لم يعرف العالم العربى يوما مثل هذا العدد الكبير من الكتاب ، وان يكن الكثيرون منهم كتابا لا وجه لهم . واغلب الظن ان ما يكتب اليوم من شعر ونثر يزيد عما كان يكتب فى اى فترة من فترات التاريخ العربى . ولئن يكن المستوى فى بعض الحالات رفيعا ، خليقا بامة ناهضة ، فانه يكاد يكون معدوما فى معظم الحالات . فبين قطب البلاغة الكلاسيكية التى ما زالت عزيزة على المتمسكين بالاسلوب القديم ، " وقطب الهذر السقيم الذي لا يخلو منه اى عصر ، نجد الجزء الاكبر مما يكتب بالعربية اليوم ، مراهقا ، تافها ، لا عضل له ولا عصب .
ولئن تتواتر احيانا اسماء الروائيين ، فان المتمعن فى مطولاتهم ليدهش حين يراهم ينتسبون خيالا وهدفا إلى كل ما هو سوقى ومبتذل فى مطولات المجلات القصصية المصورة فى الغرب ، حيث يتقاسم الابطال الفضيلة والرذيلة على السواء ،
وينتهجون الطريق الى الاولى عن طريق الثانية . لقد ظهرت فى السنوات الاخيرة روايات كثيرة يبدو ان مؤلفيها يبتدعونها بسرعة وتداعى احلام النهار . ففي رد الفعل الهائل الذى طرأ على الصحافة بعد شيخوخة الرعيل الاول من كبار الكتاب او موتهم ، تمثلت الرغبة فى مجاراة روح العصر في الاف الصفحات التى راحت المطابع تقذفها حاملة ادب التسلية ، ادب التمويه على الحياة ودواخل النفس ، ارضاء لجماهير القراء من انصاف الاميين الذين تعاظم عددهم في الاقطار العربية بانتشار التعليم . ولست اريد آن اعدد اسماء مثل هؤلاء " الروائيين "
فهم يقرأون على نطاق واسع ، ولهم ، بين النساء على الاخص ، معجبون يلتهمون حلوياتهم السخية . ولكنني لا اتردد فى القول بان هذه الروايات عديدة ،
طويلة ، مخدرة ، لها من صلابة الفكر والخيال ما للهلال من صلابة ، ولها من العلاقة بالمجتمع ما للمريخ به من علاقة .
قبل ثلاث سنوات كتبت آنسة لبنانية ، هي ليلى البعلبكى ، رواية طويلة . متقطعة ، متناثرة الاجزاء ، عنوانها )) انا احيا (( . وقد لاقت هذه الرواية رواجا كبيرا ، ووضعت مؤلفتها الشابة تحت اضواء ساطعة من الصحافة واستطلاع الجماهير : ذلك لان بطلة الرواية الصبية لها من الجراة ان تقول بصراحة انها
تريد ان تحيا وان تحب فى عالم ينهشه الحقد وتقطع اوصاله السياسة . كانت المؤلفة في التاسعة عشرة من عمرها عند ما كتبت قصتها هذه سرا ، مخفية الامر عن والديها . وجاءت القصة غضة ، عفوية ، فيها غنائية لفظية رائعة تدنيها من غنائية الشعر ، وتعوض عن التجزؤ الظاهر فى حركة الرواية وخطتها .
ولو اختصرتها المؤلفة إلى نصفها او ثلثيها لقلت انها حققت ، بضربة واحدة ، ما لم تحققه معظم اقلام الذين سبقوها الى الفن الروائى فى لبنان . غير ان المهم هو انها استطاعت ان تتخطى الحذلقة ، وتتخطى المواقف المفتعلة ، وتتخطى الخوف من اللغة او عليها ، وان تكتب رواية اشد نضجا - تقنية ومحتوى - من روايات )) الدكاترة (( و )) الاساتذة (( . لقد استطاعت ان تفصح الحاجة الحقيقية ببراءة لم يفسدها التهويل وادعاء التفلسف .
