الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

الرومانطيقية في غزل الأعشى

Share

هل يصح اطلاق هذه التسمية على غزل الاعشى أم ان فى اطلاقه شيئا من التجوز الذى لا يجوز ؟!

* أدبه أدب كل الخلجات والمضطربات التى تعترى الانسان . . فكان أقرب الى التجربة منه الى التقليد والتهافت الموضوعى . !

- الرقة . وعذوبة الرقة . مذهب من مذاهب التعبير لا يمتاز به جيل عن جيل ولا زمان عن زمان ولا مدر عن وبر . . وان من الخطأ البين ان تكون عند الدكتور طه حسين باب للطعن في صحة ما أثر عن الاعشى من الشعر الرقيق . . !

. . ما من شك فى أن غزل الاعشى كسائر الغزل الجاهلى يغلب عليه اللون القصصى حتى ليكاد الشاعر أن يكون الى القصاص الذى يسجل أحداث قصته قريبا وبه ملتصقا قربا والتصاقا يصبح معه الشاعر من حيث يدرى أو لا يدرى مصورا عصره أكثر مما هو مصور شخصيته وفنه . . واذا أنت عمدت الى استثناء مقدمات القصائد التى يتحدث فيها الشاعر عن حبه ولهوه أيضا ألفيت شعرا كله يمكن ان يمت الى أى شىء الا أن يمت الى حياة الشاعر . .

ان صلة الشاعر الجاهلى بمجتمعه كانت قوية . . ولعل هذا - وهذا وحده عمل عمل السحر فى الشاعر الجاهلى - أفنى له

شخصيته . . وأذاب عواطفه . . وجعله يسوق المقدمات ثم المطولات فى أسلوب مرسوم معروف يصور تقاليد العصر الجاهلى أقوى تصوير . . . ولذلك كان من الصعب جدا على الرواة والمؤرخين استخراج صورة دقيقة مستقلة للشاعر الجاهلى من شعره . .

ومع أن شعر الاعشى صورة من العصر الجاهلى وقيمه واحداثه . . ومع انه كغيره من شعراء زمانه كان يجرى فى نظام القصيدة . . وفى ابراز المعانى وصياغة الالفاظ . . الا أن له ما يميزه أيضا . . فهو (( رومانطيقى ))  الاتجاه . .

و (( الرومانطيقية )) في المصطلح الغربى : اتجاه ادبى حديث ذو طابع خاص قائم بين (( الكلاسيكية )) و (( الواقعية )) . .

ولا يظن ظان أن هذا الاتجاه ظهر أول ما ظهر فى (( أوروبة )) فى أوائل القرن التاسع عشر ليعبر عن الروح التى اشعلتها نيران الثورة الفرنسية التماسا للتطور الاجتماعى والاقتصادى . . لأن هذا الاتجاه وليد العصر الجاهلى . . هو ابن العرب . . والاعشى قد تبناه . .

و (( رومانطيقية )) الاعشى كانت رد فعل لطغيان النزعة التقليدية وطغيان الشكليات والمظاهر التى سادت العصر الجاهلى . . وانعكاسا لافكار الطبقة المجددة . . الطبقة التى المت بالحضارات وثارت على القوالب الكلسية ومعاييرها السائدة فى الشعر . . فجاءت (( روما نطيقية )) الاعشى ثورة على كل هاتيك المفاهيم . . تنادى برفع القيود التى تحول دون الفكر والشعور الحر والفرد . . وتعلن (( حقوق القلب الانسانى )) . . وتدعو الى اعلاه شأن العواطف . . والحديث عن الذات الانسانية . .

والشعراء المجددون بعد الاعشى كثر فى العربية . . وهؤلاء أحسب أن أسباب نشوء (( الرومانطيقية )) عندهم او تجددها - بعبارة أصح - تتجمع لتشكل ناحية واحدة هى اطلاعهم على الآداب الخارجية . . فكان الادباء المهجريون . . وكانت ((جماعة أبوللو)) والذاهبون مذهبهم من بين من تأثروا بطريق او بآخر بنتاج الادب الغربى والفارسى والهندى واليونانى فى نصوصه الاصلية أو المترجمة . .

