الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

الرحلة إلى بني سليم, قرطة حصاة :, وادي وبح مرة أخرى :

Share

في الساعة الثامنة ليلا بالتوقيت العربي الغروبى المحلى لجدة من ليلة الخميس الموافقة ٢٠ ه ربيع الثانى ١٣٩٠ه نهضت من فراشى، وفي وقتها قدم الاخ عبيد السلمى وصار يدق جرس الباب. كان يحسبنى نائما مع النائمين وما درى اني صحوت قبل ذلك بساعة أنتظر قدومه . . وكنا ملأنا وعاء النفط بالسيارة بالنفط ، وملأنا وعاء الماء بالماء ، وتفقد السائق سعيد جبريل مكنتها .. فوجد كل شئ على ما يرام بعدما جددنا لها الزيت .. وقد وضعت في حقيبة اليد الكبيرة بعض ملابس لى ، وبعض لوازم السفر من عقاقير طبية اسعافية كالمكر كروم والاسبيرو وما أشبه .. وجاء زهير بحقيبة ملابسه الصغيرة .. وملأت ثلاجة الماء بالماء والثلج وحزمت فراشين لى ولزهير ، ووضعنا حقيبتي الملابس في مؤخرة السيارة بجانب الثلاجة ، وزاد الطريق ، وأخذت معي بعض كتب للمطالعة .. ووضع السائق بقية الافرشة المربوطة فوق شبك السيارة وربطها بحبل شامي قوي .. لئلا تسقط أو تزل قدمها في بعض المطبات المرتقبة في الطريق ..

ثم ذهبنا الى منزل عبد القادر طاهر بأوائل الحي الذى نقيم به بضاحية مدينة

جدة الشمالية الحديثة الانشاء المعروفة باسم ( مشرفة ) - بضم الميم وسكون الشين وكسر الراء المهملة بعدها فاء فوقية موحدة فتاء مربوطة - فلما استيقظ وصلى الصباح نقل الى السيارة ما لديه من فراش وزاد وماء في ثلاجة وفي برادات كبيرة ، عندئذ اتجهنا معا حسب الخطة المرسومة الى منزل سعد صبر بفندق الجزيرة بداخل مدينة جدة قريبا من ساحل البحر الاحمر ، وقد صعد اليه عبد القادر طاهر لأنه يعرف الشقة التى ينزل بها من هذا الفندق في أدواره العالية .. ثم عاد الينا وأخبرنا بعدم وجوده في الشقة .. فأخذتنا الحيرة بعض الشئ . . ولكن سرعان ما أنقذنا عبد القادر طاهر من هذه الحيرة ، فقد أنبأنا بأن لسعد صبر ، متجرا في باب شريف، ربما يكون قد بكر اليه ، فاتجهنا الى باب شريف ، وقد وجدنا المتجر مغلقا فزادت حيرتنا من أمر صاحبنا ، فرأينا بعد اعمال الفكر والمشاورة أن نعود الى منزل عبد القادر طاهر ، فلعل سعدا يكون قد ذهب اليه رأسا ، فلوينا عنان السيارة ، الى المشرفة .. وبعد برهة وجيزة كنا على مشارف مشرفة ، ولما دخلنا الشارع الفرعي الذى فيه دارة عبد القادر لم نر

سعدا أمامها . . ووصلنا الدارة فتوقفنا أمامها وقد ركبتنا الحيرة ، وبدأت المشاورات بيننا : ماذا يحسن أن نعمل بعد اخفاقنا في العثور على سعد .. وما هى الا هنيهة واذا بسيارة أجرة حمراء اللون تأتي من ورائنا على مهل ، وفي داخلها سعد صبر .. وحينما ترجل منها واستيقنا انه هو كانت فرحتنا بلقائه حينئذ بعد يأس من اللقاء - فرحة غامرة .

وبعد أن وضع فراشه في المكان المعد للفراش ووضع ما أحضره معه من الزاد الوفير في المكان المعد لذلك من السيارة ، أضافة على ما كنا وضعنا بعضه في مؤخرة السيارة ، وبعضه فوق شبكها بجانب ما كان عليه من فراش وغيره ..

امتطينا السيارة في نحو الساعة الثانية عشرة والنصف صباحا بالتوقيت الغروبى المحلي لمدينة جدة .. وكنا خمسة في السيارة بخلاف السائق سعيد جبريل : عبد القادر طاهر ، وسعد صبر ، وعبيد السلمي ، وعبدالقدوس الانصارى ، وزهير بن نبيه الانصارى .. الذى سميته خلال هذه الرحلة ( بالرحالة الصغير ) لما تحمل من شظف الرحلة مع صغر سنه ، ثم لما أبداه من نشاط حميد أثناءها ، في ظعن ومقام ، في تدوين رؤوس الاقلام ، وفي أخذ صور لمناظر الرحلة بالمصورة

الخاصة بى ، مما يراه القراء في هذا العدد   ودلفت بنا السيارة الى الامام ، وقد تولى سياقتها السائق سعيد جبريل ، وقد كان طريق المدينة المنورة الذى سلكنا جزءا منه الى الكراع - خاليا من أرتال السيارات المعتادة ، ولم يكن يسير عليه سوى بعض سيارات صغيرة خصوصية كانت تواجهنا فرادى ، وهى خارجة من المقاهى المنتشرة في هذا الجزء من الطريق ، ينام بها بعض من يستحلون النوم في المقاهى اتقاء الحرور أو لقضاء هزيع من الليل في أحاديث متشعبة ، ورشف قهوة عربية واحتساء شاى .. في هذه الضاحية الجميلة المرفرفة النسمات .. الجامعة بين جوي البحر والبر .. البحر الى غربها .. والبر الى شرفها .

وحينما بلغنا مركز الشرطة بالكراع ، وتجاوزناه قليلا الى الشمال ، أشار عبيد السلمي الى السائق بأن ينحرف بالسيارة قليلا عن الطريق المسفلت الى ناحية المشرق . . حيث لا اسفلت . فما رأينا أنفسنا الا ونحن نسير في خبوت مكسوة بالأعشاب والأشجار المختلفة الالوان والاحجام والشكول .. من ثمام ، وسلم ، وطلح ، وعشر ، وغيرها ..

وقد رأينا هنا أن يتوقف سعيد جبريل عن دور السياقة ، وأن يسلم زمامها لعبيد السلمي لأنه أعرف بهذا الطريق المنحرف

الممتد المتعرج في وسط حشد من الخبوت والأودية والجبال الى ديار بني سليم ، كما أفادنا به.

وهذا الطريق ملتو ولا علامات به واضحة ، والسائق الذى يعرف كيف يسير بسيارته هنا صوب هدفه ، لا بد أن يكون خبيرا بالطريق ، ولا بد أن يكون قد سار به مرارا مع آخرين خبراء قبل أن يتحمل وحده مسؤولية السياقة به واجتيازه على هدى وبصيرة . وقديما قال العرب في حكمهم التجريبية في مثل حالتنا اليوم : ( قتل أرضا عالمها ، وقتلت أرض جاهلها ) .

بجانب حرة الشعثاء

سرنا بقيادة عبيد السلمي في هذا الطريق المتشعب ، وكان في سياقته حذرا وطبقا ، يتجنب الوقوع في المطبات العميقة فيخفف من تدفق النفط الى مكنة السيارة فتخف حركتها وتسلم من أذى مطبات هزازة للجسوم وللسيارة،وكان مما لاحظته وأنا جالس بجانبه أنه يتحرى بمنتهى اليقظة في سيره أخف الطرق في المطبات على قدر الامكان ، فيعطف عجلة القيادة ذات اليمين وذات الشمال . . تجنبا لمداخل المطبات الكبيرة والخطيرة . .

وهذا يدل على مهارته في السياقة وخبرته بالطريق ، الذى هو في حقيقته غير ذي معالم مطلقا . .

وقد عرض أمامنا شريط أسود قاتم

مرتفع ومستطيل لا نرى أوله ولا آخره،وهو متساوى الظهر وله ملامح ظهر الثور في استقامة بعضه ونتوء بعضه الآخر ، وقد ذكرنى منظر هذا الشريط الاسود الداكن المرتفع المستطيل الممتد أمامنا من بعيد بحرة (( التهمية )) الممتدة شرقي عين (( البرقة )) احدى مصادر العين العزيزية بجدة . .

وكان امتدادا هذا الشريط القاتم الداكن-الذي هو حرة الشعثاء - يتجه صوب الشمال الغربي ، وقال لنا عبيد : انه يتصل بالخيف الذي هو أحد مصادر مياه العين العزيزية المشار اليها . وحرة التهمية لشبيهة في الشكل واللون والاتجاه بحرة الشعثاء تحيط من جانب بمنطقة أبي حصانى ، وتقع منها بجهة أبى حصانى الشمالية الغربية ، بحيث تكاد تلتصق به (١)

واتجاه الحرتين وامتدادهما معا : (التهمية والشعثاء ) هو من الشرق الى الغرب الشمالى .

وانفرق بين جبل اليمامة ( طريق ) وبين حرتى (النهمية) و (الشعثاء) يتمثل في أن جبل طويق أبيض يلتمع تحت ضوء الشمس .. أما الحرتان المذكورتان فلونهما تحت أشعة

الشمس - نحاسى يميل الى الدكنة والسواد . .

اتجاهات جديدة :

بعد عشر دقائق من السير المطرد ، اتجهنا الى المشرق ، وكانت حرة الشعباء اذ ذاك عن شمالنا ، وبعد برهة كنا ندخل الطرف الشرقي من حرة الشعثاء الذي يخترقه الطريق الذى بدأت معالمه تستبين أمامنا بوضوح. ثم اتجهت بنا السيارة صوب الشمال الشرقي مرة أخرى . وتوغلنا في مداخل حرة الشعثاء ، وعندها شعرنا بقرصات خفيفة من الجوع .

أين نفطر ؟

الساعة الآن واحدة تماما صباحا بالتوقيت الغروبي المحلي لجدة ، ونحن لما نتناول طعام الافطار بعد ، وقد تهامس بعضنا بأن لا بد لنا من التوقف عن السير المطرد الآن،لكي نختار أي مكان صالح لتناول الطعام فنزل به .

وهنا انبرى لنا دليل الرحلة وقائد السارة (عبيد السلمي) وقال : خير لنا الآن أن نمضي في طريقنا حتى نصل الى مقهى ليس بالبعيد عنا ، وفي ذلك المقهى نجد ماء باردا وشايا منعنعا ، وكراسى للجلوس ، ومناضد لوضع الطعام عليها . .

وامتثالا لرأيه استمررنا في المسير ، ونحن

قرطة حصاة : وامتثالا لرأيه استمررنا في المسير، ونحن

نترقب رؤية المقهى الذى حدثنا عنه بين كل لحظة وأخرى .. ولكن الطريق طال ، ولم يظهر للمقهى أثر .. فتذكرنا عندئذ ، الكلمة السيارة على ألسنة البادية والتى تقول : (( بيننا وبين المحل الفلانى قرطة حصاة ))

وذلك اذا ما أرادوا التمويه على الحضر بقرب المحل الذى يزعمون ان بينهم وبينه رمية حصاة، ثم يمضي عليهم بياض النهار كله،أو جله وهم في سفرهم ولم يبلغوا بعد ، المحل .

القرطة والقرطيط :

وبالمناسبة فقد راجعت المصادر اللغوية لعلي أجد أصلا لهذه الكلمة الدارجة في لهجات بادية الحجاز وربما في لهجات غيرهم من البادية أيضا ، فألفيتها تقول : ( القرطيط - بكسر القاف - هو الشئ اليسير ) .. يقال : ما جاء فلان بقرطيطة ، أى بشئ يسير ، وقال ابن دريد : وقد وضعوا فى هذا بيتا هو :

فما جادت لنا سلمى

     بقرطيط  ولا  فوفه

والفوفة : القشرة الرقيقة التى على النواة . . وقبل البيت المذكور آنفا بيت آخر هو :

فأرسلت الى سلمى

    بأن   النفس   مشغوفه

وعلى هذا فــ (( قرطة حصاة )) ربما يكون تأويلها : شئ يسير من المسافة

قريب قرب رمية الحصاة .. وقد نحتت العامية كدأبها فى كثير من الكلمات الفصحى - نحتت كلمة ( قرطيط ) فحذفت الياء والطاء الاخيرة وزادت تاء مربوطة في آخر الكلمة فصارت هكذا : ( قرطة ) - بفتح القاف وسكون الراء المهملة بعدها طاء مفتوحة فتاء مربوطة .

وهذا تقدير قدرته ولم أر أحدا بحث فيه ولا قدره .. وانما سياق الكلام وكون أصل المادة ( قرط ) وطآ لى أكناف هذا التأويل ، وقربا لى شقة هذا التحليل. ولست بجازم جزما مؤكدا انه تحليل أو تأويل صحيح مائة في المائة . . ولكنى مرجح له ومرتض اياه حتى يظهر ما هو خير منه وأولى .

كتاب حياة الصحابة :

و كان عبدالقادر طاهر قد اصطحب معه من داره ، نسخة من كتاب : ( حياة الصحابة ) لمحمد يوسف الكاندهلوى ، وهو كتاب مؤلف عن سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وأخلاق بعض صحابته البررة المقتبسة من سيرته الكريمة ، وفي أثناء سير السيارة بدأ يقرأ لنا منه فصولا مشرقة أدخلت على قلوبنا المسرة والانشراح.

ارتفاع في الطريق :

شعرنا بارتفاع تدريجى أثناء مسيرنا عن سطح

البحر أكثر من ذى قبل،ونحن نجتاز الخبت الذى تحيط به من الشمال ، حرة الشعثاء الطويلة المديدة . وفي الموقع الذي تحيط به جبال أخر من جنوبه وشرقه .

نبات الثمام والرين في كل مكان:

وحينما توغلنا في الوادي الواسع الذى يخترقه الطريق رأينا في كل الجوانب والجهات نبات الثمام ونبات الرين كما سماه لنا عبيد السلمي ، وهو بذاته (شجيرة الترن) - بكسر التاء والراء - التى وصفها لنا بعض أعراب ضواحي جدة ، في الضاحية الشمالية والشرقية منها ، وقد أخذنا بها صورة في كتاب ( تاريخ مدينة جدة )

وراجعنا المعاجم اللغوية فلم نجد فيها لا صيغة ( الرين ) ولا صيغة ( الترن )، وانما وجدنا فيها ( الراء ) وواحدته: (راءة) . . وقالت عنه : انه شجر سهلى ذو ثمر أبيض ، وقيل : انه شجيرة جبلية كأنها عظلمة ولها زهرة بيضاء لينة كأنها القطن ، وقيل : انه شجر أغبر، له ثمر أحمر (٢) .

شجر المرخ والسلم :

وفي الوادى أشجار عديدة من شجر المرخ الذى كان العرب يتخذونه بمثابة الكبريت ، فيوقدون به النار في عملية مبسطة.

وقد وصفته المراجع بأنه شجر سريع الوري. وقد شاهدت اشعال النار بشجر المرخ ،حينما كنت في نزهة مع بعض الاخوان والزملاء في عهد الشباب بالمدينة المنورة ، على بحيرة العاقول وفي طرفها الغربى الموالى للمدينة وكنا قد نسينا أعواد الثقاب ( الكبريت ) في البلد ، وهو بعيد عنا ، وذلك قبل عهد السيارات وقد هيأنا غداءنا للطهو ، فلما بلغت منا الحيرة ذروتها تقدم أحدنا وقال : أنا سأشعل لكم النار بدون كبريت .. وأقبل على شجرة المرخ الكبيرة المائلة أمامنا فكسر منها عودين ، وشق واحدا منهما بواحد ، ثم جاء بخرقة ناشفة بالية ، فوضعها على طرف الشق الذى أحدثه ، وبدأ يحك بقوة وبالعود الآخر ، العود المشقوق ، وما هي الا لحظة حتى تفجر النار في الخرقة فاشتعلت ومن ثم أوقد بها نار الحطب وانضجنا الطعام . .

وبالوادى كذلك رأينا شجيرات من السلم،ونبات حمض كثيرا،وهو مما ترعاه الابل، كما ترعى الشياه الثمام الذى يضرب به العرب المثل فيقولون : ( على طرف الثمام ).    وقد عرف اللغويون الثمام بأنه نبت ضعيف له خوص تسد به خصاص البيوت، وقالوا انه أنواع منها الضعة ، ومنها الغرف، وهو شبه بالأسل ، وتتخذ منه المكانس ،

ويظلل به المزاد فيبرد الماء (٣)

بعد ساعة وعشر دقائق :

كنا بعد ساعة وعشر دقائق،لا نزال نسير في منطقة حرة الشعثاء ، مما يدل على مدى طول هذه الحرة . ووادي حرة الشعثاء ، خضر نضر ، مستدير أفيح ، وقد بدأت الحرة

تقترب منا أو نقترب منها . . هى الآن عن يميننا وشمالنا معا .

وأرض وادي حرة الشعثاء رمل ناعم أصفر وكادت عجلات سيارتنا تغوض في نعومته ، وقد تمكنت بعد زمجرة وزيادة ارسال كمية من النفط الى مكنتها - تمكنت من الانفلات من جاذبيتها بعد لأي .

حدائق الشعثاء :

وللشعثاء حدائق متناثرة أمامنا وعلى يسارنا . وعن يميننا ، وهي زاهية مزدهرة   وتقع بساتين حرة الشعثاء في وادي عسفان الذى يشقه طريق مكة - المدينة المنورة المسفلت .

شجر الاراك :

أشار لنا عبيد السلمى الى غابة صغيرة شديدة النضرة والالتفاف، تعلو كثيبا أصفر مائلا الى البياض مكونا من البطحاء الناعمة المتماسكة،وتقع الى يسارنا ونحن متجهون الى عسفان - المحطة المعروفة في طريق مكة - المدينة . وقال لنا : هذا هو الراك ! وقد ظننت لاول وهلة أنه يعنى شجرا خاصا يعرف بهذا الاسم ، ولكنه بعد أن كرر كلمة ( الراك ) تذكرت أن البادية من دأب لهجاتهم التخفيف من بعض الكلمات العربية الفصحى ، فيحذفون في أول الكلمات الهمزة مثلا ، فيقولون : في ( أعطى ) - ( عطى ) - بفتح العين -

. . وهنا أيضا قد حذفوا همزة ( الاراك ) تخفيفا لها وجريا على سننهم المعهوده . واذن فهذا شجر الاراك الذى تستخرج منه المساويك المعروفة ، بذاته .

