( مشاهدات ضابط تونسى فى الهند الصينية )
الرحلة فى الادب التونسى الحديث لها منزلتها ومكانتها بين فنون الادب الاخرى كالشعر والقصة وفن المقالة . ويبدو أن الوزير المصلح خير الدين هو الذى فتح الطريق أمام الكتاب التونسيين بكتابه " أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك " فظهرت كتب عديدة فى هذا الفن نذكر منها : صفوة الاعتبار لبيرم الخامس والرحلة الحجازية لمحمد السنوسى والرحلة الاندلسية للوردانى .
ولما ظهرت الصحف الوطنية فى أواخر القرن الماضى نشرت مجموعة من الرحلات التى قام بها بعض التونسيين الى أوربا أو الى الشرق ويعود ذلك الى رغبة هذه الصحف فى اتحاف قرائها : اذ لم يكن لها مخبرون يوافونها بأخبار هذه البلدان ، ولم تكن وسائل الاتصال متقدمة كما هى عليه الآن ، فظهرت على صفحات الزهرة لعبد الرحمان الرحمان الصنادلى (I865 -I935 ) وجريدة الحاضرة لعلى بوشوشة ( I859 -I917 ) من الرحلات ، من بينها الرحلة الصنية لعلى الشتيوى .
ونريد أن نهتم بهذه الرحلة لانها مجهولة لدى أغلب القراء ، ويعود ذلك الى أنها نشرت فى جريدة أسبوعية مر على ظهورها الآن قرابة القرن ، كما أن صاحبها ليس من رجال الأدب والفكر اذ هو من رجالات الجيش .
والحق أننا لا نعرف عن هذا الرجل الشئ الكثير ، وغاية ما يمكن أن نذكره أنه من مواليد القلعة الكبرى بحهة الساحل ، سافر الى الهند الصينية فى أوائل هذا القرن ضمن البعثة العسكرية الفرنسية (I) ، وقد سجل ملاحظاته عن هذه الرحلة منذ خروجه من مدينة سوسة حتى وصوله الى
ميناء هاينونغ بفيتنام . أما القسم الثانى فقد خصصه للحديث عن الناحية الاجتماعية بهذا البلد .
وسنتتبع مراحل هذه الرحلة ، ونحاول فى آخر الامر تقييمها وابراز فوائدها من الناحية الاجتماعية والثقافية .
أسباب الرحلة :
كتبت جريدة الحاضرة - التى نشرت هذه الرحلة - (2) تمهيدا بينت فيه أسباب هذه الرحلة فقالت : " لا يخفى ما للدول الافرنجية من السعى المستمر فى تقوية نفوذها السياسى وتوسيع نطاقها التجارى بالممالك المتأخرة فى مضمار الترقيات العصرية سواء فى ذلك الممالك الاسلامية وغيرها ، ومن المعلوم أيضا أن تلك الدول بعد أن وضعت يد السلطة أو الحماية على كثير من الاقطار بآسيا وافريقيا التفتت الى بلاد الصين فرأت قطرا فسيحا وخلقا عظيما قضى تأخرهم الصناعى باستجلاب البضائع الافرنجية ليتسنى بذلك للدول أن تتخذ بها منافذ لرواج تجارتها " .
وحسب الحاضرة فان دولة الصين مع كثرة رعاياها واتساع ممالكها من أضعف الدول لمحافظتها على التراتيب الحربية العتيقة والاسلحة التى أخنى عليها الدهر ، وعدم الاخذ بأسباب الاستعداد على مقتضى الوقت والحال . وازاء هذا الاختلال والضعف أخذت الروسيا تنقص الصين من أطرافها الشمالية ، وجاورتها فرنسا من جهة الطونكان ، وانقلترا من جهة الهند ، واستحوذت الدول الاوربية على الموانى والثغور الصينية ، أرسلت مجموعة من الرهبان على اختلاف مذاهبهم لنشر الديانة المسيحية فاعتنقها بضعة آلاف ، فتذرعت الدول الاوربية بحمايتهم من بنى جلدتهم الذين كونوا جمعيات سرية للتخلص فى آن واحد من استبداد حكومتهم ومن وطأة التداخلات الاجنبية ، وظهرت بوارق تلك الثورة فى الفتك بالصينيين المتنصرين وبالبرهان القسيسين ، ثم تعرضوا لرعايا الدول الاوربية فحاصروا السفراء فى منازلهم ومن بينهم ستيفون بيشون ( المقيم العام الفرنسى بتونس بعد ذلك ) ثم قتلوا سفير المانيا ، ولما تبين للدول أن هذه الحركة موجهة ضد نفوذها ، عولت على غزو الصين والانتقام من الثائرين
فجهزت جيشا بعثت به إلى الصين قوامه مائة الف جندى دخلوا عنوة مدينة بيكين واستولوا على بقية المدن . ونكلت هذه الجيوش بأهالى الصين تنكيلا تناول المجرم والبرئ .
