الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الرصيف الخالى (1)

Share

لم تبق الا دقائق معدودات ، ويسافر القطار . . كان المطر ينضح بين أرصفة المحطة . . عبر خطوط السكة الحديدية . . والمسافرون يسرعون الخطي الى حجز أماكنهم وهو يقف وحيدا . . متظللا تحت ستارة الرصيف حقيبته فى الارض الى جانبه ، وسجارته بين أصبعيه ، وهو ينفث الدخان فى صمت ، عيناه تائهتان . . تستشفان . . تتطلعان . . تترقبان

ايمكن أن تكون قد تخلت عن وعدها ، أم اتراها نسيت ذلك لم يعد ثمة من مجال للالتقاء بها . . بعد قليل سيسافر القطار ، ويتوارى به عن هذا المكان من غير أن يكون قد رآها ولا كلمها أو تحصل منها ولو على مجرد ابتسامة

ورفع عينه الى ساعة المحطة . . ثم ادار وجهه ناحية المطر . . وراح يتطلع في المياه المنسابة عبر قضبان السكة . . وفى حركة فاترة ، ترك عقب سجارته تسقط من بين أصبعيه وشعر انه تعس

ونشطت حركة المسافرين أكثر على رصيف المحطة وشاهد جنديا يودع حبيبته . . كانت تقف ملتصقة به . . وكان يحوطها بذراعيه . . وعيناها متعلقة بعينه ، بينما يدها تعبث بقسمات وجهه .

أين حبيبته ؟ . لماذا لم تقدم لتوديعه . . وود لو يراها فى هذه اللحظة بالذات . . فهو يشعر انه نسج معها بداية احساس عذب . أحس به ولاول مرة يلامس أعماقه ، وهو برحيله هذا سيقضى على بداية هذا الاحساس قبل أن يقدر له فيكتمل

كيف يمكنه أن يرحل . . انه يريد أن يراها ، يريد أن يستمع اليها والى حكاياتها الكثيرة التى لم يكن يملها . . حين كان يقف معها أمام المشرب في المقهى أو كان يطوف واياها شوارع المدينة بالليل

ففى الليل تعرف اليها لاول مرة . . وفى الليل أخذا يلتقيان بعد ذلك . . في الليل طاف معها فى شوارع المدينة تحت الانوار آلساطعة . . وسار واياها فى المواطن الخالية ، والمطر يتساقط عليهما ، والريح الباردة تلفح وجهيهما وهى تتشبث  به كقطة .

سألته ذات مرة وهما يطوفان - أيروقك الطواف فى شوارع المدينة بالليل ؟ . .

- انه شىء لذيذ . . لذيذ - أتريد أن نقضى بقية ليلنا فى الطواف ظلا يسيران فى صمت فترة من الوقت ، سألها بعدها - أولا تشعرين بلسع البرد - أجعلنى تحت معطفك وضمنى اليك - أليس من الاحسن أن نبحث لنا عن مكان ننعم فيه بقليل من الدفء اننى فى حاجة لتناول بعض المشروب . . فالبرد قارس - كم يروقنى ما تفكر فيه   خلع معطفه ، وجعله فوق كتفيها واحاطها بذراعه وظلا يسيران وسألها - هل شعرت بشئ من الدفء وأجابته ، كما لو تجيبك ققطة وأنت تمرر اصابعك تمسح بهما فوق شعرها : - أم . . . . م . . م. . بقى صامتا مدة من الوقت وقال لها - الى أين نحن نسير - أعرف مقهى فى مكان هادىء يمكننا أن نستقل " تاكسي " تقلنا اليه تركها تخاطب السائق . . وجلس فى زاوية المقعد الخلفي ، وجلست هى الى جواره ملتصقة به ، ودست كلتا يديها تحت سترته . . أحس ببرودتهما في جسمه ، فضمها اليه ، وفاحت فى أنفه رائحة رأسها الذى بلله المطر ، فدس وجهه بين خصلاته ، وجعل يحك أنفه فيها .

كانت السيارة تسير فى بطء . . والسائق هادىء الحركة لا يتكلم والصمت يشملهما من الخلف . . وكان هو يسرح بناظريه فى خيوط المطر ، من وراء الزجاج ، عبر الاضواء المنبثة فى ارجاء الشوارع التى كانا يقطعانها

ووقفت بهما السيارة أمام احدى الحانات ، فنزل ونزلت هى من ورائه وحين وقف ينقد السائق تبين له وجهه العجوز ، فعرف سر سيرهما البطئ

فى المقهى كانت الاضواء خافتة . لم يكن هناك اناس كثيرون اخذا مكانهما فى أحد الاركان ، بالقرب من النافذة الزجاجية المطلة على الرصيف الخالي . . جلس موليا وجهه شطر النافذة بينما جلست هى قبالته في مواجهة النور وبعد ان اطمأنت فى جلستها التفتت فيما حولها ثم بادرته قائلة

- أحسب ان المكان رائق

انه شديد الرونق - ان وجودك معى يضفى عليه روعة متضاعفة . . انك لتبدين كقطة قانتة الى حد مضن

ورفعت عينيها لتملأ نظرها من وجهه ، وقالت وهى تنظر فى عينيه وصوتها الخافت . . . .

- لكن قطتك يا رفيقى ليست من النوع العادى . . انها قطة دائمة الكآبة قطة تبحث عن الاحزان - فى ليالى المطر ، ليالي الضياع .

