الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الرحلة الأندلسية للورد اني، والبحث عن المجد الضائع

Share

على الوردانى شاعر ورحالة تونسى ، عاش فى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن اذ ولد سنة 1861 ببلدة الوردانين من جهة الساحل وتوفى سنة 1914(1 ) .

وهو من أوائل التونسيين الذين انخرطوا بالمدرسة الصادقية وقلقوا بها تعليما قوميا يجمع بين أصالة الثقافة العربية الاسلامية وبين العلوم الحديثة حسب المنهج الذى اختاره خير الدين بمعية نخبة من علماء عصره من أمثال سالم بوحاجب وبيرم الخامس .

وقد اتقن الوردانى اللغتين الفرنسية والتركية بالاضافة الى لغته العربية ، واستنجبه خير الدين فضمه كاتبا الى حاشيته . ولما استقال من الوزارة الكبرى وشد الرحال الى الاستانة التحق به على الوردانى . وبقى بمقر الخلاف العثمانية سنوات عديدة اتقن خلالها اللسان التركى اتقانا جيدا . وكلف فى السنة الاخيرة من اقامته باسطنبول بالمشاركة فى البحث عن المخطوطات العربية فى الاندلس بوصفه مترجما لهذه البعثة .

عاد على الوردانى فى أواخر سنة 1888 الى تونس فانضم الى قسم الترجمة بالكتابة العامة للحكومة ، وشارك أصدقاءه من خريجى المدرسة الصادقية نشاطهم الثقافي وحضر اجتماعاتهم الوطنية ، ومن أبرز اصدقائه البشر وعلى بوشوشة وغيرهما . كما كان يمد جريدة الحاضرة بمقطوعاته الشعرية بالاضافة الى رحلته الاندلسية التى نشرت تباعا على صفحات جريدة الحاضرة ( 2 )

وتندرج مقطوعاته الشعرية ضمن باب الأخوانيات ، وهى أشعار على قلتها متينة السبك صافية العبارة ، الا انها تخلو من تدفق الشعور وحرارة العاطفة على غرار شعراء عصره وناظميه .

وفيما يلى هذه المقطوعه التى أرخ فيها لوفاة عمر بن بركات رئيس جمعية الاوقاف .

أودى الرئيس وعقد هذا النادى             قطب السياسة سيد الانحاد

جبل هوى فى الارض بعد مكانة            بلغت من العلياء كل مراد

مما كنت احسب قبل وضفه فى الثرى      أن الثرى يعلو على الاطواد

ويقول كل الناس فى تاريخه                اودى الرئيس وعقد هذا النادى ... ( 3 )

لا أن أهم ما تركه على الوردانى هو الرحلة الاندلسية ، فمتى تمت هذه الرحلة ؟ ومما هي الاماكن التى زارها فى الفردوس المفقود ؟ وما هى انطباعاته عن هذه الرحله ؟ عندما خطر للسلطان عبد الحميد الثاني أن يظهر للناس اهتمامه بالحضارة العربية الاسلامية وجه بعثة الى اسبانيا للاطلاع في خزائنها على الكتب العربيه وباشارة من خير الدين شارك على الوردانى فى هذه البعثه العلمية للقيام بمهمة الترجمة كما أشرنا سابقا ، وكانت رئاسة هذه البعثه للعالم محمود التركزى الشنقيطى وكان ذلك فى أواخر سنة 1887, وهو التاريخ الذى ذكره الوردانى فى آخر رحلته ، فى حين أن المرحوم حسن

حسنى عبد الوهاب يذكر أنها تمت فى سنة 1878 أى قبل ان يقوم على الوردانى برحلته بعشر سنوات تقريبا . ( 4 )

كما أن الورداني ذكر في مقدمة رحلته ما يلى : "كان يوم الاربعاء المبارك الموافق تاسع عشر ذى الحجة سنة 1304( 5 ) بارحنا دار الخلافة العظمى " .

