فهمنا للذاتية عند اقبال يتوقف تماما على معرفتنا لطبيعة المجتمع الهندى الاسلامى وما تسرب اليه من مؤثرات تنبع من صميم الحضارة الهندية القديمة ومن ارتباط اسلام الهند باسلام الفرس ثم هى متوقفة ايضا على ضبط ملامح التصوف الاسلامى فى ضوء التطورات التاريخية التى مر بها المجمتع الاسلامى لندرك فى ضوء مقارنة صحيحة طرافة المنزع وأصالة الوجهة اللتين يتميز بهما التصوف عند اقبال ، ويزيد من تأكد وجهتى الى هذا النهج انعدام صلة القارىء العربى بالثقافة الفارسية الهندية وعدم معرفته للغة الفارسية التى تعتبر بحق لسان الثقافة الاسلامية فى شبه القارة الهندية .
لم يكن الفتح العربى للاراضى الهندية اواخر القرن الاول الهجرى الا غزوة محدودة انحسرت فى منطقة السند ، وانكفأ مدها عن بقية المناطق الهندية الاخرى ، ذلك ان العرب لم يكونوا مهيئين لهذا الفتح بحكم انشغالهم بشؤون الامبراطورية الممتدة التى تشعبت مشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمذهبية سواء أكان ذلك فى ظل الامويين او فى ظل العباسيين كما انهم لم يكونوا قادرين بعد هذا التوسع على الاستيلاء على شبه القارة الهندية لسعتها ولجهلهم بطبيعة المجتمع الهندى من من مناحيه المختلفة المعقدة
ويخطئ من يعتقد ان تصدع الخلافة العباسية أدى الى الذبول وتقلص الفعاليات الاسلامية وبعثرة الجهود فيما لا يجدى ، فان العكس فى نظرى هو الصحيح ، ذلك أن هذا الانخرام الذي أصاب العباسية بتفكك الامبراطورية الاسلامية الى دويلات مستقلة او شبه مستقلة هنا وهناك أدى الى نهضات علمية بارعة وتحقيق مكاسب حربية وسواها أنجزتها هذه الدويلات التى كانت تتخذ من كل ذلك الهالة التى يسبح فيها استقلالها القومى ، لسنا نريد ان نبحث هذه النقطة هنا وانما قصدنا الاشارة اليها لندرك سر فتح الدولة الغزنوية لشبه القارة الهندية فى القرن الخامس ، فبالرغم من اعتراف الغزنويين السنيين للخلافة العباسية بالسلطة الروحية فان شبحها لم يكن بالنسبة لهم الا طيفا ترامته الاحداث فبددته تبديدا ، لذلك جدت الغزنوية فى الفتح وتركيز راية الاسلام فى ربوع الهند ، وقد ساعدها على ذلك تخلصها من مشاكل الخلافة وقوتها وتعرفها على طبيعة الاراضى الهندية ، وكان العقدان الاولان للقرن الخامس بالنسبة لحركة الفتح هذه فترة مشرقة
مليئة بالظفر واليقظة ونشر الاسلام ، ومرة بعد أخرى يتسع الفتح وتمتد ظلاله ، ان صنيع الفرس هذا يذكرنا بصنيع البربر فى الاندلس فكما فتح هؤلاء الاندلس فتح اولئك شبه القارة الهندية بالرغم من النزعات القومية والسياسية التى كانت تفتعل فيهم وتحركهم الى التخلص من السيطرة السياسية التى انحرفت عن السمت الاسلامى فى كثير من الاحيان ، ومن الطبيعي أن ينساح الفرس في الاراضى الهندية لا بأسلحتهم وايمانهم فقط بل بتراثهم الحضارى ونظرتهم الى الحياة ايضا ، لذلك نجد اثر فارس