الخربة التى يسكنها عبد الله فى باب الخضراء ، كانت في قديم الزمان وسالف العصر والأوان دار تجار أثرياء ، ذات طابقين ، انهارت ذات يوم ، ولم تسلم من السقوط الا غرفة واحدة فى العلال تلمس ساباط قاع زنقة سيدي بلهانى ، وشبه غرفة بجانبها
بمرور الأعوام ونزول الأمطار وتداول الفصول تراكم الردم وتسبطت الخربة فصارت هضبة ، هضبة تماما ترتفع حتى تلمس السطوح وتكشف عن الديار المجاورة . وتنبت الأعشاب البرية فى الشتاء وبعض الأزهار الصفراء في الربيع
يصعد إليها الأطفال أحيانا يلعبون ويمرحون ، ويصعدون إليها قبل عيد الاضحى بكباشهم
وأقبل عبد الله ذات يوم وسكن الخربة مع زوجته صالحة ، وزرع فيها الطماطم والفلفل والبصل وحتى البطاطا ، وغرس بعض شجيرات وصارت له فيها آرانب تقفز وتتسابق ، ودجاجات يزداد عددها يوما بعد يوم وديكة .
كانت زوجته صالحة " تكرك " الدجاج وتحمش - الطابونة - بأعواد الزيتون الجالي التى يأتي بها عبد الله من البره من الباب - أى من خارج المدينة
وكل يوم يجلب عبد الله الماء في صفائح الحرب إلى سكان أزقة وأنهج باب الخضراء . ويطرد المتسولين وعابرى السبيل الذين يحومون حول الخربة أو تحدثهم نفسهم بالصعود إليها أو حتى الوقوف أمامها
ويهيج هائح عبد الله ويصرخ ويشتم ويقلب صفائح الحرب ويلقي بها بعيدا لكل جالب ماء جديد في الحي
. ويعود من حين لآخر إلى زنقة سيدي بلهاني سريع الخطى ، مضطرب الحركات ، يخفى دجاجة تحت ثيابه ويصعد بها إلى الخربة ثم يطلقها بين الدجاج ويبقى ينظر إليها مبتهجا
فى يوم من ايام الصيف كانت القائلة شديدة الحر ، والشمس ممتدة وهاجة لافحة ، وكانت الزنقة هاجعة ساكنة . والديار مغلقة ، والأطفال محبوسين فى الغرف متناومين أو نائمين . خرج ديك أحمر اللون ، احمر العرف جميل من دار . وجعل يتجول فى الزنقة ، ويختال متماثلا محركا رأسه عند كل خطوة يخطوها . وكان له عبد الله بالمرصاد ، انقض عليه فزعق الديك جزعا فشد له منقاره بسرعة ، وعجل خطاه إلى الخربة
ألقي عبد الله الديك بين دجاجه مبتهجا مبتسما فجعل يجرى ويخبط بجناحيه وينقر الدجاج والديكة التى تعترض طريقه ويصيح
وخاطبه عبد الله قائلا بفرح كبير :
- اهدأ ، يمر يوم ويومان وتهدأ يا عنتر ، هكذا أسميك عنتر ، وتصول وتجول وتتحكم في الدجاجات كلها والديكة يا عنتر ، اتعرف انك أحسن ديك رأيته وأجمل ديك واعظم ، اياما وليالي وآنا اترصدك وأتحيل وها اليوم السعيد أقبل . وهذا أجمل يوم في حياتي وانت بيننا يا عنتر
تابع الديك جريه وصياحه فى الخربة فزعا هلعا ، يلتفت يمنة ويسرة باحثا عن منفذ ، يخفق بجناحيه محاولا الطيران والفرار
انحدر عبد الله وعاد الى تجواله فى الزنقة جيئة وذهابا ، متكلفا الهدوء واللامياة . وفجأة فتح باب دار وظهرت امرأة وقالت بغضب وصوت مرتفع لفتاة صغيرة خرجت من بين رجليها إلى الزنقة :
اذهبي بسرعة إلى خالك الطاهر في المخزن وقولي له - وشاهدت عبد الله - فتابعت رافعة صوتها أكثر ، قولى له ديككك سرق ويوجد من اخده ، وأغلقت الباب بشدة .
انطلقت مريم تجرى .
اضطرب عبد الله ، ارتعدت فرائضه وجحظت عيناه ولم يدر ماذا يفعل فغادر الزنقة بعجل .
عادت البنية مريم بعد زمن ليس بالطويل إلى الدار وخالها أمامها يسرع الخطى ، يرتجف غضبا وحنقا . اشترى ديكا صغيرا منذ شهور واعتنى به ودلله . وجعل يؤاكله في يده ويشربه . وصار الديك جميلا ، أحمر اللون قائم العرف شديدا ، يتبع خطى الطاهر كلما دخل الدار
. وعندما يجلس في العشية وسط الدار يحوم حوله . وتشعل أخته فاطمة الكانون لتحضر الشاى وتأتى له بجمرات فيعمر الشيشة ويشعلها والديك ما ينفك يحوم حوله وينظر إليه ولا يبتعد ويخاطبه الطاهر قائلا
يا كوكو غن لنا يا كوكو .
فيرفع الديك رأسه ويمد عنقه وينطلق صادحا بملء رئتيه ، كككو كو -
يبتسم الطاهر ويمد له كفه مملوءة لوزا أو زبيبا أو جلجلانا فيقترب منه ويجعل ينقر بدون خوف أو وجل ثم يعود إلى التنقل وسط الدار والنظر إلى الطاهر من حين لاخر . . ويملأ له كأس قازوز أو سيدر ث يناديه فيقبل الديك . ويهمس له بفرح وهو يشرب :
- اشرب يا كوكو القازوز وكل اللوز والزبيب لينعم صوتك ويحلو .
