الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

الرشفة الأخيرة...

Share

قال محدثي - وهو من المولعين بشرب القهوة المضغوطة - :

كنت أقرأ جريدتى اليومية، وأترشف بين الآونة والاخرى - قهوتي المعتادة ، حتى فوجئت بنبا عظيم ، عن خلط القهوة بالحمص ، لتفادى الارتفاع الكبير ، والحتمي في ثمنها

فكان رد فعلى المباشر ، أن أخذت الفنجان ورشفت - في انفعال الرشفة الاخيرة ، لاختبر طعمها ، مستنجدا بدقة لساني ، وحساسيته الذوقية عساني أتبين ما اذا كانت في طعمها شائبة حمصية

ولم أكتف بخبرة لساني وشفتي ، فأقحمت أنفى ، وقربته من الفنجان و قربت الفنجان منه حتى كاد يلامس قراراته المسودة.

ولم اقنع بذلك ، فسخرت أناملي ، وأقحمتها في التجربة ، فأدخلت سبابتي ، وغمستها فى حثالة القهوة ، ثم أخذت أمرسها وأتحسسها علني أعثر في ذراتها على اثر للحمص.

واعيتنى الحيلة، رغم طول تجربتى فى شرب القهوة ، وترشفها، وتذوقها ، واكتشاف جودتها أو رداءتها من خلال نكهتها قبل مذاقها

انه الشك - قاتله الله ذلك أن النبأ لم يشر إلى الموعد الذي تم فيه خلط القهوة بالحمص ، ولا الى المستند القانونى لذلك الخلط العجيب

فاستنجدت بعامل خارجی ، بعد ان فشلت العوامل الذاتية ، فدعوت صانع القهواجي وسألته :

ما بال القهوة - اليوم - ليست كالعادة ؟ » فزم شفتيه ، وهز كتفيه ، وهمهم يقول : « القهوة كالعادة .. أما انت فلعلك الست كالعادة ، وتركني في حيرتى وانصرف الى عمله

لعنت - فى سرى - ذلك الصانع ، واخذت أجيل البصر في الجالسين عساني أظفر من خلال ملامحهم ، بما يدلني على ردود فعلهم ازاء ما يشربون.

فكنت انظر الى كل من يرفع الفنجان أو الكأس الى شفتيه ، منتظرارد فعله ، فلم أظفر بطائل حيث كانوا جميعا - حسبما يبدو ـ من الشاربين العاديين جدا .. الذين لا ذوق لهم، فهم يشربون القهوة ولا يترشفونها ، ولا يبدو عليهم انهم يتنهنهون بعد كل رشفة

وكيف ينتظر منهم أن يتنهنهوا ، وهم انما يجغمونها جغمة جغمـ يجغمون الماء او الشربة الافرنجية .

وما حيلتى مع أصحاب الامزجة الخشنة ، والاذواق غير السليمة ؟

وثارت ثائرتي ، وقصدت معمل القهوة الذى اشرى منه ـ عادة ـ فوجدت عليه اقبالا أقل من العادى ، اذ اختفى ذلك الازدحام المعهود ، والصف الطويل الذي كنت أقف ضمنه لشراء زادى الاسبوعى من القهوة الحينية

فاستنتجت من قلة الاقبال ، ان القهوة أصبحت - فعلا مخلوطة ، أو محموصة ، كما كتب : محمد قلبي في « لمحته الصباحية ،

عدت الى المنزل ، واتجهت مباشرة الى المطبخ ، أبحث عن علبة القهوة ، ولما لم اهتد اليها داخل ذلك الحشد الهائل من الحقق والعلب والمواعين ، استنجدت بزوجتي قائلا - فى انفعال : ( أين القهوة ٠٠؟ أين القهوة ؟ »

فأجابت بصوت لا يخلو من فتور : « لقد نفدت ، منذ الامس ، ونسيت أن أذكرك بشراء زاد جديد

قلت في غضب : « لا زاد جديد بعد اليوم ، فقد « حمصوها ، أو قولى : لقد قهوجوا الحمص ، فضربوا عصفورين بحجر واحد ، فما أبرع الصيادين _ عندنا_في القهوة العكرة ...

جاءت زوجتى تجرر أذيالها ، وهي تتبختر مبتسمة فظننت انها على علم بما جرى ، وانها تريد أن تغیظنی ( و تحمصنی )

وصدق ظني فقد قالت وقد ازدادت ابتسامتها اصفرارا : « ما بالك تبحث عن القهوة ، وميعاد شربك لها لم يحن بعد ؟ هل نرفزك أحد ، أو موضوع ، أو قضية ؟ . .

قلت : « لقد دخلت مرحلة النرفزة المستمرة ، وسلام على « الشاذلية » التي كانت مع السيجارة تنحى عن القلب غمة .

قالت : « هل نفدت القهوة من السوق ؟ أم غابت فى ظلام السوق السوداء ؟

قلت : « لا هذا ولا ذاك ، انها فقدت سوادها فى السوق البيضاء ، لقد دخلت سوق الحمص ، فأعجبت ببياضه، واحتكت به واحتك بها ، وتجاوبا ، وغنت له : نحن روحان حللنا بدنا ، ثم عانقته وقالت : هيت لك ، فلبی واستجاب وتم قران الحمص على القهوة تأكيدا لمبدأ التعايش بين الاجناس والالوان . فياليت ( ایان سمیت ) يشربها ، فيشفى من علته العنصرية .

قالت زوجتى وهى تخفف من غضبى وتوترى : « تكبر وتنسى ، وتستأنس بشرب ( الحمصهوة » أو « القهومص » كما استأنست بكل مخلوط وممزوج »

قلت : « صحيح ، ولا مناص من الاستئناس بالخلط والمخلوط ، بشرط ألا يتسرب ذلك الى القيم والمفاهيم، والمبادى، والمقاييس ...

اشترك في نشرتنا البريدية