انه ليطيب لى ان افتتح الدورة الثالثة للقاء الاسلامى - المسيحي ) * ( وان اسجل بكل اعتزاز ما يمتاز به هذا الحوار من أهمية بالغة خاصة واننى تتبعت شخصيا اللقاءين وشاركت فيهما .
ولئن حق لى ان ابتهج بوجود هذا الحوار الذى اصبح من السنن التونسية الراسخة فانه يحق لى ان ابتهج ايضا بالاختيار الراشق للموضوع المتعلق بحقوق الانسان وهو من مواضيع الساعة التى يتأكد علينا دراستها وتحليلها
وستتمثل مساهمتى فى هذا اللقاء فى تقصى العلاقة الآجلة والعاجلة الموجودة بين الدين والفلسفة وحقوق الانسان فى المجتمعات العصرية ، وهذا يقتضى اثارة مسائل قديمة قدم العالم ولكنها مستجدة جدة الحياة . وبعبارة اخرى هل ان ما تجيب عنه الفلسفة والدين متماش مع ما يتصوره العصر عند الحديث عن حقوق الانسان والحال أن الفكرة تتجدد بتجدد السؤال الذى يثيرها ؟
وان العلوم الانسانية وتقنيات الفعل من جهة ، وايديلوجية حقوق الانسان من جهة اخرى تعتبر لدى الكثيرين من الناس الادوات المتميزة فى عصرنا القادرة على ابطال التفكير السلفى والعقيدة الدينية معا .
وإن طرح المشكل بهذه الطريقة فى حد ذاته دخول فى " جو " وانتساب الى عقلية كانما تقادما بعض الشئ : فقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين سيطرة العقلانية والانسية العلمية وطبعت اوربا المزهوه بتقدمها والمسلحة بعبقريتها العلمية والمعززة باختراعاتها التقنية العظيمة وبانتصاراتها العسكرية ونظام الانتاج الذى استنبطته ، طبعت تاريخ البشرية بطابعها الخاص وبذلك اصبحت الدولة - الامة ونتيجتها الطبيعية التى هى حقوق الانسان ، العناصر الكبرى لتصور جديد للعلاقات بين الناس والمجتمات وعندئذ ظن أغلب الناس ان فى ذلك نهاية الفلسفة فاعلنوا " بؤسها " فى حين صدع غيرهم " بموت الاله "
كلنا يعرف مثلا مواقف أوغست كونت Auguste Conte الذي قصد الى نبذ اللاهوت والميتافزيقيا فى عداد الافكار البالية لاستبدالها بموضوعية المعرفة العلمية ، مما اكسب الايمان المغالى فيه بالقيمة المطلقة للعلم ، هذا العلم الذى يجعل الانسان سيد نفسه وسيد الكون ، قوة جديدة ودورا قمينا بتعبئة الهمم وشحذ العزائم
ويرى أوغست كونت ان البديل للفلسفة والدين هو علم الاجتماع بوصفه علما للانسان ونظرية للعمل ، فاعادة تنظيم المجتمع ينبغى ان تبنى على أسس علمية ، وآنذاك تمكن الاخلاقية الوضعية العنصر الاجتماعى من التفوق ع عنصر الشخصية . فاستصلاح العالم ان هو الا مجرد عملية تقنية اذ ان الانسان الناهل من العلم الوضعى سيصبح اكثر علما وأوفر قوة وأحسن حالا
ان الفكرة الغالبة فى ذلك العهد هى ان العلم سيوفر الاجابة عن كل تساؤلات الانسان فلئن اعتبر السؤال ب ) لم ؟ ) عديم الفائدة فان السؤال ب ( كيف ؟ ) فيه الكفاية للانسان . والنتيجة ان العلم يمكن من التوقع ، والتوقع يجعل القدرة اكثر موضوعية واشد نجاعة
وليس من باب الصدفة ان يحظى مذهب كونت بالنجاح الذي عرف له ولعله من الانسب قياس هذا المذهب بتطبيق مبادئه نفسها عليه ، وفهمه على ضوء التيارات الفكرية والاهتمامات السائدة فى عصره ، فلقد كان القرن التاسع عشر فى أوربا فترة ازمة سياسية واقتصادية واجتماعية وكان هم الاوربى الاول ان يعى تاريخ أوربا ولم يوجد ولو مفكر واحد لم يكن همه ان
يفهم التاريخ بالقياس الى أوربا التى ما زالت حينذاك متأثرة بالهزات العنيفة التى أحدثتها الثورة الفرنسية وان يضمن للعرب الامن والوئام والتفوق فى آخر الامر .