أنكر الاعشى على المقلدين - فى زمانه - مبالغتهم بالتقليد . . ووقوعهم فى الكذب والثرثرة . . كأن يبدأ أحدهم قصيدته بالغزل حين لا يكون ثمة فتاة كانت قد رأتها عينه ولا قالت له ولا قال لها . . أو يصف الاطلال ولا أثر للاطلال قط . . !

كأنى به يدعو الى ضرورة جعل التعبير عن التجربة النفسية الغرض الاول والاخير للشاعر . . وترك كل ما يحول دون التعبير الحر الصادق عن مكنون الحالة النفسية . . ولكأنى بهذه الروح قد تسربت الى حياة الشعراء من بعده . . وحض عليها كراهة التقيد بكل قديم يحسن تجديده . . بما فى ذلك صعوبته واشتراطاته . . وتبرم الافراد بشعراء التقليد والمتعصبين له . . وتعطشهم الى أدب ينبع من ذواتهم . . ولكأنى بهذه الروح أيضا قد انسجمت - فى الوقت الحاضر - مع رد فعل الشعراء الحاليين الشخصى . . فهبوا هبتهم ضد التنكر الاعمى لكل ما هو جديد . .

أنظر الى الاعشى فى كل أشعاره وأفانينه فانك لا تلفى غير التمسك بالتراث العربى . . والحفاظ على مجريات الامور فى زمانه . . مع تسامح شامل . . ومرونة

كبيرة . . وأفق فكرى واسع . . فعاش مستغرقا فى نشوة رائعة من الاحلام الجميلة، والافكار الفنانة ، وترجمانا معبرا عن عواطف الانسان . . ومشاعر الانسان ، وانطوت نفسه على صدق الشعور ، ورقة الأحساس ، وعمق التجربة ، ودقة الفهم لمذاهب الفن وأصوله . . منذ استرعى اهتمامه الى الادب فى مطلع شبابه - وهو راوية لخاله المسيب بن علس - ذلك الجمود الذى عاش معاصروه فى تياره . . فراح يحمل دعوة التجديد ويمثلها . . حتى اذا جاء العصر العباسى كان كل شىء قد جعل فى المكان الذى أراده له الاعشى . .

ان شعر الاعشى كله دعوة الى البساطة والاصالة . . واستلهام العاطفة . . ودعوة واضحة للحرية الفنية . . وللوحدة العضوية فى القصيدة وللتجربة الشعرية . . وحسبنا انه جدد في مضمون القصيدة وشكلها تجديدا واسعا . فمن حيث المضمون آثر الجانب الغنائى التصويرى . . واحتفى فى قصائده بشتى العواطف والافكار دون أن يقتصر على أخدها . . وكتب أعمق التجارب الانسانية. ومن حيث الشكل حرص على عمودية القصيدة جريا على عادة شعراء زمانه .. ولكن مع ايثاره الاوزان الغنائية السهلة الخفيفه المتفقة بالموسيقى واللحون . .

فمذهب الاعشى فى الشعر واضح جلى لا يرقى اليه الشك من قريب او من بعيد . . وهو ان الشعر ليس ألفاظا وأوزانا وانما هو روح ومعنى . . فكأنه بهذا قد انتصر لمدرسة المعنى فى وقتنا الحاضر . .

ولعل أمير الشعراء أحمد شوقى كان يحذو حذو الاعشى في مذهبه هذا حين قال :

(( والشعر ، ما لم يكن ذكرى وعاطفة

    أو حكمة ، فهو تقطيع وأوزان !

فشوقى بهذا التعريف قد ميز الشعر مر النظم . . وأبان عن أهدافه فجعلها فى ثلاثة أهداف . الذكرى . . والعاطفة . . والحكمة . . فلو خلا من أحد هذه الاغراض عاد نظما يسلك فى عداد الموزون . .