وتصف لنا المراجع اللغوية شجر الاراك بأنه (( شجر السواك )) معروف له حمل كحمل العناقيد . ونمره البرير ، والغض منه اسمه : الكباث - بضم الكاف والمدرك منه اسمه : المرد - بضم الميم وسكون الراء المهملة - . وقالوا في تعريفه أيضا : انه شجر من الحمض له عناقيد كالعنب تسمى الكباث ، يستاك بفروعه ،

وجمعه (أرك) -بضمتين-وواحده : اراكة. ويجمع على أرائك . وابل أراكية : ترعى الأراك (٤)

وقيل عن مزاياه : انه نوع من الاشجار الحامضة ، اذا أكلته الجمال حماها من داء الهيام في فصل القيظ الحار ، وذلك لان البعير اذا شرب الماء في الصيف أصيب بالحمى. فاذا أكل الاراك شفي منها .

أفادنا بهذه المزايا للاراك عبيد بن محمد

السلمي ، ونحن نشاهد الاراك في وادي الشعثاء قرب محطة عسفان .

وصف الاراك كما شاهدته :

وعلى ما شاهدت الاراك فانى واصفه الآن، فأقول : انه شجير أخضر ناضر ، ينبت فوق آكام الرمال،وعلى سفوح الجبال، وربما في أعاليها أيضا ، وترى شجيراته منضمة الى بعضها، حتى انها تشكل غابة صغيرة.ويوجد فيها طرق ملتوية تشقها الى أعلى الأكمة ومن ثم تلتف الشجيرات مع بعضها وتغطى الأكمة من كل ناحية .

وشجيرات الاراك من وجه عام تشبه في الصورة العامة شجيرات (( العتم )) وهو الزيتون البري الذي وصفته في (رحلة الباحة) بالعدد الصادر في غرة ربيع الثانى ١٣٩٠ ه - يونيه ( حزيران ) ١٩٧٠ م .. تشبهه في المنظر العام والشكل العام ، وفي الورق ، وتفوح من شجر الأراك رائحة المساويك المعروفة إذا ما فحص ورقه بالاصابع .

وكان وصولنا الى غابات شجر الأراك الصغيرة،في الساعة الثالثة الا ربعا صباحا،بالتوقيت الغروبي المحلى لمدينة جدة . وترى في أعلى هذه الصفحة صورة شجر الأراك التى التقطناها هنالك .

عين الشعثاء :

وهناك التقينا بعين الشعثاء التى يسيل فائضها على سطح الارض ، صوب المشرق. وشاهدنا ثلة من خرفان سمان ، ترعى في بطن الوادى العشب النامى بكثرة فيه ، وهنا ارتفع صوت الاخ عبد القادر طاهر مغتبطا:الثروة الحيوانية !! مما ذكرنا برحلة الباحة ..

ولاحظنا وجود الأراك هنا أيضا متناثرا في سفوح الجبال فوق بعض صخورها ، ولا بد أن جذوره انما نمت بين مسام هذه الصخور الترابية ومن ثم ارتفعت قامات جذوعها

ونمت فوق هذه الجذوع الاوراق النضرة التى تكسوها .. فتجعلها كتلة واحدة ..

وقد علمنا من عبيد السلمي أن شجر الأراك شجر مزدوج المنبت والمولد ، فكما ينمو ويتوالد في آكام البطحاء الناعمة، يتوالد وينمو أيضا في الجبال ، فهو نبات سهلي جبلي في آن واحد .. وهو أصفى لونا وأشد خضرة ونضرة من شجر العتم على كل حال ، ولا يزيد عنه في طوله وارتفاعه والتفافه .

في محطة عسفان :

عسفان : واد يحمل هذا الاسم منذ عهد

الجاهلية وصدر الاسلام ، ولا يزال كذلك حتى الآن . . وهذا من مظاهر احتفاظ العرب بأسماء أماكنهم أجيالا بعد أجيال ، وقد شاهدنا هذا في عدة أمكنة وجبال .. مثل جبلى شمنصير وكنثيل .. فهما لا يزالان حتى اليوم يحملان اسميهما اللذين وضعهما لهما أوائل العرب في زمن قديم مجهول . . ولم يتغير من الاسمين شئ . . ولم يحرفا برغم طول المدى ، و كثرة التكرار ودخول اللحن والعجمة على بلاد العرب حاضرة وبادية .. طيلة أجيال متوالية .. وبرغم ولوع العامية بتغيير الأسماء وتشويهها ..

أهل محطة عسفان :

وأهل محطة عسفان الآن هم من حرب ..

وقد عرفنا الهمدانى في كتابه ((الاكليل)) بأن حربا مجموعة قبائل يمنية هاجرت قديما في الاسلام من بلادها باليمن الى ما بين مكة والمدينة من الاماكن وتديرتها منذ ذلك العهد حتى اليوم .. وتشعبت وتفرعت واتسعت بطونها .. وكان لها حوادث في تاريخ البلاد والحج ..

وعسفان هى المحطة الثانوية من مكة . والمحطة الاولى هى : مر الظهران : (( وادى فاطمة )) اذا كنت متجها الى المدينة (٥)

ومحطة عسفان كما رأيناها في رحلتنا هذه هي عبارة عن قرية مستطيلة التكوين كسطر واحد طويل .. تبدأ من

ناحية الجنوب - جهة مكة - وتتجه الى ناحية الشمال ، وبيوتها حجرية بيضاء . وبعض بيوتها يعلو جبالا ضعاضع صغيرة متقاربة وبعضها يقوم في السهل، وبها مقاه متواضعة البناء ، على الطراز القديم ، لم تصل اليها يد التجديد بعد . وقد رأينا أن نتناول طعام الافطار في أحدها وأحسنها طراز بناء ، ألا وهو مقهى ( ناعم السلمى ) . وكان من الاتفاقات العجيبة نزولنا - في عسفان - بمقهى ناعم السلمي المشار اليه ، ثم نزولنا في قرية الكامل بمقهى أخيه ( منعم السلمي ) وقد تناولنا بهذا المقهى طعام الغداء ، كما تناولنا بالاول طعام الافطار حينما وصلنا محطة عسفان .

ويوجد في محطة عسفان حديقة لها بئر غزيرة المياه .

عسفان في المصادر الجغرافية :

ورد في ((معجم البلدان)) لياقوت الحموى: (( عسفان - بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون - فعلان - من عسفت المفازة ، وهو يصفها ، وهو قطعها بلا هداية ولا قصد .. وكذلك كل أمر يركب بغير رؤية )) . وقال : سميت بعسفان لتصف الليل فيها ، كما سميت الابواء ، لتبوء السيل بها..قال أبو منصور: عسفان منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة . وقال غيره : عسفان بين المسجدين ، وهى من مكة على مرحلتين . وقيل : عسفان : قرية جامعة بها

منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلا من مكة ، وهى حد تهامة . ومن عسفان الى ملل ، يقال له : الساحل . وملل على ليلة من المدينة . وهى لخزاعة خاصة .

وقال السكرى : عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة ، والجحفة على ثلاث مراحل . غزا النبى صلى الله عليه وسلم ، بني لحيان بعسفان ، وقد مضى لهجرته خمس سنين وشهران وأحد عشر يوما .

وقال اعرابى :

لقد ذكرتنى عن جناب حمامة

    بعسفان أهلي فالفؤاد حزين

فويحك كم ذكرتني اليوم أرضنا

    لعل حمامي بالحجاز يكون

فوالله لا أنساك ما هبت الصبا

وما اخضر من عود الاراك فنون (٦)

ذلك ما وصف به القدامى عسفان .

وفي سنة ١٣٢٥ ه - ١٩٠٨ م قال عنها ابراهيم رفعت باشا في كتابه : (( مرآه الحرمين )) : (( وبالبلد سوق به - بها - حاجات المسافر وقد اشتهر هذا البلد بكثرة اللصوص )) .

واحدى هذه الآبار البئر المعروفة ببئر عسفان . قال عنها ابراهيم رفعت : ( وهى مبنية بالحجر الاسود المتين، وسمك جدارها متر ونصف ، وعمقها ثمانية أبواع وصف عند نقص مائها ، وخمسه أبواع عند زيادته . ومؤها عذب كماء النيل . ويقال: ان النبى صلى الله عليه وسلم شرب منه .

وقد رسمها ابراهيم رفعت والسقاؤون

يخرجون منها الماء بدلاء ربطت بها حبال الليف وأديرت على بكر حديدى علق في آلة ذات أرجل ثلاث ج٢ ص٢٠٠ ، وقد نقلنا سمها عنه فيما بعد، حيث لا يختلف وضعها كثيرا الآن سنة ١٣٩٠ ه ١٩٧٠ م عما كانت عليه في سنة ١٣٢٥ ه - ١٩٠٨ م عندما وصفها ورسمها ابراهيم رفعت في مرآة الحرمين .

وهناك ثلاث آبار أخرى عذبة الماء . . سعة الشمالية منها عشرة أمتار تقريبا وسمك جدارها متر ونصف ، ولها سلم على الوادى، يتدفق منه السيل الى البئر اذا أقبل . وعمقها

اثنا عشر مترا .. وسعة الثالثة خمسة أمتار .

عود على بدء :

ولا تزال بئر التفلة كما تدعى عند عامة الناس هنا ، التى وصفها ابراهيم رفعت فيما أسلفناه آنفا قبل ٦٤ عاما ، مطوية بالحجارة نفسها.أما البكرات التى قال ان الماء يخرج بوساطتها فقد أزيلت ، فليس عليها اليوم بكرات ، وانما ركب فوقها أعواد من خشب ، وقد أخذنا صورة لها على حالتها الحاضرة في رحلتنا إلى بلاد سليم للمقارنة بين ماض وحاضر .. وهذه صورتها الحاضرة :

وقد عللوا تسميتها ببئر التفلة - كما مر - بأن الرسول تفل فيها ، وقالوا ان ذلك هو سبب عذوبة مائها . وقد سقانا منها اعرابى من دلو جذبه . ماء عذبا ، بحق ، شديد العذوبة. وماء البئر غزير لا ينضب . وترى آثار حزوز عميقة لحبال البكرات التي كانت ترفع منها الماء - ترى على الحجارة المطوية بها البئر منذ القدم ، مما يدل على قدم هذا الطي نفسه وقد يكون مر عليه ما ينيف على خمسمائة عام .. وقد ذكرتني هذه الحزوز العميقة في الصخور الصم من فعل تتابع احتكاك الحبال اللينة صعودا ونزولا بها - ذكرنى ذلك بقول الشاعر

الحكيم :    أطلب ولا تضجر من مطلب          فآفة  الطالب أن  يضجرا أما ترى الحبل بتكراره          في  الصخرة  الصماء  قد أثرا

فها هي ذي الحبال قد أثرت أثرا غزيرا كبيرا عميقا في الصخور الصمم ، بسبب تكرار مرورها عليها في ارتفاعها وانخفاضها بالدلاء، وفي ذلك تكمن الحكمة التى تحدث عنها الشاعر في بيتيه السابقين .

وبئر التفلة تقع في وسط وادى عسفان . ووسط القرية والمحطة التى تبعد الآن ٧٠ كيلومترا في الخط المسفلت بين مكة - المدينة .

وادي عسفان في كتب السيرة :

ذكروا أنه لما مر رسول الله بوادى عسفان ، قال : يا أبا بكر : أي واد هذا ؟ قال : وادى عسفان . قال : لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين ، خطمهم الليف وأزرهم العباء ، وأرديتهم النمار - جمع نمرة ( وهى شملة مخططة ).. يلبون يحجون البيت العتيق - ذكره الامام أحمد في المسند . وقول الرسول الصادق المصدوق ان هودا وصالحا قد مرا،في طريق حجهما الى مكة بوادي عسفان، يعطينا الدليل على أن صالحا وقومه ثمود كانوا قد أقاموا بشمال الحجاز في وادى القرى بمدائن صالح. وتدلنا صحبة هود لصالح عليهما السلام في حجهما ومروهما بعسفان - على أن هودا بعد ما أهلك الله قومه الكافرين بجنوب الجزيرة انتقل هو ومن آمن به الى الشمال .. مهاجرين من الارض المعذب أهلها . قال تعالى : ( ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ) - الآية ٥٨ من سورة هود . واذا صح هذا الرأى أو هذا التأويل فيكون توفيقا بين ما هو معروف من أن منازل عاد قوم هود بجنوب الجزيرة كما دلت عليه الآثار المستكشفة حديثا، وما هو مذكور في الحديث النبوى من قدومهم الى عسفان في طريقهم للحج اذ ان وادى عسفان كما هو معروف - محطة

تقع بشمال مكة ولا يمر عليها في طريقه الى الحج سوى من كان يقيم أو قادما من شمال مكة .. والله أعلم .

العنزة الشرهة :

أثناء تناولنا طعام الافطار بفناء مقهى ناعم السلمى ، بعسفان اتفق أن الذى أحضر لنا الطعام قد ترك باب السيارة الخلفى مفتوحا. وقد بقيت بها بقايا من الزاد بعضها في أكياس النايلون ، وضعناه في مخزن السيارة الخلفى فهو متناثر في أرض السيارة ..، وكان من بينها جبن الكشكبان والزيتون والخبز والشريك البلدى وما الى ذلك من فواكه مثل البرتقال والمشمش ، وما نشعر الا وعنزة عسفانية

جريئة صغيرة السن والحجم ، تنفرد عن زميلاتها . وتهجم على مؤخر السيارة ، ومن ثم تقف على قوائمها وتمد فمها الى بقايا الزاد ،

وهكذا بدأت تلتهم بحرارة وسرعة ما هنالك من بقايا الزاد ، وكانت حركة لسانها وخفته أثناء تناول الطعام وتلمظها به عقب كل وجبة خفيفة أمرا مضحكا وملفتا للانظار لانها كانت بعد كل هنيهة تلتهم فيها ما تمكنت من التهامه ، بشراهة ترفع رأسها وتنظر الينا، نظرة الساخر الضاحك المعجب بعمله ، ولا تفتر حركة لسانها الخفيف داخلا وخارجا بسرعة فائقة ، كانت سرعته كسرعة لسان الثعبان تقريبا حينما يرى فريسته قريبا منه ، وقد أخذنا لها الصورة التالية تسجيلا لهذا المنظر الفريد :

وراقنا هذا المنظر الغريب ، وضحكنا كثيرا من الشاة الشرهة الصغيرة التى ما تكاد تنتهى من التهام لقيمات مما وجدته متناثرا أمامها حتى ترفع رأسها وتصوب نظرها الينا كأنما تبدى لنا عن عاطفتها المشوبة بالسخرية أو بالفرحة التى غمرتها من جراء وجود هذا الزاد اللذيذ المتنوع الوفير بين يديها ، فهى تلتهمه بدون اكتراث بنا وبدون انتظار عتاب أو عقاب أو زجر منا على الاقل . وقد ألقينا لها الحبل على الغارب ، وأطلقنا لها حرية الاكل ، لانها على ما يبدو كانت بحاجة شديدة الى وجبة دسمة كهذه فقد أحرق كبدها العشب اليابس المبثوث في هذه الصحراء .

السفر عقب الافطار مباشرة :

وقد استرحنا أثناء تناول الافطار ، واسترخى بعضنا، وربما كان النوم غير بعيد عن جفونه .. ولكننا سائرون الى ((مجهول)) نريد أن تصل اليه بأقرب فرصة ممكنة ،

ولذلك قام بعضنا برفع صوته عاليا ، داعيا الى شد الرحال بأسرع فرصة ، حتى لا نأخذ في الاسترخاء ، أو حتى لا يسرق منا الحديث ذو الشجون الوقت الذى هو الآن أغلى من الذهب ، بالنسبة لهدفنا الذى لا نعرف مدى بعده أو قربه منا .. ولا ندرى عن العقبات والعوارض التى تعترض طريقنا اليه .

وقد لقيت الدعوة استجابة من زملاء الرحلة، وسرعان ما نفضنا عنا غبار التقاعس والتراخى والاسترخاء .. ونهضنا نهضة واحدة وطوينا ما أنزلناه من الفراش ، ورفعناه فوق السيارة وربطناه ربطا محكما ، ونقلنا الاوانى الى السيارة وأغلقنا بابها الخلفي ، وأسرعنا الى جوف السيارة .. كل في مكانه ، وأمسك بزمام القيادة ، عبيد السلمي .. وسارت بنا السيارة تتهادى على اسم الله الى الامام .. ناحرة الشمال الشرقى ، صوب بلاد بنى سليم . .

كان الطريق من محطة عسفان الى ما يقرب من سبعة كيلو مترات ، مسفلتا على خير ما تكون السفلتة ، لانه هو

طريق مكة - المدينة،وقد ارتاحت سيارتنا فوق هذا الخط الناعم المريح بعدما لاقت عنتا وعناء ومتاعب جمة، وارتجاجات متوالية من الطريق الفرعي الذي لم يحظ بعد ، بالسفلتة من جدة الى عسفان في طريقنا الى ديار سليم .. بل اننا نحن أيضا قد نلنا هنا قسطا طيبا من الهدوء ، فقد سارت السيارة بهدوء ورزانة واستقرار برغم سرعتها السريعة فوق هذا الخط المسفلت فلا ارتجاج ولا خضات ولا مطبات ولا مهاوى ولا جروف .. وانما هو بساط أسود ناعم مستوى السطوح ، تتهادى فوقه السيارة براحة تامة كالعروس الحسناء ليلة الزفاف .

