الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

الرؤوس والبطون

Share

عقدت العزم على أن أذهب فى الغد باكرا الى عملى فأسرعت الى فراشى وأنا أتذكر كلمات صاحب المعمل وهو يغلق الباب : " يجب أن تحضر غدا باكر لأتحدث معك في أمر يهمك " ، ثم أضاف وهو يبتعد : " اياك أن تتأخر ! ".

واستيقظت فى الصباح ولم تشرق الشمس بعد ، وحاولت القيام من فراشى فتعذر على ذلك ، ورأيت بطني وقد أصبح عظيما جدا بحيث لا استطيع أن أخطو خطوتين.

شعرت بدوار حاد يمزق رأسى واستولى على أعضائى كسل جعل حركاتي تفتر شيئا فشيئا ، وأنا أرى النافذة من خلف بطني ، تبدو صغيرة ، لا يظهر إلا أعلاها . ولم تقف المشكلة عند هذا الحد ، فرأسي أيضا قد أصبح صغيرا لا تمسكه الأيدى . وفكرت أننى لا بد هالك ولكن ابتسامات الطبيب كانت نخفف شيئا من قلقى ، وعدت انظر الى النافذة من جديد وقد بدأ يختفي أعلاها .

جلس الطبيب هادئا ، لا ينبس بكلمة فغلبني القلق وزادني صمته الحائر شعورا بالخوف ، وفجأة تغيرت ملامحه وقال لى شبه مذعور :

- ماذا أكلت في الليلة الماضية ؟ - ما أكله الناس قبلى منذ سنين ! لحم الدجاج ورغيفين من الخبز. وسكت ثم قلت له :

- هل فى ذلك ما يدعو الى الخوف ؟ اننى لا أشعر بأي ألم! وكان الدوار قد هدأ ولو الى حين. - وهل شربت الشئ الكافى من الخمر ؟ - أنا أؤمن بالله ، ولم أذق في حياتي خمرا ، ولكنني شربت . . آه! لقد شربت قدحا من الشاى وقدحين من الماء .

فتمتم بين أسنانه : - قدحان ورغيفان! . . . ولكن كم ساعة نمت ومتى شرعت فى النوم ؟ ورأيت أن هذا السؤال لا يمكن أن يصدر إلا عن مجنون فأنا قضيت نصف عمرى فى النوم .

- نمت عشر ساعات . كانت الساعة تشير الى التاسعة عندما وضعت رأسى على الوسادة !

- أمر محبر ! رغيفان وقدحان أو قدحان ورغيفان ، وعشر ساعات من النوم ٠٠٠ آه ! هل كان نومك هادئا عميقا ؟

- هادئا عميقا ! - وعشر ساعات من النوم الهادي العميق . وفهمت من كلامه انه لا يتحدث الا عن الماء والخبز فقلت وكأني تفكرت شيئا مهما :

ولحم الدجاج وقدح الشاى ؟ عاد الطبيب يجلس بجانبي فى صمت عميق ، وبعد أن فحص بطني قال لي :

- انه مرض معد ! وكدت أصيح : " لعله الموت هو الذي فعل بي هذا كله!" ولكنه مضي يقول :

- لا تقرب زوجتك منذ اليوم ، فقد يرث أبناؤك هذا المرض . إيه ! من أين اشتريت الخبز ؟ - أى خبز تعنى ؟ - الخبز الذي أكلته فى الليلة الماضية . - لم أشتر شيئا . لقد استدعاني صاحب المعمل ! - لقد سممه!! كان الطبيب يهذى ، فكم كنت أتمنى أن يصبح لي بطن عظيم أدفع به المارة إذا سرت في الشارع كما يفعل كل الاغنياء ، ولأى ذنب سمم مضيفي الخبز وقد أكل منه هو ؟

وبعد أن أمرني الطبيب أن أجلس وقف ليترك مكانه لان السرير لا يتسع له . ثم قال وهو يجس بطنه بيده اليسرى فى حين وضع اليمني على رأسه:

- نحن نحب الأرض ولاحظت أن ليس فى هذه الكلمات ما يدعو الى التساؤل فقلت : - نحن نفكر فى الارض . قال : - اذا رأيت رجلا عظيم البطن ، فاعلم أن في بطنه رجلا آخر .

وضحك ضحكة عريضة ثم اخبرنى أنه زار الاتحاد السوفياتى فى أواخر الحرب العالمية الثانية وكان الناس يذهبون اليه لاجراء عمليات جراحية على بطونهم الكبيرة ، وما كاد الطبيب يتم كلماته حتى شد يده على بطنه ، ثم وجد نفسه مضطرا الى أن يجلس بجانبي .

