الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الرغيف

Share

رايته.. كان يوما عامضا .. كنت أرقبه وهو يرسم لى . . أوجها تبحث عن الرغف .. تبحث عن الخبز.. يوم يبست فيه المياه واصبحت اللوحة ، فيه فمة والزهر أسود ..

رأيته وهو يمثل لى . . الفوضى او العجز.. لست ادرى.. وانما كان يوم صراع.. يوم ضياع.. او انه يوم خلاص نهائى ، من الوهم والبحث عن لا شئ.

فى ذلك اليوم رأيته يسير وصوت الباعة يتعالى الى سمعى.. قويا أجش مرفوقا بصوت معاول العمال وتغاء كان يصلنى من الريف المجاور لنا .. كان يوم خريف بائس.. الشمس تبدو فيه كسلى.. ورماد غير عاد .. كان يسد الافق .

وفى الاعين كنت أرى وجوها من الطوائف.. تتلون وتتلون ثم وفى النهاية يستولى عليها لون نهائى . . لون واحد . . سهل الملمس.. يهتدى اليه كل جائع يبحث عن الخبز.. عن الرغيف الساخن.. عن القمح الصلب ..

ونظرت.. وكنت من بين الذين يبحثون عن القوت.. فرأيت فى كل عين خبزا وعلى كل وجه رغيفا.. ولكنه كان مغطى بدخان اسود . . لم اجد فى الميناء قمحا.. بل وجدت نارا وحريقا وامواتا..

ورأيته . . رأيت ذلك اليوم الغامض وهو يأتى حذرا محمولا على سيارة اسعاف.. وهو فى شبه غيبوبة عما يجرى ..

ورأيته وهو يلقى به.. كالطفل الذى يقسو عليه الرحم فيلقى به الى خارج بطن أمه ليسقيه العذاب والمرارة والحرمان.. ودوت رصاصات ثلاث.. اخترق الدوى سمعه وهو يكاد يحاذى شاطئ الخبز.. ويكاد يرى شكل الرغيف.. الساخن ويلمس حبة القمح الصلب ..

كان يعرف انه لن يحمل منه شيئا ولكنه كان يريد أن يرى.. أن يراه فقط .

وسقط.. ومهرجان موسم القمح يتراءى لعينيه بين فرحة الفلاحين وزغاريد النسوة.. وشاهد الدفء وهو يتسرب الى الاكواخ.. وشهد الحياة وهى تحتضن أهل القرية فارتسمت على وجهه ابتسامة.. كانت مرسومة بخطوط من دم..

ورأيت الموت.. وهو ينشر على وجهه برقية وجيزة.. قرأتها وقرأها كل من رآها.. " الكل يريد رغيفا " " ولكنه زمن المعجزة "

واختفى ذاك اليوم.. ورأيت ظلمة الليل تغطى السهول . . ويتسلق الجبال ظل اسود.. يطل على وهاد لاقرار لها . . كان يرقب حبة قمح وهى ترتطم بموجات البحر مرة وبعواصف البر أخرى ..

كانت تجاهد بعنف لكى تستقر.. وكان يجاهد حتى لا تضيعها عيناه .. يكفيه أن يرى شكلها ويتأمل فى لونها حتى يؤمن بأن بامكانه أن يصنع الرغيف وان يصنع بالتالى الحياة ..

اشترك في نشرتنا البريدية