في الطريق الى وادي غران :

وقد سرنا بسرعة فائقة بعد أن خلفنا وراءنا خط الاسفلت ، ودخلنا في أودية وخبوت واسعة مكونة من بطحاء ناعمة جميلة ، تتناثر فوقها ألوان وأشكال من النبات البرى والاشجار البرية المختلفة الشكول والعروض والاطوال .. وبعد هنيهة قال لنا عبيد السلمى: ها نحن الآن في طريقنا المباشر الى وادى غران - بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة وتخفيفها بعدها ألف فنون - وقد لاحظنا اتساع هذه المنطقة اتساعا فائقا ، لقد تباعدت عنها الجبال حتى لا تكاد ترى الا أشباحها الباهتة من شدة البعد ، وتكاثرت فيها الاعشاب تكاثرا وافرا ، وتكاثرت

الاشجار كذلك في هذا الخبت الأفيح ، وخاصة شجر المرخ وهو شجر استكشف العرب منذ جاهليتهم قابليته للاشتعال واشعال النار بمجرد احتكاكه ببعضه فاستغلوا هذا الاكتشاف في باديتهم خير استغلال .. وعرفوه بأنه شجر سريع الوري ، وبقي خبره متواترا معروفا لديهم حتى لآن .

رجاء الى كلية العلوم بالرياض :

ونعتقد أنه ربما يكون لشجر المرخ فوائد جمة غير اشعال النار، وربما يكون اشعال للنار بسرعة وببساطة أقل فوائده وأدناها مرتبة ..

ولذا نود من كلية العلوم بجامعة الرياض أن تحلل هذا الشجر الموجود بكثرة في بلادنا، تحلله في معاملها الفنية ، وتحت اشراف عميدها الدكتور رضا عبيد ، ونود أن يفضل علينا وعلى القراء بشرح فوائده شرحا علميا واضحا مفصلا .

ورجاء آخر الى كلية العلوم وكلية الزراعة :

وان ننس لا ننس كثرة انتشار نبات الثمام المستقيم الاعواد ، هنا بحيث يكاد وحده يغطى المنطقة كلها .. وفد أفادنا ابراهيم رفعت بأن المرخ غذاء مفيد للجمال، كما أن الثمام يعتبر من أغذيه الاغنام . فهل للثمام فوائد أخرى ؟ نرجو أيضا من كلية العلوم وكلية الزراعة تحليل هذه النبتة

الوفيرة في صحارى بلادنا . فلعل لها مزايا أخرى غير قضم الاغنام لها كغذاء شهي من أغذيتها الطبعية العريقة في القدم .

قرية غران :

غران اسم مشهور في الادب والتاريخ والجغرافيا العربية القديمة .. وهو واد خصب به مزارع وحدائق جمة ، وبغران . . أي بخبته وفي نقطة تقارب وسطه ( قرية غران ) وهى وسط هذا الخبت الواسع الكبير .. جاثمة فوق منطقة بطحاوية نقية وناعمة .. ووسط شجيرات منوعة تحيط بالقرية ووسط تلال من الرمل .. لا أدرى كيف تكونت: هل بفعل الرياح الهوج، أو السيول الجارفة ، أو من عمل الانسان .

وقرية غران قرية صغيرة لها طريق واحد في الناحية الجنوبية عنها .. ولا تخلو من ((تغريز)) بعض السيارات لعمق الرمال المحيطة بها ونعومتها .. ولم تدخل القرية .. لقد اكتفينا بالاقتراب منها بنحو مائتى متر ، والتقطنا لها صورا .

وبيوت قرية غران بيضاء واطئة متناثرة . . على العموم . .

وتقع القرية عن يسار المسافر الى منطقة الكامل بالنسبة لسير السيارات .

منطقة غران في المصادر :

وصف البكرى في كتابه ( معجم ما

استعجم ) منطقة غران ، ووصفها من بعده ياقوت الحموى . ووصفهما لغران متقارب غير متضارب . وصاحب معجم البلدان في كلامه عن ( غران ) أوسع وصفا من صاحب ( معجم ما استعجم ) . ووصفهما كليهما لغران - كما يتراءى لى - وصف علم اخبارى، لا وصف مشاهدة . أما عرام بن الأصبغ السلمي فقد كان وصفه لغران وصف مشاهد .. خبير بما هنالك ، لانه بمقربة من دياره .. ديار بني سليم .. فقد ذكره عرام بالذات ، فقال : ( ويطيف بشمنصير من القرى ، قرية كبيرة يقال لها ( رهاط ) وهى بواد يسمى ( غران ) وأنشد :

فأما غران بطن واد أحبه

     لساكنه  عهد علي ، وثيق

وبغربيه قرية يقال لها ( الحديبية ) ليست بالكبيرة ، وبحذائها جبل يقال له ( ضعاضع ) وعنده حبس كبير ، يجتمع عنده الماء .

والحبس حجارة مجتمعة يوضع بعضها على بعض .

قال الشاعر :

وان التفانى نحو حبس ضعاضع

      واقبال  عينى في الظبا لطويل

فهؤلاء القريات لسعد وبنى مسروح . وهم الذين نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، ولهذيل منها شئ ، ولفهم أيضا ، ومياههم بثور ، وهى أحساء وعيون ليست بآبار ، ومن الحديبية الى المدينة تسع مراحل ، والى مكة مرحلة وميل أو ميلان ( ٧ )

ووادى غران يحد خليصا من الناحية الجنوبية ( ٨ )

أما وصف البكرى لغران الذى أشرنا اليه في أول هذا الفصل فهو : ( غران - بضم أوله وتخفيف ثانيه على وزن فعال - ) موضع بناحية عسفان ينزله بنو سراقة بن معتمر ، من بنى عدي بن كعب ، ولهم بها أموال كثيرة . . وقال الاصمعى : هو ببلاد هذيل بعسفان ، وقد رأيته .

وأنشد لأبي جندب :

تخذت غران اثرهمو دليلا

      وفروا في الحجاز ليعجزونى

وقد عصبت أهل العرج منهم

      بأهل  صوائق  اذ  عصبونى

الى أن قال : (( وقال ابن اسحق : غران: واد بين أمج وعسفان ، يمتد الى ساية، وهو منازل بنى لحيان ، واليه انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في غزوته بعد فتح بنى قريظة ، يريد بنى لحيان ، يطلب بأصحاب الرجيع ، فسلك على غراب : جبل بناحية المدينة على طريق الشام ثم على محمض - مخيض - ثم على البتراء ، ثم صفق على ذات اليسار ، ثم خرج على يين - بين - ثم على صخيرات اليمام ، ثم استقام به الطريق فأغذ السير حتى نزل غران، فوجد بنى لحيان قد حذروا وامتنعوا في الجبال (٩) .

و ( غران ) علم مرتجل ، على ما يقوله ياقوت الحموى ، وهو اسم لهذا الموضع

من تهامة ، وهو واد ضخم بالحجاز بين ساية ومكة . وقال عرام : وادى رهاط يقال له ( غران ) . وقد ذكر رهاطا في موضعه . وقال : وفي غربيه قرية الحديبية ونزله الرسول في غزاة الرجيع ، وهو لبنى لحيان اذ ذاك .

وغران وأمج هما واديان يأخذان من حرة بني سليم ويفرغان في البحر (١٠) .

وغران واد يقع بين أمج وعسفان . وقيل :ان وادى أمج هو وادى ساية الذى وقفنا على أوله في رحلتنا هذه الى بنى سليم . وقد قال بذلك صاحب معجم البلدان ياقوت الحموى حينما قال : ( وساية واد عظيم ، به أكثر من سبعين عينا ، وهو وادي أمج ) ويسمى وادى أمج الذى هو وادى ساية في العصر الحاضر لدى بنى سليم باسم (( وادى وبح )) - بكسر الواو وسكون الباء بعدها حاء مهملة - نسبة الى احدى عشائرهم التى هى على قيد الوجود اليوم . وقد أيد هذا القول الذى هو ان وادى ساية هو وادى أمج ، أحد السلميين المعاصرين وهو محمد بن صامل العليانى في البحث المسهب الذى نشره

عن التعريف بديارهم في هذه المجلة بالعدد الصادر في ذى الحجة ١٣٨٩ ه - فبراير ١٩٧٠ م

واد كثير السلم والمرخ :

ومما شاهدناه تكاثر شجر السلم وشجر المرخ في وادى غران ، وخاصة في خبته الواسع الكبير الجميل الذى تحيط به الجبال من بعيد بعيد ، في شبه حلقة واسعة، تماما مثل ما تحيط الجبال من بعيد بتلك الحلقة المماثلة الواسعة الفيحاء المحاطة قبل الجبال النائبة بهالة من النخيل في خبت اليمامة،بالخرج .. هما منظران متشابهان جدا .. أحدهما يقع في شرق المملكة بالخرج ، وثانيهما يقع في المنطقة المتوسطة بين نجد والحجاز بوادى غران وكلا المنظرين يتماثلان في تكاثر الرمل الناعم الاصفر والتلال الرملية المتنقلة التى تجمعها الرياح تارة هنا وتنقلها تارة الى هناك،نقلا خفيفا هينا يشبه نقل هذه الرياح أيضا للكثبان الرملية الجاثمة في طريق جدة - مكة حول المكان المعروف في الطريق بالبزم - بكسر الباء وتشديد الزاي وفتحها وبعدها ميم -

قطعنا وادى غران المتجه من الغرب الى الشرق - قطعناه في موقع يقرب من الجبال التى تحد خبته من الناحية الجنوبية الشرقية.

طبيعة أرض وادي عران :

وطبيعة أرض وادي غران على العموم - كما أشرنا اليه آنفا - انه يتكون من بطحاء ليست بالناعمة جدا،ولا الخشنة جدا ، وتغرق فيها عجلات السيارات وخاصة في المواقع التى توجد فيها كثبان أو شبه كثبان وهذه البطحاء ليست بيضاء اللون بياضا نقيا ولا صفراءه اصفرارا فاقعا،هى بين بيين،وهذا اللون هو ما تصفه العامة عندنا بـ ( شاي بحليب ) .

وعلى أرض غران ، الكثير من ضروب الشجر والنبات المختلف الشكول والأحجام ، مما يدل على خصب تربتها ووجود المياه الجوفية بها . ولا توجدا آبار محفورة الآن في الصحراء التى يجتازها المسافر بعد خط الاسفلت في عسفان - الى منطقة الكامل من ديار بنى سليم - اللهم الا في غران هذه ، ومن بعدها ( بئر معسان ) - بفتح الميم والعين المهملة بعدها سين مهملة مفتوحة أيضا فألف لينة فنون -      ومما يوجد في غران بكثرة من النبت : الثمام، الذى تأكله الغنم أكلا لما،لانه غذاء جيد لها .. واذا يبس الثمام حشه الرعاة وجعلوه ( صلائب ) .. وهو قابل للتخزين،ويبقى جيدا وصالحا لتغذية الشاء مدة عامين كاملين ..

قرية رهاط :

وبغران توجد قرية رهاط -بضم الراء- وهى على ثلاث ليال من مكة بسير الجمال أو المشاة،أما لو كان السير بالسيارات فتعد المسافة

بينهما بالساعات لا بالليالى والايام كما هو معلوم، يوم الجمل للسيارة ساعة أو أكثر من ساعة.

يقول عرام السلمى : ( ويطيف بشمنصير من القرى قرية كبيرة يقال لها ( رهاط ) وهى بواد يسمى غران . وأعتقد أن ما ورد فى (( معجم ما استعجم )) للبكرى في مادة ( رهاط ) من أنها (( قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة )) - اما أن يكون محرفا أو غلطا من الناسخ أو الطابع .. حرفت كلمة ( ليال ) الى كلمة أميال لتقارب الصيغتين في الخط. كما هو مشاهد .

وقد رأينا قرية غران المعروفة بهذا الاسم اليوم في وسط خبت وادى عران ، ولست أدرى أهي قرية رهاط التاريخية أم هى غيرها .. وربما كانت قرية رهاط غير قرية غران والله أعلم .

مشروع مقترح :

وتأكيدا لرعي الاغنام للثمام فقد شاهدنا ونحن نسير في آخر غران صوب الشمال الشرقى نعجتين منفردتين ترعيان الثمام بنهم، وهما بمكان ناء جدا عن الآبار على ما قيل لنا .. فقال الاخ عبد القادر متندرا : هاتان النعجتان ينبغي أن يؤتى لهما بالماء الذى تشربانه بعد هذه الوجبة - بطائرة حوامة - هليكوبتر - اذ لا ماء قريبا منهما هنا ..

وعطف على ذلك قوله : انه لو كان في هذا الوادى الخصب ، البعيد عن الآبار ومصادر المياه ، أناس يعنون بتربية الثروة الحيوانية لكان هنا قطعان عظيمة من البقر ، وقطعان كبيرة من الضأن والمعزى ، ترعى هذا الخير العظيم ، ويجلب لها الماء بالطائرات الحوامة اذا لم توجد هنا مياه جوفية عميقة كافية . . وذلك بعد اجراء الحفر العلمي في كل مكان يرجى أن يكون به ماء .. أعتقد أنه لو اتخذت هذه الاسباب لكانت لنا ثوة حيوانية عظيمة، كما يقول عبد القادر طاهر ربما تغنينا عن كثير من استيراد البقر والاغنام من الخارج .. وبذلك تجنى البلاد من خيراتها ومن هذه الثروة الحيوانية ثروة غذائية ومالية كبيرة .

وهذه الفكرة الاقتصادية التى جاءت عفو التخاطر نهديها الى وزارة الزراعة والمياه ، فكثيرا ما يكون أساس المشروعات العظيمة فكرة مبدئية بناءة كهذه اذا اعتنى بها ، ووضعت موضع التنفيذ بمقتضى الاصول العلمية الحديثه وتولتها الخبرات الفنية بالصقل والتهذيب والابتكار وحسن التنظيم .

في منطقة الجبيهة :

نحن الآن نسير داخل منطقة الجبيهة ، والطريق هنا ضيق متعرج ، تتكانفه الجبال

والحرار من كل جهة .. لقد تغيرت طبيعة الارض تماما .. كنا في سهول فيح يضل فيها بصر الناظر لشدة اتساعها واستوائها .. والآن انعكس الحال تماما .. فها نحن نسير في هذه المنطقة الجبلية الضيقة المتعرجة المختنة بالجبال ، فهى تبخل عليها بنسمة من هواء . . والجبال هنا قاتمة اللون ، ليس عليها أى اخضرار يستر سوادها أو يعوض النفس عما تجده هنا من شعور بالضيق والانكماش .. وحينما تنفرج الجبال نرى خبوتا صغيرة متناثرة قليلة الخضرة مفقودة النضرة .. لقد بخت عليها كآبة جبالها وقسوة حرارها ، كآبتها وقسوتها ..

جبال صفد :

وهنا على اليمين منا جبال متسلسلة تدعى جبال ( صفد ) ، وهى مترابطة . . وطبيعتها من طبيعة منطقتها .

جبال الخشاش :

بعد الجبيهة دخلنا حرارا أخرى آخذا بعضها برقاب بعض . . وتسمى هذه الحرار المتعانقة : ( الخشاش ) . . ويخترقها الطريق ، كما اخترق من قبلها حرار الجبيهة . ونوعا ما حظى الطريق الضئيل القوام ، الهزيل الكيان هنا ببعض استقامة..

وقد مثل أمامنا جبل عجيب الشكل ، وهو

جبيل غير عال ولا شاهق ولا ضخم ، ولكن ميزته أو علامته الفارقة أنه تقوم فوق قاعدته صخرة عالية ضخمة ملتوية،فهى أشبه شئ بتمثال صخري نحته فنان من فناني روما أيام عظمة فن النحت بها .. وشكل هذه الصخرة يعطى شكل كلب سلوقى مفتوح المنخرين ..

ولأن هذه الصخرة بقسميها تعتبر من احدى

العجائب الطبعية في القاعدة والقمة، فقد أخذنا صورتها هذه :

وقد لاح لنا ، هنا أيضا شى من الثمام ، وشئ من شجر المرخ،بعد ما طال اختفاؤهما عن أنظارنا فيما مررنا به من هضبات وأمكنة وحرار وجبال .

تمثال عنق الجمل :

وبعد هنيهة من مسيرتنا في ( الخشاش ) واذا بجبل يحمل على كاهله صخرة أغرب شكلا ووضعا وأوضح صورة ، من الصخرة الاولى التى أخذنا رسمها آنفا . .

وصفة هذا الجبيل والصخرة التى تعلوه أنه جبيل نحاسى اللون .. متآكل ، تعاونت عليه عوامل التعرية، فأخذت من بشرته ما أخذت ، ومن ثم تهيأ ليكون قاعدة لحمل صخرة طويلة عالية هى جزء منه تجزأ عنه شكلا وموضوعا،بحكم عوامل التعرية نفسها ، فاتخذ شكله هذا الخاص العجيب حتى لكأنما نحته مثال بارع ، على هيئة عنق جمل ضخم بارز السمات ، جاحظ العينين ، كأنما يخرج الشرر من عينيه ، ومعنى ذلك أنه في حالة غير طبعية ..

في حالة هيجان ، وعنقه ممتد بكامله الى الامام ، وعنقه (( أصور )) (١١) أى مائل الى الامام .. الى ناحية الطريق العام .. الذى

يقع تحته مباشرة .. ولكأنه نحت هكذا ليدل أو ليطل على هذا الطريق العام .. وترى في الصفحة السابقة صورته .

والطريق بين جبال الخشاش ، حسن التمهيد والتعبيد . مهدته وعبدته أخيرا وزارة المواصلات بآلاتها الجبارة ، وسيظل الطريق معنا هكذا مريحا لأنه ممهد حسن التمهيد حتى يصل بنا ( بئر معسان ) .

في معسان :

سبق لنا أن أشرنا إلى ( معسان ) فيما مضى من الحديث .. ومعسان بئر

قديمة الحفر ، حديثة الطي .. طويت من قبل الشريف أمير الخوار قبل أربع سنوات حين تداعى طيها القديم وأنذر بانهدامها . . ولكونها وحيدة في هذه الفيفاء، يستقى منها الناس ويسقون أنعامهم منها قام ذلك المحسن ، بطيها ، فأحياها فدام نفعها العظيم

وبئر معسان هذه بئر عادية يبدو أنها حفرت قديما في وسط هذا الخبت المقفر ذى التربة الصفراء .. وعليها عيدان منصوبة من الخشب تربط فيها المحالة لكى يجر عليها الدلو من داخل البئر وهو ممتلىء

ماءا ، فيسهل بدوران بكرتها رفع الدلو الملآن الى فم البئر وهو ثقيل بالماء الذى ملىء به من البئر . والمحالة هى البكرة نفسها . والبئر غزيرة المياه ، وماؤها ليس عذبا ، على ما قيل لنا ، فاننا لم نذق طعم مائها ، اذ لا دلاء عليها ولا سقاة حين وصولنا اليها . ويبلغ عمقها نحو ١٤ مترا ، وقد سبقت صورتها في الصفحة السابقة .

