الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الرمزية فى الأدب وظهورها بتونس، فى القرن الثالث عشر هجرى

Share

يلجا الادباء والفهماء والحكماء الى الرمزية فى الادب تحت ضغط عوامل متباينة اهمها افهام طبقة من الخواص مقاصدهم واهدافهم ضنا بها عن الاوساط التى لا تقوى على هضمها او عزوفا بها عن الرعاع من الغوغاء الذين ينفرون من الحكمة ولا يكادون يسيغونها لنبوها عن اذواقهم وتعاصيها عن فهمهم . وقد تكون الرمزية بطريقة التلويح تارة والتعريض اخرى وبالاساليب المشوقة الثرية الطريفة التى لاينضب لها معين وبالتفنن فى وسائل العرض كما فعل اخوان الصفا فى رسائلهم الحكمية التى قصدوا من وراء تحبيرها على ذلك الاسلوب الرائق غزو النفوس المشرئبة الى الادب المتطلعة الى المجهول بدون اثارة ضوضاء حول ما يذيعونه بين عامة المثقفين ثقافة بسيطة من دهماء الناس الذين يتنكرون عادة للعقل وبحوثه ويتمسكون بالتقليد الاعمى ويجمدون على ما الفوا ولا يبغون عنه حولا ولابديلا بل ربما حاربوا كل من تظاهر بذلك كما وقع ذلك فى التاريخ : وزخر به تاريخ الثقافة الانسانية العام

وفى النفح فى الحديث عن الاندلسيين ما نصه ( وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء الا الفلسفة والتنجيم فان لهما حظا عظيما عند خواصهم . . ولا يتظاهر بها خوف العامة فانه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة او يشتغل بالتنجيم اطلقت عليه اسم زنديق وقيدت عليه انفاسه فان زل فى شبهة رجموه بالحجارة او حرقوه . . قبل ان يصل امره الى السلطان او يقتله السلطان تقربا لقلوب العامة . . وكثيرا ما يأمر ملوكهم باحراق كتب هذا الشأن اذا وجدت وبذلك تقرب المنصور بن ابى عامر لقلوبهم اول نهوضه وان كان غير خال من ذلك فى الباطن . . الخ . )

وقد بز مفكرو الهنود القدماء غيرهم فى هذا السبيل حتى اضطروا الى وضع الحكمة على السنة الحيوانات وفتحوا بذلك افاقا رائعة فى اودية الخيال وميادين الادب وعرفت العربية هذا الضرب من الرمزية بواسطة ترجمة تاليفهم وفى كتاب كليلة ودمنة متعة للمتادبين . وان لم يخل الادب العربى

من هذه الرمزية ولكنها ضئيلة لايكاد الباحث يجد فيها الا الشذرة بعد الشذرة احيانا ينفثها الطبع فى غير تصنع ولا كلفة كما ورد نادرا فى اشعار النابغة وغيره تفاديا من الحيف واتقاء بالرمزية مغبة الصراحة المؤلمة

وفى الادب الفارسى ضروب من الرمزية بعيدة الاثر شديدة الوقع رائعة فى عرضها نقل الينا المترجمون نتفا منها تستدل بها على ما وراءها من هذا الادب الساحر فقد نقل صاحب المروج فى اخبار الفرس عن الموبذان صاحب الدين ايام بهرام بن بهرام وما عرض به للملك فى انكار ما عليه من الظلم او الغفلة وسوء اثر ذلك فى سير الدولة الفارسية بضرب المثل الاتى على لسان البوم حين سمع الملك اصواتها وسأله عن فهم كلامها فقال له : ان بوما ذكرا يروم نكاح يوم انثى وانها شرطت عليه لتتمة عقدة الزواج عشرين قرية من الخراب فى ايام بهرام فقبل شرطها . . وقال لها ان دامت ايام الملك اقطعتك الف قرية . . وهذا اسهل مرام فتنبه الملك من غفلته وخلا بالموبذان وسال عن رمزه فقال ايها الملك : ان الملك لا يتم عزه الا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت امره ونهيه ولاقوام للشريعة الا بالملك ولاعز للملك الا بالرجال ولا قوام للرجال الا بالمال ولا سبيل للعمارة الا بالعدل الخ . .

فكان لهذا التعريف الرمزى ابعد الاثر فى اصلاح الدولة الفارسية واستقامتها وعظمتها فيما بعد . ونلمس هذه الرمزية فى الادب بتونس فى القرن الثالث عشر من الهجرة تنبعث عن نفوس دفع بها العسف الى الياس من الحياة فتشاءمت وابت الا ان تنفث آلامها على الطريقة الرمزية ويبدو هذا عندما يشتد ظلم البايات واعوانهم وتدلهم الافاق بمظالمهم الفادحه التى افقرت البلاد وافسدت كل شئ فيها وألجاتها الى الثورة العامة فيولد معها الادب الرمزى لاول مرة ونقرا للاستاذ بيرم التونسى الرحالة الشهير الكلمه الرمزية التالية قال :

وكنت كتبت لصديقي وهو غائب بوصف الحالة فى القطر ( اى تونس ) عندما طلب منى نسخة من ضرب مثل للحالة فى القطر التونسي واصور ذلك بصورة واقعة تاريخية مما ينسب لرؤيا رآها بعض ملوك المانيا فى القرون الوسطى ونصها :

راى بعض ملوك المانيا في القرون المتوسطة من تاريخ المسيح عليه السلام رؤيا فهاله امرها فبحث عن معبر يعبرها له ( وهو عندهم المنجم ) فحضر المعبر بين يديه فقال له الملك : انى رايت البارحة فى المنام ما هالنى امره ولا يبعد شانه عندى من منام فرعون على مصر فى ايام يوسف الصديق عليه السلام وذلك انى رايت ثلاثة جرذان متجمعة . . فانتبهت اولا قبل استكشاف حالها

ثم نمت ثانية فرايت جرذة من تلك الجرذان على غاية من العجف والهزال بحيث ان جميع ضلوعها بادية ولا تستطيع الثبات على رجليها ورايت الجرذ الثانى على غاية من السمن يترعرع فى مشيه ترعرع القنفد ثم تاملت الجرذ الثالث فرايته اعمى من كلتا عينية لايبصر بهما شيئا فانتبهت ثم نمت الثالثة فرايت الجرذان الثلاثة معا على تلك الحالة فالسمين يقود الاعمى والاعمى يقود الهزيلة . . فانتبهت وهم يتقاودون فافتونى فى رؤياى ان كنتم للرؤيا تعبرون فاجابه المعبر بقوله سيدى: ان رؤياك اشهر من ان تعبر ولكنها تكتب وتسطر اما الجرذة الهزيلة فهى مملكتك . . والسمين هو وزيرك ... والاعمى هو انت ايها الملك ؟ يقودك وزيرك الى مافيه صلاح نفسه وتقود انت رعيتك الى ما فيه هلاكك وهلاكهم . . )

فانتم ترون كيف ابدع فى تصوير حالة تونس على عهد الصادق باى ووزيره مصطفى خزنه دار تصويرا رائعا فتانا بعيد المدى فى التاثير مع البعد عن المزالق والاخطار . . .

اشترك في نشرتنا البريدية