واضح اذن أن الورداني قد قام برحلته الى اسبانيا سنة 1887 وأنه بقى من 8 سبتمبر حتى 25 ديسمبر 1887 . أى قرابة أربعة أشهر وسنحاول تتبع على الوردانى فى هذه الرحلة منذ خروجه من عاصمة الخلافة العثمانية حتى رجوعه الى باريس مبرزين ما لفت انتباههه فى رحلته التى تعتبر من أهم الرحلات التى قام بها أحد الشبان التونسيين المثقفين فى أواخر القرن الماضى ونضع هكذا أمام القارئ أهم فقرات من هذه الرحلة التى لم تنشر لحد الآن رغم أهميتها واعتناء الكتاب الاوربيين بها ( 6 ) .

ولعل أهمية هذه الرحلة تكمن فى الازدواجية بين ماضى الاندلس المجيد وما فيه من عظمة سياسية وبين حاضر الامة الاسلامية وما يعتورها من ضعف وهو انها سياحة فى ماضى المسلمين ولهاث وراء المجد الضائع يحسب الوردانى قريبا ولكنه كالسراب بعيد ، وهكذا تسنى لكاتب تونسى أن يمزج فى رحلة عادية للبحث عن المخطوطات العربية فى اسبانيا بين حاضر مرير وماض عريق ، فيعيش هذا التقطع والغربة المرة ، وهو ما جعل لرحلته قيمة أدبية وفنية ومنزلة لا يستهان بها بين الرحلات السابقة واللاحقة .

من اسطنبول الى مدريد :

بعد أن تلقي الوردانى وصحبه " الاوامر العلية اللازمة والتعليمات المقتضبة من نظارة المعارف الجليلة " أخذ فى " التداركات السفرية فلما كان يوم الاربعاء تاسع عشر ذى الحجة سنة 1304 " بارح دار الخلافة العظمى .

وقد وصف لنا البحر حال خروجه من مقر الخلافة العثمانية فقال : "وعندما  ركبنا الفابور كان الهواء ساكنا لطيفا ومرآة الجو صقيلة جدا ومياه الخليج هاديه الروع والوقت وقت العصر والشمس مائلة الى حيث لغروب ( ...)ومازلنا كذلك حتى استترت عنا غرة الشمس وأشرق جبين القمر فشكلت للعيون أبهى منظر وأبهج مخبر . . "

ويصف لنا بعد ذلك بوغاز الدردنيل وقد أثار انتباهه استحكاماته العسكرية ، ومكانته الممتازة لانه " المفتاح بين أوربا وآسيا " ( 7 )

وبعد مدينه ازمير وبوغاز مسينا بايطاليا يصل الى مدينة مرسيليا ، وكجميع الرحاله العرب فى القرن التاسع عشر يهتم الوردانى بانتظام شوارع هذه الجديدة ومنتزهاتها وملاهيها ، وفي هذه المدينة - كما يقول - " يدرس اللسان العربى وله معلمون من نصارى الشام يهاجرون اليها رغبة فى كثرة المرتبات ، وهدا يدل على أن فرنسا تهتم كل الاهتمام برواج تجارتها فى البلاد العربية ورعاية منافعها بهذا اللسان " .

والطريق بين مدينتى مرسيليا وبوردو طويلة الا أن " مما يشوق الخاطر ويروث الناظر احاطة كافة سكة الحديد بالاشجار الظلية من الحانبين بحيث لا يكاد الناظر يتمكن من الاحداق اليها مع جسامتها لشدة الحركة والسير فتمرمر السحاب وتختطف الابصار اختطاف البروق كل ذلك دلالة على نمو العمران والترقى فى بلاد فرنسا . . "

ويحدث الوردانى عن كثرة الانفاق بين مدينة ايرون ومدريد ، وأقل تلك الثقوب يعبره الرتل فى خمس دقائق وأعظمها ما يعبره فى عشرين دقيقة , وقد اتخذها اللصوص مكمنا للسطو على المسافرين والتعدى عليهم .