وكانت فرنسا أثناء تلك الحوادث قد حشدت عساكرها من أقرب النقط المجاورة للصين ثم اضطرت الى تعويض ما نقص من تلك الحامية بطوائف من عساكرها بتونس والجزائر فكان من جملتهم طابور من الآى الترايور الرابع الضارب بالمملكة التونسية ، وأغلب هؤلاء الجند من المسلمين تحت امرة ضباط من الفرنسيين . أما المسلمون فلا يتجاوزون رتبة الملازم ومن هؤلاء صاحبنا على الشتيوى .
ويبدو أنه كان طلعة يجب الاسفار وركوب الاخطار ، يقول فى مقدمة رحلته : " كنت من المشتاقين من التونسيين الى استطلاع غرائب الاخبار واستكشاف عجائب الآثار والوقوف على أخبار سكان الشرق عموما وخصوصا المسلمين ساكنى تلك الاقطار حتى سنحت فرصة ارسال نجدة من عساكر الترايور الى بلاد الهند الصينى فحر كتنى الاشواق وأملت الانخراط فى سلك المسافرين الى تلك الآفاق " .
بداية الرحلة :
" وفى العاشر من نوفمبر (I90I) ركبنا متن الفابور الحربى ( كشار ) بعد أن اختبر قائد العساكر أحوال الضباط الانفار " ، وكان ذلك من ميناء سوسة فلما تحركت الدارعة باسم الله مجراها ومرساها أطلقت المدافع ايذانا بالرحيل وتنويها بهذا السفر الجليل فبقيت الانظار شاخصة الى معاهد الديار الى أن غاب الافق عن الابصار " .
ولما توارت السواحل التونسية شعر الجنود بغصة فى القلب وحسرة فى النفس على مفارقة الوطن الحبيب . وكان محمد ابن الخوجة قد أحسن قبل ذلك بهذا الشعور عند سفره الى باريس ، فقال على لسان بعض الادباء التونسيين :
يا شاطئ المرسة السلا م عليك يا نزهة العيون
وبعد أربعة أيام وصل الشتيوى وصحبه إلى بورسعيد .
بورسعيد :
لفت انتباه الشتيوى آذان الصبح بصوته الرخيم وتلاوة القرآن ، فأخذ ذلك بمجامع قلبه ، فصعد مع رفيق له الصومعة لما اعتراه من الخشوع ، ورأى دين الاسلام قائما والناس مقبلين على الصلاة ،ودخل فصلى صلاة الفجر فى الجامع الاكبر .
أما سكان بورسعيد فهم أناس أتوا من كل فج عميق يتكلمون جميع اللغات لا سيما الانفليزية والعربية ، وصناعتهم فى الغالب التجارة ، وبضائعها من غرائب مصنوعات الترك ومصر تباع بأثمان زهيدة ، وأحياء المدينة نظيفة الا أحياء الاهالى فوسخة ، وغالب السكان المسلمين تكثر فيهم الفاقة الا بعض الذوات من أرباب الخطط الادارية والشرعية ، وأسواقها دافقة بالنساء المصريات اللواتى ينتظرن عملا يأتينه بحسب مقدرتهن .
