أصبح العنف في ممارسة الرياضة أو اثناء المقابلات الرياضية من أهم مشاغل المربين والمسؤولين عن التربية البدنية ورجال السياسة . فلا يكاد يمر أسبوع دون أن تنقلب هذه التظاهرة الرياضية أو تلك الى مشاهد مؤسفة بعمد فيها الشبان وحتى من تجاوزوا طور الشباب الى كل ضروب العنف من تخريب واتلاف ورمي بالحجارة واحراق للعربات . ومن الناس من يسلمون أمرهم لله ويقبلون هذه الحالة المحزنة وكأنها الوجه الآخر الملازم للرياضة أو الضريبة التى لا مناص من أدائها لارضاء الغرائز المنحطة الكامنة فى النفس البشرية . ومنهم من يعتبرونها من قبيل الطقوس التى تقتضى تقديم الذبائح أو على الاقل التفريج النفسانى الضرورى ، الذى يحسن قصره على الملاعب وما حولها عوض تركه يتفاقم خطره في الشوارع والمحلات العمومية .
على أن فريقا ثالثا - وهم الاغلبية والحمد لله - يرفضون التسليم بأن العنف بمثابة لعنة من السماء أو قضاء وقدر محتومين فصح منهم العزم وقرروا القيام بعمل جذرى لتقليص العنف أو الحد منه أو ، لم لا ، استئصاله كليا من كافة الالعاب الرياضية .
ان من حق الاكاديمية الاولمبية الدولية بل من أوكد واجباتها أن تساهم المساهمة الثمينة فى هذا الجهد الجماعي الرامي الى احلال التعامل السليم المحل
اللائق في المباريات الرياضية ، ومقاومة كافة ضروب العنف في الرياضة . ذلك أن الروح الاولمبية تقوم أساسا على مثل أعلى يستمد مقومات اكتماله من تناسق النشاط الجسمانى ، وهي بالتالي لا تقول بادىء ذى بدء بالانتصار والصراع والخصم ، بل هى ترمي الى ما وراء كل نزعة أساسها المنافسة . وعليه فان من واجبنا الاكيد - فى اطار الاكاديمية الاولمبية الدولية - أن نحلل اشكالية العنف فى الالعاب الرياضية وأن نتعمق فى تقصيها لتساهم فى انتصار قضية كنا ومازلنا مؤمنين بها .
ويبدو لى من الضرورى فى نطاق هذا البحث المتواضع أن نقلب الامر أولا فيما يخص ظاهرة العنف عامة ثم نحاول تسليطها على الالعاب الرياضية بوجه خاص قبل تحديد الدور الذى يمكن أن تضطع به الروح الاولمبية فى هذا المجال .
فالعنف يعتمد الشدة والقسوة ويطلق فى لغة التداول على القوة الهوجاء الجموح ، فنحن نتحدث عنف الربح أو عنف الانفجار . والكلمة تطلق على الانسان الاهوج الذي لا يقدر على كبح جماحه ( فى حال المحبة الغالبة أو الغضب الشديد ) وكذلك على ثزعة اللجوء بدون وجه شرعى الى القوة قصد السيطرة على الغير . فالعنف مرتبط أشد الارتباط بالطبيعة البشرية الى حد اعتباره . مقوما أساسيا لها وصفة غالبة عليها .
وقد لاحظ الفيلسوف الفرسي بول ريكور(Paul Ricoer) فى نص ممتاز خص به الانسان الرافض للعنف وحضوره فى التاريخ " أن العنف موجو فى كل زمان ومكان . ويكفى أن ننظر كيف تقام الامبراطوريات وتسقط وكيف نصنع الشهرة وتثبت وكيف تتناحر الديانات وكيف تتوارث وتتناقل امتيازات الملكية والسلطة وكيف يتوطد نفوذ رواد الفكر وتقام سطوة النخب الثقافية على ركام الاعمال التى انجزها البؤساء والآلام التى تحملوها "( 1) .
