الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الدين وظهور المدينة

Share

١ - الدين والحضارة المادية

من اهم المشاكل التى يتجادل فيها العلماء مسألة الحضارة ونموها وتطورها كيف انتقل الانسان من التوحش الى التمدن ؟ ما هى العوامل التى جعلته يرتقى فى درجات سلم الحضارة ؟ ما هى الاسباب التى جعلت بعض الامم تتفوق فى الحضارة على أمم اخرى ؟ هل هى اسباب مادية أم روحانية ؟ هل الدين عامل من عوامل الانحطاط ام الرقي ؟ ما هو الدور الذى قام به الدين فى تولد الحضارة ؟؟ اريد في هذه الدراسة ان اجيب عن تلك الاسئلة على اساس ان الدين عامل من اهم عوامل تولد الحضارة ورقيها سواء أكانت مادية أم روحانية .

الدين والحضارة المادية اطلق كلمة حضارة مادية على كل ما يمس بالفلاحة والصناعة والتجارة وطرق المواصلات وعلى الرغم من ان للدين صيغة روحانية فانه قد أثر تأثيرا كبيرا فى عالم الماديات كما انه تأثر بها اذ هناك فلاحة ذات صبغة دينية (agriculture religieuse) ودين ذو صبغة فلاحية (Religion agraire) وموضوعنا هو درس دور الدين فى ظهور الفلاحة والصناعة والتجارة والنقل .

أ ) الدين والفلاحة - في عصر ما قبل التاريخ لم تكن الفلاحة موجودة اذ كان الانسان يستهلك الثمار والنباتات الموجودة فى الوسط الذى يعيش فيه ، وظهور الفلاحة كان صدفة اذ كان الانسان يأكل الثمار الوحشة ويترك نواها بجانب كوخه او خيمته فنبتت وتولدت منها أشجار ونباتات جديدة ومنذ لك العصر فكر في الزراعة كوسيلة من وسائل العيش تمكنه من تجمع عدد كثير من نباتات غذائية فى مكان واحد بينما كان قبل ذلك مرغما على اجتياز مسافات كبرى للعثور على نباتات غذائية ، ولكن كثيرا من النباتات انتشرت انتشارا كبيرا فى العصور

القديمة لا لمنافعها الغذائية بل لانها كانت مقدسة لما ينسب لها من طاقة الاهية وسحرية نافعة أو مضرة .

هكذا البصل كان نباتا مقدسا عند قدماء المصريين وكان اكله محرما ، وعلى الرغم من ذلك فان زراعته انتشرت وكانت حقول البصل كثيرة بجانب المعابد

ومن اهم اسباب تقديس البصل وانتشاره انه كان يعتبر رمزا للالهة " ايزيس " (Isis) وهى من اهم معبودات مصر الفرعونية .

ولما انتصبت جاليات أجنبية بمصر استهلكت البصل الذى اصبح من اهم البقول فى العالم كله وما زالت مصر الى يومنا هذا من اكبر منتجى البصل . وكان الكلدانيون يزرعون البصل لا لاكله بل لاستعماله فى عملياتهم السحرية .

وانتشر نبات الرند المستعمل اليوم كتابل من التوابل لانه كان رمزا للالاه " ابلون " (apollon) اليونان والرومان وجميع شعوب البحر الابيض المتوسط في العصور القديمة ، وما زال الرند محترما الى يومنا فى المنازل النصرانية والاسلامية حيث يوضع لما فيه من " بركة " تجعله يحمي المساكن من جميع المصائب وانتشرت شجرة التين فى العصور القديمة لا لما تنتجه من ثمار فقط بل لانها تعتبر رمزا ليإلاهة الفلاحة والخصب والولادة المسماة " دميتار " (Demeter) عند اليونان و " سيراس " عند الرومان (Ceres) وذلك مما جعل هؤلاء يغرسون شجرة التين بجانب المساكن وبأكثرية الحقول والضيعات لجعلها تحت رعاية " دميتار " (Demeter) او " سيراس " (Ceres) وانتشرت شجرة الزيتون لزيتونها وزيتها وايضا لما ينسب لها من " بركة " ناتجة عن انها رمز الالاه " هرمس " (Hermes) اليونانى والمسمى " مركور " (Mercure) عند الرومان القدماء .