وفى غزل الاعشى . . بل شعره كله ما يشين . . ولكن الشائنة نفسها كانت في غيره من شعراء الجاهلية ايضا . . ان تعهرا في الغزل . . أو مغالاة في المديح . . أو افراطا فى وصف الخمر ومجالس الخمر .

وما جعلنا نشير نحن أبناء هذا الزمان الى هذه الشائنة فى أدب الاعشى ليس الا مخاضا لاختلاف الزمان والمكان والبيئات . .

فان اختلاف كل منها قمين بأن يعطى لكل أمة طابعا خاصا يميزها عن بقية الامم فى مناحى تفكيرها واتجاهاتها . . وبالتالى فى انتاجها المادى والفكرى .

الاعشى وغيره ممن نحوا نحوه فى زمانه وفي زماننا لهم نظريات فى الحياة هى بعض ما يمثل استغراقهم فى اللهو والعبث والمجون . .

صوروا حياتهم المعاصرة . . وطالبوا بتحرير الشعر من قيوده التى يرسف فى أغلالها . . وخرجوا به من حدود الضيق والانعزال . . وخصبوه بقيم جديدة جعلته أكثر عذوبة . . وأكثر مرارة . . واقرب الى شعر التجربة منه الى شعر التقليد والتهافت الموضوعى . . كما نسقوا القصيدة وجعلوها فى عنوان موحدة مستقلة كالوحدة الواحدة . . لا سبيل الى تفريقها . . وطعموها بالفكر . . ولونوها بالصبغة (( الرومانطيقية )).

ان الالتزام حين يطلق على الأدباء أو الشعراء أو الفنانين فى زمان الاعشى وفى

زماننا ليعنى التبشير بالقيم الفاضلة . . ثم الاقتصار عليها كل الاقتصار يكون الالتزام اطلاقا . . كالدخان لا يلبث ان يتلاشى ويضيع فى متاهات الفضاء . .

ثم ان القيم الفاضلة متغيرة متبدلة من عصر الى عصر . . ومن طبقة الى طبقة . . ومن قوم الى قوم آخرين . . فما يعتبر عاليا فاضلا فى هذا العصر أو عند هذه الطبقة او عند هؤلاء القوم قد يعتبر واطئا فى غير هذا العصر وعند غير هذه الطبقة وعند غير هؤلاء القوم . . والحسنة سيئة . . والحقيقة زيفا . . والمألوف مفارقة . . واذن . . فالالتزام سيكون بمثابة مستودع للمتناقضات .

لم يبق عبر العصور كل شعراء الدعوة الاسلامية ولا كل شعراء المعارضة ولا كل شعراء الردة ولا كل شعراء الاحزاب فى عهد بنى أمية . . ولكن الذى بقى . . امرؤ القيس . . الاعشى . . عمر بن أبى ربيعة . . الاخطل . . أبو نواس . . بشار بن برد . . كثير عزة . . جميل بثينة . . مجنون ليلى الخ . . كل هؤلاء وغيرهم لم يخلدوا لانهم التزموا والحوا فى الالتزام وحرصوا عليه . . بل لانهم انتجوا أدبا حيا جميلا . .

ثم لا فرق البتة بين الاعشى وزهير وجرير والمتنبى وصفى الدين الحلى وشوفى ومحمد حسن عواد وطاغور وبودلير ، لان كلا منهم على صلة بالحياة واحداث الزمن من حوله . . ومن ثم كان كل منهم مرآة صادقة لعصره فى كل شىء . . الفرق ليس بين الشعراء . . ابدا . . انما الفرق بين الازمنة والامكنة والبيئات . . فالشعر صورة من المجتمع الذى يعيش فيه الشاعر . . يرضع من ثدييه . . ويمتص رحيقه . .