ومرسى بورسعيد فسيح كثير الحر كة والنشاط ترسو به البواخر الحربية والتجارية ، وعلى الارصفة جبال من الفحم الحجرى . وقد زار الشتيوى باخرة عسكرية عثمانية متوجهة الى اليمن ، فتذاكر مع بعض رجالها ، ورأى من حسن التنظيم وكمال التهذيب فى هذه الباخرة الحربية ما سره . ولما عاد الى باخرته التقى بقنصل فرنسا بالمكان ، وهو رجل يحسن اللسان العربى ، ذكر له أنه أقام بالقطر التونسى خمسة عشر سنة ، وذكر له أسلماء عائلات تونسية يعرفها الرجلان . وفى ترعة السويس القى جندى تونسى بنفسه فى البحر ، ولما وصل الى البر ، ودع أصدقاءه بالاشارة . وتعجب الشتيوى من هذه البواخر الراسية فى البحيرة المالحة ، وسماها بالدواهى العظمى فخامة وجسامة تتجول فى دياجير الظلمات ، وكان لها شواظ من الانوار الكهربائية تنيرها من كل جانب .
ولم يستطع الشتيوى النزول الى مدينة السويس لضيق الوقت ، وفى البحر الاحمر الذى استمرت السفينة فيه يومين واجههم بيت الله الحرام فيمموه بقلوبهم وقرأوا ما تيسر من القرآن الكريم ، ولم يحدث فى هذين اليومين " الا موت جندى أدرج فى أكفانه وهى خيشة من قماش الغراير يحملها أربعة من العساكر يرمونها فى قعر البحر مثقلا برزة من حديد وهو منظر تنفطر له الاكباد ويرق له القلب الجماد " .
وقبل الوصول الى كولومبو مات نفران من الجنود ، فأما الاول فقد دفن فى جزيرة بريم (3) ، وأما الثانى فقد القى فى البحر طعاما للحيتان الجائعة .
كولومبو :
وصلت السفينة بعد عشرين يوما من انطلاقها الى كولومبو ، وهو ميناء أسيوى تابع لحكم الانفليز ، تركن اليه البواخر الاوربية . وصادفت الشتيوى وهو فى شوارع كولومبو عربات صغيرة أعدها الاهالى لنقل الركاب يجرها أفراد من فقرائهم مكشوفو الرؤوس قد أرسلوا شعورهم وشدوها بمشط ، لا تستر عورتهم الا خرقة قماش ، وهم أهل قوة وصبر على المكاره .
وكولومبو أشبه بمدينة أوربية الا بعض أحياء يسكنها الاهالى باقية على اعوجاج طرقاتها والاحياء الاوربية تشتمل على منازل منمقة وحدائق غناء ومبان شاهقة . وهى مركز تجارى هام ، وقد لاحظ الشتيوى أن اسعار العيش منخفضة بهذه البلاد ، وان كانت أرفع من أمثالها بالديار التونسية - كما يقول - وغالب سكانها من أغنياء المسلمين الهنود يتجرون فى منسوجات الحرير والجواهر ، ولهم تمسك قوى بالاسلام دين الاهالى ولذلك تكثر فيها الجوامع ؛ ولكن لا توجد بها زوايا - وقد كانت منتشرة بالايالة التونسية - وجميع أهاليها سنيون ، وقد صلى الشتيوى وصحبه صلاة الجمعة بجامعها الاكبر ، وفى هذا الوقت تعطل جميع الاعمال (4) يقول :
" فلما دخلنا الجامع التفت الينا الناس بأعين ناطقة بالفرح والسرور ، ولما تمت الصلاة أقبل علينا اولئك الاخوان وحيونا بالسلام فرحبوا بنا واحتفلوا بنا احتفال الكرام وأظهروا سرورهم من ملاقاتنا ، وكان قد اجتمع لصلاة الجمعة نحو ستة آلاف نفس فسألونا هل نحسن القراءة والكتابة بالعربية فسردنا لهم بعض آيات من القرآن العظيم كانت باعثة على زيادة فرحهم فسألناهم عن جبل السرنديب مهبط آدم أبى البشر ؛ فأخبرونا بموقعه وأعلمونا بساعة نزوله من السماء يوم الجمعة بعد غروب الشمس ، وقالوا لنا انه فى كل وقت تنبعث من أرجاء ذلك الجبل رائحة ذكية يضوع نشرها فى الآفاق ، وفى الغالب تنزل الرحمة ويكثر المطر ، ثم صافحونا وسار بنا بعضهم لمشاهدة بعض الدكاكين والناس تزدحم حولنا وهؤلاء القوم من مسلمى الهنود يبالغون فى اكرام الضيف وتعظيمه ويتجاهرون بذلك أقل من عرب افريقيا فدعونا للضيافة وشرب المبردات فشكرنا سعيهم واعتذرنا " .