وهنا ترد على ذهنه سانحة وهو يمر بين هذه الجبال الوعرة فيقول : "اذا تخلل الانسان بين هذه الجبال الشاهقة العديدة وتدبر في أحوالها يظهر له جليا ان هذه الموانع الطبيعية هى السبب الذي أنقذ أوربا من هجوم العرب على بلادهم ، نعم ان العرب اخترقوا هذه الصعوبات وذللوا نواصي تلك الجبال

الشامخة والموانع المستعصية حتى افتتحوها عنوة . . ودخلوا الى ممالك فرنسا الى أن وصلوا مدينة ( بواتيه ) وهي على مقربة من باريس وهنالك وقعت المعركة العظيمة والملحمة المشهورة بين عبد الرحمان الغافقي وبين أمير الافرنج ( شارل مارتل ) وطالت الحروب بين الامتين واضطر العرب للانجلاء عن تلك الديار لعدم تعودهم على شدة البرد ومقاومة أخطار الثلوج ( ... ) والجبال المذكورة هي التى منعت العرب من التسلط على شمال اسبانيا زمنا طويلا لان حكم العرب لم يكن نافذا فى تلك الامم الا باستناده على القوة القاهرة وقصاراها عندهم الخيل والاسلحة الجارحة ، وهي انما يتسع ميدانها ويمكن جولانها فى الاودية والسهول لا فى الروابى والجبال " .

الوردانى فى بلاد المجد الضائع

وحال وصوله الى بلاد الاندلس ، وفي مدريد بالذات بدأ الوردانى يتنفس الامجاد الضائعة ، فقد رأي على أبواب هذه المدينة نقوشيا متقنة ملونة مأخوذة من آثار العرب ، الا أن هذه النقوش اصطنعت بالفن الاوربى فأصبح لا يتبينها الامن كان دقيق الملاحظة ، وله معرفة تامة بالنقوش العربية .

وشاهد فى هذه المدينة الشحاذين بكثرة فتذكر بلاده يقول " ومن الغريب أن الاوربيين يعيبون علينا لوجود السؤال فى بلادنا والشحاذون عندهم أشد نكبة وأبرد قلبا مما هم عليه عندنا "

وفى مدينة الاسكوريال يقبل الوردانى على آثار القصور العربية الموجودة بالمدينة فيصف ما بها من نقوش ورسوم ، وقد استرعى انتباهه بقصر فيليب الثاني رسوم جدرانه التى تصور حروب دولة اسبانيا سواء كان مع العرب او مع الدولة العلية .

وقد عثرت البعثة المرافقة للوردانى على أكثر من ألفي كتاب عربي ويعتقد الناس خطأ - حسب الوردانى الكتب العربية الموجودة فى هذه المكتبة هى من مخلفات الاندلس ، وليس الامر كذلك فقد اظهر لى التحرى والتحقيق وكثرة المحاورة والمذاكرة مع أرباب الوقوف والاطلاع ان الاسبان لما ملكوا الاندلس أشار عليهم رؤساء الاديان بحرق الكتب الاسلامية لا سيما الدينية فكانوا كلما تمكنوا من بلاد أحرقوا كتبها الا ما بقى عند بعض الافراد وأن هذه الكتب هى من كتب زيدان أمير المغرب كان اشتراها من المشرق ، وبينما

مأموروه قد قدموا بها اذ فاجأتهم سفن اسبانيا الحربية قريبا من بوغاز سبتة ( جبل طارق ) فغلبتهم وغصبت هذه الكتب فهي فى التحقيق من كتب حكومة مراكش لا الاندلس والذى يدل على صحة ما ذهبت اليه ما شاهدته مكتوبا على أغلب الكتب من أنها ملك الامير زيدان المذكور " .

وقد أطلعه بعض قسيسى مدنية الاسكوريال على أنواع من النقود الاسلامية وقد قرأ فى وجهيها : لا اله الا الله ، والأمر كله لله ، لا قدرة الا لله بالنسبة للوجه الاول ، أما الوجه الثاني فقد قرأ الوردانى الله ربنا ومحمد رسولنا والهادى امامنا .

وفى طليطلة أحس الوردانى بالغربة ، فقد انسدت أمامه السبل فهو يقف أمام بعض الآثار ولا يدرى لمن هى ؟ فلم يستطع محاورتها ، ولم يعثر على كتابة أو نقش يدل على بانيه وصحبه .