فى هذا كله آرى حقيقة رمزية ، تتضح فى ما فعلته الانسة ليلى بعلبكى فى روايتها الثانية )) الآلهة الممسوخة (( . لقد قامت قائمة البعض على رواية تكتبها فتاة فتوقف النفس دهشة فى حلوق القراء ، فلما صدرت )) الآلهة الممسوخة ((
جاؤوها بقسوة وفظاظة . وهذه الرواية من حيث الشكل افضل من سابقتها بكثير : فان لها مخططا صارما ، والفعل فيها مسير ببراعة وتيقظ . غير انها اقل نضارة وغنى وحيوية عن سايقتها ، وتوترها العاطفى الذى تحققه المؤلفة قإستخدام لغة مشحونة وكنايات ممركزة اليمة ، انما هو توتر مضطرب
الغريب ان النقاد المغضبين هاجموا ما هو فى رايي اجمل ما فى الكتاب : لغته واسلوبه . فى حين ان خطا التكوين فيه هو فى الاساس منه : الموضوع . فالفتاة التى يأخذها استاذ متزوج إلى احدى علب الليل المعتمة قد تعد هذا حادثا اشبه بطامات التاريخ الكبرى او وقائعه الحاسمة غير ان القارىء لن يرى فيه ، مهما تهيأ للتعاطف مع الصبية المسكينة ، حادثا يتحمل لغة الطامات والوقائع وهنا منشأ اضطراب القصة وخيبتنا فيها .
هنا اذن النقص الاكبر فى الرواية العربية المعاصرة : خلوها من )) الموضوع الكبير (( والموضوع الكبير ، فى كل فن متكامل ، هو فى النهاية موضوع ما ساوى انه الموضوع المنبثق عن حس الانسان مأساوى بالحياة . لعل آداب الغرب من مئاسي ايسخلس الى روايات وليم فولكنر ، هى التى توحى لنا بمثل هذا
الراى . ولكن هل تستطيع الرواية العربية الا ان تكون استمرارا للرواية الاوروبية ؟ بل ان الفن الروائى الذى نعرفه اليوم هو فن اوروبي . قد تكون له جذور فى )) الف ليلة وليلة (( ، كما قد تكون له جذور فى التوراة والاناجيل
ولكن تطوره من روايات الرومانس ، ( ولهذه ايضا جذور فى القصة العربية القديمة ، ولا ريب ) الى روايات دوستويفسكى وجيمز جويس وفولكنر انما هو تطور فى خط واحد هو خط المأساة . والمأساة هنا هي المأساة التى عرفها ارسطو :
انها تصوير للفرد وهو يجابه القوى الكبرى ، مهما لبست هذه القوى من اقنعة انها تصوير للشخصية الانسانية ضمن اطار الحدث . والحدث وسيلة لتحديد معنى المجابهة والسمو الانسانى والموت عن اختيار ، لا عن صدفة ، فى روايات الرومانس ، يخرج الفارس الى متاهات الحياة ليحارب الشر دفاعا عن الفضيلة .
وخروجه هذا انما هو بحث ومخاطرة ومجابهة ، تعين فى النهاية شخصيته .