ذلك كان المعنى العميق " للكونتية " Le Comtiame التى كانت تطمح الى وضع حد للنزاعات بالتوفيق بين النزعة التقليدية والنزعة التحريرية بين الفكر التقليدى والفكر الثورى ، وهكذا فان لكل معضلة حلا بفضل موضوعية المعرفة العلمية .
اما الماركسية ، فانها رغم الظواهر والاختلاف فى المنهج ، لا تتوق الى هدف مغاير ، فقد رمى " ماركس " MARX حين نادى بضرورة تجاوز الميتافيزيقيا والدين ، الى انتشال الانسان من الاستلاب الذي يتخبط فيه وضمان النصر " للبروليتارية " وتحقيق التحرر الكامل للبشرية
وهكذا أصبحت الفلسفة والدين كبشى فداء فى العصور الحديثة وحملا كل الام البشرية وحشر كلاهما فى صنف الخرافات المضللة واعتبرا بمثابة التأوهات التى لا تغني الانسان المنسحق فتيلا . وامام المعرفة العلمية والجدلية التى تضمن وحدها حصول الوعى فان الفلسفة والدين اصبحا بالنسبة الى ماركس سعيا فلكلوريا كله خداع ومخاتلة خلفته البورجوازية والرأسمالية للابقاء على الظلم والقهر
وعلى نفس النسق هب نيتشه Nietche بعبقريته الشعرية لمعاضدة نفس النظرية . ونادى ان " الاله قد مات " واعتبر الدين من اعراض الضعف والوني فالفلسفة والدين ليسا - عنده - سوى علامات انحطاط الانسان ورغم ما بين هذه النظريات الثلاث من معارك عنيفة ومن خلافات فانها تصدر من نفس السعي وتتجه نفس الاتجاه ، اى الاستعاضة عن الدين والفلسفة بالعلم الذي لا تشوبه شائبة خداع ، والعلم موئل الحقيقة ، ومصدر القوة والمالك للجواب في الحال أو الاستقبال عن كل تساؤلات الانسان .
واصبح حلم الانسان ، على انقاض الفلسفة والدين هو ان يفهم كل شئ وان يؤسس نظاما جديدا بفضل المنهجية العلمية ، واعتقد القوم ان الاصلاح الاجتماعى متوقف على اصلاح الادراك العقلى
وانه لا مبرر في الحقيقة لغمط ما بذله العلمانيون من جهد ، الا انه من حقنا ان نحكم لهم أو عليهم من خلال الموضوعية " المحتملة لآرائهم والنتائج
الملموسة لاعمالهم . ولا مهرب والحالة هذه من ان نلاحظ ان العلم لم يكن قط فى وضع سئ ولا كان مضعضع الاركان مثلما هو عليه الآن
ورغم المآثر العديدة والاكتشافات الملموسة التى لا يمكن بحال انكارها فان العلم لم يجد الحلول لكل المعضلات فالبون شاسع بين العلم من حيث هو علم والعلم الذى يدعى الانفراد بالحقيقة الكاملة ويغنى عن دروب المعرفة الاخرى
ان آفاق العلم قد اتسعت طبعا ، ولكن هيهات ان يحصل العلم المطلق ، والعلماء انفسهم ينكرون بكل شدة ، ان يجيب العلم عن المسائل الميتافيزيقية والدينية اذ أن العلم يقصر دون هذه المسائل الكبرى او هو يتجاوزها ؛ هو على كل حال يبقيها دون جواب والسبب فى ذلك ان العلم لا يملك هذا الجواب ولا يدعي ذلك فى حين يظل الانسان يومه كامسه ، متعلقا ببعض التساؤلات الكبرى كعلة الوجود ولغز الموت ومعنى الحرية وابعاد القيم