ولما احتل جنود " اسبارتة " (Sparte) جهة اثينة هدموا كل ما وجدوه من المزروعات والمساكن ولم يحترموا الا الزياتين .

ومن عوامل انتشار الزيتون عند اليهود والنصارى والمسلمين الحاجة الى الزيت لا لاستهلاكه كمادة غذائية فقط بل لتنوير المعابد والكنائس والمساجد ايضا وذلك اهم سبب لكثرة الزياتين فى احباس المساجد والاولياء الصالحين .

وبجهة بيت المقدس نلاحظ منافسة قديمة بين النصارى واليهود والمسلمين فيما يتعلق بتنوير مراكز العبادة وهذا عامل من أهم العوامل التى جعلت كل طائفة تهتم بغرس الزياتين لتوفير الزيت

فأما فرقة اليزيديين فهي لاتنير معابدها الا بزيت الجلجلان وهذا مما جعل زراعته تنتشر دون شجر الزيتون ، وانتشرت زراعة النباتات الزيتية بالعراق العتيقة لا للاستهلاك المنزلي بل للقيام بنوع خاص من السحر والتكهن يشتمل على وضع شىء من الزيت الخفيف على الماء (Leconomancie) ويقع التكهن بالاعتماد على شكل نقط الزيت وعددها فوق الماء . وانتشرت زراعة الكروم لعنبها وخلها وخمرها وأيضا لصبغتها الدينية ، والعنب

وخمره رمز الالاه " ديونزوس " (Dyonisos) عند اليونان وباكوس Bacchns)) عند الرومان وهو الاه الخصب الفلاحى والولادة وذلك للعلاقة الموجودة في ذهن

القدماء بين الارض وبطن المراة وبين الزراعة والجماع ويعتبر هذا الالاه رمز القيامة والسعادة فى الاخرة وهذا مما جعل شرب الخمر واستهلاكه عبارة عن عملية دينية ووسيلة للاتحاد بالالاه " ديونزوس (Dyonisos) ومن اهم منافع الاتحاد بالله تحصيل الخلود بعد الموت والقيامة .

وظهور النصرانية عامل من عوامل انتشار الكروم لان الخمر لازمة لاقامة عبادة " القداس " (La messe) بكونها رمزا لدم المسيح وبما ان وسائل النقل كانت قليلة فى العصور الوسطى فانه كلما اعتنقت قبيلة اوروبية النصرانية شرعت فى غرس الكروم ولو كان المناخ لا يناسبها . فانتشر غرس الكروم بالمانيا الشمالية وانقلترا والسويد والنرويج والدانمارك لانتاج خمر لاتصلح للشروب ولا تستعمل الا لاقامة صلاة القداس وتسمى " خمر القداس " (vin de messe) وذلك مما جعل الرهبان والكهنة النصارى من منتجى الخمر وناشرى غراسة الكروم. وبعد اكتشاف امريكا انتشرت الكروم تحت اشراف الآباء اليسوعيين

(Jesuites) واباء القديس " فرانسوا " (Franciscains) وغيرهم من الرهبان المبشرين وانتشرت زراعة انواع كثيرة من الزهور لقداستها عند بعض الشعوب فكان الورد مقدسا عند اليهود واليونان والرومان القدماء . وزهرة الاقحوان (chrysantheme) مقدسة عند قدماء الكريتين واليونان والرومان وذلك لان اسطورة قديمة تقول ان الاقحوان تولد من لبن سقط على الارض عندما كانت الالاهة " هرا " (Hera) ترضع ابنها " هرقل " (Herakles) وذلك ان الاقحوان اعتبر رمز الخلد واعتبر اكله ولمسه كفيلين بضمان القيامة للبشر بعد الموت وخلودهم فى الجنة ، وتأثر النصارى بذلك فاصبحوا يزينون القبور والتوابيت بالاقحوان المسمى زهرة الاموات (Flaur des morts) وفي العصور القديمة كانت الزراعة عملا دينيا وتكون دائما مصحوبة بصلوات وعبادات والى يومنا هذا تستهل عملية زرع الارز فى الصين والهند الصينية تحت اشراف رجال الدين والامبراطور بنفسه لا بصفته امبراطورا كل بصفته " ابن الشمس " وعند الشعوب الوثنية نجد دائما الاها او الاهة للفلاحة كديميتار (Demeter) عند اليونان و " سيراس " عند الرومان وعشتروت (Jihtar) عند قدماء الساميين وسبال Cybele عند قدماء سكان آسيا الصغرى .