ولئن كان من المعلوم ان الجزيرة العربية كانت فى العصر الجاهلى دار جاهلية وفساد . . وأن أهلها كانوا أهل خمر وميسر وقمار . . وأن أرضها كانت أرض فقر وحروب شعواء.. فكيف يطلبون الى الاعشى ان تكون له دار خير ونعمى . . ويكون له أهل صلاح وتقوى . . وتكون له أرض حصد وسلام ؟

هناك ناحية يحس بها قارئو شعر الاعشى فى شعره احساسا ولا يملكون بيانها على وجه الدقة . . أعنى قدرته العجيبة على ايجاد ما نسميه (( الجو الشعرى )) . . فأنت تكاد تأخذ فى قراءة الابيات الاولى من معلقته مثلا او سماعها حتى تنتقل من فورك الى أفق . . الى عالم . . تحس معه ان للحياة الجاهلية لونا يختلف عما تعودت رؤيته . . فتعيش معه أفقه . . عالمه . . تجربته . .

ولقد أصبح الاعشى لفرط ما ألف جوه الشعرى فى الجاهلية . . وعمق ما ائتلف معه . . يخلط بينه وبين الحياة من حوله . . وأصبحت الدنيا فى نظره كما هى نظرة أترابه لعبا ولهوا ومجونا . . وشاعرية الاعشى نفسها . . وشاعرية الجاهليين الذين نحوا نحوه . . والينابيع الكبرى التى ترد منها وتصدر عنها . . هما اللتان تعطيان الدليل القاطع على سلامة ما ذهبت اليه . .

عرج الآن على أثر هذا الجو الشعرى فى نفسه حين يطوف بك فى الغزل تطوافا . . ويتحدث اليك عن حبه حديث من ألفت منه الحديث مغلبا فى كل ذلك الاوزان الخفيفة والقصيرة على الاوزان الطويلة . . ومعتنيا بتناسق القصيدة ووحدة موضوعها . . ومرصعا المعانى والافكار بصورة مستمرة

من محاسن الطبيعة ومفاتنها . . ومحسنا انتخابه للكلمات . . وملاحظا رنينها الموسيقى . . تلك قدرة ان لم تكن جديدة كل الجدة بالنسبة الى الشعر الجاهلى عامة فهى تعنى شيئا جديدا بالنسبة الى تطور الشعر فيه . .

غزل الاعشى صور من ألوان التشوق والحب . . وصور من ألوان الشعور العميق بالصبابة والتعلق . . وصور من ألوان التأثر بالحضارة . . ترى الاعشى سائرا فى قصيدته كما يسير الماء بين الاعشاب الطريئة الناعمة . . وترى الابيات تتابع كما تتابع مياه الينبوع . . تقع اللفظة حيث يجب ان تقع . . متناغمة مع ما قبلها ومع ما بعدها . . مموسقة موسقة متسقة . . وحقا تأثر النابغة الذبيانى فى مثله بالحضارة . .

ولكنه يبقى على كثير من بداوته . . أما الاعشى فطاف ارض العربية وغير العربية أيضا حتى اوصله الرواة الى الحبشة وبلاد فارس . . وألم ببعض ثقافات عصره . وأقبل على اللهو والطرب . . وغيره . . فكان طبعيا ان يخصب الشعر عنده بأكثر مما يخصب عنتدالنابغة . . وأن يرق ذوقه وتتلون موسيقاه وتتنوع أوزانه وتقصر بحوره وان يسمى (( صناجة العرب )) . .

ومن عجب أن يكون الدكتور طه حسين ممن وقفوا للتشكيك فى غزل الاعشى غير متوانين . . حين يقول :

(( . . . . ولكنى أجد فى غزل الاعشى لينا شديدا أعزفه فى شعر ربيعة ، وأعلله بالتكلف والنحل . . . ))

اننا ضعاف حقا حين نعمد الى الشىء فتقبله دون أن نسوس أمره أو نقلب الرأى فى مدى صحته وبطلانه . . وحين يغرنا