- لسبب انها قطة دائمة الكآبة ، ضائعة . . وقع عليها اختيارى أنا انسان مولع بالبحث عن مثل هذه القطط

- أمن أجل أن تمنحها المأوى  وتحتضنها ، وتمسح على شعرها ؟ . . - ان نوع القطط التى نعنيها لا ترغب فى مثل هذه الاشياء لا بسبب طبيعة فيها مفترسة . . وانما لكونها قطط نفرت المأوى والدفء رغبة منها في البحث عن تجارب جديدة . . عن حرية لا تعرفها . . عن ضياع تجهل كنهه

تأملته طويلا ثم قالت له فى صوت كأنها تخاطب نفسها : - كان على أن أدرك منذ البدء ، لماذا على الاقل أنت موجود هنا بعيدا عن وطنك .

وقاطعها - ان مجرد الاغتراب وحده لا يعنى كل شىء . . فأنت الان قد تكونين أشد منى احساسا بالغربة ، برغم انك فى وضع مختلف عما عليه أنا .

وجاء النادل فطلب منه أن يجلب لهما كأسان من " الفودكا " راح النادل وراحت صديقته تتطلع عبر النافذة . . الى تساقط المطر . . وقالت بنفس الصوت الخافت :

- انظر وأومات برأسها الى النافذة ثم تابعت . . . - ألا ترى معى انها لوحة عجيبة . . حبات المطر المنسكبه كأنها الدمع على خد الزجاج . . والشجرة الوحيدة وسط الظلام فى الرصيف الخالى ، والريح تعبث باغصانها

- أنت رسامة غريبة أخذ يديها بين راحتيه وجعل يضغط عليهما فى رفق ، وناداها . . . . - ليليانا . . حدثينى عن الاشياء التى تحبينها . علنى استطيع

مشاركتك الحب فيها .

- ونظرت الى السماء من خلال زجاج النافذة وأشار بيدها قائلة - احب مراقبة هذه السحب الرمادية . . ألا توجد فى مدينتك سحب كهذه ؟

- توجد فى اوقات متباعدة ، ثم لا تلبث أن تشرق الشمس لتتبدد الغيوم تحت أشعتها . . وتظل السماء صافية زرقاء .

وعاد النادل يحمل لهما  " الفودكا " وفى ذات الوقت كانت ترتفع من داخل المقهى أنغام موسيقى ، وتنتشر خفيفة فى ارجاء المكان ، مع رائحة الليل

كان المطر لا يزال يتساقط  ، والريح تعبث باغصان الشجرة الوحيدة في الرصيف الخالى . . ونظر فى وجه صديقته   كانت الدموع تنسكب  فوق خديها . . لقد كانت تبكى . . فتحول بالقرب منها ، ولفها بذراعيه ، فارخت رأسها فوق كتفه . . وناداها : - ليليانا . . فأجابته بصوت خافت ، - ضمنى اليك

اين هى الان . . أيمكن أن تكون قد أخلت بوعدها . . انها تعلم انه مسافر هذا المساء وتعلم ساعة سفر القطار بالضبط . . لقد كانت صحبته منذ البارحة الى شباك التذاكر . أتراها نسيت ذلك .

وحاول ان يتذكر آخر ما سمعه منها ، اثر مغادرتهما المقهى  وهو يقف معها فى زاوية الشارع . . ونسمات آخر الليل الباردة تلفح وجهيهما وتعبث  بخصلات الشعر الملقاة فى لا مبالاة فوق جبينها وبقع الضوء الساقطة على وجهها الذى كان يبعثها مصباح الشارع والمتسربة من بين أوراق شجر الرصيف .

وقد أثار كل ذلك شغفه . . فجعل يضمها اليه بقوة  . تفارقا بعد ذلك . . راحت هى مع الطريق تكتنفها ظلال الاشجار وصعد هو الى غرفته . . خلع ثيابه . . واستلق في فراشه تحت الغطاء . ثم مد يده عند رأسه ، فاطفأ النور ، وأغمض عينيه وصوتها لا يزال فى أذنيه وهى تقول له :

- حاول أن تنام جيدا . . انك سوف تحرم النوم فى القطار الليلة القادمة .

انها لم تأت . . واستمع ن جديد الى مضخم الصوت وهو يعلن فى المحطة عن موعد تحرك القطار المسافر نحو مدينة صوفيا . . وتطلع بعيدا الى ما وراء الرصيف . . لكنه لم يستطع أن يرى شيئا .

وفكر . . ثم سار خطوات فى محاذاة القطار . . . وعاد يلتقط حقيبته . . ووقف يسائل نفسه

- ما فائدة أن ألتقى بها من جديد ما دامت هناك يد خفية تدفعنا دوما نحو هدف محتوم ومجهول في نفس الوقت ، وما دمنا عرضة لتلقى مثل هذه السخريات

وتقدم بضع خطوات فى اتجاه عربة القطار ، ثم توقف ليلقى نظرة يائسة حزينة نحو مدخل المحطة . . . وصعد  العربة ،

تحرك القطار ، بيد انه ظل واقفا بباب العربة ، وعيناه تتطلعان الى مدخل المحطة . . وأخذ الرصيف يمتد ويطول أمام ناظريه ، ثم  لم يلبث ان تلاشى  واختلطت الصور فى عينيه بالمبانى ، وأعمدة اسلاك الكهرباء والاشجار . . وما هى الا دقائق حتى أخذت معالم مدينة بلغراد تتوارى رويدا رويدا وسط غيمة من الضباب والمطر

اشترك في نشرتنا البريدية