقرار بالامر الواقع . ويوافق هذا الجيل خلافة الرشيد ونزاع الامين والمأمون على الخلافة . وكان يبدو ما أصبحت عليه بغداد من قصور عن مواجه الثورات القائمة على جبهات متعددة ضد ولاتها فى خراسان وفى الجزيرة وفى مصر وفى افريقية والمغرب .

ويمكن ان نفسر الذى حدث فى عهد الرشيد بأنه محاولة موفقة الى حد ما لمعالجة الوضع المتفجر فى دولته . فمعلوم أنه منح الاغالبة فى افريقية والمغرب امارة عباسية مستقلة ، وضرب من جهة اخرى على ايدى البرامكة فى العراق وخراسان وقد كادوا يحدثون هناك دويلة عباسية مستقلة ايضا .

وقد يكون ذلك لان الظروف قد تهيأت لاستقلال افريقية دون تخلف ، فلئن قامت بها أسرة موالية للخلافة العباسية كان ذلك أفضل من أن تقوم بها دولة مناوئة لها . لكن الوضع بالنسبة لخراسان كان مخالفا لافريقية التى كان بعدها عن بغداد حائلا دون مشاركتها بصورة فعالة فى شؤون الخلافة . وكان على الخلافة فيما يبدو أن تغالب ، خاصة وقد اطمأنت على مصير افريقية واستجمعت جيوشها المحاربة - أن تغالب انفصال ولاية خراسان عن العراق ، ولو فى حركة استقلالية موالية للخلافة ، وذلك لان خراسان كانت في الحقيقة تعتبر مع العراق الاقليم الرئيسى فى الدولة العباسية ، فقد كان كلاهما من قديم مؤثرا فى الآخر ، وكان يبدو مستحيلا أن تضمن الخلافة بقاءها اذا فقدت اشرافها الفعال على أحدهما . ولذلك اختلت خلافة الامين وسقطت حين فقد مباشرته للسلطة فى خراسان ، ولذلك أيضا اختلت خلافة المأمون وكادت تسقط حين أنذر العراق بالخروج عن طاعته اذا لم ينتقل اليه بكرسي ملكه كآبائه الاولين .

ولكن الجيل المعاصر للمأمون من الخراسانيين كانت قد توطنت فى نفوسهم ، طوال اربع سنوات من النزاع بين الأخوين ، على استقلال اقليمهم عن العراق .

فماذا فعل المأمون ليبقى على تبعية الاقليمين أحدهما للآخر ويرضى فى الوقت نفسه النزعة الاستقلالية عند الفرس ؟

سنجد الاجابة على هذا السؤال فى هذا العرض الموجز الذى نقدمه عن الدولة الطاهرية ، التى لم يفسر ظهورها قبل بمثل هذا التفسير والتى كان يعتقد وهما وغلطا انها قامت دون رغبة المأمون فى خراسان .

الطاهريون نسبة الى طاهر بن الحسين ، قائد المأمون . ويقال لابناء طاهر آل مصعب أحيانا ، نسبة الى جدهم مصعب بن رزيق ، وذلك مراعاة لمشاركة أبناء عمهم معهم فى الحكم ، وأولهم فى ذلك اسحق بن ابراهيم بن مصعب ، الا انه يطلق على جميعهم فى الغالب آل طاهر للشهرة . ينحدر طاهر بن الحسين مؤسس الدولة من اسرة فارسية عربية بالولاء فى خزاعة . وكان لآبائه فى الاسلام سابقة فى الرئاسة والعلم والادب . وكان جده مصعب من نقباء الدعوة الهاشمية بخراسان . وكان أبوه من ولاة بني العباس . ظهر طاهر أول ما ظهر بصورة بارزة فى سنة 194 ه . فى الفتنة على الخلافة بين الامين والمأمون وكان المأمون عين طاهرا آنذاك قائدا على جيشه لحرب على بن ماهان قائد الامين ، فانتصر طاهر فى المعركة انتصارا باهرا نال عليه من المأمون لقبه ذا اليمينين ، وذلك لان النصر كان فيما قيل بضربة قاضية بسيفه وجهها بكلتا يديه لاحد قادة الاعداء ، وكان طاهر أعور ، قال أحد شعرائه في ذلك :

يا ذا اليمينين وعين واحده            نقصان عين ويمين زائده

ومضى طاهر فى زحفه من خراسان إلى العراق حتى فتح بغداد وقتل الامين وبايع بالخلافة للمأمون وهو بمرو ، وكان ذلك فى سنة 198 ه .