وكم كان هذا الفيلسوف على حق عندما رأى أنه لا توجد نظرة بعيدة عندما يخطط لعالم العنف وعندما حذرنا من سوك منهج من عمدوا الى تحليل العنف وتبجحوا باكتشاف ثلاث أو أربع يكفى كشفها لاسقاط دمي العنف المتحركة على ساحة الركح ، والواقع أن العنف ظاهرة كلية فهي فى آن واحد بدنية وبيولوجية ونفسانية واقتصادية وسوسيولوجية وسياسية وثقافية . فشمولية هذه
المستويات وتعددها جعلا هذه الظاهرة راسخة الجذور فى التاريخ وفي الاحداث وبالتالى جعلا كل عمل لاستئصالها شديد المراس فعلينا إذن أن لا تهمل أى مقوم من مقومات العنف .
ذلك أن النزعة العدوانية المتمثلة فى غريزة التخريب قدر مشترك عند كاف الحيوانات . فسواء استمدت قوتها من شحنات الادرينالين غير المستهلكة أو مما بقى فى المخ من رواسب ما قبل التاريخ فى مستوى " مسيخ الانف " أو نشأت عن درجة كبت النفس عن شهوات لم تلب كما يراه فرويد ، فجذورها مهما كان الامر ثابتة فى اعماق واقعنا البيولوجى . فالنزعة العدوانية هي اذن عند الانسان حالة طبيعية . أما النزوع عن العدوان فهو الفتح المبين وهو حصيلة جهاد النفس وتجاوز لمنزلتنا الحيوانية .
وعليه ينبغي أن نعتبر الوجه النفسانى للعنف الاعتبار الاكبر . اذ ما أن يشعر المرء في صورة من الصور بحاجته الى فرض النفس حتى تستيقظ الغرائز الدفينة وتتغلب من جديد . ومهما كان مدى تجذر العنف فانه يتجلى فى أشكال وأنواع مختلفة . لذلك فالنزعة العدوانية لا تبرز أبدا حيث يفترض أن تكون , فهي تنتقل - أو تنقل - بحسب الردود التى يرى المرء ، فى ظرف معين ، أنه من واجبه أن يقابل بها ما يدعى الى مواجهته من أمور . وسواء أولنا تلك الردود على أنها عقد نفسية كعقدة النقص أو عقدة التفوق أو على أنها عقدة انطواء ذاتى أو عقدة انتفتاح خارجى ، فان النزعة العدوانية فى تنقل مستمر . ومن ثمة فان للوسط المادى والثقافى ، على الاخص ، تأثيرا حاسما فى هذا المجال ، ذلك ان الثقافة تغير شكل النزعة العدوانية - وأقول شكلها لا طبيعتها .
ولهذا فان بعضهم على حق حين يرون أن العنف هو العنصر الاساسي لكل مجتمع . ولم يتردد كل من رايمون بودون وفرنسوا بوريكو فى أن يكتبا فى مؤلف لهما ظهر حديثا : " ان العنف على مشارف الحياة الاجتماعية يحيط بها من كل الجوانب وهو يمثل الحد الادنى لها والخط الذى دونه لا يمكن للافراد ان يؤلفوا جماعة أصيلة بأتم معنى الكلمة . وحتى فى صلب جماعة يسودها النظام والامن وبين جماعات من هذا القبيل فانه لا احد يبقى فى مأمن من انفجار " النعرات القديمة " ، انفجارا لا رادع له مما يحطم كل نظام قائم على السلم ( 2 )
ومن هنا يتبين ما يكتسيه موقع العنف في كل مجتمع من عموض . فمن جهة سدو مرتبطا ب " انفلات زمام المراقبة أو انعدام الوعى لدى الافراد أو الجماعات التى لم تتهذب اجتماعيا . فيعزى ذلك الى الخروج عن المعقول أو ردة المكبوت أو بعث لغريزة الموت من جديد واطلاق العنان للغرائز الجنسية . ومن جهة أخرى يبدو العنف وكأنه مورد ينهل منه المجتمع تاركا للعنف المجال ليست فى قطاع أملا فى استئصاله من قطاع آخر استئصالا أحسن وأفضل " ( 3 ) .