وخبت معسان خبت واسع ، يمتد الى كل اتجاه . وقد شاهدنا بجوار بئر معسان في عودتنا من ديار سليم حمارين أشهبين ، واقفين كتمثالين لا يتحركان ، وكأنهما بانتظار من يسقيهما من البئر الوحيدة هنا.

. وصلنا بئر معسان في ضحوة من نهار يوم الخميس .

وقد سرحت بصري الى كل ناحية لعلى أجد انسانا أو حيوانا أو طائرا . . فما وقع نظري على شئ من ذلك مطلقا .

وفي الافق البعيد البعيد تراءت لى جبال ضعاضع - صغار - متلاصقة .

فائدة علمية ولغوية :

قال لنا عبيد السلمى : ان الجبال التى خلفناها وراءنا والتى لا نزال نرى بعضها انما سميت بالخشاش ، لكونها خاشة في بعضها ، أى متداخلة . . وهذا اللون من

الجبال هو ما يدعوه العرب القدامى في لغتهم الفصحى بالضعاضع . . قال عرام السلمى ما نصه : ( وحواليها - أي حوالى رضوى - قنان - واحدها قنة - ضعاضع صغار - واحدها ضعضع .. والقنان والضعاضع جبال صغار لا تسمى (١٣)

وقد وردت فى (( معجم البلدان )) لياقوت الحموى مادة (( خشاش )) بفتح أوله وثانيه وتخفيفه . وقال : ان الخشاش أصله حية الجبل ، والافعى حية السهل ، ثم قال : (( والخشاشان جبلان قريبان من الفرع من أراضى المدينة قرب العمق . ( والعمق يقع بعد جبل شمنصير على ما أخبرنى به عبيد السلمى والشاعر حميد بن حوين السلمى وربما يوجد عمق آخر هو الذى بقرب المدينة المنورة )

ثم أورد معجم البلدان الخشاشة وقال : هو موضع ، ولم يحدده . وأتى له بشاهد من شعر العرب :

تحن قلوصى بعدما كمل السرى      بنخلة والصهب الحراجيج خمر تحن الى ورد الخشاشة بعدما      ترامى بنا خرق من الارض أغبر وباتت تجوب البيد والليل ما ثنى      يديه  لتعريس  تحن  وتزفر وبى مثل ما تلقى من الشوق والهوى      على اننى أخفي الذي بي وتظهر

وقلت لها لما رأيت الذى بها :      كلانا الى ورد الخشاشة أصور

و (( اصور )) هذه بمعنى : أميل ، كما قدمنا بيانه آنفا . وربما كانت الخشاشة التى ذكرها اشاعر هي جبال الخشاش هذه ، لذكره ( نخلة ) وايراده انه سار بعدها في قفار على ناقته حتى وصل الخشاشة .

غابات من المرخ والسلم والتنضب في معسان .

شاهدنا غابات ملتفة من أشجار المرخ والسلم والتنضب في معسان ، وهذا أمر يدل دلالة واضحة على أن في المنطقة مياها جوفية كامنة بها ، لولاها ما نمت هذه الغابات في هذا المكان المقفر الواسع .

بعد معسان :

بعد معسان اكتظت الارض بالجبال والحرار ، وها هى ذى الطريق التى نسلكها الآن تبدو دقيقة رقيقة هزيلة ملتوية ، لا استقامة لها ، تحاول أن توجد لنفسها كيانا مستقيما بين هذه الكتل المتراصة المتلاحمة من الجبال ، ولكن أنى لها ذلك ؟. فلا محيص لها من أن تظل هكذا مخنوقة شديدة التعرج ، برمة بكيانها أشد البرم ، هابطة صاعدة ، وكان اتجاهنا عليها صوب الشمال فالشرق .

وبعدما خرجنا من منطقة معسان الحرية

والجبلية دخلنا منطقه جبلية أقل  جهامة من منطقة معسان .. فهذه مزارع عثرية تقع من طريقنا الى الشمال .. وقد استهوى منظرها السندسى الجذاب أبصارنا طيلة مرورنا بجانبها .

جبال هذه المنطقة :

جبال هذه المنطقة أثرت عليها عوامل التعرية تأثيرا شديدا ، فهى من هذه الناحية شبه الجبال التى تقع في طريق الطائف القديم ، فيما بين الزيمة والسيل الكبير والسيل الصغير . ومن تأثير هذه التعرية البالغة كان يخيل لنا أن بعض الصخور تماثيل جامدة لحيوانات رابضة على قننها أو أناسى ، جاثمون أو واقفون .

شجيرات الدوم :

ولاحظنا في مسيرتنا بعض شجيرات الدوم رأيناها متلاصقة في مشاتل عثريه خاصة بتربية صغار الدوم .. كمشاتل الاشجار الاخرى .

والدوم في مشاتله صغار جدا ، وهى متجمعة ومتلاصقة فى دوائر وغير دوائر . وقد عرفها لنا عبيد السلمى حسب لهجتهم السلمية فقال : انها (( صار )) الدوم بضم راء (( صار )) . . والذى وجدته في مراجع اللغة ان (( الصور )) و (( الصير )) لا (( الصار )) هو جماعة النخل والشجر الصغار أو المجتمع ،

وجمعها (( صيران )) .. وكنا نعرف (( الصيران )) في المدينة المنورة ، وهى النخيل الصغار العثرية التي تنبت من نوى النخيل ، وتتجمع كغابات متلاصقة صغيرة جدا حتى لا تكاد ترى لها جذوعا،وأغصانها هى صغار دواما . ويقول عبيد : انه يستفاد من الصور في صنع الخسف والزنابيل والمراوح والمكانس البلدية ، التى تعرف لديهم باسم : مكانس (( الصريف )) .

ولهجة أهل المدينة المنورة لا تعرف أن مفرد (( الصيران )) هو (( صور أو صير )) ولا تنطق بهذين المفردين .. لكأنها تجعل الجمع الذى هو : (( صيران )) لمعنى الفرد والجمع معا .

وهؤلاء بنو سليم ينطقون في لهجتهم المعاصرة بمفرد (الصيران) ولكنهم يحرفونه عن الصيغة الصحيحة .. ويقولون : (صار) بدلا من ( صور ) و ( صير ) .

في وادي حليفة :

ودخلنا وادى حليفة . ووادى حليفة أول حدود ديار بنى سليم في العصر الحاضر على ما أنبأنا به أحدهم : عبيد السلمى الذى هو زميلنا فى الرحلة .

و (( الحليفة )) بضم الحاء المهملة تصغير : (( حلفة )) وهى صيغة من صيغ اسم الحلفاء الذى هو النبات الذى سنصفه لك عن مشاهدة وعيان .

انفجار احدى عجلات السيارة :

في منتصف وادى حليفة هذا انفجرت احدى عجلات سيارتنا - بنشرت - باللهجة الدارجة .. وكان انفجارها أمرا خطيرا بالنسبة لرحلتنا . فنحن الآن لا نزال في الطريق الى ديار بنى سليم . ولا نعلم مدى سهولة أو وعورة ما بعد هذا المكان .. وليس لدينا أدوات سيارات متكاملة ولا رفع رتق احتياطية لما قد ينفتق من هذه العجلات ..

وقد أنزلنا العجلة المنفجرة من مقرها بالسيارة ، ووضعناها في مكان الصالحة للاستعمال وركبنا الصالحه في محل الطالحة . وقد علمنا أن بين المكان الذى حدث فيه انفجار العجلة ، وقرية الكامل ٣٠ كيلو مترا .

وادي الحليفة :

ووادي الحليفة خصب ملئ بالمياه الجوفية، وفيه احساء قريبة جدا من سطح الارض ، كما أن فيه آبارا قريبة من مستوى الارض .     وأرض وادى الحليفة من الرمل الناعم الابيض .

وينتشر نبت الحلفاء الخضر النضر على طول وادى الحليفة .. ولعل سبب تسميته بالحليفة ناشئ من وجود هذا النبات بكثرة فيه .. من باب تسمية الشئ باسم الحال فيه .

والحلفة أو الحلفاء أو الحليفة ، هى

نبات أخضر شديد الخضرة أشبه في منظره العام في خضرته ونضرته وازدهاره بمنظر الاراك الذى مررنا به في منطقة حرة شعثاء قريبا من عسفان.الا ان الحلفاء،والحق يقال ، أشد نضرة من الاراك وأكثر تموجا لانها من نوع النبات ، والاراك من جنس الشجر .. والذى يقارب منظر الحليفة ، أو الحلفاء بصفة دقيقة هو نبات البردي الذى رأيناه يتماوج بوادى العذبة بمنطقة الباحة.

الاغلاث .. لا الأغلاس :

ذلك وصف الحلفاء بالمشاهدة . وأما وصفها العلمي فهي نبت من الاغلاس - الاغلاث - . قال أبو حنيفة ، قال أبو زياد : (( وقلما تنبت الحلفاء الا قريبا من ماء أو بطن واد )) . ثم قال : (( لا يكاد أحد (( يقبض عليها مخافة أن تقطع يده ، وقد يأكل منها الأبل والغنم أكلا قليلا ، وهي أحب شجرة الى البقر . الواحدة منها : حلقة كفرحة .. قاله الأصمعي ونقله الجوهري. وقيل : حلفة خشبة ، قاله أبو زياد ، ونقله أبو حنيفة . وقال سيبويه : الحلفاء واحد وجمع . وكذلك طرفاء ، ونقله أبو عمرو أيضا هكذا . هذا ما ورد في كتاب (( معجم أسماء النباتات الواردة في تاج العروس للزبيدي )) .. والكتاب المذكور جمع وتحقيق محمود مصطفى الدمياطي . وقد نقل الكلام المذكور حرفيا عن (( تاج العروس ))

بدون حذف أو زيادة أو تعديل أو اصلاح أو تنبيه الى الغلط الحادث فيه .

وحينما اطلعت على صيغة (( أغلاس )) الواردة فيه بالسين المهملة راجعت (( تاج العروس )) فوجدت صيغة (( الاغلاس )) فيها بالسين المهملة (١٤) وقد داخلني ريب في صحة هذه الصيغة .. لأن الذى أعرفه هو : (الاغلاث ) بالثاء المثلثة .. وعندها لم أستطع الركون الى ما ورد في تاج العروس ، فالتحريف دأب النساخ والطابعين . لا سيما بين الحروف المتقاربة في النطق ، كالسين والثاء . . فرأيت أن أراجع كتاب ( لسان العرب ) لابن منظور الأنصاري . .

لعله يصحح الغلط الذي وقع - كما أرى - في نسخة تاج العروس المطبوعة بمطابع صادر ببيروت والمنقولة كما هى بالاوفيست عن الطبعة الاميرية القديمة ببولاق بمصر ، فوجدت في ( لسان العرب ) ما نصه :

(( وذكر أبو زياد الكلاب ضروبا من النبات فقال : انها من الاغلاث ، منها العكرش والحلفاء والحاج -بتخفيف الجيم-

والينبوت ، والغاف ، والعشرف ، والقبا ، والسفا ، والأسل ، والبردي ، والحنظل ، والتنوم ، والخروع ، والراء ، واللصف.. وقال : والاغلاث مأخوذ من الغلث ، وهو الخلط )) (١٥)

فهذا نص صريح لا يتطرق اليه الشك في أن صحة الصيغة الواردة في ( تاج العروس ) و ( معجم أسماء النباتات ) - هي ( أغلاث ) بالثاء المثلثة ، لا بالسين المهملة ..

ومن الفوائد المهمة التى أعطانا اياها كتاب ( لسان العرب ) ان الحلفاء والبردي - من الاغلاث .. وقد رأينا البردي في الباحة بوادى العذبة،ورأينا الحلفاء في وادى الخليفة أول ديار بنى سليم - فاذا هما - أي الحلفاء أو الحلفة، والبردي متشابهان في الشكل والتكوين واللون، فهما من فصيلة نبات الاغلاث ، أسوة بما أورده كتاب لسان العرب عن النباتات السالف بيانها آنفا .

واستكمالا لفائدة البحث .. نقول : انه ورد في مادة ( حلف ) في كتاب ( لسان العرب ) لابن منظور ما نصه : (( الجوهري: الحلفاء نبت في الماء ، وقال الأصمعي : حلفة بكسر اللام . وفي حديث بدر ، أن عتبة بن ربيعة برز لعبيدة ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا الذي في الحلفاء .. أراد : أنا الأسد ، لان مأوى الاسد الآجام ومنابت الحلفاء ،

وهو نبت معروف ، وقيل : هو قصب لم يدرك . والحلفاء واحد يراد به الجمع - وقد تقدم هذا - كالقصباء والطرفاء وقيل واحدته حلفاة ، وحلف - بضم الحاء - وحليف - بفتحها - اسمان . وذو الحليفة موضع .

وعلى ذكر ذى الحليفة فهو اسم لموضعين أحدهما : ميقات أهل المدينة وهو معروف في جنوبها ، ولا أدري لم سمي بذي الحليفة هل لوجود الحلفاء فيه قديما ام لماذا ؟.. والآخر موضع بين حاذة وذات عرق . وكانت حاذة كثيرة الاسود (١٦)

الحلفاء والبردي من فصيلة واحدة :

ذكرت آنفا وصف الحلفاء وقلت : انها شبيهة في الشكل العام بالبردي.وحينما تبدت لى هذه النظرية نتيجة المشاهدة لكلا النباتين في الباحة وفي وادى الحليفة بديار بني سليم، لم أكن اطلعت وقتئذ على ما قاله لسان العرب من أنهما معا من فصيلة الاغلاث ، كما لم أطلع حينئذ على بيت شعر أورده ( تاج العروس ) في مادة ( حلف ) حيث جمع الشاعر العربي ( في بيته ) , (( بين البردي والحلفاء )) مما يدل على تماثلهما في نظر

العرب في كل شئ .. قال الشاعر :    يعدو بمثل اسود رقة ، والثرى           خرجت من البردي والحلفاء

هل ذو الحليفة الذي تذكره المراجع هو هذا الوادي ؟ :

جاء في تاج العروس لمرتضى الزبيدى : ( وذو الحليفة الذى في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه : كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بذى الحليفة من تهامة ، وأصبنا نهب غنم ، فهو موضع بين حاذة وذات عرق) - مادة حلف - . وقد راجعنا مادة ( حاذة ) في معجم البلدان لياقوت الحموى ، فوجدناه يقول : (( الحاذ نبت ، واحدتها حاذة .. عن أبى عبيدة ، وهو موضع كثير الاسود )) ..

ثم راجعنا ( ذات عرق ) في معحم البلدان لياقوت .. فاذا هو يقول : (( وذات عرق مهل أهل العراق ، وهو الحد بين نجد وتهامة ، وقيل عرق جبل بطريق مكة ، ومنه ذات عرق . وعرق هو الجبل المشرف على ذات عرق ، واياه عنى ساعدة الخ )

فهل ذو الحليفة الواقع بين حاذة وذات عرق هو هذا الوادى الذى نحن فيه الآن ؟

الوصول الى حقيقة ذلك ايجابا أو سلبا في حاجة الى مزيد من البحث والتحقيق والمقارنة . .

في وادي حليفة :

ولخصب وادى حليفة -أو ذى الحليفة- وكثرة مياهه وطيب جوه ومناخه ، فلا غرابة اذا استقر به بعض الاعراب من سليم ، مع أغنامهم وأنعامهم ، وبالفعل فقد شاهدناأبيات شعر - بفتح الشين والعين - مصوبة من بعيد في داخل الوادى بقرب اجمات من الحلفاء . . لا بد أن بقربها ماء زلالا. ورأينا أغنامهم وأنعامهم ترعى في هذا الوادي الذى ربما يكون هو الوادى الذى نزل به الرسول صلى الله عليه وسلم وتحدث عنه صاحبه رافع بن خديج رضى الله عنه .

حرة بثن :

لقد اجتزنا وادى الحليفة أو ذى الحليفة ودخلنا حرة بثن - بكسر الباء الموحدة وفتح الثاء المثلثة ، بعدها نون - ولقد راجعت ما لدى من المراجع لعلى أجد أصلا لهذا الاسم للحرة هذه فما وجدته حتى الان . وقد عثرت في معجم ما استعجم للبكرى ما ملخصه : (( فأما البثنة - باسكان ثانيه وفتح النون ، على وزن فعلة - فارض تلقاء سويقة بالمدينة ، وقد أعمرها عبد الله بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب بمال امرأته هند ، وأجرى عيونها ، وهي البثنات ، ثم أخربت . وأصل البثننة : الارض السهلة ) ولست أدرى علاقة تلك

الارض بهذه الحرة ، وربما تكون أرض البثننة في ناحية بعيدة من نواحي الحرة هذه , فسميت الحرة كلها بها من باب تسمية الكل باسم الجزء ، وهذا تقدير محض منى ،مبنى على تلاصق أماكن بادية بلاد العرب وجهلنا اليوم لأغلب وجوه هذا التلاصق وعلمهم به علما مؤكدا عن تجارب ومشاهدة

وقد ذكر ابراهيم رفعت في كتابه (( مرآة الحرمين )) خيف البثننة ووصفه وصفا دقيقا. ويفهم من وصفه له أثناء حجه أن هذا الخيف هو المرحلة الثانية من ينبع النخل نحو المدينة وقال عنه (( وفيه عين كعين وادى الليمون التى وصفناها لك في الرحلة الثانية من الطريق الشرقى . وعين البثنة ينحرف لها الطريق الى جهة اليسار من درجة ٥٥الى٣٣ وتسير على ذلك الانحراف ساعتين )) ص٩٧ و٩٨ ج٢ ، ويقصد ابراهيم رفعت بسيره ساعتين ، السير على الجمال اذ لم تكن السيارات تسير بالحجاز عامئذ سنة ١٣٢١ ه - ١٩٠٣ م كما هو معلوم .