الثقافى والحضارى عموما ماثلا فى حياة الهند حتى اليوم ، لقد أصبحت اللغة الفارسية منذ الفتح لغة الثقافة ولم يتقلص ظلها حتى بعد ان انفصلت الهند سياسيا عن فارس ، وهى ليومنا هذا اللغة المثلى لمثقفى باكستان ، والذى يتتبع هذا الاثر يدرك الى اى مدى أثرت اللغة الفارسية بخيالها وصوفيتها شفافيتها فى وجدان الهنود المسلمين وحضارتهم وكان منطلقها الى هذا التأثير بعرامة وبصورة واضحة لمن يقصد الى التحديد اتخاذ الغزنويين -
بعد ان أديل منهم بافغانستان - مدينة لاهور الهندية عاصمة لهم ، المدينة التى عطرها الشعر الفارسى وجنح بها الخيال وافعمها ادباء ايران فى البلاط الغزنوى صورا رقراقة وأدبا موصولا ورؤى ممتدة ، وصوفية ممعنة حالمة فى الارض او فى السماء ، ومعبرهم الى ذلك اللغة الفارسية التى قال عنها Arberry " انها أعذب لغة فى الشرق " ، ولم يكن هذا السلطان اللغوى بمقتصر على " لاهور " بل انه غمر منذ ذلك الوقت أرجاء الهند الاسلامية وما صاقبها ، والذى ينبغى ان يلاحظ فى هذا الصدد ان هذه اللغة فى تأثيرها على الوجدان الهندى كانت موزعة تقريبا بين غنائية حالمة
تنشد المتاع وصوفية هائمة ظامئة تبحث عن المطلق ، ومما زاد فى تعميق هذا المنحى الصوفى فرار المتصوفة الفرس الى بلاد الهند حين سيطرت الدولة الصفوية فى القرن العاشر ( 907 ) ه على ايران بشيعيتها وتعصبها على الصوفية واهل السنة ، فوجد المتصوفة فى الهند الملجأ الامين والموطن الخصب الذي رعى الزهد والذهول والتصوف منذ القدم فى ظل البوذية والبرهمية وفى ظل الفرس الفاتحين فتلاقت هذه السيول لتغرق الهند الاسلامية فى بحور من التصوف والفناء . وبين العهد الصفوى فى فارس وهو عهد الدولة المغولية بالهند والقرن التاسع عشر يرين التحجر والذهول والجهل على العالم الاسلامى شرقا وغربا فتنسد المسارب وتنعم الرؤية الواضحة وتطغى ظاهرة التصوف لتتهاوى الافئدة والقلوب فى أتون من الوهم والخرافة والسلبية ، كان ذلك فى الوقت الذى اخذت فيه اروبا بأسباب النهضة وتاقت فيه الى نشر نفوذها فاتسعت الهوة بين الجانبين يقظة ونهضة فى اروبا وتأخر وجمود فى البلاد الاسلامية .
وان تكن قد ظهرت نزعة الاصلاح الدينى فى المنتصف الثانى للقرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب ( 1703-1791 ) فى ثورته على المظهر
الديني الذي الفه المسلمون فان هبوب الضمير الاسلامى من غفوته للاخذ بأسباب الحضارة الغربية على أرضية اسلامية حق بمناى عن الزيف والذهول لم يحدث الا فى القرن التاسع عشر فان الاحتكاك الذي وقع فيه بين الشرق والغرب هو الذى مكن للارض الاسلامية ان تتفجر عن طاقة اصلاحية مثلها رائد المصلحين ( سيد احمد خان الهندى ) ( 1817-1898 ) ومن بعد جمال الدين الافغانى ( 1838-1896) ومحمد عبده (1845-1905) و من نهج نهجهما ، ومحمد اقبال ( 1873-1938 )الذى نخصه بالحديث .