وزار الشتيوى المعالم الدينية البوذية فى هذه المدينة ، وهى هياكل متقنة
البناء مزخرفة بالوان الزينة . وبها أصنام بوذة (5) وبقية الهتهم . وكان جميع البوذيين ينظرون إلى هؤلاء الجنود شزرا ، ولم يفوهوا ببنت شفه ، ولم يذكر الشتيوى سبب احتقار البوذيين لهم . ولعل اتباع بوذا ، وهم يمثلون الرحمة والاخوة بين بنى الانسان يمقتون المحاربين ، والحرب تنشر الدمار وتكون سببا للبغضاء بين البشر .
ولما توغلت السفينة فى عرض المحيط أظلتها غمامة من ظلمات الليل فأزعجتهم قعقعة الزوابع حتى قل سير الباخرة ، واستعد من فيها لتحمل أهوالها وخالوا أنفسهم على وشك الهلاك فكان الخطب جللا ، ولما انقشعت تلك الزوبعة عادت لسيرها فى لجة البحر .
سنغفورة :
هى حسب الشتيوى مدينة عظيمة تكتنفها الغياض والبساتين النضرة . ولم يتمكن هو وصحبه من الوصول اليها الا بعد عناء طويل لوعورة مضايق نرعتها ، ويعود جمالها الى حسن موقعها ، ويأتيها السياح والتجار من كل فج عميق . وقد طاف الشتيوى فى المدينة مع رفقائه على عربات صغيرة يجرها حمالون قالوا انهم من اتباع على بن أبى طالب ، فطلبوا من بعض الحمالين أن يسيروا بهم الى ضريحه ( ؟ ) للتيمن ببر كاته فتبين أنهم من اتباع شيخ هندى تاجر يحسن العربية فأحسن وفادتهم بمنزله الرحيب ، وهذا الاكرام سنة متبعة وعادة جارية عند كرام مسلمى الهند .
ولما صلى الجمعة تجول الشتيوى فى مناكب المدينة وأسواقها ، فكانت عامرة بدكاكين الصينيين والهنود الذين يرسلون شعورهم فوق اكتافهم ، ويأكلون الطعام بعيدان ، وغالب مؤونتهم من الخضر والسمك ولحم الخنزير وبعد أن تفسح الجماعة فى حديقة الحيوانات الكائنة بهذه المدينة عادوا الى المركب . ودخلوا خليج الطونكان فى 11 ديسمبر من نفس السنة فساروا فيه يومى 11 و 13 منه .
وفى مساء I5 ديسمبر ركب الجنود فى قوارب تجارية سارت بهم فى النهر الاحمر ، وهو نهر رحيب تكتنف جوانبه الاشجار العالية والنباتات الكثيرة . ثم وصلوا الى مكان عساكر الترايور ، ودخلوا المنازل المعدة لهم " وكان فراش العساكر من التبن ونزول الضباط باوتيلات " وذلك بثغر هايفونغ .
هايفونغ :
تجول الشتيوى فى المدينة ذات الشوارع المنتظمة والطرقات الفسيحة والبناءات الانيقة ، فكانت بحق جامعة لمعدات الحضارة من كهرباء ، وكل ما يحتاجه المتحضر فى مدينة عصرية .