وحين تطورت الرواية ، اصبح البحث لا في الغابات والجبال والاصقاع النائية ،
بل فى متاهات المجتمع ، متاهات المدينة . وفي عصرنا هذا تحول آلبحث الى متاهة هى رمز للمتاهات الاخرى : متاهة النفس و آلدماغ والوعى واللاوعى . وفى هذا البحث دائما مجابهة تتحقق على شفا المأساة
من هذا كله لا ارى اثرا يذكر فى روايتنا العربية المعاصرة . فالرواية لدينا ما زالت لا تؤخذ مأخذ الجد من الروائى ، وما زال طابعها الاوضح طابع اللعبة والتسلية . وكثيرا ما يعتبر القاص لدينا )) ناجحا (( اذا استطاع تحقيق هذه التسلية على نحو اولى يتجنب تعقيد التقنية التى هى العامل الكبير في بناء الرواية المثلى
وهنا آيضا نجد ان الرواية الاوروبية تنمو وتتجدد بنمو وتحدد المحاولات الاسلوبية . ففي كل رواية عظيمة يتناول الفنان اللغة كمادة رخصة حية ويسعى فى تطويعها لادراكه الحياة وحسه بها . الالفاظ ، الجمل ، زاوية النظر ،
الحوار ، المونولوغ الداخلى ، كلها وسائل تقنية لتحقيق الاسلوب الذي يدرك الروائى به هدفه . ومن هذا كله لا ارى فى روايتنا الا القليل النادر . ولعل )) زقاق المدق (( لنجيب محفوظ ، و )) يوميات نائب فى الارياف (( لتوفيق آلحكيم
هما الروايتان الوحيدتان اللتان تدلان على وعى بعض هذه الامور )) مما يجعلهما من افضل ما انتج الادب الروائى العربى المعاصر
ان فترتنا الراهنة ، فى العالم العربى ، فترة دينامية . لم يتململ ويتطلع العرب منذ حوالى ألف سنة كما يتململون الان ويتطلعون . وقد انتقلوا فى ربع قرن من الزمان من سكونية سادرة الى حركة نشيطة هادرة . غير اننا يجب ان نعترف ايضا ان هذه الفترة ، روحيا ، فترة مقلقلة ، مضطربة التوازن . ولعل المفكر فى كل عصر من عصور النمو الاقتصادى ، غريب صعب الاندماج . وحيثما ينتعش التاجر ورب العمل ، قد ينتعش صاحب الفندق ومغنى الملهى ، ولكن قد لا ينتعش المفكر بالضرورة . وفترتنا هذه ، من الناحية السياسية ، فترة دينامية قلقة ايضا . تكاثر وتوالد فى الاحزاب ، سرا وجهرا ، دون ان يتمتع
اى منها بقوة أوسلطة . والسلطة اصبحت اميل الى ان تكون ميزة الافراد لا ميزة المؤسسات المنظمة . وبقدر ما تستثنى الاحزاب بعضها بعضا ، هكذا يستثني الافراد بعضهم بعضا ، ويتم بعضهم بعضا . والتهم عنيفة ، لا هوادة فيها ولا تسامح ولا تقل عن اقصى ما يمكن لانسان ان يتهم به اخاه وابن عمه . والمنتهيات التى يتشبث بها الافراد والمنظمات ، هي آفة الفكر : انها محاولة الكبت ومنع الرؤية وفرض الصمت . والجماهير قد تتأرجح بفعل هذه العملية يمنة وبسرة ، ولكن اذا انغمر الكتاب والفنانون المبدعون فى هذه الكتلة المتأرجحة ، فقد تنازلوا عن حقهم فى الرأى وواجبهم تجاه المجتمع ،
واصبح (( ابداعهم )) ترديدا ودعوة ، لا فتحا للرؤى وانطلاقا نحو الاسمى من غايات الانسان .
غير ان الرواية العربية حتى الآن لم تتأثر بهذه الدينامية ، وهذا التأرجح والفوران فهى لا تعطينا رؤية خاصة لوضع أجتماعى خصب كان يجب ان يثير القاص ويلهمه . فهي اذن ، كما اراها ، قد قصرت على الصعيد الفردى كما قصرت على على الصعيد الجماعى . لست اعرف رواية تتصل جذورا وفروعا ، رمزا وتجسيدا ، بالتجربة الكيانية الضخمة التى نمر بها اليوم . لقد حاول احد الروائيين الشباب ذلك فى رواية صدرت فى العام الماضي ( هي (( جيل القدر )) ) فاراد ان يقيم فيها جسرا بين خضم من الافكار السياسية المسبقة المعروفه وبين
حياة اشخاص يحاولون التوفيق بين النضال السياسي والحرية الجنسية والوجودية _ غير ان الاخيرة كانت اقرب بمفهومها الى مفهوم هوليوود المموه المفصول عن جذور الامكان والواقع . وكانت النتيجة ركاما غير متماسك يعتمد المبالغات الملودرامية والنص المباشر ، فلم يفلح فى عكس حياة العنف والتوق والخوف والتغيير التى نحياها الآن . الا ان محاولة المؤلف كانت فى مكانها ، ولا ريب . وان اخفق فلعله لن يخفق ثانيا او ثالثا .