كانت زوجتى تصيح بأعلى صوتها ، فحضر الجيران وتدافعوا وراء النافذة ينظرون الينا وقال أحدهم :

- سنضعهما فى حديقة البشر ؟ - بل في حديقة الحيوان . - ما أعظم بطنيهما . - لقد أكلا رجلين . وتذكرت كلام الطبيب فضحكت ولكنه اصر على عدم الضحك: - ما قولك لو تركنا الطعام والشراب لمدة شهر ؟ - ان " أجسامنا " فى حاجة الى مواد كثيرة فى اليوم . وعمدت الى رأسي أغطيه ثم قلت فى أذن الطبيب : - رغيفان من الخبز وقدحان من الماء . - وصاحب المعمل - ولحم الدجاج والشاى . وصاح أحد المتفرجين : - لقد كان صاحب المعمل يريد أن يزيده فى راتبه لأنه ينوى أن يزوجه من ابنته . فقال الطبيب هامسا : - هل فكرت في قتل زوجتك ؟ فقلت وكأني لم أسمعه : - يجب أن نفعل أى شئ .

كأن نخرج . - كأن نغلق النوافذ والأبواب .

وكنا نتهيأ للقيام عندما دفع المتفرجون الابواب فكسروها ، وهشموا النوافذ فسقط الزجاج على " بطني " وأحدث بها جروحا عميقة . وامتلأت الغرفة بالناس هذا يجس بطن الطبيب ، والآخر يفحص رأسه ، وذاك يصف له الدواء ، والبعض الآخر يتمنى له الشفاء العاجل ولم تقف العدوى عند حد.وامتلأت الغرفة بالبطون وأصبح الناس يتدافعون للخروج وهم يتقيأون.

سمع والى المدينة بهذا الأمر فأمر ببعث جماعة من رجاله ليهدموا المنزل ويخرجونا منه سالمين . لم يكن أحد ليستستطيع الخروج فكان سجننا محكما بحيث لا تقدر أن تمد يدك لتدفع عنك رجلا نام وهو واقف ، حتى فى تلك اللحظة كنت لا أزال جادا في استشارة الطبيب فأفهمته أن المسألة مسألة موت أو حياة :

- لعل عشر ساعات من النوم الهادي العميق كانت سبب ذلك ؟ - لا أدرى ! - ولعل قلة النوم جرت علينا هذه العاقبة الوخيمة ؟ - لا أدرى ! - ولعلك أكلت رغيفين من الخبز وشربت قدحين من الماء ؟ - لا أدرى ! - لا تدرى ؟

اجتمع مجلس العلماء للنظر فى هذه الكارثة الاجتماعية فلم يكن أحد ليفكر يوما فى أن تكبر بطوننا وتصغر رؤوسنا :

- لا بد أن الأكسجين بدأ ينسحب تدريجيا من الارض ! - أو لعل الشمس بعدت عن الارض على غير عادتها ؟ - ليس هذا مستبعدا ، ولكنى أرى رأيا آخر ، فلعل جماعة من كوكب اخر حضروا الى كوكبنا ليلا وسممونا ؟

وانتهى الامر بالمجلس الى فوضى فتفرقوا على أن يعودوا فى المساء . هكذا حدثني أحد العلماء بعد هذه الكارثة عندما وجدته فى بيته منكبا على صنع بطن عظيم بمعدته وأمعائه :

- حتى نستطيع أن نتجنب مثل هذا المرض فى المستقبل .

وصاح امام المدينة عندما كان مارا وقد رأي اكتظاظ الناس فى منزلى بطونهم تسبق أيديهم :

- لقد أكلتم أموال اليتامى ، وسرقتم أموال بعضكم ! يا لها من عاقبة عادلة : تقيأوا حتى يخرج من أمعائكم ما جد الآخرون فى كسبه . .

ولم ينته من كلامه حتى عظم بطنه وصغر رأسه . قدم رجال بأمر من الوالي وشرعوا فى تهديم المنزل . ترى من كان يظن أن منزلي ستأتى عليه يد الخراب رغم ما أنفقت من أموال فى بنائه ؟

وتخيلت جثة زوجتى وهى تتدلى من السقف . آه صدق الطبيب لقد فكرت فى قتلها لأتزوج من ابنة صاحب المعمل .

وكانت البطون قد ملأت الغرفة حتى أصبحت تمس السقوف . وقال الطبيب غاضبا :

- لو لم أكن على هذه الحالة لقتلت الامام ! ودوت أركان المنزل تحت ضربات الفأس وما انتهى العمال حتى عظمت بطونهم وصغرت رؤوسهم .

وانتشر هذا المرض المعدى فى كامل المدينة ، وقلت للطبيب ونحن نمشى ببطء ، فوق أنقاض المنزل :

- هل كان الامام صادقا فيما يقول ؟ - لو كان كذلك لما عظم بطنه ، فهو ايضا يحب الارض . - قدحان من الماء ورغيفان من الخبز ! وضحك الطبيب وهو يحاول أن يجذب سرواله الى أعلى فقد أصبح ضيقا. وقال :

- ستنشط معامل النسيج فى هذه الايام . - وتتغير السراويل . هذا ما تقصد ؟ - والطرابيش .