أما أسواقها فكثيرة وعامرة تغلب عليها العفونة لكثرة ما يجمع من الاسماك التى هى قوام عيش أهلها ، وغالبهم من الافرنج والاهالى والصينيين ، وفيهم بعض من مسلمى الهند ، وغالب تجارتها بيد الصينيين - يهود الشرق كما يقول الشتيوى -
ويتعاطى الاهالى الحرف الوطنية ، أما دكاكينهم فليست بذات بال وأكثرهم من الخدمة والمستخدمين فى الاعمال الوضيعة والاشغال الشاقة بأجرة تختلف فى اليوم بين 25 و 40 صانتيما ومساجينهم مكبلون فى الاغلال مثقلون يشتغلون بالمدينة ويعاملون أقسى المعاملات . وغالب سكان هذه المدينة يحسنون التكلم باللغة الفرنسية .
وفى I9 ديسمبر خرج الجنود آسفين لمفارقة تلك المناظر البديعة ، والغياض ذات الرياحين الرفيعة . جنات تجرى من تحتها الانهار . ووصلوا الى هانوى .
هانوى وفيترى :
" هى حاضرة عامرة تحاكى هايفونغ فى التقدم ، تجارتها رابحة وصناعتها ناجحة ، يأهلها الاناميون والصينيون والعيش بها رخيص ( ؟ ) " .
وقد عثر الشتيوى فى هذه المدينة على رجلين من تونس ، أحدهما يدعى محمد بن سليمان والآخر يسمى ساسى بن ساسى فى عسكر الترايور استوطنا هانوى وتزوجا من هذه المدينة .
أما فيترى فهى بلدة تقع فى خليج الطونكان ، فتحها سنة I885 الكومندان بيرنجى ، وانتقل الجنود بعد ذلك للقيام بتمرينات فى ادغال فيتنام وجبالها لمدة عشرة أيام ، واجتازوا بعض المدن والقرى مثل ( فوادفوى ) و ( دونغ لو ) ذات المناخ الردئ . وقد رحب الاهالى بهم ترحيبا حارا ، ولاقوا منهم كل رعاية واكرام . وفى هذه الاثناء مات أحد التونسيين فغسل وصلى عليه ودفن فى اقليم الطونكان .
وقد خصص الشتيوى الجزء الثانى من هذه الرحلة للحديث عن عادات السكان وتقاليدهم . يقول " ومن غريب العوائد التى شاهدتها فيتنام ان المرأة الواحدة قد تتزوج بثلاثة رجال بثمن بخس ، قد لا يتجاوز الاثنى عشر ريالا أى أنها تعقد على ثلاثة رجال ولا تمكن نفسها الا من واحد ، وتنكث العهد مع غيره ، فتتفصى منه بالفرار " وهو سفاح محض حسب الشتيوى . وكثيرا ما تفضى هذه الحالة للخصام والشتم والموبقات ، ويكثر ذلك فيمن يرغب من العسكر .
" وأهالى الطونكان قصار القامة ، ولكنهم متناسبو الاعضاء ، يختالون ويتبرجون فى مشيهم تغلب عليهم الرقة والرخاوة ، يغلب على لونهم الاصفرار ، شعورهم سود طويلة ، يرسلها الرجال والنساء ، وغالب الرجال لاذقن ولا شارب لهم الا المسنون منهم ، يضفرون شعورهم عكفا يشدونها على قفاهم بعمامة سوداء منتظمة " .
أما النساء فيضفرن شعورهن ضفائر يلففنها على رؤوسهن بذيل ماون وان كن حزينات يتخذن لذلك ذيلا أبيض وغطاء الرأس قبعة كالمظلة فى شكل منجل وغطاء رؤوس الرجال فى شكل قمع يوضع على العمامة من قصب الهند ، ولا فرق بين لبس المرأة ولبس الرجل وهو عبارة عن سروال واسع وسترة من قماش ، ومن النساء من يتخذن الفستان والحصارة . وغالب الاهالى حفاة ومنهم من ينتعل بمست (؟) أو قبقاب ، ويغلب على أعينهم السواد .
ويتحدث على الشتيوى عن التجارة باقليم الطونكان التى يقوم بها الصينيون فزاحموا الاوربيين كما يزاحم الاهالى اليهود بالجزائر وتونس ، وهم اقوياء البنية يرسلون شعورهم الى مناكبهم أو يحلقون رؤوسهم الا ذوؤابة يضفرونها بخيط من حرير . ومنهم الملبار يتجرون فى المنسوجات والاقمشه أو يستخدمون حراسا عند الافرنج وغطاء رؤوسهم أشبه ما يكون بالطربوش المصرى . ودينهم الوثنية .
