الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الرخ يجول في الرقعة

Share

- 1 - وجها لوجه جلسا الى رقعة الشطرنج بين أصابعه حرك الرخ وأعاد كفيه الى موضعهما من وجهه ، يتأمل سير العبة . كل انتباهه ظل مركزا على البيدق الذى يحاول السير بمحاذاة الفرس : هذه الجموح التى استعصى عليه خلعها ، ورصفها الى جانب القطع الاخرى التى اصطفت فى الصندوق عن اليمين

تناهى إليه شخير القطة التى أقعت على كرسى شاغر ، وأغمضت عينيها تود الرقاد . تسللت ساقاه الى ساقيها ، وتدلت يده ترفع كم السروال الذى شعر بأنه يضيق عليه .

فى الخارج بدأت الانسام تهب رخاء ، وتعبث بالستائر المسدلة ، وخيم سكون شامل على الحى . . وتدلت خصلة من شعرها لم يمهلها التفكر فى إعادتها الى موضعها

فتحت القطة عينيها الخضراوين ، فأفسح المجال لساقيه بأن تجدا طريقهما بعيدا تحت الطاولة .

- 2 - شعر أن السيارة تتجاوز السرعة المطلوبة وضع إصبعه على المنبه ، وقدمه قريبا من الكابح تحسبا للحظة الطوارىء اشارات المرور تحذر جميعها من المنعرجات الكثيرة . ولكنه كان مأخوذا بتصور اللقاء المنتظر ، وبمشهد الارض المعشبة تحتهما فى المنحدرات المترامية . مربعات . . كمربعات رقعة الشطرنج تتمايز الملكيات فيها بوضوح على طريقة بساتين أهل الشمال .

كان خلو الطريق وفتنة الارض ، والارتياح الذى يملأ نفسه من بين العوامل التى جعلته يبلغ بالسيارة سرعتها القصوى

تنبهت فاطمة لشرود زوجها فشرعت تغنى بصوت مرتفع . . . . لم تدع . الرياح مجالا لأن يبدو واضحا ومسموعا . بينما لاحت المآذن فى مدخل قرية ( العالية ) تدنو منهما فى مهابة واستقامة

وفى نهاية الطريق كانت عينان خضراوان ما تزالان تحذرانه من مغبة السرعة ، فتحفز للمفاجآت .

- ( 3 ) - خطا البيدق خطوتين فقط . وتدحرج الرخ ، ولم تظفر الفرس ببغيتها وطال الصمت وتعددت المناورات . كل واحد منهما كان يحاول حبك خطة للفوز على صاحبه

وأغفت القطة تعبة من طول انتظار لم تتوقع له نهاية كانت خصلتها الطويلة تتهدل حتى الرقعة ، ومفرق شعرها يلوح فى بهرة الضوء خطا مستقيما يبين عن قشرة رأسها المائلة الى الحمرة وتركزت نظرته على الفرس . لقد كانت ترفع أنفا أقنى ليس له شبه فى عالم الحيوانات ، لتكاد نظرتها المطفأة تخترق فضاء السقف

- 4 - لم يسألها سبب هذا الانشراح . . ولا سبب الغناء الذى سكبته فى آذان الرياح . ولكنه سألها ما اذا كانت تريد أن توصل السبت بالأحد فى بيت والدها . أم أن عليه أن يحضر عشية الغد ليعودا معا الى المنزل . أنزل حقيبة الملابس . وتلقيا عددا من قبل الأهل ، واعتذر عن القهوة التى دعى لاحتسائها متعللا بموعد عاجل ينتظره بالعاصمة .

- ( ٥ ) - تقضى المناورة بأن يضرب الرخ ضربة واحدة بمساعدة البيدق . ومثل هذا يستوجب حبك خطة دقيقة قابلة للتنفيذ السريع

- ( 6 ) - إن عليه أن يفكر مليا فى الأمر . فليس من السهل معرفة السبب الحقيقى الذى حدا بها إلى أن تذعن بعد طول تسويف وصد

كان منذ تعارفا فى الادارة التى يعملان فيها : المكتب قبالة المكتب ، قد أوقعته الصدفة فى الاعجاب بها .

كانت تجمع بين الجمال والحزن والمواضبة ، وتنظر الى الحياة بعين متجهمة نظرة من يحاول عبورها على متن بارجة حربية . فأعجبه فيها ذلك التكدر . والاحساس بالوطأة والأسى ، وإن لم يشاركها آراءها .

ولطالما حاول اقناعها بضرورة التعديل من موقفها هذا . . والمساهمة فى محو صورة كابية ترين على خيالها وتفكيرها . ولكنها كانت كالفرس الجموع لا تلقى العنان أبية الانصياع

حتى أنه لم يوفق خلال تعارف وعشرة طويلة بينهما الى الظفر بتلبية دعوة من الدعوات الكثيرة التى دأب بمناسبة وبدون مناسبة على توجيهها اليها . كل ما استطاع أن يعرفه عنها لا يتعدى معلومات قليلة تؤكد أنها يتيمة الأب نفرت من الزواج بسبب فشلها فى حبها الأول . . بينما يدل مظهرها عن حال وسط .

- ( 7 - استيقظت القطة على موت البيدق الذى أثار حماسا . ولوحت عيناها باشعاع أخضر داكن ، وجعلت تدير رأسها بين الأصابع التى تلملم خصلات الشعر ، وبين الوجه المحتقن خجلا وتمنعا . . والساق التى جعلت تضرب الارض تحت الطاولة ضربات قلقة . . وتغنم فرصة تحررها من الكوابح

- ( 8 ) - ان ما لم يتوقعه هو أن تأتيه فى هذا الصباح ، وتقترح عليه دعوتها فى أن تناولا معا فنجانا من القهوة ، وان يلعبا طرحا من الشطرنج ، إذ كان كثير الحديث عن بطولاته فى هذه اللعبة .

وإن ما لم يتوقعه أيضا هو أن تستجيب زوجته لاقتراحه بأن تقضى الليلة مع عائلتها لأنه مضطر الى السفر فى عمل . . قبلت اقتراحه بسهولة لم يعتدها منها ، دون الدخول فى مناقشة مستفيضة

- ( 9 ) - وجها لوجه نظرا فى عيون بعضهما سقطت الفرس من الاعياء أخيرا . وظل الرخ يجول وحده فى الرقعة . . وحاولت القطة أن تفتح عينيها الخضراوين من جديد ، لكن يدا ناعمة الملمس أخذت تربت على ظهرها ، فعادت الى الاغماض حانية ظهرها ، رافعة ذيبلها الى أعلى . . طويلا . . طويلا . . طويلا . .

اشترك في نشرتنا البريدية