الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الديمقراطية والاشتراكية

Share

ذكرنا فى المقال السابق ( 1 ) أن فكرة الديمقرا طية تطورت ابتداء من القرن التاسع عشر من الدييمقراطية السياسية أى " حكم الشعب بواسطة الشعب" الى الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية أى " حكم الشعب لفائدة الشعب " فأصبحت اليوم حقيقة الديمقراطية أنها " حكم الشعب بالشعب للشعب "

وقلنا أيضا أنه أصبح من أهم غايات أولي الامر فى الحكم تحقيق العدالة المدنية والاجتماعية فى آن واحد . وهذه أهم مميزات الحكم فى العصر الحديث . ومن أحدث ما أطلق من تعريفات للسياسة هى أنها فن رفع مستوى المواطن .

ونريد اليوم العودة الى الموضوع لنحاول شرحه وتطوراته وتحليل محتوياته متعرضين الى تجربتنا التونسية التى شرعنا فيها منذ الاستقلال وارجاع السيادة الى الشعب لتقرير مصيره بنفسه ولبناء مستقبله على أساس الحرية والكرامة والازدهار .

يقول الاستاذ محمد مزالي فى مقدمة كتابة عن الديمقراطية : ( 2 ( " ....  فالخطر كل الخطر أن يقنع الشعب بالكلمات دون الحقائق ويستغنى بالمظهر عن اللب . الخطر الذى يهدد الامة الفتية هو اعتبار هذه المنشآت الحديثة كالبرلمان والوزارة المنسجمة والاستقلال . . غاية تطلب فى حد ذاتها وتقصد لنفسها والتغنى بها دون ما كان مفروضا أن توفره للشعب من سعادة حق ورفاهية كاملة وازدهار شامل .

الخطر الذى يهدد الامم الفتية - وخاصة ما كان مستعمرا منها - هو اعتبار الاستقلال والبرلمان وغيرهما مماهو موجودفي الدول الكبيرة . . حلية يتباهى بها المواطنون كما تتباهى النساء الجاهلات بحليهن فى المحافل . ان الدساتير والانتخابات والوزارات وشتى الدواوين الحكومية -

ان هي لم تعتبر وسيلة - لا تعنى الشعوب اذ ليست هى عصا سحرية تقلب الحجر ذهبا وتحول الجهل نورا والجوع شبعا والشقاء سعادة ونعيما .

    واذا صح أن العاقل من اتعظ بغيره فواجب علينا أن ننظر الى تاريخ الامم ونستخلص منه العبر . فالشرق العربى مثلا أصيب باستعمار بغيض مثلما أصبحنا نحن وقد ضحى التضحيات الجسام فى سبيل استقلاله وفى سبيل التمتع بشيء يسمي برلمانا وبشىء يسمى انتخابا وبشىء دستورا . . حتى اذا كان له جانب من ذلك حمد الله على نعمته واعتبر نفسه قد أصاب الهدف وحقق الامل وهو اليوم يدرك في شئ من المرارة والالم أن مرحلة أخرى كبيرة في طريق السعادة الحق يجب عليه اجتيازها .

بذلك يشهد ما يقع فى تلك الرقعة من الارض من احداث وحوادث في هذه السنوات العشر الاخيرة وما نطالعه من مؤلفات المفكرين الاصيلين فى مصر امثال طه حسبن وخالد محمد خالد ولبنان حيث لا يحصى لما ينشر عدد

والذى نستنتجه من كل ما تقدم ونأمل أن يعيه مواطنونا كامل الوعى هو أن الاستقلال وما سيتبعه من وزارة منسجمة وانتخابات ودستور انما هو وسيلة الى تحقيق الديمقراطية الحقيقية بأتم معناها وأشمل قيمها وباعتبارها النظام الوحيد الذى يوفر السعادة المادية والمعنوية للجماعات البشرية "

هناك مسألة تشغل بال المفكرين منذ أقدم العصور وهى مسألة ضبط العلاقات التى يجب أن تربط بين الفرد والمجتمع وتحدد حقوقه وواجباته وخاصة توفق بينها .