والعنف حسب التعبير المتداول فى علم الاجتماع يبرز للعيان عندما تنطمس القيم ، فيصدر آنذاك عن النزعة الانكارية ويترجم بأسوا صورة عن مدى التفريط في معنى الحياة . وعند ذلك يتغذى العنف من مواطن ضعفنا الشخص وهذا ما وفق الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش الى كشف النقاب عنه بوضوح عندما قال : " ليس من قبيل المبالغة وصف العنف بأنه قوة ضعيفة لأن القوة هى التى تتعارض مع الضعف . أما العنف فهو يقابل الرفق . ومما يدل على أن العنف قلما يتعارض مع الضعف هو أن الضعف ليس له فى الغالب من علامة غير العنف ، فالعنف ضعيف ومتعجرف وهو متعجرف لانه فى الواقع ضعيف " ( 4 ) .
ثم هل ان عصرنا أشد عنفا من العصور الاخرى ؟ هذا حكم نترك البت فيه للمؤرخين . بل ان ما يبدو متأكدا لدينا ، هو أن العنف السائد فى عصرنا ليس علامة قوة أو رباطة جأش بل هو دليل ضعف وانحطاط . ويظهر لي أنه يكشف عن الفراغ الخطير فى تفكيرنا وعن عدم جدوى النظم التى تستنبطها مجتمعاتنا لتعويض ما فقدته .
ان سباقنا للظفر بالرفاه المادى الذى أصبح يقاس بالدولارات وبرافق العيش الرغيد وسباقنا الذي لا نهاية له نحو التسلح واطلاق العنان لشهواتنا الى أقصى حد وهيامنا بتكنولوجيا غدت غاية فى حد ذاتها وتسييس كل شئ ولا شئ وحرصنا على التستر وراء ترسانة من الايديولجيات المبهرة وافلاس هذه الايدولوجيات الذى بات من تحصيل الحاصل ان كل ذلك لم يترك على ما يبدو للناس فى عصرنا هذا اختيارا آخر غير اللجوء المجاني الجنوني الى العنف الخالص .
فلا غرابة اذن أن يبدو العنف فى هذا السياق وبالنسبة الى الكثيرين بمثابة آخر ملحا والوسيلة الوحيدة لتغيير عالم غدا لا طعم له لكثرة ما توفر فيه من وسائل وأصبح فقيرا لفرط ما تجمع فيه من ثروات مختلفة .
وأخيرا وليس آخرا لا يكون العنف فى بعض الاحيان وسيلة لخدمة غرض نبيل أو حتى سلاحا لتغيير أحوال العالم ، بحيث يصبح فى هذه الحال عنفا مجانيا . وبما انه أصبح غاية في حد ذاته فانه لا يمكن أن يفضى الى أى شئ ذى بال . ويصبح عنف الايدولوجيات الخالية من كل معنى فى خاتمة المطاف مجرد ايديولوجية سطحية للعنف . وهكذا تضفي الانكارية المضرة بمجتمعاتنا العصرية ايما ضرر مسحة من المطلق على العنف . ومما يدل على ذلك أن مطلق العنف لا يمكن أن يفضى الا الى العنف المطلق .
فكيف السبيل ، فى هذه الحال ، الى جعل الرياضة فى منأى عن العنف ؟ ينبغي ألا نمل من تكرار القول بأن العنف في الالعاب الرياضية ليس الا مظهرا من بين عدة مظاهر أخرى للعنف الاجتماعى . انه ليس مظهرا معزولا بل هو امتداد في الملعب الرياضى لظاهرة يمكن تبينها فى أى مكان آخر : سواء فى الشارع أو فى المعامل أو فى المدارس أو فى الجامعة .