ان هذه الكلمات ليست بالنسبة الى رجل السياسة خالية من المعنى ولا هي فارغة من الجدوى ، صدقوني اذا قلت لكم : إن مسألة حقوق الانسان تبقى فى كل لحظة مائلة امام رجل السياسية ورجل الفكر
أما إذا أردنا ان نتعمق اكثر فانه ينبغى البحث فى أصول العلم وتوضيح حقيقته وهذا ما لا يتم الا بالتأمل الفلسفى ، ومن هنا فان العلم لا يناقض الفلسفة بل ان العلم يثيرها ، وهو حين يثيرها فلانه يعتمد عليها لينظر في أسسه وليوجد سندا له وليبرهن على شرعيته ويكمل انغراسه فى الواقع وبتعبير اخر ، فان الفلسفة تهيئة للعلم وشرط سابق له ، والا فكيف ينبغي ان نفهم مجهود البحث الابستملوجي المبذول منذ عقود كثيرة بصورة تثير الاعجاب ، هذا المجهود الذى هو بمثابة بحث مطرد من قبل العلم - أو باسم العلم - ليضمن لنفسه القيمة أو على الاقل حق الوجود
واخطر من هذا فان العلم فى مستوى الاستعمال والانتشار والنجاعة التقنية التى نوفرها يطرح المشاكل بقدر ما يحلها .
وما كان الانسان مسيطرا على الطبيعة مثلما هو عليه اليوم ، فالصغر اللامحدود والكبر اللامحدود أصبحا فى متناول تطلعه ، فسر تكوين الحياة والموت والجماد والحى والهيولى وما ضد الهيولى اصبحت كلها حقولا مميزة لجهده .
فقد كاد الانسان ان يخضع لسيطرته كل المعمورة وحلق فى الفضاء فركم المعلومات بصورة لا قبل له بها فى الماضي وسيطر على الطاقة وحقق احلاما لا نهاية لها ورغم كل هذا فما شعر الانسان يوما ببؤس منزلته مثل شعوره بهذا البؤس فى عصرنا الحاضر فبالامس ناء الانسان تحت كابوس النازية وعلمها الزائف وشياطينها المتهيئة دوما للانقضاض ، وهو اليوم يواجه اخطار الاسلحة الفتاكة المهولة المتكاثرة شرقا وغربا ، لقد واجه بالامس عنجهية التقتيل الجماعي المسلط من طرف الاوربيين على اليهود الذين وقع حشرهم في المحتشدات الاوربية ، ويواجه ضميره اليوم ما يسلط من طرف الصهاينة على الفلسطينيين ، وعلى الافارقة من طرف انظمة الميز العنصرى والامبريالية وهو يتعرض اليوم فى بعض الدول - على اختلاف انظمتها السياسية للتعذيب " النظيف " ولانتهاك حقوق الانسان بصورة واضحة ومتكررة . كل هذه امثلة تبين عدم شرعية التذرع بالعلم وهو ما من شأنه ان يحول دون التسرع بالاعلان بالانتصار من قبل دعاة العلماوية ويظل العلم فى نهاية الامر ومهما يكن مصدره ، سواء كان العالم الغربى او الدول الشرقية ، من نتاج التاريخ الا أنه لا يقدم شيئا بالنسبة الى مشكل كنه الحياة او احترام حقوق الانسان .