اذا كان للرواية ان تنبثق عن تجربة الفرد والجماعة ، من ناحية ، وان تفعل فعلا ديناميا فى حياة الفرد والجماعة من ناحية اخرى ، فلا بد لها ، فيما ارى ، ان ننشط كعمل فنى على مستويين اثنين هما :
اولا ، مستوى الواقع ( الفن (( مرآة المجتمع )) الخ )
ثانيا ، مستوى الاسطورة .
والمستوى الثانى في غاية الخطورة ، ولا يتحقق بيسر . بل ان المستوى الاول حيث يحاول الروائى اعادة خلق الواقع في شكل متنام متكامل ، لا يتحقق بنجاح نفسيا و ثقافيا ، وحضاريا ، الا بتحقيق المستوى الاسطورى . والمشكلة هى ان المستوى لا يمكن ايجاده بمجرد القصد والتصميم . وميزة الفنان الكبير هى ان هذا المستوى يتحقق بين يديه على نحو يقارب العفوى وهذا المستوى الاسطورى بعطي الرواية نفاذها وقدرتها على الفعل الدائم في النفس وفى المجتمع .
وهذا يؤدى بنا الى القصة القصيرة فى الادب العربى المعاصر . فالظاهرة التى لا مرية فيها هى ان كتاب القصة القصيرة كانوا حتى الآن اكثر توفيقا فى تصوير الفرد والمجتمع على اكثر من مستوى واحد ، كما كانوا اشد فعلا فى تطوير الاساليب الادبية _ وفى ذلك دليل على ما تركوه من اثر فى المخيلة العربية ، جنبا آلى جنب مع الشعراء . فاذا استثنينا اساتذة النقد الجامعيين الذين ينصب جل همهم على جلاء غوامض الأدب الكلاسيكى ونشره بين الاجيال الطالعة احياء للتراث واغناء للغة الحديثة ( وقد كان اثرهم فى المجتمع العربى عميقا حتى عام 1948 ، أى حتى نكبة العرب بفلسطين ) ، فان الذين تسحرهم امكانيات اللغة والاسلوب والتقنية املا فى تطوير الادب وتوثيق الصلة بينه وبين النفس العربية الحديثة هم كتاب القصة القصيرة . ويخيل الى ان العرب الذين عرف عنهم
عشق القصيدة منذ اقدم الازمان ، يجدون ان العبور من القصيدة ، بطولها المحدود وموضوعها الواحد ، الى القصة القصيرة ، بمحدوديتها كدلك طولا وموضوعا ، امر يسير قريب الى النفس . ليس يعنى هذا ، بالطبع ، ان القصة القصيرة سهلة التاليف ، او ان كل من حاول كتابتها اتى بشئ جديد او جميل غير ان البارعين من كتاب القصة القصيرة اكثر عددا ، وابعد نفوذا من الروائيين ولئن يعد كتاب قصص التسلية بالعشرات - وهذا امر لا بد منه كلما كثرت المجلات - فان بعض القصاصين يأخذون فنهم مأخذ الجد والحرص ، ويدخلون عليه التجارب الاسلوبية ، ويحاولون به التغلغل الى الدواخل وخلق الشخصيات والاجواء .