تدليس (( الكبار ! )) بكلماتهم الرنانة وأسمائهم اللامعة . . والا فما معنى تقبلنا مثل هذا الكلام بحق شاعر يعد كما يقول الدكتور شوقى ضيف : (( حلقة مهمة من حلقات الشعر الجاهلى . وهى حلقة تضيف جديدا واضحا الى هذا الشعر سواء فى موضوعاته أم في معانيه أم فى أحاسيسه أم في سهولة ألفاظه أم فى خفة أوزانه وجمال أنغامه وألحانه )) . . وبحق شاعر يعد كما يقول الاستاذ عمر فروخ (( من الشعراء المقدمين فى الجاهلية يطيل القصائد ويجيد ويتصرف فى معظم فنون الشعر . . وهو ميال الى البحور القصار المطربة . . شعره وجدانى عذب سائر على الالسنة حتى سمى (( صناجة العرب )) . . وبحق شاعر يقول الدكتور محمد محمد حسين : (( ولسنا نزعم ان الاعشى قد بلغ فى هذا الاسلوب ما بلغ عمر بن ابى ربيعة ، الذى وقف جهده على تجويد هذا الفن ، فقد كان قصير النفس فيه ، لا ينساق له نسق القصص ( يريد سوق الغزل على صورة حوار يعرض فيه الشاعر ما دار بينه وبين صاحبته من حديث ) ، ولا يكاد يوغل فيه . وانما هى لمحات قصيرة خاطفة قليلا ما تطول ، ان لم تبلغ حد النضج ، فقد مهدت للذين جاءوا من بعده )) . . وبحق شاعر قالت فيه لجنة من الاساتذة بالاقطار العربية : (( ان فى شعر الاعشى جاذبية لم نعهدها لغيره من شعراء الجاهلية ، ومن عوامل تلك الجاذبية ما هنالك من انسجام رقراق ، ومن اندفاق يجمع اللين الى الشدة، والسهولة الى المتانة، ومن موسيقى استحق صاحبها لقب (( صناجة العرب )) ومن ألفاظ عذبة وأساليب فى التعبير تجمع الصفاء والطبيعة الى تلاعبات لفظية كلها عذوبة واناقة )) . .

وبحق شاعر أخبرنا الاصفهانى عن أحمد بن عبد العزيز عن عمر شبة ان أبا عبيدة قال انه سمع أبا عمرو بن العلاء - وهو أحد رواة الاعشى - يقول فيه : (( عليكم بشعر الاعشى ، فانى شبهته بالبازى يصيد ما بين العندليب الى الكركى )) . .

لقد مضى الدكتور طه حسين يشك فى غزل الاعشى كما شك فى شعر عمرو بن قميئة ، والمهلهل ، وعمرو بن كلثوم ، والحارث بن حلزة ، وطرفة بن العبد ، وامرىء القيس ، بل فى الشعر الجاهلى عامة . . وكان يغنى طه حسين فى كل ذلك لو رجع الى دراسة آراء الرواة الثقات عن هؤلاء الشعراء وما حققوه من أشعارهم . . فقد نفوا عنهم كل زيف ونقوا شعرهم من كل ضعف . . وما ظنه الدكتور طه حسين فى غزل الاعشى لم يكن غائبا عن ابن سلام والمفضل الضبى والاصمعى وأبى عمرو فقد حققوا فيه ومحصوا وكانوا لمواطن الظن بالمرصاد مضمنين كل ذلك ملاحظات أهل العلم والدراية فى راية الشعر القديم ومضيفين اليه كثيرا من ملاحظاتهم الشخصية . . فما من أحد قال : (( ولكنى أجد فى غزل الاعشى لينا شديدا أعرفه فى شعر ربيعة ، وأعلله بالتكلف والنحل )) !!

والحق ، ان غزل الاعشى ، بل ان الشعر الجاهلى كله ، فيه موضوع كثير . . غير ان ذلك - كما أسلفت - لم يكن غائبا عن القدماء ، فقد عرضوه على نقد شديد تناولوا به رواته من جهة وصيغه وألفاظه ومعانيه من جهة أخرى . . ولم يتركوا صغيرة أو كبيرة الا تناولوها بالبحث والتحرى والتدقيق . . ومعنى ذلك انهم أحاطوه بسياج محكم من القوة والتثبت . .