ويبدو من مقارنة النص المذكور بما ورد عن (( البثنة )) في معجم ما استعجم للبكرى أن هذه البثنة ربما تكون البثنة التى يشير البكرى الى أن بها خيف البثنة الذى عمره عبد الله بن عبد الله بن حسن ثم خرب ، فان يكنه ، فقد عمر بعد ذلك . وأية كانت البثنة هذه فليست (( بثن )) بلاد

بنى سليم التى لم نحد لها حتى الآن ذكرا في المعاجم والمراجع .

وحرة بثن السلمية ، حرة مستعصية شديدة الاستعصاء ، الا أن المعدات الحديثة الضخمة سرعان ما تمكنت من تذليلها، فقد نسفت منها ما أرادت نسفه ، وقلمت براثن ما تريد تقليمه من براثنها الحادة ومن ثم مهدتها وعبدتها وخلقت منها طريقا سويا سير عليه السيارات من جدة ومن مكة .. الى بلاد سليم التى طالما اعتصمت بهذه الحرات وبهذه الجبال الشواهق من الغزاة في جاهلية وفي اسلام . وطالما تحصنت بها فسلمت من تقليم أظافرها من قبل الحكام وغير الحكام . . ومع ذلك فلا بد من عمليات اذلال وتطويع أشمل وأكمل لهذه الحرات التى تكشر أنيابها عن طبيعة ضارية كلما أبطأت عنها عمليات التشذيب والاصلاح فترة مديدة أو غير قصيرة من الزمن ، فلا بد من توالى التمهيد وتتابع الاصلاح والعسف ومدهما الى داخل بلاد بنى سليم . ثم تأتى بعد ذلك ان شاء الله عمليتا بناء الجسور في الأودية ، والسفلتة .

وحجارة الحرات في طبيعتها شذوذ وحدة وضراوة ، فهى مثل السكاكين الحادة ومن دأبها أن تتسلط على عجلات السيارات فتذيبها أو تحدث فيها خروقا وفتوقا ، فتنفجر وتقف السيارة ان لم تتدحرج الى الهاوية البعيدة بأسفل منها التى يسميها صاحبنا عبيد السلمي

( خطاطيف ) . كما سيمر بك في فصل غير بعيد .

وادى اهالة :

الترادف كثير في أسماء مواضع بلاد العرب . . ولا أدرى أكان ذلك بسبب أن كل قبيلة أو بطن أو عشيرة تسمى أماكنها بما يروق لها أو بما ترى أنه يناسبها أو لمناسبات خاصة،أو أنهم يختارون أسماءها اختيار بدون مراعاة تعدد الاختيار ، فيحصل هذا التماوج والتشابه والتماثل والترادف الذى يكاد يكون لا حد له .

هذه (( اهالة سليم )) ويوجد اسم مكان آخر بعيد عن بلاد سليم يحمل هذا الاسم نفسه.. فهى موضع بين جبال طي وفيد ، وقد ورد اسمها المذكور في شعر لعبد الرحمن بن جهم الأسدي أورده صاحب (( معجم ما استعجم )) في مادة (( اهالة )) . وهناك موضع ثالث من بلادهم يحمل هذا الاسم أيضا وهو ( اهالة بنى مازن ) التى حددها ياقوت في (( معجم البلدان )) في مادتي : (فليج واهالة).. فقال : ( وغير ان فليج من العيون التى يجتمع فيها فيوض أودية المدينة ، وهي العقيق وقناة بطحان .. قال هلال بن الاشعر المازنى :

أقول وقد جاوزت نعمى وناقتي

      تحن الى جنب فليج مع الفجر :

سقى الله يا ناق ! البلاد التي بها

      هواك وان عنا نأت سبل القطر

فسقيا لصحراء الاهالة مربعا

      وللوقبى من منزل دمث مثر

ويتجلى من هذا أيضا أن ( اهالة ) هذه لا تمت الى ( اهالة ) ديار سليم بأي صلة ، وبينهما تنائف وأودية وجبال ومسافات شاسعة .. ان ( اهالة بنى مازن ) بشمال المدينة لانها مجمع فيوض أودية المدينة : العقيق وقناة وبطحان .. على ما قال به ياقوت في كتابه معجم البلدان (١٧)

و ( اهالة بلاد بنى سليم ) لم أجد لها ذكرا فيما اطلعت عليه من المراجع ، وسيمر بك ان (( اهالة )) قرية من قرى بنى سليم ، ولا أدرى : ألقرية سميت باسم الحرة ؟ أو الحرة سميت باسم القرية ؟ وعلى كل فلم أعثر لهما في المراجع على ذكر أو اشارة أفلا يكون السلميون اذن قد استعاروا اسم (( اهالة )) في أزمان متأخرة عن احدى ( الاهالات ) الموجودة بهذا الاسم في بلاد العرب المجاورة لهم منذ القدم ؟

كنا على ظهر حرة ( اهالة ) في الساعة الخامسة الا ربعا بالتوقيت الغروبى المحلى لمدينة جدة وبعد ما هبطنا من أعالى حرة اهالة الهائلة هبطنا واديها الذى يشقه الطريق الى قرية الكامل .

وعندما كنا بوسط جبال اهالة وحراتها القاتمة المتلاصقة المتسلسلة ذكرنى هذا

المنظر ، بمنظر جبال مماثلة ارتقيناها على شئ من الحذر في منطقة الباحة .. ألا وهي جبال بيضان المطلة من عل على تهامة . . اطلالة من يمتطى الطائرة في الجوعلى من في المزرعة في الوادي،بيد أن هناك فرقا مهما بين المنظرين لا بد من اماطة اللثام عنه، والتحدث عنه بصراحة وبوضوح .. فان جبال البيضان وغيرها في منطقة الباحة باردة وكلما ارتفع المرء فيها يزداد الجو برودة وهى مع ذلك مكسوة بسندس أخضر أنيق من أشجار العرعر والطلح والسلم والعتم وبالألوان لا أفقه حقيقتها ولا أسماءها من النباتات والاعشاب. أما جبال اهالة بنى سليم فهي شديدة الحرارة تنفث الحرور الملتهب الذي يزداد وقده كلما صعد المرء الى قممها .. وليس يكسوها سوى أشباح متناثرة متباعدة باهتة من شجيرات السلم وشجيرات أخرى من الطلح والسمر وفي أوديتها بعض المزارع المتناثرة والضئيلة وجلها باهت الالوان ، مرهق من الظمأ،وفيح الحرور الذى ينصب عليها من وقد الشمس ..وجبال منطقة الباحة ( سروية ) تمتاز بالعلو الشاهق عن سطح البحر ، ولذلك امتازت بلطافة الجو ، وبالاكتساء بثياب فضفاضة وسميكة من أنواع الاشجار والاعشاب الجميلة المنعشة المبهجة . أما جبال اهالة سليم مهما تعل فهي لا تعلو عن سطح البحر الا قليلا ، لانها تهامية البيئة .. وقد تطاولت أعناقنا

والسيارة تعدو بنا .. تطاولت أعناقنا لتلتقط شئا من نسيم يزيل عنا كرب الحرور وضغطه الشديد على الجو .. لكي ينفذ أكبادنا الحرى من هذا الجو الملتهب فلم نجد للنسم البارد أى أثر بين هذه الهضاب السود الحالكة القاتمه التى تتجاوب كل التجاوب مع أشعة الشمس المحرقة ، فتتنفس هى الاخرى بلهيب رهيب .. يعم كل مكان بها، ويشمل كل جو فيها، ويلفح كل من يعيش أو يسير في ربوعها بسموم ويحموم .

من آثار عوامل التعرية أيضا :

وقد لاحظت - ونحن على مشارف قرية الكامل ، وفوق جبال اهالة وحراتها - أن عوامل التعرية قد أنشبت مخالبها الحادة في هذه الحبال وفي هذه الحرات ،فعرتها وأزالت الكثير من بشرتها ، وأبرزت ما كان خافيا من باطن جسومها للعيان . ومن ثم غيرت سحنها ومعالمها الاصلة .. فأنت تشاهد من بعد على قمم الجبال وسفوحها ما تكاد تجزم بأنه عمارات بشرية منظمة من بينها أفنية ( أحوشة ) مسورة ومساكن مبنية، ولكنك عندما تدنو منها يستبين لك جليا أنه ليس هنا أفنية ولا منازل مبنية . ان هو الا أثر عوامل التعرية التى نحتت هذه الجبال نحتا ، وغيرت من معالمها تغييرا كبيرا ، كان من آثاره ، ما يخيل اليك من بعيد

انه أفنية مشادة مربعة ومخمسة ومثلثة الاشكال ، وما يخيل اليك من بعيد أنه بيوت من طبقة واحدة فوق قمم الجبال وفي ذراها - بفتح الذال - أى أوساطها وسفوحها .. وكنت قد شاهدت ما يضارع هذه التشكلات في الطريق الى الشمال من المدينة المنورة قرب بلدة تيماء .. بيد أن الجبال هنا كلها داكنة الالوان ، والجبال هناك بيض الالوان .. في أغلب الاحيان .

رحلة مغامرة :

هذا وقد سجلت في دفتر مذكراتى الصغير ونحن على صهوة حرة البثن الشاهقة التى يسير الطريق الممهد فوق ظهور حرارها وجبالها، متخذا احتياطاته الفنية الممكنة في حافات القمم حيث من الممكن جدا أن تنزلق أية سيارة الى الطرف الذى تحته الهوات من القمم ، بأقل سهو ، أو بسنة من نوم السائق ، أو بسبب طارئ من أسباب انحراف العجلات بضع سنتمترات عن مسارها الضيق الهش الملتوى . . سجلت في دفتر مذكراتى الصغير ما يأتى:

(( هذه رحلة مغامرة ولا تخلو من خطر الانزلاق والهوي من الطريق الذى يطوق رؤوس الجبال الى المهاوي والاودية التى تقع تحته مباشرة الا اذا لطف الله بالمسافرين وحفتهم رعايته ، ثم كان السائق ذا مهارة فنية فائقة وشجاعة كافية )) .

الى الامام :

الساعة الآن : الخامسة، قبيل الظهر بقليل، وذلك بالتوقيت الغروبى المحلى لمدينة جدة ، وها هى ذي كتل الجبال الحرية الشديدة الحرارة والوعورة تتجمع حشودها وتتراكم بنودها أمامنا وعن أيماننا وشمائلنا ووراءنا. وهى بتراكمها وتزاحمها تكاد تسد عنا منافذ الطريق ، والهواء معا ، فنحن الآن مغرقون في الحرور مفتقدون للهواء الذى نريد أن تستنشقه بلهفة وشوق كبيرين، معنون من تعب السفر المتواصل في هذا الجو القاسى العنيف.

ان هذه الجبال المتجمعة في كل أفق واتجاه تكاد تغلق عنا حتى الآفاق العلوية الرحبة ، وهذا ما ادخل علينا شيئا من الخوف من عواقب هذه الرحلة المغامرة التى انتقلنا فيها من جو جدة المعتدل الرطب الى جو مناقض له في كل شئ .

هنا خطاطيف :

وقال لنا عبيد السلمي - مشيرا الى الهوة السحيقة التى نعلوها والتى هي بجانب الطريق الممهد الذي يتبعه السائق سعيد جبريل بدقة وحرص وانتباه كامل .. قال عبيد : (هنا خطاطيف) .. وسألته عن قصده من قوله : (خطاطيف) فقال : أعنى أن هنا - وأشار الى يسارنا مكانا خطرا شديد الخطورة على سالك هذا

الخيط الدقيق الذى هو الطريق الذى نسير فوقه .. فاذا مالت - لا قدر الله - ركوبة المسافر في نحو هذه الخطاطيف المتربصة به، فان مصيره أن يهوي الى واد عميق سرعان ما يفرق بينه وبين الحياة الدنيا .

وقد استعذنا بالله من هذه الخطاطيف الجبلية المرعبة الرهبة ..

الخطاطيف في اللغة الفصحى :

وعبيد السلمي حينما قال : ( هنا خطاطيف ) فانما قال ذلك نقلا عن قومه المعاصرين الذين نقلوا هذه الصيغة عبر القرون عن أسلافهم العرب القدامي . . فصبغة (( خطاطيف )) عربية فصيحة عميقة الجذور في الفصاحة ، وقد نطق بها في شعره الرصين أحد جيران بنى سليم الأقدمين من شعراء بنى ذبيان من غطفان وهو (( زياد )) الذبيانى الشاعر الجاهلى المعروف.. الذى كان أحد أصحاب المعلقات، وكان نبوغه في الشعر في وقت متأخر من حياته سبب تلقيبه بالنابغة،لدى قومه ثم لدى العرب ثم لدى العالم .

قال النابغة الذبيانى - زياد - يعتذر الى ملك العرب في الحيرة صديقه الاثير النعمان بن المنذر من وشاية وشي بها عليه ، اليه :

فانك كالليل الذي هو مدركى

       وان خلت أن المنتأى عنك واسع:

خطاطيف حجن في حبال متينة

       تمد  بها  أيد  اليك  نوازع !!

والخطاطيف هنا جمع ( خطاف ) بضم الخاء وبعدها طاء مهملة مشددة مفتوحة بعدها ألف ففاء .. والخطاف لغة بمعنى الآلة الحديدية التى يلقط بها الدلو خطفا من قاع البئر مثلا .

وقد لاح من سياق حديث صاحبنا عبيد السلمي ان ( الخطاف ) الذى يقصده في حديثه عن خطر المهاوي التي يعلوها مباشرة هو ما يختطف أيا كان ، وهذه الهوة الفاغرة فاها المهروت المرعب الرهيب لاستقبال كل من يسير فوق هذه الجبال حيث يمتد هذا الطريق الخيطي الملتوى ذات اليمين وذات الشمال بفنية دقيقة محكمة وبحذر وحرص على السلامة .. هذه الهوة هى خطافية الواقع ، وان لم تكن خطافية الاسم والمسمى في اللغة الشاعرة ، ولكأنها بواقعها المخيف ذات جاذبية قوية كجاذبية الارض أو أشد ، فهى تجتذب أو تحاول بكل ما أوتيت من ضراوة وعرامة أن تجر بخطاطيفها المسافرين الذين يسيرون فوقها الى أسفلها مباشرة بايقاعهم في حبائلها من طريق الرعب القاتل أو من طريق الاستدراج الماثل ، أو من طريق اللامبالاة الفتاكة .. أو عدم الاهتمام البالغ بما تنطوي عليه من جاذبية مكنونة هائلة ، ذات طاقة خارقة تدفع

الركاب الى حافة الهاوية ومن ثم تلقي بهم الى الهاوية في الصميم.. وهذه وظيفة الخطاطيف: الجذب والتشبث .. ولكن الخطاطيف حديد يرفع الشئ المخطوف من أسفل الى فوق لينقذه من الهوة أو من البئر ، وهذه حجارة ، حرية ، تخطف الركاب من فوق الى أسفل لترديهم ، والحديد والحجارة من طبعة واحدة وان اختلفت الاهداف والاتجاهات .

عشب البروق :

وعشب البروق - بفتح الباء وسكون الراء بعدها واو مفتوحة فقاف-عرفه الاصمعى في كتاب (( النبات والشجر )) له ، بأنه : ( فلفل البر ) .. وعلق على هذا التعريف محقق الكتاب وناشره وجامع رواياته الدكتور أوغست هفنر ، فقال عنه : ( هو شجر ضعيف له خضرة دقاق في رؤوسها في عبل مثل الحمص ، فيها حب أسود ) . وعرفه كتاب ( معجم أسماء النبات الواردة في تاج العروس ) بقوله : ( شجيرة ضعيفة اذا غامت السماء اخضرت ) قاله ابن حبيب . .

قال أبو حنيفة : وأخبرنى أعرابى أن البروقة بقلة سوء تنبت في أول البقل ، لها دقاق في رؤوسها قماعيل صغار مثل الحمص فيها حب أسود . قال : ومن ضعفها اذا

حميت عليها الشمس ذبلت على المكان.قال : ولا يرعاها شئ ، غير أن الناس اذا أسنتوا -أجدبوا - سلقوها ثم عصروا مرها من علقمة فيها ، ثم عالجوها مع الهبيد أو غيره، وأكلوها. ولا تؤكل وحدها لانها تورث التهيج ..

قال : وهى مما يمر ع في الحدب ، ويقل في الخصب .. فاذا أصابها المطر الغزير هلكت .. قال : واذا رأيناها قد كثرت وخشنت خفنا السنة .. وقال غيره من الأعراب : البروقة بقلة سوء تنبت في أول البقل ، لها قصبة مثل السياط ، وثمرة سوداء (١٨)

هذا ما أوردته المعاجم اللغوية عن نبات البروق أو شجيرته .. ويفهم من مجموعه أنها كانت تؤكل في سنوات الجدب لدى العرب . . أو بعضهم ، بحكم الضرورة . . والحاجة الملحة . . ولكنها لا تؤكل كما هى رأسا،بل ان العرب الذين كانوا يأكلونها يقومون بمعالجتها واستصلاحها ، بأن تخلط مع الهبيد الذى هو (الحنظل أو حبه) أو مع غيره،لتخف حدتها ولتستساغ .. كما يفهم مما ذكر أن البروق تبات من نبات الجدب وشح الامطار وليس من نبات الخصب بحال .. ومعنى ذلك أن ظهوره على وجه الارض يدل على أن الارض مجدبة ويدل على شح المطر ..                      *  *  *

وبعد فان الاوصاف التى نقلتها الينا مراجع اللغة عن التعريف بنبات أو شجيرات البروق هى مطابقة لما رأينا في حرة البثن وقال لنا عبيد السلمى انه هو ( البروق ) . .

وقد أضاف لنا عبد السلمى على ما أوردته المراجع من مزج البروق بالهبيد الذى هو الحنظل أو حبه، ليستطيعوا بلعه أو قضمه - أضاف ان أعراب العصر الحاضر صاروا يمزجون البروق بغير الهبيد .. صاروا يمزجونه في سني المحل بالمضير ويخلطونه معه خلطا جيدا ، ليساعد ذلك على تكثيره من جهة فيسد رمق أكبر مقدار ممكن من الناس ، وليزول أثره الحريف من جهة أخرى .

قبل قرية الكامل :

قرية الكامل هى أم قرى منطقة بنى سليم اليوم .. فيها مركز الامارة ، ومراكز الدور الحكومية واللاسلكى . وبينما نحن نهبط الى الوهاد من أعالى الحرار وأعالى الجبال ، في هذا الطريق الحربي الذى سلطت عليه أجهزة وزارة المواصلات فخفضت من كبريائه التى استمرت منذ خلقه الله .