وكان أرسطو الفيلسوف اليونانى أول مفكر عنى بالديمقراطية وذلك في كتابه " فى السياسة " ومما لا شك فيه أنه يعتبر الديمقراطية " حكومة الشعب بالشعب وللشعب ، كما يقال اليوم الا أن الشعب عنده " جماعة " أو مجموع أفراد ، يتصف بصفة المواطنين . الا أن هذا الحكم لا يمكن أن يؤول فى نظر ارسطو الى عموم المواطنين بل الى " نخبة منهم " متصفة بحصافة الرأى وسمو المدارك ونبل المقاصد

وهذا الاعتبار هو الذى أصبح حجر الزاوية لعامة ما يوجه الى الديمقراطية من انتقادات : فهى فى نظر بعضهم كما يقول عطا بكرى : " حكم العوام الذين هم عدمو الكفاءة والقابلية لادارة دولاب الحكم بتعقل وسداد رأى إذ أنهم ليسوا قادرين على معرفة الآراء السديدة حيث أن الجمود دينهم

وعدم القابلية لتفهم الافكار الجديدة شأنهم وصفتهم . أما العمل السديد والحكم الرشيد والسير نحو التقدم فانها من خصائص النخبة المختارة التى لولاها لبقيت البشرية ساكنة فى المغاور والكهوف ... "

الا أننا لو سلمنا بذلك الرأى بدون محاولة - والسياسة محاولة - وبدون توافق - والسياسة توافق أيضا وبدون تربية المواطن - لآل بنا الامر الى الديكتاتورية أو الفاشية التى تأباها عواطف الانسان ويأباها عقل الانسان على السواء

وكما يقول الاستاذ محمد مزالي فى كتابه عن الديمقراطية الذى ذكرناه آنفا : " الفاشيس يبحث عن المعرفة ، عن طريق الوحى والحدس الصوفي فلا يظفر بها الا النخبة الاسياد . اما الديمقراطية فهي تعتمد العقل لانها تعتبره قدرا مشتركا بين جميع الناس على حد السواء وانما ينمو عند البعض ولا ينشط عند البعض الآخرين لتفاوت فى ظروف النشأة ووسائل العيش التى هى قابلة للتعديل والتغيير والتطور على كل حال .

الفاشيسم يقدس الدولة ويعتبرها غاية فى حد ذاتها - بينما الديمقراطية لا تقدس الدولة بل تعتبرها وسيلة لخدمة الفرد وتوفير أسباب السعادة الحقيقية له . الفاشيس يخدم نفرا من البشر والديمقراطية عامة فى سبيل البشر أجمعين "

ذكرنا فى الحديث السابق عن تطور المفاهيم الاساسية للسياسة والحكم ان اليونان كانوا اول من عملوا بمبدأ الديمقراطية . ولكنهم في الواقع كانوا لا يطبقونها الا على أقلية منهم حيث أن اكثرهم كان محروما منها كالعبيد والنساء وغيرهم من الافراد الذين لا يطبقون عليها صفة المواطنية .

وذكرنا أيضا أن الاديان السماوية هى التى سوت بين الناس جميعا  والدين الاسلامى سار خطوة شاسعة فى تحرير الافراد والجماعات " فجعلا الرق كفارة لشتى الخطايا تفريجا له وتكريها فيه . وقال : " ان أكر مكم عند الله اتقاكم ، وجعل للفقير حظا من مال الغني . .  " والدين الاسلامي جعل الحكم شورى بين المسلمين عملا بقوله تعالى " وأمركم شورى بينكم " الا أن الواقع يثبت أن فكرة المواطنية وفكرة الديمقراطنية في الاسلام مع ما فيه من

مبادىء اخلاقية سامية لاتنكر ليست المواطنة والديمقراطية التى نفهمها اليوم بما تقتضيه من حقوق وواجبات

ان فكرة المساواة فى الحقوق والواجبات فكرة حديثة . وأن الديمقراطية ظاهرة جديدة رغم ما قيل عنها فى سالف العصور .