اننا لا محالة نجد الى جانب الخصائص العامة للعنف فى المجتمع خصائص اخرى لصقة بالرياضة فى حد ذاتها . لان الرياضة بوصفها فرجة تطلق العنان للنزعة العدوانية التى أشرنا اليها كما تطلق العنان للعنف المكبوت أسوأ كبث وهو عنف لا تزيده صنوف الحرمان الطافحة به الحياة اليومية الا اضطراما .
والرياضة باعتبارها حفلة أو تظاهرة جماعية فان " الحاجة فيها الى العنف " تصبح ملحة موعز بها ، مؤطرة ، موجهة فى خضم المنافسة الجماعية التى صارت أهم شئ في الرياضة اليوم . وعندما نقرأ بعض التحقيقات التى تصف ضخامة الوسائل التى تسخرها بعض البلدان لكبح جماح النزعات العدوانية المصاحبة للتظاهرات الرياضية الكبرى نود لو كان ذلك مجرد حلم فلنستمع الى " بيار سورو" الذي يلخص لنا ما أصبح يعد من قبيل الاحداث اليومية العادية البسيطة فى ملاعبنا الرياضية . فيقول : " فى أغلب الاحيان تقتصر انفجارات العاطفة المتأحجة على الكلام أو الصراخ أو على الحركات المعبرة عن مواقف معينة ولكنها عندما لا يتحقق احيانا اخرى الانتصار المأمول أو عندما تعتبر الهزيمة مسا بكرامة الشخص أو هي شعور جديد بالحرمان فان الانفجار العاطفي يتحول الى عنف ويصبح من العسير كبح جماحه .
ولكى يتم هذا العنف بدون أضرار بالغة يقتضى ذلك انتصاب جهاز بوليسي بكامل العدد والعدة ففي فرنسا يهيأ لهذا الامر عدد ذو بال من طواقم الشرطة وفرق الامن الجمهورى تصحبها الكلاب البوليسية.. وفي غلاسقو تناط هذه المهمة بعهدة أعوان الدرك الممتطين صهوات الخيول والمسلحين بهراوات طويلة ويضاف الى ذلك اعداد مسالك مشبكة بالحديد معدة لخروج اللاعبين والحكام ووضع الحواجز الحديدية وفصل المنصات عن ميدان اللعب بحفر يصعب تخطيها وما الى ذلك من قاذفات المياه لاطفاء الحرائق ( 5 ) .
والواقع أن العنف فى الملعب الرياضى ليس الا صورة من صور العنف في المدينة ويخطئ خطأ فادحا من يعتبر ذلك مجرد طفرة ظرفية . نعم يمكن لا محالة أن تكون الرياضة متنفسا وقتيا عرضيا لعنف امتدت جذوره فى أعماق الحياة اليومية . غير أن هذا لا يغير شيئا من العنف الموجود في المجتمع ، ولا فائدة ترجى من صرف هذه الشحنة أو تلك من العنف في ممارسية الرياضة اذا بقيت الهياكل التى انجر عنها العنف على حالها ولم يدخل عليها أى تغيير .
ومن مظاهر العنف التى قد تعزي للرياضة بصورة مباشرة تلك الممارسات التى لها صلة بتقنيات اللعبة ذاتها والتي تميز هذه الرياضة أو تلك . وعلى هذا الاساس فانه بالامكان اعداد تصنيف حقيقي للرياضات حسب مقياس محدد يتماشى مع درجة العنف التى تقتضيه هذه الرياضة أو تلك ، وفي هذه الحال تحصل على ترتيب تصاعدى من هدوء الحركة وانسجامها الايقاعى الى أقصى درجات الغلظة والعنف وبالإمكان اعداد شبكة ذات خمس بيوت :
- رياضات هادئة : ألعاب قوى وسباحة ورماية بالقوس - رياضات قليلة العنف : كرة الطاولة وكرة المضرب - رياضات متوسطة العنف : كرة السلة والكرة الطائرة - رياضات عنيفة : كرة القدم والرقبي - رياضات بالغة العنف : ملاكمة ، ومصارعة وفنون حربية
وهكذا فالرياضة من هذا المنظور تشبه الخان الاسباني . وبما أننا نجد فيه كل شئ ، فلا يمكن أن نحشر ضمن نفس التحليل نشاطا مثل السباحة التى
هى تسام بالجسد وتلاؤم مع المحيط المائى مع الملاكمة ، وخاصة منها ملأكمة الاحتراف ، التى هى عنف منظم ، لانها مقننة ، ولكنها خطيرة فى بعض الاحيان .