ويدلف الى قصر ابن هود فيرى تمثال شركان وقد كتب على قاعدته : " يجب ان أقيم بافريقية أو أدخل مدينة تونس عنوة " وحول التمثال المذكور أربعة مدافع صغيرة أخبره بعض الضباط أن شرلكان أخذها من تونس مدة حربه مع الحفصى ".

ولم يعثر فى مكتبات طليطله عن الكتب العربية ، وسأل عن السبب فأجابه احد القسيسين " ان نابليون لما حارب اسبانيا واستولى عليها أخذ أغلب الكتب ونقلها الى باريس وما بقى منها فى المكتبات تناوشته أيدى الغوغاء في أثناء الثورات المتوالية التى حصلت في البلدان فكلما حصلت ثورة انتهبت تلك الكتب وحرق بعضها الى أن تلاشت بالكلية " وهكذا تفرق مجد العرب شذر مذر .

ووقف فى اشبيلية " فاذا هو نزهة للناظرين وعبرة للمتفكرين إذا رأيته استقبلك بالبشر والاستئناس واذا استخبرته ناداك وتلك الايام نداولها بين الناس واذا تذكرت حال الاوائل تمثلت بقول القائل :

كانوا بدورا وكنا فى منازلهم                      نهوى حماهم ونرجو ان ننا دمهم

قليت شعري الى أى القرى ظعنوا                فأصبحوا لا ترى الا مساكنهم

وفى غرناطه وقف مشدوها أمام قصر الحمراء " وهو من أعظم القصور الاول التى أقلتها الغبراء وأظلتها الخضراء "

ولاحظ الوردانى كثرة السواحين والمصورين الذين يسترزقون منها ، وهنا بذكر التآليف الكثيرة التى كتبها المؤلفون الاوربيون عن قصر الحمراء ، بيد أن اهتمامه كان منصبا على هذه الآثار الباقية التى تاه بين جنباتها ، ونقل بعض الابيات الشعرية منها .

وفتحت بالسيف الجزيرة عنوة             ففتحت بابا كان للنصر مبهما

أو هذا البيت :

فلو خير الاسلام فيما يريده                    لما اختار الا ان تعيش وتسلما

فاذا تأملت في هذه النقوش جزمت حالا بأن العلم والصناعة بلغتا الدرجة الاولى فى بلاد الاندلس وأن الثروة والعظمة كانتا عندهم فى سعة كما يقول الوردانى - ولاشك انه كان ممزق النفس بين ما رآه فى بطحاء الاسود لقصر الحمراء وما قرأه بالخط بالكوفي لا اله الا الله ولا غالب الا الله والغبطة المتصلة والنصر والتمكين والفتح المبين لمولانا أمير المؤمنين ، وبين المجد الذاهب والحاضر المزري . وخرج من هذه "الآثار الباكية " مسرعا ، ولكنه تذكر حديث ذلك العهد القديم :

اشخاصهم فنبت ولكن ذكرهم                  أبدا على مر الليالي باقى

وعند خروجه من قصر الحمراء قال له مزوره : " اننا استعملنا ثمانية قرون حتى زحزحنا العرب عن ملكها واستولينا على هذه القصور فقلت له أن الارض لله يورثها من يشاء من عباده ولكن هل ترى أنكم أهدرتم دماء مئات الوف من جنودكم فيها فقال بل ملايين فقلت له إن طارقا عبد موسى بن نصير ستولى على اسبانيا فى ثلاث سنين ولم يكن معه الا واحد وعشرون ألف مقاتل فاعترف بهذا المقدار " وفى قرطية دار الخلافة الاسلامية وتخت الحكومة الاندلسية نحو خمسة قرون كانت مجمع العلماء العاملين والحكماء الاساطين وهي اليوم ليس فيها من ديار منهم ولا رواية عنهم ، إذا جاء المحمدى لبته الآثار وشاركته الاطلال بلسان الاندثار :

لا أنت أنت ولا الديار ديار                خف الهوى وتقضت الاوطار "

وعندما يرى مزارع الزيتون بقرطبا يتذكر بلاد الساحل بزياتينه وبساتينه ويخيل اليه كأنه يعيش فى مسقط رأسه الوردانين ، ولكنه سرعان ما يشعر

بالانقباض عندما ريد زيارة جامع قرطبة الذى " هو من عجائب الدانيا " فيأمره القسيس بنزع الطربوش اذا اراد زيارة هذا الجامع الكنيسة .

