جاء العدد 37 من " الأخلاء " حاملا بين ضفتية مجموعة شعرية ذات حجم متوسط في 128 صفحة تحمل عنوانا ذا دلالات عميقة : " . . واجهش بالغضب ! " للشاعر الصادق شرف .
متصفح الديوان يجد نفسه لاول وهلة مع رسم معين يزين الغلاف للفنان الفلسطيني نايف هشلمون ... انها صورة التحدى والاصرار على الوفاء بالعهد مهما كانت المتناقضات فلا بد من المشي في الدروب حتى تتحقق الآمال... ومن الجرح يعلو الصوت مبشرا وناقما وغاضبا .. لعلني لا أبالغ ان قلت : رسم الغلاف يوحى بقصائد الصادق شرف التى تتمشى فى ذلك الاتجاه وإن اختلفت النظرة فى الفكرة والمضمون والاسلوب الفني ...
من البداية لابد لي من الاعتراف بأن أبا وجدان الصادق شرف قد أسس - من وجهة نظري الخاصة -عالمه الشعرى واضحي يتميز عن غيره من الشعراء باسلوبه وتبرز خصوصيته الى جانب الشكل فى طريقة تفجير المتضامين والقاموس
اللغوي واستعمال ما يحتاجه العمل الفني من بديع الالفاظ والصور الشعرية والرائعة . . وان كنت لا أخفى تساؤلى عن سبب هذا التغريب والتجريب والتشبث - في أغلب ما يكتب - بالرمزية . . .
لعلني _ قد لا اتجاوز واقع تجربته الشعرية - حين يحلو لي أن اسمى الصادق شرف : شاعر التلاعب بالالفاظ . !! وتعال - اخي الفارىء - نتحسس بعض القضايا التى تعرض لها الشاعر فأثرت فيه ليبطلق غاضبا .. فالواقع متردد ولا شئ يلهم . . سوى المواجه و الفواجع :
ولان دنيانا قد امتلأت ذئابا ونريد نغلبهم .. اذن لم يبق إلا ان نصير لهم كلابا .. صرنا ولم نغلب . . اذن نحن الغلابي 1
ثم يردف فيقول : سمحا .. وكل هزائم اني مسامح 2 هكذا يعري الصادق شرف فضيلة التسامح التي تحولت رذيلة لانها جرت علينا الخيبة والخزى والعار :
اني ارى حقدا يمجزني وتاريخي مع الاحقاد يحلم بالتصالح .. اني ارى غدرا يمديحني وكل الغادرين يشوقهم انى اصير بلا ملامح . . . . 3
وهنا تبدأ الاشكالية / المهزلة / الجرح : ساقولها : أنا لست من عرب ولكنى انا نفس العرب ؟ (4) ويلتقى الصادق شرف بالتراث العربى ويقوم باسقاطه على ما يجرى فى الساحة :
ما قبحته دمامة فى وجههه لكنه من راسه العربى يسخر ما يزال ابو دلامه !... فيراه : إن لبس العمامة كان قردا وخنزيرا اذا نزع العمامه (5)
وتحتد ثورة الشاعر ويصرخ من نفس القصيد فى وجه الانسانية قاطبة : يا العالم المتحضر - المتوحش الانسان حر أم عبد ؟.. 6 ويقول غاضبا : يقولون : " للظلم صولة ساعه .. وللحق عند العروبة صولات بأس.. ولكن بدور الاذاعة (7)
إن الصادق يفضح ما تبقى من أذيال المأساة التى أنشبت أظفارها فينا نحن عرب هذا الزمان فحتى صراخنا لا يتجاوز الصدى والشجاعة ما زالت بالبرقيات والتنديد داخل دور الاذاعة ...
الغضب : آخر المطاف تلك لغة الشاعر اتحلم ايها الفدائى المكول فى صبرا وشاتيلا ؟ ! ام ما بيدك حيلة ؟ فلتغضب اذن ..! . الغضب الذي لا بد منه فى عتمة الوجود ما دام ايمان الصادق واضحا كالشمس :
هم العاشقون اذا اتحدوا بمعاني العباده يقولون للموت : - أقبل فنحن نيام وحضن الحبيبة منا وساده (8)
والصادق شرف في قصيدة لعب الخريفة فى حوافر خيل سالم يتمثل الحكاية الشعبية لنلتقي بها علي الورق وقد ألبسها أبهى رداء وزينها بما يطيب وجوهر الالفاظ لتقوم فى النهاية بالاسقاط على مجريات أخرى ... الدغباجي ، سالم ، أبناء هلال ، جلد الثور ، الخريقه ، يتكتك ... إنه عالم شعبى أبي الشاعر الا أن يعانقه ويستلهم منه ...
؟ الزمن وفي هذا الديوان عودة الى منزل تميم مسقط رأس الشاعر الذى غناها تعلقه الشديد بها برغم طول البعد والمسافات الفاصلة بعد خروجه منها حاملا على كاهله الأخلاء يمشى بها على أتعابه الى تونس ولا يعود الى منزل تميم الا مع رحيل الفنان يوسف التميمي بمرثية يحن فيها لقريته ويرسم ملامح الحب والمرارة ، ومنها قوله :
الله اكبر مات يوسف وانتهى .. والله اكثر الأموات موتا من يعش مقهورا !
أما في قصيدة فى البيت تسعة فقد ابدع فى تصوير لوحة من واقع اجتماعي بطفح بالمرارة ولعل القصيدة تصلح أن تكون أغنية ملتزمة :
في البيت تسعة صبية وتزيد .. فعلى ذراع الام ثم وليد..
وغدا ، سيولد للجحيم جديد .. قل لى : وماذا فوق ذلك تريد!؟
وهكذا فالصادق شرف في ديوانه الجديد وبرغم التلاعب بالالفاظ وحرصه على اشتقاق اللغة فالكلمة تولد أخرى وبرغم أردية التجريب و التغريب و أقنعة الرمز يبدو الشاعر ناقما غاضبا كما يدل عنوان المجموعة فالمعاناة تضخمت من حوله وتشعبت .
إنه الغضب المقدس .. الذي يوحى .. الذى يصنع .. الذي يحتج .. الذي يعارض ... أقول : طرح الشاعر مضامين واقعية أثرت فيه فلم يستسلم كبعضهم ولم بقف يتفرج . إنه يرفع صوته الواعد غاضبا . وكأنه مبشر ونذير في نفس الوقت ...
وإن كان متلاعبا فى كتابة الكلمات باستعمال لها غير واضح فهو بذلك كما قلت سابقا : قد أسس مملكته الشعرية الخاصة به وابدع أسلوبه الفني .. الذي لا يتعدد .. وهو اذن كما قال د . محمد صالح الجابري : زكي نفسه بنفسه من خلال انتاجه الغزير ص 3