اننا برسم هذا الاطار التاريخى لاسلام الهند وانطباعه باسلام الفرس وما كان يمور فى المجتمع الاسلامى من تيارات واوضاع نكون قد حددنا الخطى لفهم محمد اقبال والذاتية فى شعره وفى سلوكه جميعا . واذا ما هى حقيقة هذا النهج الاصلاحى الذى نسميه بالذاتية ؟
تمثل محمد اقبال حضارة الاسلام والتاريخ الاسلامى وأدرك الهوة التى تفصل بين العقلية الاسلامية النيرة فى قرونها الاولى ، والجمود الفكرى الذى اناخ على القوم منذ سقوط بغداد تقريبا ، وقد استجاب اقبال لنشأته وللتأثرات التى سقطت اليه من بيئته ، تلك التى قامت أساسا على الذهول والتصوف السلبى من رافدين قويين : الديانتان البرهمية والبوذية ، والطابع الروحى لشعراء الفرس الفاتحين الذين استوعب تراثهم زهد المانوية الممعن الا ان هذه الاستجابة المبدئية قد استحالت فى آخر الامر نظرا ليقظته وتأثره بالمذاهب الاصلاحية وبخاصه مذهب ( سيد احمد خان ) الهندى الى ثورة على التصوف بمفهومه التقليدى واعطائه طابعا تجديديا هادفا ، ومن هنا كانت ثورته على ما بسمية بالتصوف العجمى وهو الذى يقوم على الذهول والفناء وتدمير الذات
بغية الوصول الى الاتحاد بالله ؟ ولقد ارتبط كل المتصوفة المسلمين على اختلاف لغاتهم - عدا جلال الدين الرومى - بهذا المفهوم السلبى الذي ينزع الى التحليق فى الخيال والعزوف عن الحياة مما نجد اثره واضحا لا فى حياتهم فحسب بل فى حياة المجتمع الاسلامى عبر قرون طويلة ايضا حتى لقد اصبح بينهم اسلوبا حياتيا لا يكاد يأتيه الخلاف ، ونحن إذا ما جردنا هذا التصوف عن أدبه الغض وشعره الرقيق الذى نعتبره بحق قمة الادب الاسلامى من حيث الشفافية والطلاوة وجمال التصوير فاننا لا نصادف فيه بعد ذلك الا سلبية ضالة وعزوفا عن الحياة وأسباب الحياة ، وانا لنميل الى أن مرد هذه السلبية تعقد المشاكل فى المجتمع الاسلامى وعجز المسلمين عن مواجهتها وحلها فاندفعوا الى الضياع وطلب الفناء وترك الحياة إلى ذويها ،
أدرك محمد اقبال سلبية هذا التصوف العجمى وهجنه في شخص ( حافظ الشيرازى ) الذي يسميه الصوفية ( لسان الغيب ) و ( ترجمان الاسرار ) ، ويعتبرونه قمة من قممهم هام بها الوجد والفناء والنزوع الى المطلق ، يقول اقبال فى ديوانه ( اسرار خودى : اسرار الذاتية ) " احذر حافظا اسير الصهباء فان فى كأسه سم الفناء . ليس فى سوقه الا المدامة ، ذلكم فقيه ملة المدمنين
وامام أمة المساكين ، شاة علمت الغناء والدلال والفتنة العمياء ، ونغمة عودة حجاب الاذهان فر من كأسه فان فيها لاهل الفطن خدرا كحشيش أصحاب الحسن الصباح " فالسكر الذى أغرق فيه حافظ حياته والذى ظل دوما معبر الصوفية الى عالمهم يثور عليه اقبال ويكشف عن مخاطره ومخاطر خدره على المسلم ويرى ان الاسلام الحق يدعو الى " الصحو " لا الى السكر ليتأتى للمسلمين بناء حياة جادة نامية قوامها اليقظة والرشد ، فلهم في رسول الله ( صلعم ) وفى أبى بكر وعمر الاسوة الحسنة فان صحوهم هو الذى حقق للمسلمين الامجاد ونشر ظلهم فى مشارق الارض ومغاربها . حالة السكر تلك تبدو فى نظر اقبال مناطا لذبول الفكر وتقلص الارادة وتدمير الذات وهو لذلك يمعن فى التنبيه الى مخاطرها والتحقير من القائمين عليها ، والذى يرجع الى غزليات حافظ الشيرازى تلك التى تزخر فنيا بالرقة والجمال يدرك الى اى حد سيطرت حال السكر على قلبه وعقله فتاه شعره فى مسالك الوهم والخيال وجنحت به السلبية الى سوداوية ظلت تنشر حجبها على أنظار الصوفية فى مختلف العصور ، اسمعه يقول ما ترجمته .