وفي هذا الصدد أوردت جريدة لومند(6) فى هذه الايام مقالا عن " الملاكمة القاتلة " وهو مقال رددت فيه ما ورد فى تقرير لجمعية جراحي الاعصاب بالولايات المتحدة يطالب منظمي المقابلات ب " نزر قليل من الجدية " و " باجراءات لتطهير هذه الرياضة " ، وحسب ما جاء فى تقرير هذه الجمعية فان 15 % من الملاكمين المحترفين مصابون باضطرابات عقلية - مثل فقدان الذاكرة ، وعسر النطق ، وصعوبة التنقل وارتعاشات متأتية من رضوض في الجمجمة يصعب الكشف عنها اثر المقابلات . وقد تبين من دراسة صور راديوغرافية لثمانية وثلاثين ملاكما أن اكثر من نصفهم يحملون آثار تقلص فى أنسجة المخ ، وأن 17 % من الملاكمين الذين مارسوا هذه الرياضة ما بين 6 و9 سنوات يعانون من اضطرابات عقلية ، وأن ثلثهم يعاني من اضطراب فى النطق أو الذاكرة أو التنقل . وفيما بين 1945 و 1979 مات 335 ملاكما محترفا أو هاويا فى العالم ، من جراء تعاطيهم أنشطتهم . ومع ذلك فان هذه النسبة من الوفيات العالية فى حد ذاتها ( 0،13 )هى أقل بكثير من نسبة الوفيات بالرياضات الاخرى مثل الغوص البحرى ( 1،1 % ) وتسلق الجبال ( 5،1 % ) أو سباق الخيل ( 12،8 % ) . ويمكننا تعداد الامثلة ، لكننا نقتصر على هذه الوقائع البالغة الدلال والتي لا سبيل الى دحضها .
ولئن الححنا فى ايراد هذه التفاصيل فلنبين ان الرياضة اذا أوكل امرها الى سماسرة لا ذمام لهم تكون سببا فى حدوث ما لا تحمد عقباه . وان جمعية جراحي الاعصاب الامريكيين نفسها قد عبرت عن عميق انشغالها ازاء الافراء فى استخدام التظاهرات الرياضية ، واقترحت بالنسبة الى مباريات الملاكمة التى تجرى بالولايات المتحدة أن تتخذ اجراءات ملموسة القصد منها ادخال تغيير يتعلق بطبيعة هذه الرياضة وطرائقها . واننى شخصيا لا أرى أن المطالبة بوجود أطباء حول الحلبة أو مجرد الحصول على رخص مسبقة هى أفضل طريقة لمعالجة هذه المشكلة .