وطامنت من عنجهيته وكسرت من أنفه .. بينما نحن في عملية هذا الهبوط الشديد شكلا وموضوعا اذ التفت الينا عبيد السلمى، وقال وقد شعر بشئ من اليأس والملل يتسرب الى قلوبنا من طول الطريق وعدم وصولنا حتى الى مداخل قرية الكامل التى نقصدها.

قال : ( أنظروا الى ذلك الجبل المستعرض أمامنا في ناحية اليسار .. ان قرية الكامل التى تقصدها تستقر في لحفه وسفحه الموالى لنا ). وقد استبشرنا أيما استبشار بهذا الكلام المعسول الذى جاء في الوقت المناسب ، فنحن الآن في غاية من الارهاق والصب والتعب، والعرق يتصبب بغزارة من أبشارنا، وأدمغتنا تكاد تفور من شدة الصيهود والحرور الذى تنفثه علينا مجموعة هذه الجبال التهامية عاكسة له من وهج الشمس المحرقة فوق ذراها وفوق سفوحها . . والصيهود هذا محيط بجونا ومغلف له احاطة السوار بالمعصم وتغليف الجلد للكتاب ، ونحن في وسط هذا الجو الملتهب نعانى منه أشد ما يعانيه مسافر في فصل قيظ سابغ الحرارة ملتهبها .

خيالات مبهجة :

وأقبلت علينا الخيالات المبهجة تتراقص أمامنا وفوق رؤوسنا وداخلها .. عن قرية الكامل التى علمنا من محدثنا السلمي فيما مضى أنها ذات حدائق غناء وحدائقها الغناء من النخيل . ويسقى الحدائق نبع ماء نمير آت من بعض الجبال المجاورة . وقد أمعنت - بضم التاء - في الحيال .. تبعا لهذا الظرف الجديد الذى نحن مقبلون على الدخول فيه .. فلا بد أن قرية الكامل كاسمها .. ولا بد لنا اذن من جولات في معالمها ، ولا بد لنا اذن من جولات في

حدائقها الملتفة ذات الماء الوفير ، ولا بد لنا من زورة لنبعها الفياض، ولا بد لنا من شربة هنيئة ومريئة من زلاله السلسبيل، ثم اننا سنرتاح عما قريب من هذا العناء الذي يغطنا من قممنا إلى أقدامنا، اذا ما بلغنا قرية الكامل أم قرى ديار . بنى سليم،وسنلاقى ترحيبا حارا وسنلقى عنا ما حملناه من أثقال المتاعب في الطريق ، ويزول كل العناء ويحل محله الهناء .. خاصة وقد بلغنا أم قرى المنطقة ، واتصلنا ببنى سليم من كثب ، وشاهدنا بلادهم واستنشقنا نسماتها العذاب ، وتجولنا في جنباتها الحسان .

واقع من حرور وحرب عوان :

ثم هبطنا من أسنمة الحرات المتسلسلة فجأة الى وهدة منخفضة جدا ، عالية الحرارة جدا، والوهدة التى هبطنا اليها متسعة جدا ، وهى كلها مفعمة بحصى المرو -الخرسانة أو الزلط- لأنها عبارة عن واد أفيح طويل عريض ،وقد شعرنا أول ما هبطنا هذا الوادى الذى يفصل بين الحرار العالية وبين قرية الكامل - بأن السيارة لم تعد تسير على عجلاتها وحدها ، وانما أضيف الى سيرها على العجلات سيرها على بطنها وجميع أجهزتها الموالية للارض ، وصار السائق يقلب الموجه (الدروكسيون)ذات اليمين وذات الشمال ويضعه في المكان الذى يعطى أكبر قوة دفع الى مكنة السيارة ، فاذا هى

تزمجر أولا ثم تئن ثانيا ، وما يكاد صوتها المجلجل يخف قليلا حتى يغير السائق حركة الموجه ( الدركسيون ) ويعيد نقله الى المكان الذى يعطى المكنة أكبر قوة دفع وسير وهكذا .. لقد كنا وقتئذ في دوامة وبحران واضطراب نفسى وجسمى بالغ.وكان أخشى ما كنا نخشاه من هذه التحركات العنيفة، ومن هذه التحركات المخيفة، ومن هذه المسيرة غير الطبعية أن تنطلق حصاة كبيرة أو حصوات كبيرات من أرض المعركة، وترتفع صعدا باندفاع الصاروخ الى المكنة الزاحفة على بطنها فتصيبها في مقتل وتخرق المكنة فيتعطل السير وتتعطل السيارة فان أقواز الحصى التى كانت في الطريق بالمرصاد للسيارة في كل مكان هى أخطر وأضخم من أن تتحداها هذه السيارة الخفيفة الضعيفة الضئيلة التى حملناها ما لا تطيق حسب ما علمنا أخيرا من أنها أول سيارة صغيرة وصلت الى قرية الكامل في التاريخ .. ولكن لطف الله قد حف بنا ، فلم تنخرق المكنة ولم ينخرق وعاء الماء ، وكل ما في الامر أن مصدر - بضم الميم وفتح الصاد وكسر الدال المهملة - حرارة المكنة الى الخارج ( الشكمان ) قد انخرق وتلف فصار صوته مزعجا لنا أشبه ما يكون بصوت الحوامة -طيارة الهليكوبتر أو أشد - وقد استمر على حالته هذه حتى وصلنا قرية الكامل بالسلامة ثم استمر عليها حتى وصلنا مكة ومن مكة الى أن وصلنا جدا..

وقيل لنا ان انخراق وعاء خروج الحرارة من المكنة ( الشكمان) نعمة من الله خفية علينا ولطفا كريما بالسيارة أولا وبنا ثانيا فان ذلك كان فيه تنفيس كبير لحرارتها المشتعلة في هذه المنطقة التهامية الملتهبة التى نجتازها في فصل القيظ الكارب .. ولولا هذا الانفتاق الذى حدث للشكمان ما أمكن للسيارة مطلقا أن تجتاز هذه المسافة كلها في طريق عودتها في حمارة القيظ وفي منتصف النهار حيث كانت أشعة الشمس عمودية ترسل شواظا ناريا من الحر المحرق على طريق عودتنا الى مكة فجدة .. في منتصف نهار الجمعة .. الميمون .

معركة هائلة :

وان ننس لا ننس المعركة الهائلة التى نشبت مفاجأة ومن غير سابق اعلان حرب بين سيارة البيجو والوادى - وادى وبح - ممثلا في حجارته المستديرة الكبيرة المفعم بها افعاما بالغا ، وهى مما تجلبه السيول اليه من الاماكن البعيدة والقريبة، فهذه معركة خطرة استفحل أمرها، ودام (التراشق) العنيف فيها من جانب واحد .. هو الوادى .. الذى أفرغ كل قواه وقواته وكل ذخائره الوفيرة في صد مسيرة سيارتنا واستسلامها المطلق لجيوشه اللجبة من حصى صلد قوي الاندفاع يتطاير باستمرار الى باطن السيارة للفتك بأجهزتها الحيوية ، في أثناء زحفها فوقها واضطرابها في أرض المعركة .. وكنا في جوف السيارة

نستمع الى طلقات مدوية من صواريخ الوادى ( من الارض الى الجو ) .. من أرض الوادى - الى سفل السيارة ، وكانت الطلقات المتواترة المتوالية القوية تتبعث باستمرار وبدون توقف على السيارة .. وكنا نطلب ، اللطف والتيسير من الله وندعوه بحرارة واخلاص أن يهب لنا ولسيارتنا الصغرى السلامة حتى نصل بها الى قرية الكامل وتعود منها الى مكة فجدة بسلامة وهناء .

وبحمد الله فلم تتوقف ال السيارة عن زحفها واضطرابها بين تلال الوادى الحجرية

المتربصة بها فى كل مرصد ولم تستسلم ومضت في دفاعها وفي هجومها وفي سيرها الوئيد حتى وصلت شاطئ الوادى الخطر ، ومن ثم قفزت قفزات فنية ارتفعت بها عن أرض الوادى ، وهكذا سلمت من الفخ المنصوب لها وسلمنا أيضا بسلامتها ولله الحمد والمنة .

بيد أن قذيفة حجرية موجهة كانت قد أصابت ( الشكمان ) كما أشرنا اليها آنفا ، فانخرق الشكمان وكان يمص صوت المكنة ويخرج زفيرها وحرورها ، وبانخراقه دخلنا في دوامة جديدة من دوي الاصوات المزعجة المنبعثة منه على طول خط السير في طريق عودتنا الى

جدة . . وكان هذا الجرح الدامى أول وآخر ما أصاب السيارة في معركتها الضارية مع الوادى المغراق ذى السلاح الحجرى الفتاك.

لقد أدركنا الآن سبب عدم جرأة السيارات الصغيرة على تحمل مسؤولية اجتياز هذا الطريق الى قرية الكامل خاصة وقرى بنى سليم بوجه عام .. والقائها عبء السفر الى ديارهم على السيارات المرسيدس الكبيرة واللوارى المماثلة المرتفعة هياكلها كثيرا عن الارض بارتفاع عجلاتها الضخمة الكبيرة التى تقيها من شن الوادى حربا شعواء عليها أثناء اجتيازها لخط مرورها

ذكريات وخواطر :

عندما اشتد أوار المعركة القائمة بين السيارة والوادي رأيتنا نحن الخمسة واجمين ، ولا بد أن كلا منا كانت تدور في رأسه خواطر غير مشرقة عن المستقبل القريب والبعد . والواقع اننا قد غرقنا اذ ذاك في بحر من الهموم والاشجان .. ولقد شردت الافكار وتاهت في كل مكان ، وهبطت بنا الى أودية سحيقة من الخيالات المعتمة .. فلو - لا قدر الله - أصابت قذيفة طائشة مكنة السيارة أو وعاء مائها كما كان مقدرا ومنتظرا من واقع الحال لكان مصير رحلتنا الاخفاق ، وللقينا متاعب جمة في هذا المكان المجهول بالنسبة لنا والذى

قلما ترتاده السيارات بياض النهار ، اتقاءا لحره وقيظه وصيهوده .. ثم ماذا يكون مصير السيارة التى نمتطيها اذا حدث لها ما لا تحمد عقباه ؟ وكيف تعود الى جدة للاصلاح؟ ومن ذا الذى يتحمل عناء اعادتها ؟ وأية سيارة أو رافعة (ونش) تغامر بالقدوم الى هذا المكان النائى لتجر هذه السيارة وتعود بها الى جدة ؟ كل هذه الافكار داعبت ذهن كاتب هذه السطور بقوة وبضراوة وداعبت أذهان اخوانه. ولكننا سرعان ما تمكنا من صرف شياطينها عنا بتذكرنا أن فضل الله ولطفه أقرب مما نظن وما نتخيل .. وقد استعذت بالله من الشيطان الرجيم..

فزالت عن القلب كل آثار الوسواس الخناس وعاد الانفتاح البه .. وتحدثت مع الزملاء و لا بد أن هذا كان موقفهم أيضا وأطلقت النكات ورنت الضحكات .. وسرعان مارأينا أنفسنا ورأينا سيارتنا بمنجاة من أذى الوادى وحجارته وطلقاته .. لقد صعدنا منه الى قرية الكامل وسارت السيارة على أرض مستوية ملساء ، لا حجارة فيها ولا طلقات ولا صدام ..

ووادي وبح هذا في حقيقة واقعه المستعرض المستطيل بحاجة ماسة الى جسور من الاسمنت المسلح على غرار الجسور التى رأيناها تبنى في طريق الطائف - الباحة.. فالى وزارة المواصلات النشطة في مشروعاتها وأعمالها نزجى هذا الامل .

في قرية الكامل :

حينما وصلنا قرية الكامل رأينا أفرادا من بنى سليم يتجمعون حول سيارتنا البيجو ويتأملونها ويطوفون حولها .. ولم نكن نعرف الباعث لهم على هذا التجمع والتأمل.. حتى أمسى المساء واجتمعنا ببعض رجالات بنى سليم الذين وافوا لزيارتنا فأفادونا عفو الخاطر بأن هذه السيارة هى أول سيارة صغيرة تصل الى منطقة سليم والى قرية الكامل بالذات .. وأشادوا باعجابهم من اختراقها وادى وبح ، مع صغرها .. وقديما قيل: اذا عرف السبب بطل العجب .. وقد عرفنا السبب الآن في تجمع بعض السلميين حول السيارة لحظة قدومنا .. فبطل العجب .

مسافة الطريق بين جدة وقرية الكامل :

هذا وقد استغرق سيرنا من جدة الى قرية الكامل خمس ساعات وربع الساعة وكنا قد

مكثنا زهاء ساعة في عسفان لتناول طعام الافطار فاذا راعينا أن معدل سير سيارتنا كان نحو ٥٠ كيلو مترا في الساعة الواحدة ، فان المسافة بين جدة وقرية الكامل رأسا هى نحو ٢٣٠ كيلو مترا .

قرية الكامل :

لعل اسم قرية الكامل القديم هو (( خيف ذي القبر )) أو (( خيف النعم )) . ولست أدرى سبب تسميتها باسم (( قرية الكامل )) ، ومن هو الكامل هذا ؟ أو ما هو ؟

وفي مداخل قرية الكامل استرعى أنظارنا منظر بيت منقوش بمربعات خضر وصف وزرق ، نقشا بلديا جميلا ، والبيت من دور واحد .

وقرية الكامل هى أول قرية يصل اليها القادم من جدة أو من مكة الى ديار بنى سليم . وهى كما أسلفنا مقر امارة المنطقة ومقر دور الحكومة . وربما كان من أسباب

اختيارها لتكون عاصمة المنطقة، قربها من مكة وجدة .. بخلاف ما عداها من القرى فهى موغلة في الداخل . وقد وصلناها في الساعة السادسة الا ربعا بالتوقيت الغروبى المحلى لجدة الذى ضبطت عليه ساعتى .

وأقرب القرى السلمية الى قرية الكامل شمالا هى قرية(( مهايع )) بوادى ساية نفسه الذى تقع فيه قرية الكامل ..

وقرية مهايع من القرى العريفة في ديار بنى سليم ولها ذكر في المصادر الجغرافية والتاريخية العربية القديمة ، ولا تزال موجودة الى اليوم . وقد اجتمعنا في منزلنا بجوار مقهى منعم السلمى في ليلة الجمعة الموافق ٢١ ربيع الثانى سنة ١٣٩٠ ه مع أحد رؤساء قرية مهايع واسمه ( حسين بن حيا ) وهو شيخ كبير السن ، طوال ، نحيف الجسم ، قوي البنية،بشوش

أقنى الأنف ، ذو لحية خفيفة ، مستطيل الوجه ، قمحي اللون . وقد تحادثنا معه حديثا لطيفا عن بلادهم وعن مهايع بالذات، فأفادني بأنه لديه بعض آثار لو تمكنت من زيارته في داره لأطلعنى عليها .. فشكرته .. ثم اجتمعنا به في نفس الليلة في حفلة العشاء التي أقامها لنا ضيف الله بن عزيز بن هندي السلمي في داره بقرية بنى سليم المجاورة لحدائق النخيل وقد حضر الحفل جمع غفير من وجوه بنى سليم . ودارت فيه أحاديث أدبية وتاريخية قيمة .. وكان ضيف الله حفيا بنا وكريما كعادة العرب من قديم .

سحن السلميين :

وفي مقامنا بقرية الكامل تأملت سحن السلميين ، فوجدت الغالب على ألوانهم

السمرة وبعضهم ذوو ألوان قمحية كالشيخ حسين بن حيا والشيخ حامد بن حباب السلمى ، وتغلب على سحن وجوههم السحنة العربية الاصيلة في عيونهم وجباههم وأنوفهم وشفاههم ، وتميل فامات أغلبهم الذين رأيناهم أو اجتمعنا بهم الى الاعتدال ، وقليل منهم الطوال ، قلة القصار ، وهم خفيفو الاجسام ، لا سمنة لديهم ، مطلقا ، فيمن رأيناهم أو لاقيناهم ، وهذا يدل على أنهم ذوو حركة دائمة ، فان المكث والجلوس والراحة الدائمة مجلبة للسمنة في أغلب الاحيان

وعند أكثر الناس .. حتى شيبهم وكهولهم لم نر فيهم ذا اللحم المكتنز ، هم وشبابهم سواء في خفة اللحم ، واعتدال الجسم .

جولة في قرية الكامل :

رأينا أن نقيم في طرف من المقهى الكبير المكيف تكييفا ساذجا بسيطا ولكنه مهم ،وهو مقهى منعم السلمى أخى ناعم السلمى صاحب مقهى عسفان الذى نزلنا به وتناولنا فيه طعام افطارنا .

وقد أنزلنا أفرشتنا وهي كثيرة وفيرة ، وفيها السجاجيد ، والمخدات والمراتب وأخذنا

جناحا كاملا من هذا المقهى الواسع الخلوي وفرشناها به على حصر - بضم الحاء والصاد- المقهى . . وبعد أن نظمنا فراشنا وجلس عليه من أحسب الجلوس ، واسترخى فيه من أحب الاسترخاء ، طالعنا ساعاتنا فاذا الوقت وقت الظهر ، وقد آن وقت الصلاة ، فقمنا وتوضأنا من أباريق معدة لذلك وصلينا الظهر - ظهر يوم الخميس وعصره جمعا وقصرا، ثم بدأنا في تهيئة طعام الغداء الذى كان متوافرا معنا في ( مطابقه ) المحكمة الغطاء ، فسخناه ووضعناه في الصحون ووضعنا الصحون على سفرة من نايلون أحضرناها معنا من جدة لهذا الغرض ، ثم نهضنا الى الطعام فتناولناه بشهية كاملة،وكان

لدينا ماء مثلج في ثلاجتين متوسطتين أحضرناهما معنا من أجل الشرب،حذرا من أن نشرب في الطريق ماءا غير صحي .. وقد أكلنا هنيئا وشربنا مريئا ، وصنعنا الشاي المنعنع وشربناه بشهية .