وفى العراق كانت القصة اليسارية من اهم اشكال الادب واعمقها فعلا فى انفس الشباب لسنين طويلة . وحسبنا ان نذكر قصص ذو النون ايوب ، التى رغم تخلخلها فنيا كانت مدرسة لجيل كامل من ادباء العراق المحدثين .
وحين يقارن المرء بين قصصه وبين القصص التى كان يكتبها فى الوقت نفسه قاص مصرى مشهور كابراهيم المازني ، نجد الفارق الكبير بين اسلوبين اثنين : فابراهيم المازنى غنى بالالفاظ الجميلة والمواضعات الطريفة بينما ادار ذو النون ايوب ظهره الى مثل هذه الالفاظ والمواضعات ، واستوخى لغة بسيطة مباشرة الاداء ، ومواضعات اليمة تمتد جذورها فى تجربة اهل العراق . وكانت النتيجة بعد فترة ما ، ان الذين تتلمذوا على المازنى كانوا فى الاغلب كتاب الصحافة والادب العابر ، بينما الذين تتلمذوا على ذو النون ايوب وجدوا قصة قوية الشكل عنيفة الصلة بالمجتمع ، فكان لهم اثرهم فى الشباب من قصاصى مصر ولبنان وسوريا .
ولكن لا بد من القول هنا ان هذا الضرب الجديد من القصص ، الذى قد يصفه اليساريون بالواقعية الاجتماعية ، يعانى علة اساسية اخذت تتضخم مع اشتداد الحركات اليسارية فى العالم العربي ، لا سيما لدى الشيوعيين منهم . فعلتها الكبرى هى انها تمثل تبسيطا مغاليا لقضايانا الحياتية . وهى تتوخى فى معظم الاحيان ما اسميه الرؤية الى الاسفل من الاعلى . فابطالها (( البلوريتاريون ))
بتكررون الى ما لا نهاية ، لا وجه لهم ولا فردية ، يعرضون علينا وجهة نظر كتاب
(( بورجوازيين )) يعيشون البورجوازية ولكنهم مصممون على تسليط خيالهم على ابناء الريف وفقراء المدن ، وكانهم يقاسون من مركب الجرم تجاههم . ولذا فان الذين يحاولون تقليد اقاصيص عبد الملك هورى الجميلة فى العراق لا يأتون اليوم الا بشخصيات مكرورة ، مسطحة ، غير مقنعة ، هى فى النهاية شخصيات تافهة . وكذلك الحال في قصص يوسف ادريس الموفقة ، فى الاقليم المصرى من الجمهورية العربية المتحدة : لقد استنفدت امثال هذه القصص قواها واجمل ما فيها ، ومن العسير ان نرى لها اثرا فى كتابة ابداعية او رؤية خلاقة جديدة .
فى لبنان حاول بعض القصاصين كسعيد تقى الدين وحليم بركات شيئا لعله ابعد عمقا واعقد شكلا . ففي اقاصيص تقى الدين خيال دائم الاتقاد توجهه نظرة هي فى صعود وهبوط مستمر بين مطاوى المجتمع العربى ، تتسم بحب جارف للحياة لا يستنكف عن السخرية لشدة ما فيه من عطف . اما بركات ففى اشخاصه من قلق الشباب العربى وشكه وتمرده اللاهادف ما يستطيع ان يعدونا بمشكلاتهم . وهناك قاص لبنانى لم يعرف بعد على نطاق واسع ، هو توما الخورى ، نراه يقتحم حيوات الافراد - ولكن دون عنوة - ليرينا اياها من الداخل دونما استعلاء ، وضمن اشكال تعنى بالجمالية كما تنشجن بالسخرية والشفقة . وفي دمشق قصاص فذ ، هو زكريا تامر ، يلعب بالتجربة لعبا سحريا ، ويحولها باسلوب قريب من السريالية الى ما يشبه الشعر المغنى _ مع الكثير من الغضب والحزن . بينما نرى فى القصص الاخيرة لسميرة عزام ، وهى فلسطينية تقيم فى لبنان ، دنوها من منابع الماساة ، وتصويرها لبعض نواحى النكبة الفلسطينية تصويرا بارعا يتجنب التضخيم الكاذب ويحقق الحس بالالم