ووضعت يدى على رأسى ، لقد كانت قبعتى فضفاضة يموج فى نصفها رأسى والباقى يغطى عينى . اجتمع مجلس العلماء فى المساء وكانت بطونهم عظيمة جدا بحيث امتلأ المجلس :

- لعل هذا هو التطور الذى طرأ عبر التاريخ على الانسان منذ أن كان حيوانا !

- لقد كان داروين صادقا فيما زعم ! - هذا هو المجتمع الجديد ! هذا هو التطور ! وصاح الامام في ذلك المساء وقد التفت حوله جموع من الناس : - هذه رحمة من ربنا ! وصاح الناس : - هذه معجزة من الله !

انتشر خير مزعح في المدينة وهو أن الوالي لم يصب بشئ مما أصاب الناس فاجتمعوا حول منزله يطالبون برؤيته : - يجب أن نطمره تحت أنقاض منزله ! - خير من ذلك أن نصلبه ! - لقد فقد خاصية البشر ! - وفقد العدالة ! - والحرية ! - هذا هو المجتمع الجديد ! - ومن لم يكن مثلنا نهدر دمه ! - ونقطع رأسه ! - ونجره فى الطرقات ! - ليرى العدالة ! - والحرية ! - والنظام ! - والديمقراطية ! وثار غضب الجمهور فشرعوا يهدمون منزله : - بناه من أموال اليتامى ! - من أموال الشعب ! وكان صاحب الصوت الاول هو الامام . وأخرج الوالى من منزله وهو يجر الحديد صائحا :

- أين عدالتى ؟ فيجيبة صوت من الجمهور : - تلك التى نقضى عليك بها ! - أين الحرية التى وهبتها لكم ؟ - هذه التى نكبلك بها !

- أين النظام الذي سهرت على أن يسود فى البلاد؟ - هذا الذى به عليك نسهر! كاد الجمهور يتفرج أول الامر واختلف بعضهم فى الحكم الصارم على القاضى .

- أولى به أن يصلب . - أن تأكل النار أعضاءه . - ونسهر عليه بالفوضى . - ونكبله بالحرية . - ونقضي عليه بالعدالة . - ما هذا الظلم يا بشر ؟ أجدير بالعدالة أن تصلب وتكبل الحرية ؟ - وينعدم القانون ؟ وكان صاحب الصوت هو صاحب المعمل ، وعندما رآنى اقترب منى وهمس فى أذني :

- سأزوجك من ابنتى ! - وسأقتل زوجتى ! - وستعيشان سعيدين ! - فى ظل العدالة ! - والحرية ! - والنظام ! وكان الطبيب يضحك فرحا بعظمة بطنه وصغر رأسه ، فالتفت اليه وقلت : - رغيفان من الخبز ! - وقدحان من الماء ! - ولحم الدجاج اللذيذ ! - وقدح من الشاى الليبى ! - وزوجان سعيدان ! - ووال يصلب ! - وطبيب عظيم البطن ! فضحك وهو يربت على بطنه : - هذه علامة الثراء والجاه ! - وهل نسيت " لا أدرى " ؟ - من سيبنى لك منزلا آخر ؟ - الوالي الجديد !

- وتشترى سروالا فضفاضا ! - وانام عشر ساعات ! - نوما هادئا عميقا ويزيد صاحب المعمل فى راتبك ! اعد أهل المدينة عمودا عاليا ووضعوا حبلا يتدلى من أعلاه كانوا قد شدوا به رجلى الوالى . وكان يتدلى وهو يقول :

- لتغضب عليكم الارض ! فيجيب الجمهور : - وتلعنك السماء ! - أنتم مجانين ! - أنت هو المجنون ! ولفظ الوالي أنفاسه الأخيرة ، عند ذلك بدأت بطون القوم تصغر ورؤوسهم تكبر الى أن عادت الى حالتها الطبيعية ونظر الناس بعضهم الى بعض ودب الذعر فى نفوسهم :

- أين المجتمع الجديد ؟ من قال هذا ؟ انه مجرم ! - كذب داروين ! وجن القوم واختلطت أصواتهم : - لقد ماتت العدالة ! - وانعدمت الحرية ! - وآمحي النظام ! وهمست فى أذن الطبيب: - قدحان من الماء ! - ورغيفان من الخبز ! - وقدح من الشاى الليبى ! - ولحم الدجاج اللذيذ ! - ورؤوس صغرت وكبرت ! - وبطون كبرت وصغرت ! - وزوجان شقيان ! - ومنزل مهدم فابحث الآن عن منزل يأويك ! وسرنا معا قليلا ، وسألني عما إذا كان الامام لا يزال فى المدينة : " لا بد من قتله " . وأخيرا قال لى وهو يغادرنى :

لابد أن صاحب المعمل قد غير رأيه خاصة عندما سمع بأن منزلك قد تحول إلى انقاض .

اشترك في نشرتنا البريدية