وهكذا صارت الرياضة للاسف ، ممارسة لا تمت فعلا بصلة كبيرة الى المثل العليا المرتبطة أساسا بالتربية البدنية . فالمكافآت المالية التى غالبا ما تصل الى
مبالغ يدهش لها المثقفون والعاملون الجادون غيرت مفهوم المباراة نفسها ، لان الانتصار لم يعد انتصارا معنويا أو بدنيا ، وانما أصبح واقعا ماديا يقاس بالدرهم الرنان والدينار . وصارت المباريات مجالا للرهان يقدر بآلاف الدولارات . وانجر عن ذلك اعتبار الربح والتربيح بأي ثمن كان هو الشغل الشاغل لاوساط الاحتراف . وسعيا لضمان اقبال الجمهور فى جحافل حرارة ، وتزاحمه على مدرجات الملاعب وقاعات العرض ، لا يتردد بعضهم في تملق العواطف والاهواء على اختلافها . وهكذا أصبح التعصب ، والشوفينية لدى الجمهور وحمى النجومية لدى اللاعبين ، واللهاث وراء الالقاب ، وداء البطولية مظاهر مؤسفة لا محالة ، ولكنها ضرورية لتحقيق النجاح المادي لاية مباراة . وبعد أن كان المتفرجون يتابعون المباريات بدافع الاهتمام والمتعة يتحولون ، كما لو كان الواجب يقتضى ذلك ، الى متعصبين يطالبون بالنصر تلو النصر ، خاصة في المباريات التى تتعلق بنواديهم ، وعند الاخفاق - وهو أمر لا مناص منه - مرة كل مرتين على الاقل تكون خيبة الامل سببا فى الشعور بالحرمان الذي سرعان ما ينقلب الى غضب ومنه الى العنف ، وتسير الامور على هذا النحو حتى يصبح الجميع أبعد ما يكونون عما تفرضه الرياضة الحق من مثل عليا بل ان الامر لا يعدو أن يكون فى معظم الحالات قريبا " من القبلية " ذلك انه لا يكفي أن يلتزم اللاعبون باللياقة ، وانما من واجب الجمهور أيضا التحلي باللياقة وعدم الخلط بين الرياضة والسياسة التى تقترن فى معناها الضيق بالحقد والعنصرية والعصبية والادهى والامر من ذلك هو أن قوانين المباريات الرياضية نفسها تبدو مساعدة على استمرار هذا المناخ كما لو كان ذلك قدرا سيئا محتوما ، حتى هذه التنظيمات أصبحت فى نظر الكثيرين مجرد عائق قدر له أن يتم تجاوزه بصورة ملتوية ناهيك أن بعض التنظيمات هي نفسها توحى بالتحيل ذاته والحال أنها أعدت لتوفير الوسائل الكفيلة بصهر خصال مثل ضبط النفس وامتلاكها فى صلب الرياضة ذاتها .
وباختصار ، فان الرياضة كما تمارس اليوم فى اطار مجتمع جماهيري واستهلاكى تسير نحو فقد فقدان علة وجودها ، ومآلها افلاس المثل العليا التى كان عليها أن تسعى الى تحقيقها . ولنقل مرة أخرى ، وفي الاعادة افادة ان المبادئ الاولمبية هى وحدها الدواء الناجع لكل التجاوزات فى الميدان الرياضى ، وهي وحدها تمثل القيمة العليا ضد العنف .
وليس من المفيد أن أعيد على مسامعكم مبادئ الفلسفة الاولمبية ، وقد عالجت الأكاديمية الاولمبية الدولية هذه المسألة خلال الجلسات السابقة بما يغنى عن
العودة اليها وحسبي أن أذكر بالمنشور الرائع المؤرخ فى 15 جانفى 1894 الذى وجهه بياردى كوبرتان الى الجمعيات الفرنسية والاجنبية . وقد جاء فيه " من المهم ، قبل كل شئ ، المحافظة على ما تميزت به ألعاب القوى فى الماضى من نبل وفتوة لتواصل القيام بدورها بصورة فعالة فى مجال تربية الشعوب الحديثة , على غرار ما أضفاه عليها معلمو اليونان من دور رائع خاصة وأن النفس البشرية الامارة بالسوء تسعى دائما الى تحويل رياضى الاولمب الى مصارع فى سيرك . والواجب يقتضى أن نختار بين النقيضين . وما نزال ، الى اليوم أمام هذا الاختيار ناهيك أن العودة الى أحياء الالعاب الاولمبية كانت غايته ، بكل وضوح , من نزعة الربح والاحتراف " . ولنفس الاسباب صرخ بياردى كوبرتان سنة 1925 قائلا : الاحتراف هو العدو بذاته .
فنحن اذن مدعوون الى العمل فى هذه السبيل ، وعلينا ان نعطي مقاومتنا للعنف في الرياضة بعدها التربوى الحقيقي ولهذا لا يقتضى الامر مقاومة غرائر الانسان ، بل منعها من النمو فى اتجاه فوضوى جارف اذ الروح الاولمبية وفلسفتها ومثلها الاعلى ومبادئا لا تهم الرياضة وحدها ، وانما تتصل بالتربية بمعناها الشامل . وهي تهم الملعب دون شك ، ولكنها تهم أيضا الاسرة والمدرسة والجامعة والمصنع ووسائل الاعلام .
