مجلة لفلذات أكبادنا رجال الغد وأمهات الغد
العدد الثاني عشر شهر صفر ١٣٩٠ ه
كلمة :
حاجتنا إلى الحياة . تقتضينا بالضرورة البحث عن عناصرها وأسسها . في الماء . والتراب . وفي الغذاء . والشمس ، والهواء . والحياة في كيفها لا تختلف تماما بين المجموعة البشرية وحدها ، الا بقدر حقيقة معرفتنا لحقل الصفر في حساب الارباح والخسائر ، اى ان لكل منا أسلوبه الخاص والعام في تفسيره لمنظر ارتطام سيارة بعمود النور مثلا . .
ولكن هناك في الغابات والادغال والكهوف والمغارات ، كائنات بشرية حيوانية لها اساليبها ، ومناهجها فى تنظيم شؤون حياتها . تختلف كثيرا عما اعتدناه فى حاضرتنا وباديتنا ، بمعنى أن هناك أشياء غريزية فطرية ثابتة او متحركة في انفسنا ووعينا ، تدفعنا الى اتباع هذا الاسلوب او ذاك المنهج لفترة من الزمن تطول او تقصر حسب الظروف .
وكما ان للجسم حاجاته من عناصر الزمن الأربعة - كذلك للوعى حاجاته من المعرفة الانسانية عن ذات الأشياء المحيطة بالانسان على امتداد مسيرته في دروب الحياة عبر الزمن . . وبعضنا قد يخفق في تفسير هذا المدلول او ذاك أو يجد صعوبة متناهية فى فهم المعنى الايجابى او السلبى لمختلف القوى المتطابقة والمتنافرة لتيارات الزمن واحداثه . لكن ان تكون الضغطات
النفسية العالية كلها سلبية . عندئذ تختلف مقاسات الأشياء وأبعادها بالضرورة . يومها لن تجد القوى الضاغطة الايجابية امامها الا وسيلة واحدة لأسلوب الفرد الخاص : (( انا مالى . الحجر من الارض والدم من الرأس )) . و (( الذى يتزوج امى فهو عمى )) . يومها ايضا تنهار كل القيم وتنعكس المفاهيم الانسانية على الاثر .
(( المشرف ))
من كتاب الروافد
عبرة من غزوة حنين :
كما كانت الغنيمة في حنين . درسا من دروس التربية العالية فخاصة المسلمين ، كانت كذلك الهزيمة درسا آخر من دروس التربية العالية لعامتهم ، فقد خرج المسلمون على هذه الغزوة ، بعد أن فتح الله لهم أبواب مكة ، واستسلمت لهم قريش وملكهم الله أمر البيت الحرام ، ومكنهم من نواصى المشركين ، وأوشكت الجزيرة كلها ان تدين بدين الاسلام وتخضع لسلطان الله وحده . فانتشوا بهذه الانتصارات وفي فورتها اشتد عجبهم بانفسهم . فنظروا الى ميمنتهم وميسرتهم وهجومهم ودفاعهم فتاهوا في انفسهم زهوا وتفاخرا وظنوا أن القوة والكثرة تغنى عن كل شئ فما عليهم
الا هجمة واحدة على اجنحة المشركين ليسحقوهم سحقة رجل واحد فلا تقوم لهم بعدها قائمة . . ذلك كان ظنهم ، ولكن الله أراد ان يلقنهم درسا مؤلما لن ينسى وهو لعامة المسلمين وخاصتهم اينما كانوا وفى كل زمان . بأن الكثرة قد تخدع ، وان القوة قد تخون وان النصر بيد الله وحده وان الكثرة والتعبئة والنظام وما اليها مما ينبغى ان يتزود به المسلمون من أسباب القوة انما تقوم على هذا الاساس (( الاعتماد على الله والتوكل عليه ))
وكانت هناك فئة قليلة من المسلمين لاذت بايمانها بالله واحاطت برسول الله صلى الله عليه وسلم احاطة السوار بالمعصم واخلصت نياتها والتجأت الى الله فأغاثها المولى الذى لا يخذل عبدا دعاه أبدا فجاء المد الالهى سريعا . قال الله تعالى :
( لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ، ويوم حنين اذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين )) .
وقد اتعظ المسلمون من هذا الدرس . وما احرانا ان نرجع الى الله ونسال العون والمدد بايمان تام لينصرنا على البغى والعدوان أينما كان ، ان موقف المسلمين اليوم مع كثرة عددهم شبيه بامسهم يوم (( حنين ))