وقد تطورت بسبب تطور علاقات البشر بعضهم مع بعض . فكان النظام العائلي ثم النظام القبلى وكان عهد الرقيق وكان عهد الاقطاع

وابتداء من القرن الثامن عشر وخاصة خلال القرن التاسع عشر لوحظ تطور جديد واسع النطاق عميق الجذور فى الحياة الاجتماعية .

فسادت الطبقة البورجوازية . ونشأت شيئا فشيئا الديمقراطية السياسية . وقام مجتمع يتمتع كل فرد فيه بحقوق وامتيازات يتساوى عندها الجميع دون اعتبار للمرتبة أو للمؤهلات أو للممتلكات أو للمعتقدات . كما لافرق فيه بين العناصر والاجناس أو لاصحاب العلم أو الثراء أو بين المنحدرين من أصلاب تتفاوت أنسابها طيبا وخبثا . كل الناس أمام الديمقراطية سواسية متساوون فى الحقوق وفي الاستمتاع برعاية الدولة والشعب الواجبة نحوهم .

الا أن قطار التاريخ لم يوقف سيره بل واصله الى أبعد من ذلك . وصورة ذلك أن البورجوازية اضطرت بعد ثورات دامية أحيانا وبعد اقتناع آحيانا اخرى أن تقرأ حساب عمال المصانع الذين مكنوها من جمع الثروة بعرق جبينهم وكذلك حساب يقبلة المواطنين الآخرين من باب التضامن والعدالة الاجتماعية وكان فجر الاشتراكية على يد روادها الاولين أمثال " أون ، و " فوريي و " سان سيمون . وقد تخيل هؤلاء المفكرون اشتراكية مثالية تتساوى فيها الاجور ويقع فيها إعادة النظر من جديد في المجتمعات العاملة . وكانت الاشتراكية الماركسية " العملية " المناقضة للاشتراكية الخيالية والتى ترى فيها ضربا من ضروب الاوهام . وكان ماركس يرى حتمية تطاحن الطبقات لبلوغ الاشتراكية التى لا يمكن الوصول اليها حسب زعمه عن طريق الاصلاح وبالاقناع وبالرضى وبالحد من الحرية الفردية لفائدة المجموع

الديمقراطية بمفهومها العصرى جاءت حينئذ نتيجة لتطور مطرد . وهي في جوهرها " عقد مبرم بين جميع أفراد المجتمع الاحرار يرومون تأسيس هيئة اجتماعية متحضرة انما تستمد قوتها وسلطانها منهم . وهى ترمي الى التوفيق بين النزعة الاجتماعية فى الانسان التى عالجها المفكرون منذ أقدم

العصور كأفلاطون والفارابى وابن خلدون وبين توقه الى الحرية والمساواة .       والمساواة فى نظر الديمقراطية الحقيقية وفي نظر الاشتراكية التى بدونها تكون الديمقراطية بتراء ليس معناها " التسوية ، بصورة حسابية آلية وانما هى توفير الفرص للجميع وتمكين الجميع من بلوغ أقصى ما يمكنهم بلوغه .

والحرية - بالاضافة الى شعور الفرد بها شعورا عميقا مع توقه اليها توقا مفرطا - لايمكن ان يكون القصد منها مبدأ من مبادىء الديمقراطية وأصلا من أصولها إلا إذا وضعناها فى إطارها الحقيقى إطار المجتمع البشرى أولا وبالذات . فالمجتمع الديمقراطى هو شركة كبيرة تعاقد أفرادها وتعاهدوا علي أن يعطى كل واحد منهم من نفسه دون أن ينافر الاخرين - كما قد يقول الفارابى - أو يخاذلهم . واتفقوا على أن يتعايشوا ويضعوا لانفسهم بأنفسهم قوانين ترعاهم وتحدد مسؤولياتهم :

فالديموقراطية اذن ترتكز على التوافق بين الحقوق والواجبات . وحق الفرد يقف عند حد الاضرار بالفرد الاخر . ويصبح الوقوف عند هذا الحد واجب  و" لا تستقيم الديمقراطية . . الا اذا تعادل في أفراد المجتمع الديمقراطى الشعور بالحقوق والواجبات معا ولم يطغ أحدهما على الآخر ولا يتسنى ذلك الا بتحقيق العدالة الاجتماعية التى لا تحصل الا فى ظل المذهب الاشتراكى .