على أنه لابد أن نولى عناية خاصة "بالمسيرين" من مربين ومسؤولين عن النوادى وحكام ومنشطين على مختلف الاصعدة ذلك أنهم مدعوون الى القيام بدور هام حتى تمارس الرياضة فى الواقع وفق ما تقتضيه كل الآداب ، وفي جو تسوده مراعاة قواعد المجاملة والروح الرياضية . ولا يحق لنا أن ننسى أبدا أن الشبان غالبا ما يبالغون فى الاقتداء بالكبار . ولهذا فان على هؤلاء أن يحرصوا على اعطاء المثل وأن يبرهنوا عن مدى تشبعهم أنفسهم ، بالقيم الاخلاقية .
وليست الروح الاولمبية مجرد احترام للقواعد بصورة سلبية ، بل هي أكثر من ذلك ، فهى تقتضى من كل متبار توفير حظوظه فى الانتصار ، لكن مع مراعاة حظوظ المنافس الذي يجب أن يقابل بالاكرام والمحبة وأن يكون محل احترام على كل حال . والكلمة الانجليزية (Fair -Play ) تترجم تماما عن هذه الروح النبيلة التى خصها بيار دى كربرتان بالروح الاولمبية . وقد قال برنار جيلي : " ان هذه الروح عندما تؤدى الى الفوز ، يصحبها احساس مرهف بالانتصار على خصيم نربأ بأنفسنا أن نشعر إزاءه بامتياز ما " وفى هذا عزم رائع ايجابى هو
للعقل بمثابة الجهد الرياضى للجسد ، لان الروح الاولمية ليست مسألة عضلات أو عراقيب لا غير .
واننا لنسجل بارتياح الجهود التى بذلتها مختلف الهيئات " من أجل رياضة بدون عنف ومن أجل الروح الرياضية السمحة " مثل اللجنة الدولية للروح الرياضية السمحة ، والجمعية الدولية لمقاومة العنف في الرياضة والبنتاتلون الدولى واليونسكو وبعض الدول . وهذه الروح هي التى كانت الدافع لاقامة ملتقى موناكو . وفيما يخص اللائحة الختامية يجب أن تكون محل درس معمق من قبلنا هنا لانها تتضمن جملة من الاجراءات الملموسة ، وهي اجراءات سنتبني أغلبها ، لا سيما وان اللجنة الاولمبية الدولية قد اشتركت في هذه الجلسات عن كتب بل إن المسؤولين باللجنة الاولمبية الدولية على اختلاف درجاتهم وتنوع اللجان التى ينتمون اليها واعون بأهمية هذه المسألة ومن هنا يستمد اجتماعنا الحالى كل معناه .
ان دورنا يقتضى البحث بواسطة الرياضة فيما يحف بعملنا التربوى من ملابسات ويستوجب كذلك مقاومة الانحرافات والتدليل بالواقع على الطريق التى بها تكون الروح الاولمبية نمطا للحياة ورؤية للكون . وهذه السبيل هي وحدها التى تقينا من اليأس من الرياضة ومن الاستسلام لكل التجاوزات التى شهدناها خلال السنوات الاخيرة والتسليم بها كما لو كانت لعنة مسلطة وقدرا مقدورا ، وأن الروح الاولمبية فلسفة قوامها الشدة مع النفس وامتلاك الفرد لناصية أمره والسمو الى عالم المثل بالجسد الذى هو قسمتنا جميعا وهكذا فنحن محكوم لنا بالعمل وكلى أمل فى أن يكون لهذه الدورة الجديدة من اجتماعات الاكاديمية الاولمبية الدولية ، فى هذا المجال ، من الجدوى ، ما كان لدوراتها الاخرى السابقة .