واصل عملية تسميد الارض ديني ونستطيع ان نقول ان اول سمد استعمله البشر هو دم الضحايا البشرية او الحيوانية التى كانت تذبح فى الحقل لتروية آلهة الفلاحة . وقامت الاديان والمذاهب الدينية بدور هام فى نشر مزروعات فى بلدان جديدة لم تكن موجودة فيها ، فنقل النصارى . كما ذكرنا ، زراعة الكروم من بلدان البحر الابيض المتوسط الى شمال اوروبا والي امريكا .

وانتشار الاسلام اهم سبب لانتقال كثير من المزروعات الاستوائية كالارز وقصب السكر والقطن من آسيا الجنوبية وافريقيا الوسطى الى اوروبا الجنوبية والشمال الافريقى والصليبيون هم الذين عرفوها للاروبيين .

والقهوة لم تكن معروفة في اول الامر الا باليمن واستهلكها المتصوفون اليمنيون اذ كانوا يعتقدون انها وسيلة من وسائل الاتحاد بالله .

ب ) الدين وتربية الحيوانات : في عصر ما قبل التاريخ كان الانسان يجهل تربية الحيوانات التى كانت كلها وحشيه ومن بين الاعمال اليومية في ذلك العصر الصيد : وهو من اهم موارد

العيش وهذا ما نلاحظه اليوم عند القبائل المتأخرة باواسط افريقيا وامريكا الجنوبية وبعض جزر المحيط الهادي .

وشروع الانسان في تربية الحيوان له سببان أولهما انه تمكن من صيد بعض الحيوانات من غير ان يقتلها وذلك بنصب فخ مثلا ثم انه لم يقتلها فى الحين وذلك احسن وسيلة لتصبير لحمها وحبسها بربطها بحبل او باحاطتها بسور من اغصان الاشجار الشائكة ، فتكونت بينه وبينها ألفة جعلتها داجنة وحياتها مع الانسان غيرت شكلها بكيفية جعلت الذئب كلبا بعد تطور دام آلاف السنين

والسبب الثاني الذي جعل الانسان يربي الحيوانات ديني ، وهو ان القدماء عبدوا بعض الحيوانات او على الاقل قدسوها اما لجمالها او لفوتها او لما كانوا ينسبون اليها من طاقة سحرية ولذلك امثال عديدة منها ان الهنود القدماء لم ير بوا فى اول الامر الفيلة الا كحيوانات مقدسة ثم استعملوها فيما بعد للنقل والحرب

وربى المصريون القدماء حيوانات كثيرة لكونها رموزا لالهتهم . دون ادنى فائدة مادية فربوا الثعابين والتماسيح والفهود والقطط والبزاة وغير ذلك من الحيوانات واكرموها الى حد جعلهم يحنطون جثثها ويتنون لها اضرحة واكتشف الاثريون عددا كبيرا من اضرحة الحيوانات وجثثها المحنطة هي ما زالت موجودة وبعضها معروض في المتاحف المصرية اليوم

فأما الطواويس فقد كانت مقدسه عند الهنود القدماء ويعتبرها اليونان والرومان رمزا للسماء ولما انتشرت النصرانية لم تلبث ان قدست هذا الحيوان لان اسم الطاووس باليونانية ترمز حروفه الى الصليب القديم والى معنى المسيح وكل ما ذكرناه فيما يتعلق بتقديس الطواويس سبب لتربية هذا الحيوان الذي كان وحيشا سواء في اسيا او اوروبا او افريقيا ثم اصبح داجنا . وفى الهند وسيلان ما زال السكان يربون حيوانات دون ان ينتفعوا بها وذلك لقداستها فقط ومنها ملايين من البقر التى تتجول في جميع الاماكن وفى انهج المدن الكبرى من غير ان يتجاسر احد ان يمسها . وكثيرا ما تقف السيارات والقطارات فى سيرها من اجلها وما زال الهنود يربون القرود والثعابين وينفقون عليها لقداستها ومازالت بعض قبائل افريقيا السوداء وامريكا تربى الضفادع المقدسة وكان اهالى الصين العتيقة يربون السلحفاة لاستعمالها فى عمليات التكهن فأما فى التبت (Thibet) فسبب انتشار الحيوان المسمى " الياك " (Yak) هو ان الزبد المستخرج من لبن إناثه مقدس