لا تؤمل صدق العهد من الدنيا المتقلبة فان هذه العجوز عروس لالف زوج ان عيب الصوفية الاكبر فى نظر اقبال يتمثل فى انهم قطعوا نصف الطريق وتدلوا ، تجردوا عن الشهوات وطهروا انفسهم وتاقوا الى الوصال والاتحاد لكنهم حين وصلوا الى هذا الحد اوقفوا رحلتهم وظلوا يحلمون فلاهم بالمنجزين ما ابتغوا ، ولاهم بالعائدين الى الارض يغتصبون الظفر ويبنون الحياة ،
كان اقبال عمليا قطع معهم نصف الطريق على غير وتيرتهم وعوض ان يتدلى نزل الى الارض من جديد وكله أمل وطموح فى السعى وفى دعوة المسلمين الى العمل والثبات ، ولم يجد من بين متصوفة المسلمين من يطفئ غلته فى هذا الصدد سوى الشاعر الصوفى جلال الدين الرومى الذى يمتاز تصوفه بالقوة والصرامة وخياله بالعرامة والنفاذ ، وسلوكه بالاستقامة والجد ،
فاعترف له بالتتلمذ وأشاد به فيه الفارسيين ( جاويد نامه = الكتاب الخالد ) و ( أسرار خودى : أسرار الذات ) وفى غيرهما من الدواوين - ولئن ارتبط بالرومى وأعجب بنهجه فانه أضاف الى ذلك النهج ايجابية موصولة نفذت به الى فهم طبيعة الرسالة الاسلامية وهدفت الى القضاء على تلك السلبية التى نشرها المتصوفة فاضحت السمت الذى ألفه المسلمون ،
و اذا كان التصوف الهندى القديم والتصوف العجمى يسعيان الى محق " الأنا " أعني " الذات " بتجاوزها وبترك العمل فان تصوف اقبال يهدف الى تركيز " الأنا : الذات " ودعمها بالعمل الجاد والسعى المستمر ، وذلك أمر - يراه شاعرنا المتصوف - من طبيعة الاسلام بل من طبيعة التصوف الاسلامى الذى تبدو أصالته ونجاعته - كما اشرنا - على يد مولانا جلال الدين الرومى صاحب ديوانى ( شمس تبريز ) و ( المثنوى ) ، انهما الدفق الروحى الاسلامي فى عرامته ونفاذه ، والطموح الغلاب الى امتلاك العالم وتسخير الطبيعة بالعمل
والوثوب والتصوير الرقراق الذى يزخر بالجمال وشفافية الخيال والامل الذى يملأ دروب الطامحين اما سبيل الشاعرين المتصوفين الى عالمهما المتلاطم فالعشق الفياض المتجدد الذى يفجر " الأنا " ويؤكد قواها وفعاليتها ، لذلك ترى اقبال يغرق فى عشقه ويتأفف من الوهن والسؤال ويهجن نفى الذات وضعف العزيمة ويدعو الى القوة والاعتداد يقول :
" لا تبغ رزقك من نعمة غيرك ، ولا تستجد ماء ولو من عين الشمس ، واستعن بالله وجاهد الايام ، ولا ترق ماء وجه الملة البيضاء "
ومن الطريف حقا ان نجد فيلسوفنا يمزج في دواوينه التسعة بين الشعر فى رقته وانسيابه والفلسفة فى شمولها وتحديدها دون ان يصيب حقيقة الشعر من حيث هى صورة لا تحليل وتعليل ، وهذا الخفاء الذى يجلل كنه ما نشير اليه قد اوقع وفرة من الشعراء العظام فى مهاوى التمحل واليبس ؛
اما شاعرنا فانه يثير فى ذهنك بريق التحديد لكنه يلتزم الخط الشعرى بالانصراف الى الصورة الفنية والتوشية فى معابرها ، حقا انك حين تقف عند تحديده لنفى الذات تشعر بتلك الهزة التى تبعثها الصورة الشعرية فى الاوصال وتحس بطرافة ضبطه لها فى اطار التاريخ الاسلامى وما يموج به من فعاليات ، فهو يرى ان نفى الذات بدعة خدعت بها الامم المغلوبة الامم الغالبة لتفل من عزيمتها وتحد من نمائها وليسهل عليها بالتالى امر تقويضها من الداخل ، فهذه الاقوام التى انساحت فى الحياة الاسلامية بفعل الجيل الاول من الفاتحين لم يرقها ان تنفصل عن تراثها القديم واحساسها بامجادها التالدة الضائعة ، فواجهت الفاتحين مواجهة مرنة فى كثير من الاحيان ظاهرها الاسلام وباطنها الردة ، واتسع هذا المدى فشمل كل مجالات العمل الاسلامى لكنه لم يؤثر عليها كتاثيره على نفسية الفاتحين من تلك الوجهة ،
اذ اورثها الضعف والوهن وتدمير الذات ، هذا ما يراه اقبال لكنه يصوغه فى ثوب قصصى شعرى شفاف يضع ايدينا فى يسر على سر الروعة التى تتميز بها اشعاره - وقد الح غير ما مرة على تربية الذات بالطاعة وضبط النفس والنيابة الالهية لتزكو وتتاكد صلتها بالارض والسماء ، ويتفجر عنها عمل موصول لا يعرف الكلال - يقول فى ( رموز بى خودى : رموز نفى الذات ) التى نظمها بالفارسية " ان فكر الانسان يسبح فى العالم ليسخر قواه ويتصرف فيه فنون التصرف ، فاركب الهواء واصدع الجبال واستخرج اللؤلؤ من البحار "
وعبر تشخيص شعرى بارع يؤكد هذا المعنى . " ان القطرة التى تدرك نفسها ، تنقلب فى عروق الكرم خمرا وعلى اوراق الورد ندى وفى قاع البحر درا "
ولا يفتأ الشاعر ينساب مع الطبيعة وفتونها ينهل منها ويلون بها شعره ليؤكد روعة ما يدعو اليه ويحض المسلم على الاهتداء به ؛ وفي اقتفائك له ولذاتيته الخالدة يغمر العطر انفك وقلبك وتتتالى امامك مشاهد حدائق الهند
كما صورها الشعر الفارسى الوسيط ورياض ايران الغناء . ان اعتداده بتجربته الصوفية وبطرافة ما كشف عنه اشعراه بانه فاقد للنجى اسير للغربة ، ويقول رامزا لنفسه .
