ج ) الدين والعمران : في العصور القديمة كان العمران مشتتا للغاية ، ثم تكونت قرى ومدن ولذلك اسباب اقتصادية وسياسية وأيضا دينية اذ من اهم دواعي التجمع المعبد الذى يجعل الناس يسكنون قربه ليتيسر لهم القيام بواجباتهم الدينية . ومركز كل مدينة عتيقة او حديثة هو مكان العبادة سواء كان كنيسة او مسجدا او هيكلا وثنيا ، واذا هاجرت امة الى بلاد جديدة فأول ما تؤسسه المعبد . وهذا ما تقوله النصوص اليونانية التي تروي هجرة الهلينين الى آسيا الصغرى او ايطاليا الجنوبية . والاديان والمذاهب الدينية المضطهدة جعلت اتباعها يهاجرون الى بلدان جديدة ويعمرونها فوقع تعمير شرقي الولايات المتحدة على يد فرقة نصرانية كانت مضطهدة بانقلترا وهم البرتان ( Puritains ) . والتجأ الاسماعليون الى جبال اليمن وشمال ايران وجبال العلويين بسوريا وفر الاباضيون الجزائريون الى المزاب والدرز الى جبال حوران واستوطنوها بصفة نهائية . ولا شك ان العامل الديني هو وحده الذي جعل اليهود يكونون دولة اسرائيل . وهجرة مسلمي اسبانيا الى المغرب عمرت الشمال التونسي واحيت فيه الفلاحة والصناعة ، واكثرية سكان جهة بنزرت ووادى مجردة من " قلعة الاندلس " الى تستور اصلهم من المهاجرين الاندلسيين .
ورجال الدين اشرفوا بأنفسهم على تعمير جهات كثيرة من العالم وذلك لان المتصوفين من النصارى او المسلمين كانوا يبتعدون عن المدن والارياف المسكونة ابتغاء للعزلة وللهدوء اللازمين لتصوفهم . فانتصبوا بالصحارى والغابات الكثيفة الخالية ومهدوا الطريق للمهاجرين مثل المتصوفين المسلمين الذين اسسوا الرباطات بالصحراء الكبرى والرهبان النصارى الذين بنوا اديرة بجزر ارلاندا وشمال انقلترا وغابات اوروبا الشمالية ولم يلبثوا حتى تبعهم الفلاحون والتجار والصناع
ونتيجة ذلك ان كثيرا من المدن الاسلامية مشتقة من اسماء اولياء صالحين " كسيدى بوزيد " وسيدي بو سعيد " وغير ذلك من المدن والقرى التونسية
والمغربية . وكثير من اسماء البلدان النصرانية مشتقة من اسماء القديسيين مثل سان ايتيان ( St. Etienne ) وسان مالو ( St . Malo ) وسان ديي ( St. Die ) وعدة مدن اخرى . واسم مدينة بابل هو في الاصل " باب إله " أى باب الله واسم مكة الاصلي هو " ماكرابا " اي المعبد او المكان المقدس .
ونلاحظ ان معظم اسماء مدن مصر الفرعونية تدعى اما دار او قصر او مدينة او معبد الالاه الفلانى مثل مدينة " بوصريس " ( Busiris ) اي دار ( Bu ) الالاه "اوزيرس" ( osiris ) و "بوباستيس" ( Bubastis ) اي دار الالاهة بستيس ( Bastis ) .
واسم أثينة مشتق من " اثيني " ( Athenee ) وهي الاهة الحرب والعلوم عند اليونان . واسم " اورشليم " ( jerusalem ) معناه معبد سليمان .