وهو المادة الوحيدة المستعملة لتنوير المعابد . وكل ما ذكرناه من تربية حيوانات لسبب ديني او شبه ديني هو الذى اكسب الانسان تجربة كبرى وهى اساس علم الحيوانات (Zoologie) والطب الحيوانى (science veterinaire) ولما زالت الاعتقادات التى كانت تجعل الانسان يقدس بعض الحيوانات استعملها للحمها وشعرها وجلدها وعظمها واستعان بها فى عمله .

ج ) الدين والصناعة : ظهرت الصناعة بأتم معنى الكلمة عندما اخترع الانسان كيفية وقد النار ، فاستعملها لتنضيج الطين وهذا اصل صناعة الفخار والخزف ولتذويب المعادن او لتليينها وهذا اصل الحدادة . واستعملها لتنضيج الاطعمة وللنوير ولابعاد الوحوش المفترسة ولاحراق النباتات الجافة وبهاته العملية يصيب هدفين وهما : تحرير الارض لتصبح صالحة للزراعة وتسميدها برماد النباتات الجافة . واستعملت النار لمعالجة الامراض والقروح بوسيلة الكى . فلا عجب ان راينا معظم الشعوب القديمة تعبد النار وتعظمها .

فكان الايرانيون القدماء يعبدون الالاه " هرمز (Ahaura- mazda) ويعتبر الاه النار والنور والاه الخير والرقى المادى والاخلاقى وكانوا يعبدون الالاه " اهرمان " (Ahriman) وهو الاه الظلام والشر والتآخر المادي والاخلاقى . وكان اليونان يعبدون الالاهة " هستيا " (Hestia) والرومان " فستا " (Vesta) وهما الاهتا النار . وما زال الهنود يعبدون الاها للنار يسمى " أقنى " (Agni) ولهذا فان التنوير مازال الى يومنا هذا ذا صبغة دينية ، وسبب رقيه هو ما بذله الانسان من جهود لتنوير المعابد والكنائس والمساجد وذلك ناتج عن صبغة النور المقدسة وهى التى جعلت النصارى يتخيلون المسيح والقديسين متوجين بتاج من نور .

وصناع المصابيح كانوا فى اول الامر يعملون لحساب مراكز العبادة ، وكثير من الصنائع اصلها ديني . هكذا الحدادون كانوا عند القدماء ومازالوا عند بعض القبائل الزنجية الافريقية عبارة عن كهنة . واليونان لهم الاه للحدادة اسمه " هفايستوس " (Hephaistos) المسمى " فلكان " (Vulcain) عند الرومان .

وفي بلاد التبت اليوم نجد الحياة الصناعية ذات صبغة دينية قبل كل شئ وهدفها انتاج النواقيس والتمائم . فأما نسج الحرير فهدفه الاول فى الشرق الاقصى صناعة أقمشة رفيعة تهدى للالهة او تخاط بها ملابس الكهنة والرايات

الدينية . وفي العصور الوسطى لم يتعاط الاروبيون الصنائع الرفيعة من نسج الحرير ونقش العاج الى خدمة الذهب والفضة الا لقضاء حاجة الكنائس وأديرة الرهبان ولتزويدها بالصلبان والاوانى اللازمة لاقامة " القداس " (La messe) والتماثل المطلية بالمعادن الثمينة وخاصة تماثيل المسيح والسيدة مريم ، ورعاية الكنيسة للصناع هى التى جعلت كل مهنة تحت حماية قديس . فاحتمى النجارون بالقديس يوسف (Saint Jcseph) والحدادون " بالقديس الوا " (St. Eloi) ولكل مهنة قديس خاص بها .