غير ان افقر انتاجنا المعاصر هو ، ولا ريب ، المسرحية . لقد كان فى البلاد العربية فى اواخر القرن الماضى واوائل هذا القرن حركة مسرحية تعتمد فى معظمها الترجمة والاقتباس . غير ان السينما قضت عليها قضاء مريعا ، لانها فيما يبدو ، لم تتغلغل فى حياة المجتمع تغلغل الحاجة والغريزة ، كما هو الحال فى الغرب . وانه لمما يبكى ان بلادنا ، فيما عدا الاقليم المصرى ، تكاد تخلو من المسرح . ولكن حتى فى مصر ، رغم استمرار الفرق التمثيلية من القرن الماضى ورغم توفر المسارح ، ورغم مساعدات الدولة _ وان لم تكن حتى الآونة الاخيرة
الا فى مقادير زهيدة _ لم ينشط الانتاج المسرحى على نحو يجعله جزءا هاما من الحركه الادبيه المعاصرة . فمسرحيات احمد شوقي وعزيز اباظة الشعرية ، على جمالها ، اقرب الى القصيدة الغنائية منها الى مسرحية الحركة والشخصية .
والكثير من مسرحيات توفيق الحكيم ، على براعة حوارها ، لا يصلح للتمثيل باستثناء (( اهل الكهف )) و (( شهرزاد )) . والعديد من المسرحيات التى كتبت بوجه اخص فى مصر ولبنان يفتقر إلى موضوع الصراع المأساوى الذي قد يخلق فيها ابطالا يتذكرهم المجتمع فيبريد رؤيتهم اكثر من مرة . والملودرامة التى تزعمها يوسف وهبى سنين طويلة باتت تجد لها منفذا فى الافلام التى هى اصلح لها من خشبة المسرح .
وواقع الامر ان العراق ليس فيه حتى اليوم مسرح خاص بالتمثيل ، رغم وجود معهد للفنون الجميلة يدرس التمثيل . وكذلك الامر فى الاردن ولبنان وفى الاقليم السورى . انما تستأجر المسارح العامة - وهى قاعات تستخدم للاجتماعات الكبرى _ لبضع ليال هنا وهناك لعرض بعض المسرحيات المترجمة او المسرحيات الموضوعة التى هى اقرب الى المهازل منها الى الكوميديا الحقيقية .
والغريب ان هناك فرقا تمثيلية كثيرة ، تتالف من هواة يعشقون المسرح ، ولكن انعدام المخرجين البارعين ، عدا انعدام قاعات التمثيل المزودة بالاجهزة الحديثة ، يثبط الهمم ، وبالتالى لا يقبل المؤلفون على تاليف المسرحية الا فيما ندر .
غير ان هناك بوادر تشير الى ان هذا الوضع فى سبيله الى التصحيح . فقد انعش وجود التلفزيون فى بغداد مثلا فرق التمثيل من جديد ، وجعل الكتاب يؤلفون بالعامية مسرحيات تتصل بحياة الشعب . واخذت الحكومات العربية تولى هذا الامر اهتماما متزايدا ، فجعلنا نسمع عن مشاريع ثقافية تستهدف بناء المسارح وتخصيص المبالغ لفرق التمثيل . ولعلنا نرى فى العشرين سنة القادمة مسرحا عربيا يحتل مكانا مرموقا من حياتنا الثقافية . ويقدر ما يسرت المحلات انتاجنا القصصى فزادت منه ، سييسر المسرح الانتاج المسرحي ويزيد منه ،
ولذلك يجمل بنا ان نمسك عن اعطاء الحكم على نوع هذا الانتاج حتى ذلك الحين