وبصفة عامة فاننا نلاحظ ان مسكن الآلهة يجلب مسكن الاوادم وذلك
مما جعل القدماء يطلقون على المؤمنين النصارى كلمة " وربني " ( Urbani ) اي ساكني المدن . والوثنيين كلمة " باقني " ( Pagani ) ومن باقني اشتقت كلمة " بايان " ( Paiens ) هي الكفار
3 - الدين والثقافة :
أ ) الدين والآداب والعلوم : كل من درس العصور التاريخية الاولى يلاحظ ان اول ادب ظهر كانت له صبغة دينية محض وقد ذكرنا ذلك عندما درسنا العلاقة بين الدين وصناعة الورق والحبر . فلا ننس ان المعلقات كانت تعلق على الكعبة وان اول نصوص مصرية فرعونية كانت اما كتبا جنازية او اشعارا لتمجيد الآلهة واول كتاب باللغة الهندية هو " الفيدا " ( Vedas ) وبالايرانية " الزند أفست ( Zend- Aresta ) وباليونانية ملاحم " هو مار " اي الالياذة وقصة " او ليس " ( et l' Odyssee l' Iliade ) . ولليونان القدماء الاهات للالهام الشعري والعلمي والمسرحي ( Les muses ) . والادب المسرحي نفسه اصله ديني اذ كانت الحفلات المسرحية عند اليونان وسيلة من وسائل اكرام الالاهة وتعظيمها . واقدم مسرحيات يونانية كانت في شكل صلوات للالهة وخاصة ألهة الخمر " ديونزوس " ( Dyonisos ) ويسمى هذا النوع الاول من المسرحيات الديترامب ( Dythirambe )
وفي العصور الوسطى كانت تقام حفلات مسرحية امام الكنائس الكبرى تمثل فيها حياة المسيح وتسمى " الميستار " ( Mystere ) وكذلك ظهر المسرح عند المسلمين وخاصة عند الشيعة الايرانيين باقامة حفلات تمثل فيها حياة علي والحسن والحسين . فاما الالعاب الرياضية فقد كانت تقام عند قدماء اليونان والرومان لاكرام الآلهة وخاصة الالاه أبلون ودزاس ( Zeus ) .
واما الالعاب الدامية التي كانت تقام بملاعب من نوع قصر " الجم " وهي تسدروس ( Thysdrus ) العتيقة فهي نوع من التضحية ( Sacrifice ) وتعتبر دماء القتلى المهزومين هدية للالهة . فاما التاريخ فلم يكن فى بدايته ذا هدف علمي بل كان يرمي قبل كل شئ الى احياء الاموات بذكر ما قاموا به من اعمال , وكان ذلك عند القدماء احسن وسيلة لتيسير قيامتهم بعد الموت وخلودهم فى الآخرة .
واما علم الجغرافية فقد نما بفضل كثرة الاسفار التجارية والدينية والحجاج . والزائرون الدينيون والمبشرون هم اول الجغرافيين الذين ظهروا في تاريخ البشر . كذلك أول المنجمين كانوا كهنة الالهة الكوكبية ( Dieux cosmiquas ) خاصة عند
البابلين وهدفهم الاول دراسة الكواكب بصفتها آلهة للاطلاع على طبيعتها وجلب رعايتها .
واستعمل البابليون الاعداد والاشكال الهندسية للسحر والتكهن ولكن دراستهم هي التي وضعت اساس علوم الحساب والهندسة . وقد ذكرنا سابقا أصول الطب الدينية سواء كان الكهنة بأنفسهم اطباء او كانت معابدهم مستشفيات لعلاج الامراض .
وقامت عبادة بعض الحيوانات والنباتات بدورها فى وضع أساس علوم الحيوان والنبات . وفيما يتعلق بالفلسفة فان أصولها كذلك دينية اذ كان هدفها الاول دراسة طبيعة الله والآلهة والبحث فى اسباب وجود الكون ومصيره ولما ظهرت الاديان الكتابية الكبرى أراد المثقفون والاذكياء من أتباعها التوفيق بينها وبين العقل والمعقول ونشأت هكذا فلسفة اسلامية وفلسفة نصرانية ويهودية اشتهرت فيها أسماء الفارابي والكندي وابن سينا والغزالي وابن رشد عند المسلمين وموسى بن ميمون عند اليهود والقديس طوماس ( St Thomas ) عند النصارى .