وفي بعض الاحيان تشتغل المنظمات الدينية بالصناعة مباشرة مثل الجمعيات الرهبانية النصرانية التى كونت في العصور الوسطى اول معامل الحديد والفولاذفى أوروبا واما بمصر الفرعوية فأهم سبب لرقي نسج الكتان هو اعتناء كهنة الالاه آمون ( Ammon ) به وكانوا محتكرين اياه احتكارا قانونيا (Monopole legal) والمعتقدات المصرية الجنائزية اهم عامل لرقى التحنيط Momification)) الناتج هو الاخر عن تفنن الفرعونيين فى صناعة العقاقير اللازمة لتلك العملية وصناعة الروائح لم تكن موجهة الا نحو اكرام الالهة وصناعها كانوا لا يعملون الا للمعابد ومراكز العبادة سواء فى مصر القديمة او الصين والهند والهند الصينية ، ورائحة المسك صنعت لاول مرة " بالتبت " لاكرام الالهة . وفى ذهن المسلمين أنفسهم ما زالت رائحة المسك ترتبط بالانبياء والاشراف والصحابة والاولياء الصالحين

ومن اهم عوامل ازدهار صناعة الورق والحبر وفن الخط والطباعة الحاجة الى تخليد الكتب والنصوص الدينية .

واقدم نصوص مكتوبة على البردى (Popyrus) كتب الاموات ((Livres des Morts المصرية الفرعونية . واقدم ما كتب عند اليهود التوراة وعند الفرس " الزند أفستا " (ovesta Zenb) وعند المسلمين القرآن والاحاديث وعند البابليين كتب السحر والتكهن وعند اليونان روايات الآلهة.

ونقل الكتب بخط اليد كان من اهم اعمال الرهبان النصارى فى اوربا فى العصور الوسطى والرهبان البوذيين بالشرق الاقصى فالاحبار الكوريون (Coreens) هم الذين ادخلوا من الصين الى اليابان صناعة الورق والحبر الاسود المسمى الى يومنا هذا الحبر الصينى (encre de chine) . واول كتاب طبعه قوتنبارغ سنة ١٤٥٥ هو التوراة المشهورة باسم التوراة المزارينية ، لان الوزير الفرنسى مزارين (Mazarin) كان يملك منها نسخة (Bible Mozarine)

د ) الدين والتجارة : الدين محرك كبير للتجارة وهو فى بعض الظروف العامل الوحيد لتكوين تيارات تجارية كبرى . فوحدة الدين تكون روابط عاطفية بين بلدان اجنبية عن بعضها بعض وبعد زمن تضاف الى الروابط العاطفية روابط مادية وتجارية ، ولذلك عدة امثلة منها ان انتشار الاسلام في آسيا وشمال افريقيا وجنوب اوروبا فى آن واحد كانت نتيجته نهضة تجارية كبرى جعلت بضائع الصين والهند وافريقيا تنتقل بكمية اوفر وعلى صورة اسرع من ذى قبل الى بلدان البحر الابيض المتوسط واوروبا . والحج فى الاسلام هو الذى جعل الافارقة يتعرفون فى مكة بالهنود والجاويين والصينيين والتعرف بالاشخاص ينتج عنه تعرف بمنتوجاتهم الصناعية والفلاحية .

وزيارة نصارى اوروبا لبيت المقدس في العصور الوسطى هى التى جعلتهم يشترون بضائع الشام ومصر او بضائع الصين والهند ؛ وكثيرا ما ينقلب الزائر الديني الى تاجر . وزيارة النصارى الاوروبيين في العصور الوسطى لقبر القديس يعقوب بكنبوستال بشمال اسبانية (S' Jaques de compostelle) هي أهم سبب لتكوين تيار تجاري شمالي - جنوبى - وجنوبى شمالي بين اسبانيا من جهة وفرنسا وشمال اوروبا من جهة اخرى .