وبعد أن يتعرض الى أعياد سكان فيتنام وأفراحهم ومعابدهم وأكبر الهتهم " بوذا " وكيف يبالغون فى نقش أصنامهم وزخرفتها ، يذكر الاعمال التى يقوم بها الرجال والنساء على السواء ، وعن الحياة الزوجية يقول الشتيوى : " وفى الغالب ترجع الزوجة للزوج ما أخذته منه من مال ومصاغ . . . ومن عاداتهم التزوج بعدة نساء كل على حسب ثروته ، ولكن الحكم للمرأة الاولى ،
وقد يتزوج الواحد بعشر نساء يعينوونه على التجارة ، وأم الاولاد هى التى لها السيطرة على الاولاد وبقية الزوجات . وينتقل الارث الى الذكور دون الاناث ، الا اذا سمح الذكر بذلك . ومن العار أن تطلب المرأة هذا الارث مع اخوتها (6) .
أما إذا مات من الاهالى أحد فالعادة فى الجنائز عندهم أن يحمل الميت بتابوت على نعش مكسو بالحرير ، وعلى جسد الميت فنجانان وطبق يمثل الطعام الذى على الميت لبوذا فى الآخرة . وقد يغالون فى نقشه وجعل أطرافه على شكل سمكة ، ويدرجون فى الكفن صحفا متضمنة اسم الميت ووظائفه ، ويحمل النعش أربعة من الحمالين وراءهم اثنان من حاملى الرايات فى موكب حافل بعزف المزامير وقرع الطبول ، ويحملون أيضا صندوقا به جميع القربات لمعبودهم بوذا تضئ عليه الشموع .
ويتحدث الشتيوى عن ولاة الجهات الذين يتولون جمع الجباية ، فكل وال مستقل بعمله مسؤول عنه ، ولذلك يكثر فيهم النهب والارتشاء . والى جانب ذلك توجد مجالس عسكرية وعدلية ، فالعدلية تحكم بالسجن والعقوبات البدنية كالسياط والعصا ، الا اذا أفدى المحكوم نفسه بأداء مبلغ من المال للعامل أو لرئيس المجلس أو قدم هدية للاعضاء بحسب العقوبة وثروة الفرد وحد الزنا عندهم القتل (7) والقاء الزانى فى اليم ، وفى حد القصاص يقطع رأس القاتل ، وحد السرقة الجلد ، وتكثر فى حكامهم الرشوة ، ويفضل الاهالى المجالس الافاقية على حكم الوالى .
أما المدن الكبرى مثل هانوى وهايفونغ وتوران فنظر الاهالى للمحاكم الفرنسية المنتظمة . وتوجد ثلاث جهات من الطونكان خاضعة لزعماء لصوص الماء . وقد عاهدوا حكومة الحماية على الامن بشرط أن يستقلوا بأخذ الجباية على تلك الجهات لانفسهم .
ويقول الشتيوى عن أحكام الطلاق فى بلاد فيتنام : " اذا حدث ما يوجب الطلاق بين الرجل والمرأة ، يبحث حاكم البلاد عن أصل الخلاف ، فاذا كان العيب (؟ ) من المرأة اسقطت صداقها وأولادها ومكاسبها للرجل ، واذا كان الرجل على الباطل (؟) تأخذ منه المرأة بعض الصداق وبناتها ، وتترك له الذكور .
وكثيرا ما تفر المرأة اذا احست بسخط الزوج عليها . ويحرر رسم الطلاق شيخ البلد فيمضى فيه كل من الزوجين . واذا ثبت أن الاثم على المرأة فانها توثق كتافا ويحلق نصف رأسها وتحزم بمحزمة يرسم عليها لفظ خائنة ، ولا ينزوج بها أحد بعد ذلك فتنخرط فى سلك النساء المتعكرات (8) .