ب ) الدين والفنون الجميلة : ان هدف الفنون الجميلة الاول هو اكرام الآلهة وتخليد ذكر الاموات . فأول رقص كان دينيا وهو عملية سحرية لابعاد الشياطين أو إحدى الصلوات والرقص اليوناني كان هدفه جلب محبة الآلهة وخاصة الالاه ديونزوس ( Dyonisos ) وكذلك الموسيقى فهى ترمى قبل كل شىء الى التقرب من الآلهة والاتحاد بها ولهذا فانها قامت بدور كبير فى جميع الاديان . فأول موسيقى اسلامية هي تجويد القرآن وأول موسيقى نصرانية أناشيد يمجد فيها المسيح والسيدة مريم . ويقال ان سبب انتشار الطبل المصنوع من جلود الحيوانات او البشر هو أن دويه يعتبر كلام الميت وكان الطبل وما زال يستعمل خاصة في الحفلات الجنازية ( ceremonies funeraires ) وتمثل كثير من الآلهة اليونانية والرومانية وهى تعزف مثل الالاه أبلون . ويرى في كثير من التماثيل وبجانبه معزف ( Lyre ) وهو أهم مظهر لاصول الموسيقى الدينية .
والموسيقى العصرية نفسها المسماة " الجاز " (Jazz) دينية فى اول الامر وأصلها من الحان افريقيا السوداء الوثنية ثم انتقلت الى امريكا مع العبيد السود ولما تنصر هؤلاء لحنوا أناشيد لتمجيد المسيح والعذراء سميت النيقرو اسبريتوال ( Negro spiritual ) ثم انقلبت هذه الالحان الدينية الى الحان غير دينية . وقام المتصوفون المسلمون بدور كبير في تطور الموسيقى الاسلامية لانها كانت عندهم
وسيلة من وسائل الاتحاد بالله وهذا اصل ألحان الطرق الدينية الموجودة الى يومنا بالمغرب والمشرق الاسلاميين . وكل من تجول بمدينة عتيقة او متحف يلاحظ ان اكثرية الآثار سواء كانت عمارات او نقوش او رسوما ذات صبغة دينية أو شبه دينية ذلك أن هدف النقوش الاولى تصوير الالاه من الحجر او البرنز او الخشب او تصوير الاموات لتخليد شكلهم ولونهم وحركاتهم والوسط الذي كانوا يعيشون فيه مما جعل القبور المصرية صورة تكاد تكون حية لحياتهم اليومية وذلك وسيلة تعين الميت على القيامة ثم الخلود المؤبد فى الآخرة .
وكذلك فن الرسم فقد كان لا يهدف للزينة بل لتخليد ذكر الآدميين وتمثيل الآلهة . والدين هو السبب الوحيد الذي جعل الشعوب القديمة التي كانت تعيش بملوكها وعبيدها في منازل بسيطة كانت في اكثر الاحيان من الطين والقش تبني هياكل ومعابد كالمعابد المصرية واليونانية والمساجد الاسلامية والكنائس النصرانية وأبدع البشر فى فن البناء ليكون للالاه مسكن يليق به وبما أن الخلود من اهم صفات الله عند الوحدانيين أو الآلهة عند المشركين فان المعابد بنيت لتكون خالدة . نعم ان القدماء بنوا عمارات كبرى غير المعابد مثل الملاعب الرومانية واليونانية والقصور والقبور الملكية العتيقة ولكن الملاعب بنيت ايضا لاكرام الالهة .
وابدع البشر في بناء قصور ملوكهم واضرحتهم لانهم كانوا يعتبرونهم آلهة او اشباه آلهة . وابدع الفرنسيون في تشييد بلاط فرساي لان الملك لويس الرابع عشر كان مقدسا عندهم ويدعى الملك شمس ( Le roi soleli ) وتعتبر سلطته مستمدة من الله ( royaute de droit divin ) .
واذا أردنا ان نختم هاته الدراسة السريعة قلنا ان الانسان كان يرمى منذ ظهوره الى الكمال الذى يعتقد انه موجود عند الآلهة أو عند الله . وذلك مما جعل الايمان بابا من ابواب الرقي والامل ، ولا مدنية ولا حضارة من غير امل وتفاؤل . ( * )