ويجذب الطاهر بأناة الدخان من الشيشة فتقرقر ويشرب الشاي باللوز ويبتهج وينتشى ثم يخاطب الديك من جديد مداعبا :
- الآن أتريد أن تجذب جذبة من الشيشة يا كوكو !
فيصيح الديك
ككككو كو
يعود الطاهر يدخن برهة ثم يتابع مازحا ، مبتسما :
- خذ ، خذ واجذب جذبة أحسن لك
ويمد له غليون الشيشة
فيصيح الديك من جديد محتجا دون أن يقترب .
دفع الطاهر باب الدار بغضب وسأل أخته
- قل لي من الذي أخذ الديك ؟ ؟ من الذي سرقه ؟
فأجابته قائلة
- عبد الله القرباجى سرقه ، سمعت الديك يصيح فى الزنقة فأسرعت إلى الباب فشاهدته يبتعد والديك يخبط بجناحيه بين يديه
- أين هو عبد الله ؟ أين هو ؟ .
وخرج الطاهر قاصدا الخربة . وصعدها بسرعة صارخا متوعدا :
- اين أنت يا عبد الله ؟ اين أنت ؟ ؟ أخذت الديك تظن الأمر سهلا ؟ ؟ ؟ ؟ .
ارتجفت صالحة لصياح الطاهر وخرجت من غرفتها وخاطبته بصوت فيه خوف :
- لا نعرف ، والله لا نعرف ، انظر في الخربة ، انظر في الخربة كلها وابحث ليس عندنا ديكك !
نظر الطاهر في الدجاج كله ، وطاف في ارجاء الخربة كلها ، فلم يشاهد ديكه ولم يشاهد ديكا يشبه عن قرب أو عن بعد فاستشاط غيظا . وتابعت صالحة قائلة ببعض أمل :
- ربما خرج وفارق الزنقة واختطفه أحد ؟ !
نزل الطاهر من الخربة يتوعد صارخا :
- أنا أعرف من الذي اختطفه وأعرف كيف أجده ، وأين أجده ، ومن بطن الحوت أخرج عبد الله وأخرج الديك معه
قالت له الفتاة الصغيرة مريم وكانت تتبع خطاه ولم تفارقه منذ ذهابها للبحث عنه
- انه يذهب دائما إلى قهوة حمام الرميمي
فتحت الديار أبوابها . اتجه الطاهر لحينه إلى القهوة والاطفال يتبعونه وعند اقترابه منها انطلق بملء صوته الخشن المخيف صارخا
- عبد الله اين انت ؟ ؟ اين أنت ؟ واين هو الديك ؟
ارتعد عبد الله فى مكانه واندس بين لاعبى الورق . أقبل الطاهر على القهوة صارخا مزمجرا ، ونظر في الجالسين واحدا واحدا . وسرعان ما شاهد عبد الله فانقض عليه كالاسد واقتلعه من فوق الكرسي وصاح فيه :
- الديك أين هو ؟
- اى ديك ؟ !
أى ديك ، ولطمه لطمة قوية ، الديك الذي أخذته وصعدت به إلى الخربة اين وضعته ؟ ثم علجه ماسكا بتلابيبه ، بحثت عنه فى كامل الخربة فلم أجده ، اين خبأته ؟ ودفعه بقوة خارج القهوة أمام جمع كبير وجعل يكر كره فى نهج حمام الرميمي عائدا به إلى الزنقة .
ازداد عدد الاطفال الصغار وراءهم - يشاهدون بفرح عبد الله يأكل في طريحة لاول مرة
وتابع الطاهر وهو يجرجره
- اخرج لك روحك ان لم تأت بالديك الان
- والله العظيم لا أعرف
يعود الطاهر ودرجه رحا عنيفا ويلطمه لطما قويا متتابعا ينهد له عبد الله ويكاد يسقط على الأرض فيقول بصوت متهدج
- تقتلني أنا ، أنا لا أعرف اين هو ديكك ولم أره ، ربما سرقه أحد وانت تخنقني هكذا وتضربني
- انت الذى سرقته وانت الذى خبأته فى الخربة ولا يوجد سارق آخر غيرك ؟
- أنا لم أر ديكك لم أره أبدا ولم آخذه .
- أنت ، أنت أكبر سارق دجاج ، اسمع ان لم ترجع الديك اليوم أقلب الخربة على رأسك واذبح لك كل الدجاج الذي جمعته
وجعل يجرجره من جديد وعبد الله منقاد ، يترنح كسكران متعثر الخطى محمر الوجه مفتوح الفم منزعج العينين يغم بصوت مختنق . ودخلا الزنقة
وصلا إلى الخربة بين جمع غفير من اطفال ونساء ، رجال وشيوخ يحضرون هذا اليوم المشهود : عبد الله الصعلوك الشرير يلقى القبض عليه ويضرب ويجر
واخيرا شد الطاهر على رقبة عبد الله شدا قويا فازداد وجهه احمرارا وكاد الدم ينطلق منه وقرب وجهه من وجهه وصرخ فيه
- اجعلك ديكا واذبحك ان لم أجد اليوم الديك .
ثم اطلق سراحه
وصعدا الخربة بسرعة
هب عبد الله يبحث عن الديك . بحث عنه بين الدجاج فلم يجده جرى إلى قاع الخربة وبحث عنه بين مشاتل الطماطم والبطاطة فلم يجده ، ونظر فوق الاشجار فلم يجد شيئا !
وفي آخر الأمر صعد فوق السطح بخفة واطلق ساقيه للريح . صعد الطاهر وراءه واقتفى أثره . وشاهدا على بعد الديك فوق السطح بنظر إلى وسط الدار ويصيح محاولا النزول .