ونلاحظ من قديم الزمان ان المعبد يحذب دائما الاسواق التجارية ويجعلها تنتصب بجانبه سواء كان ذلك بصفة نهائية او وقتية . وهكذا فان السوق الرومانية وهى " الفروم " Forum سعة تكون دائما بجانب معبد اكبر الالهة جوبيتار Jupiter وهو الكابيطول ؛ وفى البلدان الاسلامية القديمة كتونس ودمشق مثلا نرى الاسواق تحيط بجامع الامويين وبالزيتونة . وفى العصر الجاهلى كان سوق عكاظ بجانب الكعبة ، وبالمدن الاوروبية التى بنيت فى العصور الوسطى نلاحظ ان الاسواق والاحياء التجارية تنتصب فى اكثر الاحيان حول الكنيسة الكبرى المسماة " الكتدرالة " Cathedrale وكثيرا ما نرى الى يومنا هذا الاسواق الاسبوعية تنتصب ببطحاء تقع امام جامع او كنيسة او ضريح ولى صالح وهذا ما نجده بتونس وبفرنسا وغير ذلك من البلدان .

وسبب كل ذلك ان التاجر كانت مهددا باللصوص من جهة ومعرضا الى جميع المظالم والاعتداءات من جهة اخرى واحسن وسيلة للدفاع عن النفس هى ان

يضع المرء نفسه تحت رعاية الدين ورجاله الذين كانوا محترمين من جميع الناس ومن الملوك انفسهم وكثيرا ما كانت تستهل الاسواق الدورية فى العصور القديمة بصلوات وعبادات تحت اشراف رجال الدين . وكانت الاسواق الدورية الفرنسية

في العصور الوسطى تحت رعاية اسقف الجهة . ومن محركات التجارة الحاجة الى تزويد مراكز العبادة بما تحتاجه من اشياء ثمينة وجميلة واهم سب لعناية القدماء باستخراج المعادن الثمينة من ذهب وفضة انهم كانوا يصنعون منها تماثيل لآلهتهم اذ كان الذهب فى اعتقادهم رمز الخلود لانه لا يصيبه الصدأ ولا يتغير لونه .

والاصنام الذهبية كانت كثيرة فى المعابد المصرية الفرعونية والامركية ( Amerique precolombienne ) واليونانية والرومانية العتيقة .

ومما شجع تجار الاحجار الكريمة حاجة القدماء الى تزويد قبورهم بالحلى الرفيعة وذلك ما جعل القبور الفرعونية والامركية العتيقة عبارة عن مناجم استخرج  منها الاثريون كمية كبرى من الذهب والفضة والاحجار الكريمة ويقول المؤرخ الرومانى " بلين " (Pline) انه كان بمدينة " دالف " (Delphos) معبد للآله " أبلون " ( Apollon) اجتمعت فيه ثلاثة آلاف من التماثيل الذهبية .

أما تجارة الحرير من الصين الى اوروبا عن طريق العالم الاسلامي فهدفها الوحيد كسو الكنائس والاساقفة بأقمشة رفيعة . والرهبان النصارى هم اول من ربوا دودة الحرير في اوروبا لهذا الهدف . ومنذ ثلاثين قرنا قبل المسيح تكونت تيارات تجارية كبرى خاصة بافريقيا مرماها الوحيد تزويد المعابد العتيقة بالعاج اللازم لصناعة تماثيل تجتمع فيها الصلابة وصغر الحجم وخفة الوزن . وفى العصر القديم قامت المعابد بدور البنوك الحالية اذ كان الخواص يودعون فيها اموالهم وحبوبهم ، وكانت تقرض الناس مالا وحبوبا مقابل فائدة ، ونستطيع ان نقول ان اول بنوك اسست فى تاريخ البشر هى المعابد العتيقة . وفى اوروبا فى العصور الوسطى تكاثرت البنوك فى مراكز الزيارات الدينية كفزلاى (Vezela) بفرنسا وسان جاك دى كنبستال (S' Jeacquesdecompostelle) باسبانيا وذلك لتبديل عملة الزائرين الآتين من جميع انحاء اروبا . والعملة نفسها اختراع ذو صبغة دينية واول نقود استعملت فى تاريخ البشر كانت تمائم ورموزا سحرية وتماثيل صغرى للالهة . واستعمال التمائم فى مكان النقود عادة مازال معمولا به عند بعض القبائل المتأخرة بافريقيا السوداء .