من أنا ، ما مقدورى ، ما قدرى ، ما أملى ؟ " أسئلة طرحها " كانت " منذ حوالى قرنين وبقيت الى اليوم راسخة ، بل جعلها تقدم العلوم اكثر حيرة وأشد اقلاقا . فالعنف الذي هو خبزنا اليومى ، والعبث الذي يتراءى مفضوحا أمام أعيننا والظلم الذي يتحكم فى العلاقات الدولية ، كل هذا يجعلنا نشعر بفقرنا الحاد في دنيا القيم . فالانفجار السكانى والفوضى السكنية المنجرة عنه فى المدن والغفلية ) Anonymat ( السائدة فى الصلات بين الافراد وجفاف الحداثة ، واللاتصال الجوهرى بين الناس فى عصرنا الحاضر ، كل هذا لا يكسب الفلسفة والدين دورا ما أو وظيفة ثانوية فقط بل يخولها دورا مرموقا ويكسبها وظائف لا تدخل تحت حصر . فنحن فى أمس الحاجة الى تدارك النقص فى فهم وضبط وتعليل وتجاوز كل ما توفره لنا التقنية وما نستشعره فيها من بتر ونقصان .
وليس من شك فى ان ما اشيع من موت الفلسفة والدين لم يكن بدءا الانتصار حقوق الانسان بل بالعكس فان نوعا من العلماوية والتقناوية مهد لظهور كل ألوان ألبيروقراطية التقنية التى شهر بها فى العديد من المناسبات وبقيت منتصرة اذا ما نظرنا إلى كل واحدة منها على حدة .
ان الصمت الرهيب الذي يخيم على المحتشدات ) قولاك ( وتستر اصحاب القرار وما يحيط به مندوبو الشعب انفسهم من هالات اليقين ووجود الديمقراطيات الصورية والكاريكاتورية ، كل هذا جعل الناس يضعون من جديد على بساط البحث الافكار البسيطة وحتى السخيفة التى تسلم بان التقدم التقني يعنى التقدم وان العلم معناه التنمية
ولئن اصبح النقاش حول حقوق الانسان من مواضيع الساعة فان ذلك دليل على يقظة الضمائر ولكنه ايضا دليل على الخيبة والذعر وانه على كل حال دليل على فقدان الجواب الراشق لكل اسئلتنا وضروب قلقنا
ولا يفوتني ان ألاحظ ان الاحداث الكبرى التى أثرت منذ ربع قرن في العالم الثالث ليست من آثار التقنية والعلم ، فمسيرة " ماو MAO الكبرى واستقلال بلدان المغرب العربى الكبير وافريقيا ، والسلم فى فياتنام وحتى الثورة الاسلامية بايران وهي اقرب هذه الاحداث منا ، كلها كانت فتوحات الانسان الاعزل ضد التقنية وضد العلم وضد القوة ولم يكن من سلاح لها الا الايمان وارادة الحياة والتوق الى الحرية وحينئذ فانه لا أساس ليأسنا من الانسان وبالتالى فانه ليس من حقنا تحقير دور الدين والفلسفة . هي كلها عوامل تفسر دون شك تجدد التدين وتصاعد الحركات الاسلامية المتطرفة وحيوية المسيحية والبوذية ، ولا أدل على هذا من الاعمال الاخيرة التى اشرفت عليها السيدة Helene Carrere D' encausse بكل اتقان ودقة عن نهضة الاسلام المنعدم النظير فى الاتحاد السوفياتى : انها " الامبراطورية المتفجرة . ولكنه تفجر مصدره الدين . ويجدر ان نلاحظ ان آسيا الاسلامية قد حظيت بالفعل بمزايا الثورة البولشيفية ، فالنمو فيها باد للعيان ومستوى المعيشة تحسن بصفة ملحوظة ، ورغم ذلك فالسلطة السوفياتية ، التى سعت الى بسط نفوذها فى اطار سياسي واقتصادى محكم عجزت عن الوقوف في وجه المد الاسلامى . والسر فى ذلك ان عقيدة هؤلاء المسلمين فى اذربيجان وطد جكستان هى عقيدة مهندسين ، عقيدة اناس قضوا على الاسلاب وقهروا التأخر التنموى وحصل لديهم الوعى بانفسهم وبدورهم التاريخي حسب الانموذج الماركسي الاكمل . إلا أن كل ما يترجاه هؤلاء من الاسلام ، من عقيدته ومن فروضه هو فى نهاية الامر أن يكون مرجعا وهوية ثقافية وتموضعا فى الواقع وطريقة فى الحياة تكسب الوجود معنى ، وفي آخر الامر التأكيد على الحفاظ على حقوق الانسان . ان للفلسفة وللدين ، دون شك ، مستقبلا زاهيا . فلا تعارض
بينهما وبين الحداثة والمعاصرة بل انهما تفتحان ذراعيهما لهما . ولا خوف عليهما من العلم اذ هو بالعكس يقيم البرهان عليهما
اما تعايش الفلسفة والدين تعايش سلمى فى بعض الاحيان سخين منذ القدم فمرجعه انهما يستجيبان كلاهما لنفس الانشغال الاساسي للانسان المتجذر - ان صح التعبير - فى كيانه البيولوجى العميق وفي وجوده التاريخي ، فهما يولدان ويبعثان من صدمة الحياة ، من تطورات التاريخ ومن صيرورة الوجود .