وكان طاهر يحلم من أول أمره بوراثة آبائه في الحكم على بلدته بوشنج فاصبح بانتصاراته العظيمة حقيقا بالولاية على خراسان كلها . وكان ذو الرئاستين الفضل بن سهل وزير المأمون والغالب على سياسته يحاول منذ أن سطع نجم طاهر أن يغير صدر الخليفة عليه ويقصيه عن السلطة لكي لا ينافس ال طاهر آل سهل فى الحظوة عند المأمون . فجعل الفضل يدبر لذلك بما يستغله من تخوف المأمون من أن يعيد طاهر الى الاذهان ذكرى خلاف أبى مسلم الخراسانى مع أبى جعفر المنصور ، وانه ربما حدث أمر تكون فيه نفس طاهر أقرب الى الخلاف ويجد انه بين أهله ومواليه الخزاعيين وقومه الفرس ، فيخرج بخراسان ويخلع ويتهدد المملكة . وانتهى الفضل بتدبيره الى أن أبعد ذا اليمينين عن خراسان والعراق وأخرجه لقتال بعض الثائرين بالجزيرة .

فعظم ذلك على طاهر دون ان يورث فى نفسه هذا الامر الا الالتزام بالطاعة للمأمون وتنفيذ أوامره على علاتها ، يريد بذلك فيما يبدو أن يحبط عمل الفضل بن سهل ويبلغ الغاية فى الاخلاص للمأمون .

وأصبح ذو اليمينين فى سنة 198 بالرقة بارض الجزيرة ، وظل لا ينتظر هناك الا تحول الظروف فى صالحه . وذلك أن أهل العراق لم يلبثوا طويلا حتى خلعوا بيعة المأمون استنكارا على سياسة الفضل بن سهل . وكان مما سخطوا عليه اخراجه طاهرا من العراق . فلما عزم المأمون على تغيير سياستة التى اتبعها وقتيا فيما يبدو للتغلب على الامين ولتدعيم خلافته بعيد ذلك ، كان عليه أن يتخلص من رجال سياسته القديمة ، وأن يعود بمركز الخلافة الى بغداد ارضاء للعراقيين وأن يقرب طاهر بن الحسين منه . وعلى ذلك فلم يكد المأمون يصل الى العراق متحولا من مرو بخراسان حتى قتل الفضل بن سهل ، وقتل جميع المورطين فى قضيته وعلى رأسهم على الرضا ، الذي كان المأمون ولاه العهد تحببا الى الشيعة . ثم دعا المأمون بعيد ذلك طاهرا عن الجزيرة وأقدمه معه بغداد ، فولاه الشرطة ، وهي أهم ما يولى يومئذ بدار الخلافة ، وقلده معها امارة المغرب . ولما تم للمأمون بعد قليل من ذلك عزل جميع قرابة الفضل بن سهل عن الحكم بالعراق وخراسان ، قلد طاهرا المشرق كله وذلك بالعقد له على ولاية خراسان في سنة 205 ه . واستخلف ابنه عبد الله بن طاهر على الشرطة وولاية الجزيرة والشام ومصر الى حدود برقة .

وتجلت منذ ذلك الحين سياسة المأمون فى أن يصطنع من آل طاهر رجال حكمه الجدد . ولكي يضمن المأمون وحدة دولته لم يرد ، فيما يتسن لنا ، أن يقسم على أبناء طاهر الولايات ، وانما جعل بعضهم نوابا لبعض ورئيس بيتهم هو سيدهم واميرهم . وكانت وحدة الخلافة العباسية تقوم اساسا على ارتباط العراق وخراسان ووقوع هذين الاقليمين تحت حكم واحد ، كما بينا سابقا . لكى يحذر المأمون انشقاق ولاية خراسان عن الدولة - وكان أول من هدد بخروجها فى خلافة أخيه - جعل صاحب الشرطة ببغداد ، وهو بمثابة والى العراق قديما ، نائبا لوالي خراسان ، وجميعهما من آل طاهر . وذلك ليكون الطاهرى الذى بقبل الخليفة ببغداد رهينة للطاهرى المقيم بخراسان ، وليكون عامل القرابة ونظام توارث الحكم فى هذه الاسرة عاملا على وحدة الاقليمين وضامنا لاستقرارهما وازدهارهما .