ه ) الدين ووسائل النقل : ان اول طرقات اختطها البشر كان هدفها الاول تيسير زيارة مراكز العبادة . ففى جبال الاند "Les Andes" بامركا الجنوبية يلاحظ المسافر ان جميع الطرقات تلتقى بالمعبد وذلك مما يدل على ان الوصول الى مراكز العبادة هو الهدف الرئيسى .

واول طرقات اعتنى بها الخلفاء المسلمون وخاصة العباسيون هي المؤدية الى مكة والمدينة ، وفي الصين توجد تعاريج في الطرقات او الجسور القديمة من غير سبب

مادي من نوع الجبال او البحيرات او قانونى كاحترام الملكية مثلا ، وذلك ناتج عن اعتقاد الصينيين ان الشياطين المفسدة لا تسير الا حسب خط مستقيم واحسن وسيلة لتعطيل سيرها هي جعل الطرق المعبدة والجسور غير مستقيمة ومنذ العصر العتيق كانت الجسور محترمة احتراما كبيرا جعلها تحت رعاية الكهنة ورجال الدين وذلك مما جعل الكاهن يسمى باللاتينية " بونتفاكس " (Pontifex) وهي الكلمة التى اشتقت منها لفظة بونتيف ويسمى البابا الكثوليكى اليوم الملك البنتيف (Le Souverain Pontife) ومعنى كلمة بونتيفاكس (Pontifex) هى " صانع الجسور " . وغالب الجسور التى بنيت باوروبا في العصور الوسطى قد بنتها جمعية رهبانية كان اعضاؤها يسمون " الاخوان البنائين للجسور " (Freres Pontifes) وكثيرا ما نجد بجانب الجسور القديمة كنيسة او ديرا . وشيدت المنظمات الدينية وخاصة الجمعيات الرهبانية البوذية اكثر الجسور الموجودة بالصين والهند الصينية وكثيرا ما يجد المسافر بالطنكان (Tonkin) واللووس (Laos) معبدا او على الاقل مصلى صغيرا بجانب كل جسر ، وكل ذلك ناتج عن ان اجتياز الانهار عملية خطيرة ، واحسن وسيلة لاجتناب الاخطار هى وضع الجسر تحت رعاية الآلهة ورجال الدين.

وفي العصور المضطربة كان المسافر في حاجة كبرى الى منظمات تحميه مما كان يهدده من لصوص وولاة ظالمين الى الجوع والعطش والبرد والحرارة .

والمنظمات الدينية قامت بدور كبير في حماية المسافر واسعافه اذ كانت المساجد واضرحة الاولياء الصالحين والرباطات الاسلامية والكنائس واديرة الرهبان النصرانية والمعابد واديرة الرهبان البوذية الاماكن الوحيدة التى يلتجيء اليها المسافر ويجد فيها ما يحتاج اليه ليقتات ويقضى الليل فى أمان .

وفي الجنوب الجزائري كانت الطريقة الصوفية الزيانية تشرف على أمن القوافل التجارية في الصحراء الغربية ، وكونت الطريقة السنوسية فى الصحراء الشرقية ، وخاصة بليبيا ، عدة زوايا هدفها الوحيد حماية القوافل التجارية واسعافها .

وقامت العقائد الدينية بدور هام فى اختراع آلات النقل واستعمالها ونظرية كثير من المؤرخين هى ان اول عجلات استعملت فى عصر ما قبل التاريخ كانت من نحاس وذلك لان شكلها يشبه شكل قرص الشمس المؤلفة والتى كانت تعبد وتعظم بعدة وسائل منها تدوير عجلات من نحاس .

ثم تطورت الأمور فثقبت تلك العجلات وصنعت لنقل عربات دينية تسمى مراكب الشمس soleil ) (chors du ولا يركبها الا الكاهن الاكبر المشرف على عبادة الشمس وبعد ذلك استعملت هاته العربات لنقل الجنود والمسافرين والبضائع .

اما البوصلة التى احدثت انقلابا كبيرا فى تاريخ الملاحة خاصة والنقل عامة فقد استعملت لاول مرة في الصين كآلة يستعين بها الساحر والمتكهن (Geomancien). واما الاهتداء بالكواكب فهو ناتج عن دراسات كهنة بابل وهي دينية محضة وذلك لان النجوم كانت مؤلهة .

اشترك في نشرتنا البريدية