ويبقي السؤال بالنسبة الينا : أية فلسفة ؟ وأى دين نعنى ؟ صحيح ان الدغماتية تتزيي أحيانا بزى الفلسفة فتكون بذلك تحية الرذيلة للفضيلة أو غالبا ما ينقلب الدين الى تعصب أعمى والى وحشية مقيتة . ولئن انتحلت مواقف كثيرة باسم الدين ، فان ذلك يعنى أن استغلال العقيدة لاغراض سياسية بله تجارية أو انتخابية ليس من الامور التى طواها التاريخ . وهل هذه هي الفلسفة الحقيقية والدين الحق ؟ يبدو لنا أن الانظمة المغلقة والمتقوقعة اللامتسامحة والمتحيزة والتى تدعى الاجابة الكلية عن معضلات الحياة مقضى عليها بدون رجعة . والأمر الاساسي فى المنظور الفلسفى وفى المنظور الديني ليس الاجابة بل السؤال . فالمهم هو الذهنية التى يواجه بها الانسان حياته ويقيم عمله اليومى ، والتى بها يتجدد تاريخنا ، ويضطلع بمسؤولية اختياراته . فالفلسفة الحق تسأل قبل ان تجيب وتطرح نفسها باستمرار موضوعا للبحث وهذا النشدان للحقيقة هو الذى يتحكم فى بحثنا عن الحرية وعن العدل ، وبالدرجة الاولى العدل الاجتماعى . والفلسفة الحق تبحث عن معنى للكرامة الانسانية وتقدم اقتراحات له ، والفلسفة الحق تصور متواصل لعلاقات البشر بعضهم ببعض افرادا وجماعات وبهذا المفهوم تكون الفلسفة اداة تحرير اذ هي تمكننا من نقد الأنظمة السياسية المتنافية مع حرمة الانسان والعمل على استبدالها بسعى من الانسان عندما يتكفل بنفسه مواجهة مشاكله وتساؤلاته .
ولئن لم توجد حقيقة فلسفية نهائية فذلك لكون الفلسفة خلقا مستمرا ، فكرا يتجلى ويتطور فى موازاة تامة للحياة وكأنها أس أعمالنا . ان هذه الماهية الاساسية للفلسفة هي التى تجعل الانسان يفوز بنفسه ويؤمن ذاته ويؤمن العلم والتقنية اللذين يجب اعتبارهما من أرقى منتجات الثقافة الانسانية . وامام هذه الماهية المتفتحة للفلسفة تتجاوب ماهية الدين التى هى
الترجى وتسامى الانسان بالعقيدة . فالدين ييسر لنا الالهام الاسمى ويتنزل فى القلب طمأنينة ويقينا ، والمهم هنا هو ان نجد معنى لحيرتنا ولتساؤلاتنا المتافيزيقية وما تنبني عليه ، أى الامل فى أن الاجابة ممكنة وأن الانسان ان هو ثابر على البحث لا بد منته الى نتيجة فيها نجاته
وهكذا فان الدين هو الخالق المميز للقيم ، فالاديان تمهد لنا الدعامة الاخلاقية اللازمة لاعمالنا والدين يعلمنا حب الغير والشعور بالتكاتف وأهمية الصدق والعدل كما يعلمنا بالخصوص ان الانسان ليس وحده فى مواجهة قدر محتوم بل نحن كلنا نواجه نفس المصير المشترك الذى سنظل صانعيه فالدين حوار الانسان مع نفسه مع الطبيعة ، مع الغير ، مع الله
ان الدين والفلسفة لا تقفان حجرة عثرة فى وجه حقوق الانسان بل هما فى رأيى يكونان بمثابة الاساس واللحمة والحصن