" وردة ظهرت فى الروضة قبل غيرها ، فهى تنظر فلا تجد الا نفسها ، فتلتمس نجيا فى صورتها التى يمثلها الماء ، وتقول الوردة ان على صفحاتها رسالة خطها القلم الذى صور هذه الحياة ، وان قلبها فى الماضى وعينها الى اليوم واملها فى الغد ، فهى صلة الازمنة الثلاثة "
احب اقبال الرسول ( صلعم ) حبا لا مزيد عليه كما احب ابابكر وعمر واستلهم من سيرهم واعتبرهم مثلا لذاتيته المتجددة ، وذهب يبحث فى تاريخ الاسلام عن النماذج الحية لفلسفته فاشاد بالفاتحين الاولين وبعظماء الاسلام على اختلاف العصور ، فعندما حل بميسور زار قبر السلطان حيدر على وقبر اينه المجاهد ( تيبو ) الذي كافح الانكليز فى اواخر القرن الثامن عشر كفاحا لم يثنه الا الموت ، وحين ذهب الى غزنة بافغانستان وقف على قبر الفاتح العظيم محمود الغزنوى ( بت شكن : محطم الاصنام ) كما زار قبر الشاعر الصوفى ( سنائى ) ، وانك لواجد فى مواطن كثيرة من شعره صدى
لما تركته هذه المواقف فى نفسه . فاعجابه بعظماء الاسلام يؤكد الطابع الايجابى لذاتيته ويكشف عن احساسه اليقظ بروعة النفسية الاسلامية الحق قبل ان يرين عليها الجهل والذهول ويسيطر عليها التصوف الاعجمى ، لهذا عمد الى تحريك الفرد فدعاه الى الارتباط بالجماعة كما عمد الى ايقاظ الجماعة فحضها على العمل الجاد المتوثب ان ايمانه بالذاتية - وهى التى تقوم على العمل والثبات - املى عليه ان يشترك فى حزب الرابطة الاسلامية وان يكون احد اعضائه البارزين ، وقد قوى اشتراكه هذا من ساعد الحزب فى كفاح وفى دعوته الى تقسيم الهند على اسس عرقية ولغوية ودينية ؛ يقول عن القائد المسلم ( محمد على جنه ) " كان لى صديقا واماما وفيلسوفا ، وكان فى احلك الساعات التى مرت بالرابطة الاسلامية راسخا كالصخرة لم يزلزل لحظة واحدة قط " . نفذ اقبال بذاتيته الى قلب الحزب فكان أول من دعا الى تقسيم الهند على اساس دينى وايقظ المسلمين الهنود من غفلتهم وتصدعها بما اوتى من قوة فى النفس وفصاحة فى اللسان ؛ يقول فى احدى رسائله الى القائد محمد على جنه " ان خير وسيلة الى الاسلام فى الهند فى هذه الاحوال ان تقسم البلاد على قواعد جنسية ودينية ولغوية " .
لقد كان ميلاد دولة باكستان الاسلامية سنة 1947 من ابرز نتائج هذه الذاتية التى وضعها محمد اقبال بصفاء نفسه وامتداد ثقافته وهنديته التى اتخذت لها طابعا متميزا ، اذ كان اول داعية لها والمبشر بها والذى حلم بها قبل ان تكون وهما فى خيال الجماهير
رحم الله اقبال رحمة واسعة ، فقد توفى 1938 ولم يشرق بعد صبح الدولة الاسلامية بشبه القارة الهندية .