وحينما نفد ما معنا من ماء قام السائق وملأ الثلاجات من ماء البئر الواقعة أمام المقهى . . وبردناه في ثلاجة صاحب القهوة التى تحمى بالغاز وصرنا نشربه وكان بعضنا أو جلنا يعتقد اعتقادا جازما انه بقايا الماء الذى جلبناه معنا الى جدة ، وتركناه على عقيدته حتى لا يتأثر من شربه الذي يعتقد انه مدعاة للملاريا .. وقد سلم الله الجميع منها ولله الحمد والمنة .

كان ذلك كله برغم وقوة الحر في هذه الظهيرة في هذه المنطقة التهامية الواطئة المكتنفة في كل ناحية بالجبال الشاهقة والحرات المحترقة المحرقة . . وقد لاحظنا أن فيضا من النشاط يسري في أوصالنا وأجسامنا ، وعزا بعضنا هذا النشاط الى صحة هواء المنطقة برغم شدة حرارتها . . وقد تأملنا وجوه السكان من بنى سليم من أطفال وأيفاع وشباب وكهول وشيوخ وهم يمرون بنا فرأينا علامات الصحة بادية على وجوههم طافحة بها جباههم ، برغم نحافة أجسادهم وعدم حملها لكثير من اللحم والشحم . .

زيارات وترحيبات :

بعد أن خفت وقدة الحرور ، ودخلنا في الاصيل تسامع بعض بني سليم بمقدمنا الى بلادهم ، على غرة ، وبدون سابق علم منهم، فأقبلوا علينا زرافات ووحدانا ، يرحبون ويحيون ، ويعاتبون لأننا لم نبلغهم بمقدمنا مقدما،ولم نشعرهم بحضورنا الى قرية الكامل . . فاعتذرنا لهم بعذر مناسب ، وقلنا لهم فيما قلناه عن سبب عدم اشعارهم بمقدمنا : ان الرحلة كانت مفاجأة لنا نحن وعفو الخاطر كما يعلم أخونا : عبيد السلمى رائد

الرحلة ، فقد قررنا البدء فيها في ليلة الخميس ( البارحة ) فقط ، ونفذناها فعلا في فجره . . فليس لدينا متسع من الوقت،والحالة ما ذكر ، لاخبار أى أحد بها . . لضيق الوقت . وقد قبلوا عذرنا على مضض منهم ، وجاءنا من أعيانهم حامد بن حباب السلمى رئيس هيئة الامر بالمعروف ، وذلك قبل صلاة المغرب .. ثم عاد الينا من المسجد بعد أن صلى المغرب .

وعلى ذكر (( حباب )) فان الحباب .. اسم عربي قديم ورد في كتب التاريخ العربي اسما للحباب بن عمرو من قوم صالح ، وذكروا له قصيدة ينعي بها قومه الذين أهلكهم الله . قالها يتحسر على هلاكهم بعد الرجفة التي حاقت بهم ومنها :

كانت ثمود ذوي عز ومكرمة

    ما أن يضام لهم في الناس من جار

فأهلكوا  ناقة  كانت  لربهم

    قد  أنذروها  فكانوا  غير  أبرار

وفي النفس شئ عن صحة نسبة البيتين المارين الى أحد أقوام صالح عليه السلام .. لما يلوح على أسلوبها من رواء العربية العدنانية الاسلامية .

ضيافة ضيف الله :

هذا وقد جاءنا قبله ضيف الله ابن عزيز بن هندى السلمي وهو شاب متعلم

ولازمنا ملازمة الظل ، وأبى مطلقا الا أن نستجيب لدعوته الكريمة في ليلة الجمعه التى نحن بها .. وكان قد رافقنا مشكورا في تجوالنا في حدائق النخيل بوادى وبح بعد صلاة العصر من يوم الخميس .

وكان يحدثنا باستمرار وبدقة عن بلادهم وخيراتها وأحوالها،ولم يكتف بذلك بل أغرانا

اغراءا موفقا بأن نزور قرية الكامل ذاتها،وماكنا تحققنا موقعها من قبل،وكنا نخال أنها في منطقة المقهى الذى نزلنا به .. ولكن ظهر بأخرة أنها بمنأى عن ذلك المقهى وأنها تقع خلف حدائق نخيل الوادى في سفح جبل أو جبال غير شاهقة ، ممتدة هنالك .

وقد رأينا دور بنى سليم القديمة قبل عهد الابتعاث والاحياء الذى حققته لهم الحكومة العربية السعودية منذ فتحت لديهم أول مدرسة، وأنشأت لديهم هيئة للأمر بالمعروف ومنذ عينت لهم أميرا بداخل منطقتهم وأوجدت لديهم لاسلكيا ، وبنت دورا للحكومة ومستوصفا،ومنذ تولت طريقهم البالغ الوعورة بالتمهيد والاصلاح ، وكان ذروة عناية الحكومة السعودية بشأنهم واصلاح أوضاعهم في عهد الملك الموفق ( فيصل بن عبد العزيز ) ايده الله ونصره (*)      وخلال جولتنا نحن الخمسة القادمين على سيارتنا الى قرية الكامل ، وأثناء امداد ضيف الله لنا بمعلومات طيبة عن تاريخ القرية ونشأتها وتطورها - أخذ لنا الحفيد الطالب زهير بن نبيه الانصارى ، صورا للقرية ،

ولنبع الماء وبعض الجبال التى تقترب منه ولبعض المناظر . ومن ذلك : صورة الدكان الذي يملكه : ( سنين ابن الشيخ فواز السلمى ) .. لقد أخذنا صورة دكانه مع صورته وهو واقف بجانبها . . وكان قد عمرها سنة ١٣٦٢ه فى عهد امارة عبدالله بن ثواب الملقب بأبى يابس ، لهذه المنطقة .. ومما قاله لنا سنين - بضم السين المهملة وفتح النون بعدها ياء مشددة مكسورة فنون - : انه بنى هذه الدكان

في ذلك العام ، في الخلاء الخالى .. والآن بعد مرور ثمانية وعشرين عاما على

بنائه لها ترونها في وسط القرية بين الدكاكين والمساجد . .

نفوس منطقة الكامل :

حدثنا ضيف الله بن عزيز بن هندي السلمى ، بأن نفوس منطقة الكامل تبلغ الآن نحو مائة وستين ألف نسمة . وقرى المنطقة تبلغ ٤٩ قرية وهذا بيانها الذى أعطانا اياه ( مكتوبا ) عمه حسين بن هندى السلمى :     (( تنقسم قرى ديار بني سليم الى قسمين : ( قرى منطقة الكامل ) التي هي بوادي ساية، و( قرى وادي ستارة ) :

فقرى منطقة الكامل بوادى ساية هى :      قرية ملح ، وقرية الخايلة ، وقرية اهالة، وقرية الفوقاء ، وقرية القعر ، وقرية القرية، وقرية السبعان ، وقرية المثانية ، وقرية اللحي ، وقرية صومح ، وقرية المزارع ، وقرية الصعيب ، وقرية الشعبة ، وقرية الرماضة ، وقرية الخدد ، وقرية مهايع(وبها مدرسة ابتدائية) ، وقرية المضحاة ( وبها مدرسة ابتدائية ) وقرية شوان أبو جفين ، وقرية العبيدية ، وقرية المثناة ( وبها مدرسة ابتدائية ) ، وقرية غريف التراجمة ، وقرية غريف الجلاه ، وقرية الخديد ، وبها مدرسة ابتدائية ، وقرية الفارغ ، وبها مدرسة ابتدائية ، وقرية الوقبة، وقرية العقلة ، وبها

مدرسة ابتدائية ، وقرية اللصب ، وقرية حظي ، وقرية المروانى ، وقرية الحنو .

وفي وادي ستارة بديار بنى سليم القرى التالية :      الضعية ، الحاوي ، الغروف ، مخمرة ، ( وبها مدرسة ابتدائية ) ، جليلة ، الدبيسية ، المراصيع ، السليم ( وبها مركز الامارة

ومدرسة ابتدائية ) . والشعبة : قرية أخرى في وادى ستارة بهذا الاسم وهى غير الشعبة القرية التى بوادي ساية وقد تقدمت ضمن قراها ) ، البيار، المديد ، ودغان ، النهيمية ، المعالى ، الدوارة ، فهذه تسع وأربعون قرية ببلاد بني سليم في الظرف الراهن .

بنو سليم في جهات أخرى :

وقد ذكر الاستاذ محمد عبد الحميد مرداد ، في رحلته عن ( مدائن صالح ) أن ممن ينزلون الآن في أرض ثمود : ( مدائن صالح ) من البدو الرحل ، بعض بني سليم .. قال : ( والذين يرعون مواشيهم حول مدائن صالح وربما ينصبون خيامهم حول الحجر ووادي المعظم وهدية الى

تبوك ، معظمهم من قبائل الشمال الذين هم من جهينة ومن بلي وبني عطية وعنزة وسليم وغيرهم من البدو الرحل من معظم القبائل العربية لكن الاغلبية لمن ذكرت أسماؤهم : وهؤلاء لهم عادات وتقاليد وأهازيج جميلة ينشدونها أمام ضيوفهم ، كما يكرمون كل من يحل بهم ضيفا وينزلون على أخبيتهم الخ ) ..

ثم قال عن سليم : ( سليم على صيغة التصغير .. وبنو سليم كثيرون والمقصود منهم هنا سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان ، قبيلة عظيمة شهيرة، كانت تسكن في عالية نجد وبالقرب من خيبر ، ومنازلهم حرة سليم وحرة النار

التى ذكرها النابغة في شعره :

أما عصيت فاني غير منفلت

      مني اللصاب فجنبا حرة النار

ووادي القرى ( العلا ) وتيماء ، ومعظمهم قد رحلوا الى افريقية وسكنوا برقة .

وبنو سليم منهم أبطال أنجاد ، وعندهم الخيل الجياد ، ولهم تاريخ مجيد ) .. ص ١٩٣ و ١٩٤ و ١٩٥ من الجزء الاول طبعة مصر سنة ١٣٩٠ ه - ١٩٧٠ م .

المرافق الحكومية في قرية الكامل

هذا وبقرية الكامل جميع دور الحكومة . . وبها مسجد حديث ، بني بعد تداعى المسجد القديم ، وهما متجاوران . وقذ أخذنا لهما صورتين ، احداهما تري في آخر

الصفحة السابقة ، والاخرى في آخر هذه الصفحة بالذات .

وقد اقترح علينا ضيف الله أن نأخذ صورا لبعض دور بني سليم في قرية الكامل ومنها منزله الواسع المبيض بالرخام ذو الفناء الواسع الذى تناولنا عنده فيه بعد صلاة العشاء الذبائح السمينة بالارز .. مع جماعة من بنى عمومته ، منهم الشيخ حسين ابن حيا أحد رؤساء قرية مهايع الذى قدم في تلك الليلة من مكة مع جماعة آخرين على سيارة كبيرة من نوع المرسيدس .. ولما علم بنا آثر زيارتنا على راحته وعلى الذهاب الى أهله ، فاتفق هو ومن معه - ولعله كان وراء هذا الاتفاق رغبة أكيدة من ضيف الله السلمي مضيفنا في تلك الليلة-على أن يبقوا معنا حتى نتناول

طعام العشاء معهم، في دار ضيف الله بن عزيز ابن هندى السلمى . وممن بقى معنا يؤنسنا بأحاديثه العذبة عن ديار بنى سليم، حامد بن حباب السلمى الذى كان مشتركا وحيدا بالمنهل منذ نحو عشر سنوات .. لقد كان رجلا أنيسا هادئ الطبع ، متعلما .. ومتدينا .. ولذلك عينته الحكومة رئيسا لهيئة الأمر بالمعروف هنا..

جبل شمنصير :

وفي أثناء جولتنا بقرية الكامل النائية عن مستقرنا والتى تقوم على شاطئ الوادى - وادى وبح - من الجهة الاخرى - الجهة الجنوبية بالنسبة لمنزلنا .. كان ضمن ما شاهدناه ، وأرانا اياه ضيف الله ، جبل شمنصير،رأيناه شامخا ممتدا مستعرضا منبسط السطح من بعيد في الجهة الشرقية بالنسبة لقرية الكامل .. وقد ذكر لنا ضيف الله وصحبه شيئا عن طبيعته وما يحويه من منابع ماء فياضة وأشجار ونبات غض وفواكه وغيرها، وأناسى من بني عمومته .. وتمنينا - لو نستطيع - أن نذهب اليه لنشاهد آثاره وما يموج فيه من حيوان وما يضطرب فيه من أناس وما يحويه من مختلف ألوان النبات والشجر الذي يصفه لنا عرام وغير عرام - ليكون انا بكل ذلك علم يقين ومشاهدة بعد

أن كان علم أخبار وأنباء كتب وأحاديث أناسى . .

نبع ماء وادي وبح :

وقد تناولت جولتنا بعد العصر جميع قرية الكامل .. ثم دلفنا باشارة من ضيف الله

وعبيد السلميين - دلفنا الى ناحية الشمال من القرية وهبطنا جبلا عموديا هنالك الى عين ماء غزيرة قال لنا ضيف الله انها تتبع من جبل شرقى القرية وأرانا اياه رأي العين وكان قريبا منا .

وكانت هذه العين الجارية مئات السنين ،ذات ماء عذب فياض ، وقد وضعت لها في أزمان قديمة بركة شبه مربعة أو شبه مستديرة واسعة لتستقبل وفود الماء الفياضة القادمة من منبعها ولتصدرها أيضا في نفس الوقت الى منطقة حدائق النخيل المجاورة وربما الى غيرها أيضا وقد أخذنا مغرافا من صفيح كانت احدى السلميات

المستقيات من العين آنئذ تستعمله وملأناه من ماء العين الغزيرة . وبرغم تحذير بعض الزملاء لنا من شربه لأنه قد يكون حاملا لبيض الملاريا الموجود في مياه هذه المنطقة -على حد قوله- ما كان منها نبعا جاريا وما كان مستنقعا راكدا، فاننا لم نبال بهذه التحذيرات، وشربنا الماء ، فوجدناه نميرا صافيا لا يخلو من برودة برغم التهاب الجو هنا بحرارة القيظ الشاملة ..

وحدثني عبيد بن محمد السلمي فقال : انه من وادي وبح ووادي ساية تفيض ثلاث عيون : عين جرش ، وعين الشريرية - بضم الشين وفتح الراء الاولى وسكون الياء بعدها

راء مكسورة فياء مشددة فتاء مربوطة - ، وعين ثالثة الى وادي المرواني ، وتجري العيون الثلاث من وادي المرواني في قسمين: قسم على ظاهر الأرض وقسم في باطنها ويتكون منها ومن عين وادي الخوار مشروع ماء خليص الذي يسقي مدينة جدة ..

عود على بدء :

ثم قطعنا وادى وبح على أقدامنا ثانية عائدين الى منطقة دور الحكومة ، بقرب المقهى الذى كان به نزولنا .. وقد لقينا عنتا من هذا المشى المتوالى على الاقدام في واد متسع كل أرضه من الحصى الصلب المستدير الكبير المؤذي دعسه بالاقدام ، للأقدام والاجسام بالاضافة الى سفرنا المتواصل بين الاودية والحرات والجبال ، في وقت ارتفعت فيه

درجة الحرارة الى أبعد حد ، حتى ليكاد الجو المكفهر أن يتفجر . ومع شعورنا بالاعياء والرهق ، فقد كانت هذه الجولة الاستكشافية محببة الينا ، مسلية لنا . وطيلة سيرنا على الاقدام مع ضيف الله وصحبه، لم يبرح يلح علينا الحاحا متواصلا لا ينقطع على أن نتقبل دعوته ، فقد سبق السيف العذل ، اذ دعا علية القوم ووجوه البلد ، وليس من اللائق بنا ولا به أن لا نستجيب .. لقد أخجلنا الرجل بكرمه والحاحه ومنطقه الحكيم وكنا اذ ذاك في ذروة الاعياء ، نكاد نسقط على الارض من شدة الاعياء والنصب ، وكنا نجرر أرجلنا كما يشاهد هو، والارهاق باد على قسمات وجوهنا ، وفي حديثنا المتهافت المتقطع الهامس ، ثم في

مشينا الوئيد ، وهذا الوادي المملوء بالحجارة المستديرة التي تطؤها أقدامنا فنغوص فيها وتضطرب فنضطرب هو مما زاد الطينة بلة كما يقولون .

ولعل من المناسب أن نذكر هنا بالمناسبة أن وادي وبح يسيل في مجراه المتسع العريض بداخل قرية الكامل ومن ثم يذهب الى (( خليص )) غربا ثم يصب في البحر ،وهو يأتى من الشرق من رأس القرى الى شمنصير فالكامل ، ويبلغ طوله نحو ٣٠٠ كيلو متر . ومعلوم أن وادى خليص الذى يسقى مدينة جدة هو امتداد لوادى وبح هذا .

وقد تابعنا سيرنا على الاقدام لقطع عرض الوادي العريض في طريق عودتنا الى منزلنا .

وحينما بلغنا الجبيل المشرف على وادي وبح، شاهدنا ملتقى الواديين أو مجمعهما:وادي ساية ووادى ستارة معا .

وعلى الجبيل المشار اليه تقام الآن عمارات حكومية حديثة بالاسمنت المسلح لأول مرة في هذه المنطقة .. والعمارات هي: للامارة وللمدرسة المتوسطة والابتدائية وللشرطة . ومن ثم أشرفنا على وادي ستارة وعلى مزرعة صاحبنا مبارك عبد التواب السلمى ثم هبطنا الى مقرنا بمقهى منعم السلمى ..

هذا وفى كل الطريق لم يكف صاحبنا ضيف الله عن مطالبتنا باجابة دعوته وقد بسطنا أمامه كل أعذارنا التى يلمسها فما قبل واحدا منها .. وازداد طلبه عنفا ولطفا . وهكذا الكرم العربى .