واجتمع للطاهريين بذلك حكم المشرق والمغرب من فرغانة الى برقة نحو عقدين من الزمان ، ثم اقتصر حكمهم على الولاية الوراثية بخراسان والشرطة

بالعراق . وكان الامير الطاهرى صاحب الشرطة من المكانة بحيث ينوب الخليفة عند تغيبه عن دار الخلافة . واستقام الامر للطاهريين على هذه الحال من بداية القرن الثالث الى الثلث الاخير منه . وتوالى اربعة امراء منهم بخراسان ، وكانت عاصمتهم بها نيسابور ، وتعاقب عشرة آخرون من اخوانهم وابناء عمهم اسحق بن ابراهيم بن مصعب على حكم العراق كأصحاب الشرطة ، وكانوا كما ذكرنا نوابا عن أمراء خراسان وواقعين تحت اشراف الخليفة .

وعاشت الدولة الطاهرية ما التزم خلفاء المأمون بسياسته تجاه بني طاهر فلما اختل نظام توارث الحكم فى هذه الاسرة ذات الشعبتين بسوء تصرف بعض الخلفاء ، سقطت تحت ضربات أعدائها وانقرضت دولتهم . وكانت الطاهرية مع ذلك فى حروب سجال مع الطالبيين والخوارج وملوك العجم في الاطراف ، ثم غلب قادة الترك بدار الخلافة على أمرائهم اصحاب الشرطة وأراد الصفاريون وكانوا عمالا للطاهريين فى سجستان أن يفرضوا دولة كدولة آل طاهر على الخلافة ، لكنهم لم يلبثوا الا بضع سنين ، وقضى عليهم السامانيون ، فى أوائل الثلث الاخير من القرن الثالث . وكان السامانيون من ولاة الطاهرية على ما وراء النهر ، فوجدت الخلافة العباسية فى السامانية وريثا شرعيا للطاهرية ، فملكتهم على ما وراء النهر وعلى ملك الطاهرية بخراسان .

اذن ، فالطاهرية دولة فارسية الاصل ، عربية بالولاء ، حكمت خراسان والعراق بتقليد من الخلافه العباسية طوال ثلاثة ارباع القرن الثالث الهجرى تقريبا ابتداء من اوله . ويتمثل حكمها فى خراسان بالولاية الوراثية على هذا الاقليم الشاسع من آسيا الوسطى وما يتصل به من اراضى الخلافة في المشرق ، ويتمثل حكمها الوراثى ايضا فى العراق بتقلد مهام الشرطة ببغداد ، وهو ما كان يقابل الولاية على العراق قديما قبل ان يصبح هذا الاقليم مركزا للخلافة . وعلى ذلك تعد الطاهرية أول دولة من نوعها قامت في ايران فى العهد الاسلامى ، وهى على شبهها بالدولة الاغلبية بافريقية تتميز عنها بما كان يتسم به حكمها من نزعة فارسية معتدلة وبتدخلها المباشر في شؤون الخلافه . وعلى ذلك ايضا فالطاهرية تختلف تماما عن الدول المنقطعة عن الخلاف العباسية كالادارسة بالمغرب وغيرهم ، وتختلف ايضا شيئا ما عن الدول التى قامت على انقاضها وكانت تابعة اسميا فقط للخلافة كالسامانية والغزنوية وغيرهما .