فكم كان قمينا بالمتأخرين من أمثال الدكتور طه حسين أن لا يبالغوا فى الشك فيه مبالغة تنتهى الى رفضه . . وكم كان جديرا بهم ان يشكوا فيما شك فيه القدماء وان يرفضوا ما رفضوه وان يوثقوا ما وثقوه . .

والاعشى فى غزله وان فرض انه كان عابثا ماجنا متعهرا . . فكل ذلك لم يكن من الكثرة بحيث يصرفه عما ينبغى للشاعر من التغزل والافتخار والمشاركة فى شؤون قبيلته . . فالاعشى لا يعيش فى شعره للغزل وحسب . . ولا للخمر وحسب . . ولا للمديح وحسب . . ولا للهجاء وحسب . . بل هو يعيش ايضا لنفسه فيفتخر . . ولقبيلته فيسجل انتصاراتها ، ويهاجم اعداءها ، ويؤرخ وقائعها ، مشيدا بأبطالها تارة ، ومنددا بخصومها تارة اخرى . . وسبيله فى كل ذلك سبيل العربى الذى ينتصر لاخيه على ابن عمه . . وينتصر لابن عمه على الغريب . . وسننسى انفسنا ان نحن استرسلنا فى سرد أمثلة . . فالامثلة كثيرة فى هذا الباب والصورة متعددة . .

بل ليس من اليسير البحث فى جميع الاغراض التى كتب فيها الاعشى وبرع . . وان كنت لا أعدم وجها من وجوه الرأى أشير فيه الى انه تتوضح لنا خلل نفحات أخرى غير النفحة (( النواسية )) التى عرف بها واشتهر ، وغير النفحة ((الاستجدائية)) التى ذاع صيته فيها وشاع ، وغير النفحة (( التجديدية )) التى تعارف الناس على نسبها الى الاعشى . . فلا أحسب الخمريات والمدائح والاهاجى فى كل شعره . . فان له أيضا قصائد حسانا ترفع الفضيلة . . وتدعو الى الاحسان . . وأمثال هذا اللون من نفحات

الاعشى منثور فى ثنايا شعره على نحو ما يصور لنا ذلك قصيدته ذات الرقم ٦٦ و ٢٨ و ١٧ مثلا . .

أما بالنسبة للمديح . . فلا مندوحة من أن القرون التى عاش فى أحدها الاعشى والشعراء القدامى فى العصور الجاهلية وغيرها من العصور التالية لها كانت تقهر الشاعر على ان يقول الشعر تكسبا .. لمحدودية وسائل العيش من جانب . . ولا نعدام الصحافة ووسائل الاعلام من جانب آخر . . فكان بدهيا ان يأتى أدباء وشعراء اليوم فيترفعون عن التكسب بالشعر . . ولكن غير البدهى ان يأتوا فيستثنوا الاعشى من سائر شعراء الجاهلية ويسموه (( شاعر الخمر والمديح والاستجداء )) . . كما فعل الزوزنى . .

وانك لواجد الى جانب هذه النفحات نفحات اخرى متفرقة كالاعتذار والاستجارة والنصيحة والوصف . . وكلها لا تخرج عما نعلم من الالوان لدى الشعراء فى كل عصر ومصر . .

والواقع كان موضوعى هذا - قبل ان اشرع فى كتابته - الرومانطيقية فى غزل الاعشى . . وانما أرى اننى ألمت بحياته السارحة الحافلة الماما ، وطفت برياضه الغناء الغيداء تطوافا ، وقبست من هنا زهرة ، ومن هناك زهرة ، وجعلتها فى هذا المقال لاقدمها باقة زهور متواضعة .

فيا أيها الروض الذى ملأ أرض العربية فغمر الدنيا بطيبه وشذاه . . لتبق أزاهيرك ناضرة لا تذبل .

مكة المكرمة

اشترك في نشرتنا البريدية