وقد أصبحت اليوم الاشتراكية أى الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية هى المتممة للديمقراطية السياسية التى تحررت بمقتضاها الشعوب من جميع الوان العبودية . فلا حرية حقيقية بدون عدالة . ولا حرية حقيقية بدون مساواة ولا يكفى ان يكون الناس سواسية أمام القانون . . لهم نفس حق الانتخاب ولهم نفس الضمانات القضائية بل يجب أيضا أن تمكنهم من الصحة والتعليم والعمل والانتاج . كما يجب أيضا المساواة فى الحظوظ والعدل فى توزيع الانتاج . وبذلك فحسب يمكن رفع المستوى الادبى والمادى للمواطن

وهذه هي الغاية الاصلية لكل نظام اقتصاديا كان او اجتماعيا . والان ما هو مفهومنا فى تونس اليوم للديمقراطية حسبما يظهر من الاتجاه السياسى العام فى دستور الجمهورية التونسية ؟ ما من شك في أن المتصفح لنص الدستور يتبين له بكل وضوح من خلال

فصوله أنه يقر الديمقراطية بأسمى معانيها ويظهر الاتجاه الديمقراطى فى الدستور فى النقط التالية

اولا : يرتكز الحكم على السيادة الشعبية - فالشعب هو " صاحب السيادة " ( الفصل 3 ) والنائب فى مجلس الامة يعتبر نائبا للامة جمعاء " ( الفصل 25) .

ثانيا : تمارس هذه السيادة عن طريق الانتخاب العام الحر المباشر السرى ( الفصلان 19 و 40 )

ثالثا : اقرار مبدأ تفريق السلط الى تشريعية وتنفيذية وقضائية وذلك قصد الحد من السلط

رابعا : اقرار المساواة والحريات العامة والحقوق الفردية والجماعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

ويتبين من كل ذلك أن دستورنا لم يقتصر على مبادئ الديمقراطية السياسية . فهو يتجه كذلك الى تحقيق الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية

وهذه الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية نجدها مبينة فى الدستور كما يلى :

اولا : حق المواطنين في العمل والصحة والتعليم ( التوطئة )

ثانيا : استخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب ( التوطئة ايضا )

ثالثا : الحد من حقوق المواطنين لازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعى ( الفصل 7 )

رابعا : حق الملكية مضمون ويمارس فى حدود القانون ( الفصل 14 )

خامسا : اداء الضرائب والتكاليف العامة على أساس الانصاف ( الفصل 16 )

لتكون الجمهورية التونسية تحقق اقامة الديمقراطية السياسية بما فيها من حرية وانتخاب أولي الامر كما تحقق اقامة ديمقراطية اقتصادية واجتماعية بما تسهر عليه من تحقيق المساواة والانصاف والعدالة الاجتماعية بين المواطنين واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشعب

والواقع أن هذه المبادىء والاحوال والقواعد انما هى ضبط لما قدمه الحزب الحر الدستورى التونسي من برنامج ثورى شامل للسياسة والاقتصاد والاجتماع منذ ما يقرب من ثلاثين سنة .

وكان المجاهد الاكبر الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة عند بعثه لحركتنا القومية التحريرية فى السنوات الاولى من العقد الرابع من هذا القرن يلح في كتاباته وخطبه على المضار الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الاستعمار . كما كان يفند الدعوى القائلة بالعناية بالاقتصاد قبل السياسة اذ كان يقول ان السياسة هى " الدمان " وهى " المنقالة " التى نتمكن بفضلها من تكييف اتجاهنا ومستقبلنا

وها نحن اليوم ومنذ ان اتجهنا الى سياسة التخطيط قد ضبطنا أهدافنا واوضحنا طرق الوصول اليها حسب المبادىء الاشتراكية باعتبارها المتممة للديمقراطية الحقيقية حتى أصبح شعارنا اليوم : الديمقراطية والاشتراكية .

اشترك في نشرتنا البريدية