ويظهر لى انه يستبعد ان يرفع الفلاسفة والفقهاء وحتى عامة المؤمنين ايديهم امام ضروب الظلم والجرائم وان يسكتوا أمام تفاقم الوحشية المستندة الى انظمة فلسفية او سياسية او دينية
انه من واجبنا ان نشهر بالتقتيل والاعدامات بدون محاكمة والتعذيب والقمع وكذلك ايضا بالجوع وتهميش الشباب واستغلال العمال وموت الاطفال والامية وقهر المرأة . وان الواجب يدعو اكثر من هؤلاء ، أولئك الذين سعدوا بالايمان وامتلكوا كنزا من البصيرة الفلسفية لا يضاهى
أجل ان للفلسفة وللدين منزلة ايجابية فى تجسيم حقوق الانسان وان لهما قولا فصلا فى كبريات المشاكل التى تحير البشرية ولذلك فانه لا يمكن . دون تمحل الحكم بانه قد حانت نهاية الفلسفة والدين او موتهما امام بروز المفهوم العصرى لحقوق الانسان فهما ميراثان مشتركان للبشرية جمعاء . طبعا إن لكل مجتمع خصوصية واسلوبا ولكل انسان فردا كان او خلية من مجموعة الحق فى ان يختط لنفسه الطريق التى يختار وان يباشر اختياراته الخاصة والمشتركة التى تسمح له بأن يكون هو ذاته . فاذا تم ذلك في كنف الصدق ومن اجل الحقيقة والاصالة فان السلم والتفاهم بين البشر يصبحان ممكنين ، ذلك انه لا مكان لتصور شمولى ولا وجود لفلسفة جاهزة محلية لكل الغوامض ولا
وجود لاجابة شافية كافية صالحة لكل زمان ومكان ، بل ان كل حضارة نسيج وحدها ولا يمكن فرضها على الغير دون ان يجر ذلك الى تحطيمها
غير انه يجب ان يكون هناك مثل اعلى للجميع الا وهو احترام الانسان وما يعنيه ذلك من وجوب احترام حقوقه وهذا يعنى ايضا ان الحوار بين المسلمين والمسيحيين يبدو مبشرا بكل خير . فهو شرط لزوم لبقاء الانسان الجديد وعلى كل ذوى العزائم الصادقة ان يخططوا للتعاون الضرورى بين المؤمنين في اطار متزن لا تنقصه النجاعة معتدل لا تعوزه الجرأة
وانه حين نتخلص من رواسب الحروب الصليبية ومن العراقيل الاستعمارية ، حينذاك لن يستعصى علينا ايجاد الطرق الكفيلة بسن علاقات جديدة تنبني على ايماننا المشترك بالله الذي هو لا ينفصل عن ايماننا بالانسان .
وهذا يعنى ايضا مدى الاهمية التى نوليها لدور المثقفين فى تهديم اسوار اللامبالاة والاستعاضة عن داء العظمة والغرور الذى انتشر واستشرى بروح التسامح والتفاهم المتبادل ، وان للفلاسفة ولرجال الدين على الخصوص دورا جوهريا فى كشف قناع المدعين للنبوة والمشعوذين . واعتقادنا راسخ ان الحوار ممكن وأن عملا أكيدا ومفيدا فى نفس الوقت ينتظر ذوى النوايا الخالص الا وهو أن نتعارف وان نسعى لكى يعرف بعضنا ببعض وان نتعلم احترام بعضنا البعض وبالتالى ان نتحاب رغم الفوارق . وبفضل الفوارق