أما فى بنسية فلم يبق من المجد الضائع سوى بابين عظيمين من أبواب المدينة ، وعلى يمين كل واحد منهما ويساره حصن من حصون أهل أندلس وكلاهما اتخذ سجنا بالمكان وليس للاسلام بها غير ما ذكر ، وقس على ذلك مدينه برشلونه التى ليس فيها من الآثار العربية شئ الا منزه واحد يسمونه الرملة .

بيد أن الاثر الباقى الذى لاحظه الوردانى هو تردد كلمات عربية فى اللغة الاسبابية وهي منديل وقنطرة وقصر وقاضى ، وبالجملة وصل عدد الكلمات العربية فى هذه اللغة الى ثلاثة آلاف كلمة الا ان بعضها طرأ عليه التحريف .

ويتساءل الوردانى هل من نسل عربي فى هذه البلاد مع بقاء أسماء عائلاتهم فيجيبه أحدهم : "لا أثر لذلك البتة " ولكنه يلتفت حوله فيشاهد عادات العرب عند اهالي اسبانيا لباس نساء البادية بها فان كيفية ثوبهن كثباب نساء البوادى بتونس . . كما ان الرجال الذين يشتغلون بخدمة البساتين لا يلبسون السراويل طوالا بل حدها الى الركبة مثل لباس رجال تونس " وبالجملة فقد تتبع الوردانى الآثار العربية حسا ومعنى فرأى هذا الامتزاج العجيب فى عاداتهم ولغتهم وحتى فى أجسامهم " من ذلك حال نسائهم فانهن من أجمل نساء أوربا لامتزاج الدم الاسبانيولى بالدم العربي وتناسب الالوان والاشكال فى أغلبهن وهن فى الحقيقة أحمل من نساء فرنسا الا أن هاتيك ربات خلاعة وآداب أخرى ، وتتميز الاسبانيوليات بقلة التبرج وعدم مزاحمة الرجال والاختلاط معهم لقلة خروجهن وعدم تعودهن على التحول الدائم والتهافت الكثير " .

ويختم الوردانى رحلته باثبات قائمة فى المخطوطات العربية الهامة التى سافرت البعثة من أجلها ، ببد أن الاهم من كل ذلك هو تصوير هذه الرحلة لشاعر الوردانى واحاسيسه ازاء الحضارة العربية الاسلامية الغارية في الاندلس وتحسره على ماضى المسلمين ومجدهم الذى فرطوا فيه بتناحرهم فيما بينهم وتفرق كلمتهم .

أما الجانب الثاني فيتمثل فى حضور تونس - الوطن والناس - فى ذهن الوردانى أينما حل وحيثما نزل : اذ يلجأ الى المقارنة والمقايسة بين وطنه وبين ما شاهده في اسبانيا كأنه فى شوق الى العودة والرجوع الى مرابع الطفولة والصبا .

ومن خلال هذه الرحلة تبدو لنا جرأة الوردانى فى التصريح بهمجية الفرنسيين فى سطوهم على المخطوطات العربية واتلافها وفي التلميح الى غزو فونس من قبل فرنسا مذكرا هذه الاخيرة بأن أبواب باريس كادت تطرق بعنف من قبل القائد عبد الرحمان الغافقي فى يوم ما .

وهكذا فان الرحلة الاندلسية تعبر بدقة عن مشاعر مثقف تونسى ازاء الحضارة العربية الاسلامية أولا وتبرز موقفه مما يتهدد البلدان الاسلامية في عصره ثانيا ، وتعطى ملاحظات دقيقة عن أحوال اسبانيا سياسيا واجتماعيا فى أواخر القرن الماضى أخيرا .

اشترك في نشرتنا البريدية