ومعلوم أن اللغة الفارسية الحديثة ، المستعربة فى كثير من جوانبها الكتابية واللغوية ، كانت قد بدأت تتدرج في أواخر حكم الطاهريين للظهور بجانب العربية فى المجالين الادبى والرسمى بخراسان ، وانما ذلك كان نتيجة فى الاكثر لقلة من اصبح من حكام هذه الولاية من العرب او مواليهم المستعربين عن قدمة كأل طاهر . وكان جل أمراء الطاهرية شعراء وكتابا بالعربية وحدها ، ولم يؤثر عن أحدهم انتاج بالفارسية ، الا ان أحد المتأخرين ، هو أبو الطيب الطاهرى ، وكان شاعرا وأدرك الدولة السامانية وريثة دولة آبائه ، كان يقرض الشعر باللسانين العربى والفارسي ، فلربما كان أبر شعراء خراسان الذين دفعوا بالشعر الفارسي الاسلامي دفعا الى أن يتخذ موازينه فى العروض العربى .

كان طاهر بن الحسين شاعرا ، ومن مختار شعره قوله من قصيدة :

إنا أناس لنا صنائعنا           فى العرب وفى العجم

مغتنمو كسب محمدة          والكسب للحمد غير مغتنم

وقال ، من وصيته لابنه عبد الله وقد تولى الحكم : "إياك أن تقول إنى مسلط أفعل ما أشاء ، فان ذلك سريع فيك إلى نقص الرأى وقلة اليقين بالله . . "

وقال فيها : " واعلم ان الاموال اذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر ، واذا كانت فى اصلاح الرعية واعطاء حقوقهم وكف المؤونة عنهم نمت وربت " .

وقال ايضا : " وتفقد امور الجند فى دواوينهم ومكاتبهم وادرر عليهم ارزاقهم ووسع عليهم معايشهم ليذهب بذلك الله فاقتهم ، ويقوم لك امرهم ويزيد به قلوبهم فى طاعتك خلوصا وانشراحا " .

وقال له فيها ايضا : " وانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعية وجعله الله للاسلام عزا ورفعة ولاهله سعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولاهل الكفر من معاهدتهم ذلا وصغارا ، فوزعه بين اصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه ، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه وعن غنى لغناه ، ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك ، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ، ولا تكلفن امرءا فيه شططا . . "

وطاهر بن الحسين هو الذي قال يوما : " لابد من قطع الأواصر والتنكر للأقارب فى تأكيد الخلافة والقيام بحق الطاعة " .

ومما قيل في مدحه قول مسلم بن الوليد ، صريع الغوانى :

أقمت خلافة وأزلت أخرى           جليل ما أقمت وما أزلت

وقال بعض شعرائه فى خراسان يرثيه :

فلئن كان للمنية رهنا                    ان افعاله لرهن الحياة

ولقد اوجب الزكاة على قو             م وقد كان عيشهم بالزكاة

وكان عبد الله بن طاهر شاعرا مجيدا ، قال وهو خارج من بغداد الى مصر ليحارب عبيد بن السرى الثائر :

بكرت تسبل دمعا             إذ رأت وشك براحي

وتبدلت صقيلا                  يمنيا بوشاحى

وتماديت بسير                  لغدو ورواح

زعمت جهلا بأنى                تعب غير مراح

اقصرى عني فانى                سالك قصد فلاحي

أنا للمأمون عبد                 منه فى ظل جناح

إن يعاف الله يوما               فقريب مستراحى

أويك هلك فقولى                بعويل وصياح

حل في مصر قتيل             ودعي عنك التلاحي

وعبد الله هذا هو الذي قال يصف سعة نفوذه ويعدد ما جمع له المأمون من الولايات : " لى خاتم بفرغانة وآخر ببرقة ، وحكمى وأمرى ونهيى جائز بين هذين الطرفين ، وقد جمع لى من العمل ما لم يجمع لأحد قط من ولاية المشرق والمغرب والشرطة " .

ولما توفى عبد الله بن طاهر سنة 230 ه . بعد ولاية دامت ثلاثا وعشرين سنة ، قال اسحق الموصلى يعزي الامير اسحق بن ابراهيم بوفاة عبد الله :

لم تصب أيها الأمير بعبد اللـــــ       ـــه لكن به أصيب الانام

فسيكفيكم البكاء عليه            أعين المسلمين والاسلام

ومن روائع ما سجله التاريخ من مآثر هذا الامير الطاهرى العظيم ترميمه ، لما كان بالشام ، للمسجد الاقصى ، واقامة رواقه على اعمدة رخام ، كما ذكر ذلك فى أحسن التقاسيم .

اشترك في نشرتنا البريدية