وقبل خطبة البنت يسأل الزوج عن مقدرتها للخدمة والتكسب لينتفع بها ، ثم يرسل عجوزا لخطبتها بدون أن يعلم بذلك أهله ، ولا أهلها ، فاذا رضيت أخبر بذلك أهله فيسعون فى الزواج لدى أهلها ، وفى اليوم المعين يقع عقد النكاح على يد شيخ البلدة ، فيمضى فيه أهل العروسين ، ويحتفل بهذا العقد نقباء المعايد . وهؤلاء النقباء لا يأكلون لحما ولا سمكا ، وانما يقتاتون من الخضر ولا يتزوجون . ويقدم لهم الاهالى القوت ، فيأخذون من مأكلهم حصة لمعبودهم ، ويرجعون الباقى لصاحبه ، ويصومون فى غرة كل شهر وفى الخامس عشر منه ، وفى ذلك اليوم يعكفون على الدعاء والعبادة ، ولهم مواسم دينية ومزارات ييممونها مقدسة عندهم يقضون بها ثلاثة أيام فى الاكل والشرب والزيارة تقربا الى بوذا كجبل طام مهبط هذا الحكيم عندهم للارض .
هذا أهم ما ورد فى هذه الرحلة . ومن المعلوم أن كثيرا من التونسيين قد أخذوا الى الهند الصينية ، ومات الكثير منهم ، ولم يرجع الى الوطن الا من أطال الله عمره وهذا القليل الذى عاد ، لم يسجل أحد منهم ملاحظاته ومشاهداته عن بلاد الهند الصينية كما فعل صاحبنا الشتيوى .
والمتأمل فى الرحلة الصينية يلاحظ أن صاحبها اهتم بالمظاهر الطبيعية من أنهار وغابات ومناخ . ثم وصف المدن التى زارها من حيث تخطيطها المسارى وانتظام شوارعها . ولا ينسى الحديث عن الاحياء الاوربية من حيث اتساقها ونطافتها ، ثم يتعرض الى أحياء الاهالى فيبرز وساختها وضيقها . ويهتم بأسواق المدينة ونشاطها الاقتصادى .
أما العنصر الثالث الذى اهتم به الشتيوى فيتعلق بالحديث عن المعالم الدينية والاثرية سواء كانت اسلامية أو غيرها . ويشعر القارىء من خلال هذا الوصف بتدفق مشاعره واحساسه الدينى .
وبعد ذلك يتعرض الى عناصر السكان من حيث أجسامهم ولغتهم ولباسهم ومعيشتهم ونشاطهم الاجتماعى وعوائدهم فى الزواج وغيره ونظام الحكم لديهم ، لم يبين العنصر السكانى الطاغى ( وهم من الاوربيين ) سياسيا واقتصاديا .
ولا ينسى الشتيوى - وهو فى قلب فيتنام بين أزيز الرصاص والاخطار المحدقة به من كل جانب - وطنه وأهله ، حتى لكأن هذه الرحلة مقارنة بين ما يعانيه سكان فيتنام من دمار وتخريب ، وبين ما يعانيه وطنه من عدوان وقهر ، فكل من البلدين تحت راية العلم المثلث أو ما يسمى بالحماية الفرنسية .
وقد كانت معركة ( ديان بيان فو ) سنة I954 التى انهزم فيها الفرنسيون نهاية لآلام التونسيين وأحزانهم .
والخلاصة أن هذه الرحلة التى كتبها ضابط فى الجند لم تكن جيدة من حيث الصياغة الفنية ، ولا نعتقد أنها فى مستوى الرحلات التى كتبت بعدها بنصف قرن ، ونعنى بذلك الصين الحديثة للطاهر قيقة ورياح الشرق لمحمود المعمورى .
بيد أنها تعبر عن اهتمامات ضابط تونسى وشواغله ، وما لفت انتباهه فى البلدان التى زارها فى أول هذا القرن ، فسجل ملاحظاته ومشاهداته بصورة عفوية وتلقائية ونشرها فى صحيفة اسبوعية لامتاع قرائها بنادر العادات وغريب التقاليد وطرافة السلوك البشرى ، ولعلها تلقى أضواء على الحياة الاجتماعية والسياسية فى فيتنام فى أوائل هذا القرن من وجهة نظر ضابط تونسى مثقف .