وتماهلنا في اعطاء الجواب الايجابى كل التماهل وقلنا : لعل وساطة زميلنا عبيد السلمي في عرض اعتذارنا الصادق على ضيف الله بن عزيز بن هندى السلمى تكون أنجح،ولكن عبيد السلمى كان في حقيقة رأيه الى جانب ضيف الله ونحن في أعماق نفوسنا معهما .. ولكن كما يقول المثل العامى : ( العين بصيرة واليد قصيرة )

وأخيرا وبعد لأي شعرنا بأن لا بد مما ليس منه بد .. لا بد من الاستجابة للدعوة الموجهة الينا لأن الامر جد وليس بالهزل .. مهما يكن نصبنا بالغا ، وتعبنا عاليا ، وشاملا .. فعرضنا عليه في آخر لحظة ، قبولنا لتكريمه وضيافته ونزولنا عند رغبته الكريمة .. وطلبنا منه أن يعجل الطعام .. حتى ننام مبكرين .. فسر الرجل بالغ السرور بهذه المبادرة،ونهض،ولم تصل العشاء حتى أحضر لنا لوريا كبيرا نقلنا جميعا

الى منزله الرحب بشاطئ الوادى الآخر في قلب قرية الكامل، وهناك وجدنا مصابيح مضاءة قوية ، وفناء دار جميلا واسعا ، مفروشا بالطنافس والمراتب والمخدات، والمتكآت العربية وقدمت القهوة، فاحتسينا كؤوسها غير المترعة . . ثم مدت سفرة مديدة ووضعت عليها جفان مملوءة بالخرفان السمينة،وبالأرز المطهو اللذيذ.. فأكلنا هنيئا ، وشربنا من ماء زلال بارد يقدمه أخوان لنا ولهم ..

ثم شربنا القهوة العربية والشاى .. وكانت الساعة عندها قد بلغت نحو الرابعة ليلا بالتوقيت الغروبي لمدينة جدة فاسترخصنا منه فأذن لنا مشكورا بالعودة ، ونقلنا اللورى مرة ثانية إلى مقرنا ، ومعنا الضيوف . . ومعنا المضيف ضيف الله بن عزيز بن هندى السلمى .. وقد شكرنا له كثيرا أريحيته العربية الاصيلة . وحينما وصلنا الى جدة بالسلامة أبرقنا له بالوصول ، شاكرين له ضيافته السخية وحفاوته المرضية . وقد أجاب برقيتنا له ببرقيته التاليه :

الاستاذ عبد القدوس الانصارى ، الاستاذ عبد القادر طاهر ، الاخ سعد صبر ، الاخ عبيد السلمى   جدة   الشرقية

تلقينا برقيتكم ٤٤٠٣ في ٢٥-٤-١٣٩٠ه المعبرة عن شعوركم الطيب . وبالنيابة عن أهالى منطقة الكامل وبالاصالة عن نفسى

أشكر لكم ، زيارتكم الميمونة لبلادنا . جزاكم الله عنا بأحسن الجزاء. واننى أعتذر في تأخير الرد حيث كنت في مكة المكرمة أرجو المعذرة .               أخوكم : (الكامل) ضيف الله عزيز هندى السلمى

أشياء لا توجد الآن في ديار بني سليم :

هذا وقد سألنا عما اذا كان في ديار بنى سليم كتب مخطوطة موروثة أو مكتبات خاصة محفوظة ، أو حجج شرعية قديمة ، أو كهرباء عمومية في بعض كبريات القرى. فنفوا لى وجود أى شئ من ذلك.ولكن فهمت أن عندهم وثائق قديمة بخط أسلافهم عن أملاكهم . ونعتقد أنه بالصحوة التى بدأت

تسري الى أفكارهم وديارهم ستوجد مكتبات وكهرباء عمومية، وهذا مقهى منعم السلمى بها كهرباء من مكنة خاصة .. وأول الغيث قطر ثم ينهمر .

التهيؤ للنوم وللسفر :

بعد ما عدنا من دعوة ضيف الله كنا في أعلى مستويات الارهاق والاعياء .. فأسلمنا جفوننا لنوم لذيذ مريح على ربوة عالية بعض الشئ في تل من البطحاء الناعمة أمام مقهى منعم السلمي ، وكانت أضواء النيون المنبعثة من مكنة خاصة بالمقهى تغمر كل المكان واستيقظنا على أذان الفجر الثانى فنهضنا وتوضأنا وصلينا الصبح جماعة ، ثم أقبلنا على أمتعتنا فطويناها بسرعة ، ثم نقلناها الى سطح

السيارة والى جوفها ، وحينما علمنا أن كل شئ تم على ما يرام حاسبنا صاحب المقهى ، ومن ثم أسرعنا الى السيارة فامتطيناها . كانت هناك مسابقة علنية حثيثة بيننا وبين الشمس، خشية أن تطلع علينا بعينها الحمراء الملتهبة قبل أن نكون قد قطعنا أميالا في طريق العودة الى جدة . . وكانت الساعة تبلغ العاشرة الا ربعا من صبيحة يوم الجمعة الموافق ٢١ ربيع الثانى ١٣٩٠-٢٦ يونيو ١٩٧٠ م حينما دخلنا جوف السيارة . وقد حركتها السائق فزمجرت زمجرة خفيفة ثم تحركت تزوف بعجلاتها على الارض اليابسة العالية قرب مقهى منعم، ثم دخلت في حزم وادى وبح المغراق وزمجرت وعادت لسيرتها الاولى ، ولقد شنت عليها الحجارة الصلبة المستديرة الملساء حربا عوانا ، ولكنها مضت في خطها المرسوم ، تتقبل بكل صبر وجلد ما تقذف به من صواريخ وطلقات ذات دوي هائل مرعب .. وما ان اقتربنا من المقهى الذى يقوم على حافة الوادى الثانية قريبا من حدائق نخيل الوادى الأفيح حتى سمعنا دويا ينبعث من احدى عجلات السيارة الخلفية .. لقد انفجرت العجلة .. فكان أمرا جللا وخطيرا وفاتحة غير حميدة ولا سارة بالنسبة الينا، ولكننا تحملنا الكارثة وقابلناها بوجوم ونزلو السائق وشاهد ضرب العجلة باحدى صواريخ الوادى المسددة الصائبة، فعالج اخراجها من مكانها .. ثم أخرج العجلة

الاحتياطية المخبوءة بداخل بطن السيارة وعالج تركيبها في محل المنفجره ووضع عليها اطارها الكرومي المستدير الصغير ، ونهض بعدما وضع المنفجرة في محل الصالحة وأشار لنابأن نركب السيارة لتسير الى الامام .. فامتطيناها عجلين مستلطفين الله في قرارة أنفسا وقد ساد مرح بيننا وقتها لتغطية الموقف المتأزم .. وسارت السيارة بكل بطء وأين، حتى خرجت من منطقة الوادى الصعب المراس بسلام .. وارتفعت فوق منطقة حرة بثن ثانية وأشرفنا منها من عل،على وادى وبح وقرية الكامل التى تجثم في طرفه الجنوبى .. فحمدنا الله من الاعماق وجأرنا بدعاء الله أن يكتب السلامة لنا ولسيارتنا وأن يقينا شر العثرات والبنشرات. وسارت السيارة قدما . . والمشكمان صوته المدوي المزعج خلفها، وكان بمثابة (( بوق )) اعلام بقدومنا الى أى مكان .. وهكذا حتى أقبلنا على الخط المسفلت قرب عسفان فركبته سيارتنا وحمدنا الله على أن نجانا من خطر محدق بنا .. شديد ..

هذا وقد أخذنا صورا عديدة لما صادفناه في رحلتنا ذهابا وايابا من المناظر والمشاهد الملفتة للانظار ، وترى رسومها متناثرة في هذه الرحلة ..

وقد استقرت قلوبنا في أماكنها من صدورنا

حينما امتطينا خط الاسفلت .. واطمأننا الى أن خطر الانقطاع قد زال عنا ، ثم سرنا وسرنا على اطريق المسفلت ، وصارت السيارة تتهادى فيه، براحة .. لقد اتصلنا بالعالم من جديد .. فهذه هى السيارات الصغرى والكبرى ذاهبة وقادمة في طريق مكة - المدينة . وقد أيقنا أن لا خوف علينا ولا على سارتنا حتى ولو انفجرت احدى عجلاتها أو أصابها اي تلف يعوقها عن السير فان الطريق مأهول .. بالسيارات وبالناس ..

تغيير طريق العودة :

وقد رأينا أن تغير طريق عودتنا . . لسبب ديني ، وسبب اداري . . فأما السبب الديني فتمثل فى أننا قد نشأت عندنا رغبة فى أن نصلى

صلاة الجمعة بمكة .. خاصه وان أحدنا - سعد صبر - يعتزم التوجه ليلتئذ الى معرض أوزاكا في اليابان ، ليطلع من كثب على تطور العالم التجارى والاقتصادى والصناعى . . لعله يستفيد ويفيد بلادنا في تجارته مما يرى ومما يشاهد .

وأما الباعث الادارى فيتمثل في أن الطريق من عسفان الى مكة مسفلت تسير عليه عشرات السيارات ولا ينقطع مرور السيارات فوقه . . فاذا حدث - لا سمح الله - شئ لسيارتنا المترنحة من الارهاق والمدوي شكمانها باصراخ والعويل المطرد ، فان اصلاح ما يتعطل سيكون أسهل بكثير مما لو عدنا الى جدة من الطريق غير المطروق الذى كنا

سلكناه رأسا الى ديار بنى سليم .

وقد تحقق ما كنا نرجوه ونقدره .. تماما ولله الحمد .. فلم يحدث أى عطب أو خراب بالسيارة حتى دخلنا مكة من شمالها ، وجئنا الى مكتبة الثقافة، وفي دار بجانبها توضأنا، ثم أقبلنا على المسجد الحرام وصلينا صلاة الجمعة به .. ومن ثم استأنفنا رحلتنا صوب جدة فوصلناها بسلامة الله وعندئذ تنفسنا الصعداء وشكرنا الله جل وعلا توفيقه ومنته وفضله على سلامة الاياب .

نبذ من تاريخ بني سليم الحديث: *   بيتان نبطيان وتاريخ :

قبيل انتصار الجيش العربي السعودى واحتلاله لمدينة جدة في عام ١٣٤٤ ه كان ضمن رجال ذلك الجيش ، مطر بن فرجه السلمى ومحمد بن عبيد الله السلمى وكان قائد الجيش هو خالد بن لؤي . وفي أثناء ذلك قال أحد رجال الجيش من قبيلة عتيبة بيتين من الشعر النبطى هما :

تسعين يوما بالجبال مخيمين

    نرجى فرج ربي ونصر من سماه

يا عنك يا من هو شرد ما فيه دين

    جعله يموت وزوجته تبكى علاه

*  سلميون يسهمون في    الغزوات السعودية

وعندما غزا سمو الامير فيصل بن عبد العزيز

(جلالة الملك فيصل حاليا) اليمن ، كان من جملة الجيش السعودي الذي يقوده، مجموعة من قبائل بنى سليم برئاسة بركى بن فرجة وراشد بن هندى شيخ قبائل بنى نوال سكان قرية الكامل . وكان منهم من سار في البر ومنهم من ركب البحر على الزورق البخارى العائد للحكومة وكان من ركبوا هذا الزورق برئاسة جابر بن سعاف وفايز بن سنع وعزاز ابن فرج الله .

وقد أنجز من ساروا برا مهمتهم وعاد قسم منهم . وأما الذين امتطوا متن البحر فقد غرقوا ما عدا القليل .

* مطالب سلمية تجاب :

نشر في العدد الصادر في٤-٥-١٣٨٥ه - ٣٠ أغسطس ١٩٦٥ م ، من جريدة المدينة المنورة بالصفحة الثامنة النبأ التالى تحت عنوان : ( الفيصل المعظم يهتم بمطالب منطقة الكامل ويأمر الوزارات بتنفيذها ) . وهذا هو النبأ :

( الطائف : علم مكتب المدينه بأن بعض أمراء العشائر من سليم الذين يقطنون منطقة الكامل قد تقدموا الى صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم ، موضحين لجلالته مطالبهم التى تتضمن شمول فقراء المنطقة بمساعدات الضمان الاجتماعى ، وفتح مستشفى ومستوصفات بقرى المنطقة التى يبلغ عددها

٤٠ قرية والتى يوجد بها الآن مستوصف واحد . كما يطلبون تعاون وزارة المواصلات لادراج منطقتهم ضمن المناطق الزراعية التى تقوم الوزارة حاليا بتعبيد الطرق لها ، وربط قراهم بعضها ببعض . كما أوضحوا لجلالته أن الجهات المسؤولة عن المساجد قد عملت مناقصة عامة لانشاء ١٩ مسجدا موزعة على قراهم ، وقد مضت مدة كثيرة ولم يتم ذلك كما التمسوا تخصيص مرتبات لامراء العشائر هناك نظرا لخدماتهم السابقة والحالية في سبيل المحافظة على الامن والاصلاح بين المتنازعين .

وقد أصدر جلالته أمره الكريم على الوزارات المعنية : الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية والمواصلات والحج والاوقاف والصحة بتنفيذ هذه المطالب خلال العام المالى القادم وادراج الباقى ضمن موازنة الاعوام القادمة ) .

* أول مغترب من ديار    بني سليم :

مبارك عبد التواب السلمى بجدة .. من أقدم السلميين الذين نزحوا عن بلادهم الى جدة ، لطلب العيش .. ظل ثلاثين عاما بجدة، لا يريم عنها حولا ، وكان طيلة هذه المدة يتعاطى التجارة .. ولم يزر ديار بنى بليم، كان أول مغترب من ديار بنى سليم الى

احدى مدن المملكة الكبيرة، وقد أكسبته تجاربه ومكثه بجدة طموحا ووعيا بالنسبة لبنى دياره وعشيرته . وقد أسهم في التعريف بماضى تاريخ ديارهم ، باحضاره ذلك الحجر الاثرى المسجل فيه عمران ديار بني سليم من قبل العباسيين ، الى جدة .. واطلع عليه في سنة ١٣٨٥ ه رئيس تحرير هذه المجلة ونقل رسمه وكتب عنه في مقال له مسهب عن ديار بني سليم نشر بمجلة قافلة الزيت في وقته بالعدد الصادر في ذى الحجة ١٣٨٥ ه

وها هو ذا مبارك السلمى يذكر لنا في رسالته المنشورة فيما يلى ، بعض تاريخ حياته وآماله ابان اقامته المديدة بجدة، وماذا صنع من أجل ابراز شخصية بلاده المغمورة . وذلك بمناسبة ما بلغه مؤخرا عن قيام رئيس التحرير برحلة خاطفة الى ديارهم في هذا العام .

رسالة مبارك عبد التواب السلمي :

حضرة المكرم الاستاذ عبد القدوس الانصارى     المحترم

السلام عليكم وزحمة الله وبركاته.وبعد فانه في عام ١٣٨٥ ه ومن مدينة جدة قمت برحلة الى ديار بنى سليم ، أى الى ديارى وعشيرتى التى انقطعت عنها حوالى ثلاثين عاما بطلب العيش في مدينة جدة . وكنت أول

مغترب من ديار بنى سليم الى احدى مدن المملكة الكبرى ، وكنت لا أقرأ ولا أكتب آنذاك ، وحتى قبيل قيامى بالرحلة المذكورة بزمن قليل . وفي المدة التى كنت أمارس الحياة المعيشية في مدينة جدة صار عندى بعض الوعى بالنسبة لديارى وعشيرتى ،وكنت أتمنى أن أجد ما يعيننى ومن يعيننى على ابراز شخصية عشيرتى ودارى العريقة . كما ذكرتم في كتابكم ( بين التاريخ والآثار ) وكنت أحاول وأسعى للحصول على شئ من ذلك . وفعلا تحصلت عليه وسلمته لكم .

ولا أكتمكم أن تلك الرحلة التى تحصلت فيها على ذلك الاثر المنقور في الصخرة منذ عهد الدولة العباسية كانت شاقة ، حيث كانت على الأبل وقد استغرقت الرحلة ما يزيد على عشرين يوما . وبعد أن اطلعتم على ذلك الحجر الاثرى الذى عثرت عليه في ديارنا نشرتم عنه في مقال لكم نشر بمجلة قافلة الزيت وزدتم على ذلك ان كتبتم عن تاريخ بنى سليم وعن ديارهم وشخصياتهم البارزة.

واني لأشكر لكم بلسان أهلي السلميين ان نشرتم ذلك المقال .كما قرأت في مجلة (( المنهل )) وفي كتابكم المشار اليه آنفا (( بين التاريخ والآثار )) ملاحظات وآراء لكم قيمة . وانى لأشعر بالحاجة الى مزيد من جلاء تاريخ بنى سليم حتى يعيد التاريخ نفسه كما أشرتم اليه في كتابكم

المذكور بالصفحة ٥٨ ( من أن التاريخ قد يعيد نفسه بأشكال وألوان ) .

هذا ويؤسفني شديد الأسف عدم اطلاعي على سفرتكم الى بلاد ديار بنى سليم أى منطقة الكامل في الوقت الحاضر . وقد كنت سلمتكم عنوانى الكامل عندما تسلمتم منى صورة النقش الحجرى في دكان صالح شبكشى عام ١٣٨٥ ه ، كما أني سلمتكم عنواني في مكتبكم منذ نحو عامين . ولا أقصد من ذلك الا أن أحظى بمرافقتكم في الرحلة السلمية ، لتقديم ما أستطيع تقديمه من أنباء وعون أدبى .

هذا ويصلكم برفقة رسالتى هذه حجر أثرى آخر تحصلت عليه في رحلة مماثلة لرحلة الحجر الاول .. لتأخذوا منه ما طاب لكم أخذه من معلومات ، ومن ثم تعيدونه الي ، اذا قضيتم منه لازمكم .

وتقبلوا تحياتى . جدة في ٩-٦-١٣٩٠ ه

وهذا حل نقوشه الخطية حسب ما تمكنت من قراءتها بعد لأي :

بسم الله الرحمن الرحيم الله نور السموات والار ض نور لجعفر بن

الحسين بن يونس في قبره وألحقه بعتبة محمد صلى الله عليه وسلم

أما زمن نقر هذا الشاهد الأثرى فأرى أنه قد يكون قرينا أو قريبا لنقر حجر الشاهد السلمى الاول الذى وافانا به مبارك عبد التواب السلمى من ديارهم والذى نشرنا عنه وحفظنا نصه وقرأناه ونشرناه ونشرنا تحقيقا علميا حوله في مقال ( فافلة الزيت ) أولا ثم في كتاب ( بين التاريخ والآثار ) ثانيا .

اشترك في نشرتنا البريدية