الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

الرياح والمطر

Share

قصة عن الانجليزية بتصرف

في مدينة لندن . . وفي دار صغيرة كان ((طونى هارت )) يحدق باستغراب ودهشة في البرقية التى كانت انامله تتلاعب بها . . قرأ كلماتها القلائل : احضر حالا . . الوالد يحتضر .

لم ير (( طونى )) والده منذ هجر لندن واستقر في الريف ، كان هذا منذ اكثر من عشرين سنة خلت . . اذن لا بد أن العجوز في التاسعة بعد الثمانين . . كانت هذه سحنات خيال طونى . . لقد عادت به الذكريات الى عهد ما قبل العشرين حيث اراد له والده ان يصبح طبيبا مثله . . ولكن الابن كان يحمل في نفسه رغبات وآراء مغايرة لارادة ابيه . كان يكره المرض . . كما انه لم يكن يطيق رؤية الدم الاحمر . . لذلك هجر طونى البيت ومضى في طريق الحياة العملية مع رفيق له ، بعيدا عن ابيه واخته . . وهنا تحدث الى نفسه :

(( ميرى . . آ ميرى انها تعيش معه وفي البيت الواسع الكبير . . ايه . . يجب ان أذهب ))

كانت ميرى شقيقته الوحيدة تعيش مع ابيها للعناية به طيلة السنوات الماضية . .

وكان أخوها طونى يحمل لها كثيرا من الحب . . ولكنه لم يرها منذ غادرت لندن مع ابيها الى الريف .

قام طونى من على سريره الخشبى وبخفة ارتدى ملابسه الواقية من المطر . . وفي خطوات بطيئة قطع المسافة بين الدار ومكان السيارة . . ولسوء الحظ كان الجو مكفهرا . . والسماء مطيرة غزيرة . . والرياح كأنها زئير يشتد بمرور الدقائق . . ثم اصبحت الساعة اثنتين وثلاثا . . وهو لم يصل بعد الى دار ابيه . . ولكن وبعد صراع مع الرياح المجنونة والامطار الشرسة . . لاحت لناظريه الدار . . واخيرا وتحت وابل المطر اسرع فى خطواته الى باب الدار وضغط على الجرس . . فتحت ميرى الباب . . صاحت في دهشة اوه طونى ؟ اننى سعيدة بقدومك . .

كيف حاله ؟ سألها ثم مشيا الى الداخل حيث قالت له : سألتنى عن حاله . . هيه . جد سيئة . . وليس هناك اى أمل . . هيا إلى غرفته . . انه يريد رؤيتك .

. هذا غريب منه يا أختاه . . - يريد رؤيتك بعد عشرين عاما . . لا

تدهش يا اخى . . فالناس تتغير ومشاعرهم على فراش الموت . .

كان وجه الرجل المريض شديد الاصفرار . . باهتا . . لقد فقد لونه الوردى الذى عرفه فيه طونى . . وعيناه كانتا مغمضتين لكنهما انفتحتا قليلا حينما دخل الشقيقان الغرفة . . وفي نبرات متهالكة قال العجوز :

آه . . طونى . . كيف انت

- احسن منك حالا يا ابى . . ياه عليك ان تستعيد قوتك . .

- ليس بعد هذا . . ليس بعد هذا يا طونى . . آه . . اريد منك احضار السيد كيل .

وهنا تساءل الابن : من هو السيد كيل ؟

- انه المحامى الذى يخصنى . . انه يسكن في - ميدلتون - رقم ٣٦ طريق الدنيفر . هيا . . هيا اليه واحضره في عربتك .

قالها العجوز وانفاسه متهالكة تكاد تتوقف لضعفها الشديد . . ثم اجابه الابن في شىء من الحدة :

ولماذا لم تخبره ها تفيا يا ابت ؟

اجابته ميرى : الهاتف معطل . . هيه

اننا لا نستطيع الاستفادة منه . . ها ربما قطعت الرياح الاسلاك لا ادرى اقول ربما .

- ولكن لماذا تريد كيل يا ابى ؟

اجابه الاب في غضب : لا تسل اسئلة سخيفة . . هيا اذهب واحضره الى هنا . . أسرع .

قالها ثم اغمض جفنيه . . ولكنه عاد ففتحهما ليقول لابنه متداركا :

- قل له ان يحضر مساعده معه ..

ترك طونى الغرفة وميرى بهدوء واقفلا الباب ثم قال لاخته : أنه جد مريض . . أليس كذلك ؟

يا لضعف صوته . . يكاد ينعم ويتلاشى

- نعم انني اخشى موته بين لحظة واخرى . . بالله عليك أسرع قدر مستطاعك . . ولكن هل ستفعل كما قال ؟

- اننى اعدك بذلك . . ولكن اخبرينى عن الطريق الى ميدلتون ؟

قال ذلك ثم مشى معها الى النافذة حيث اشارت من خلالها للطريق المؤدية إلى اليمين ثم قالت :

اذهب على طول الطريق . . انه يتجه صوب البحر وبعد ذلك الى ميدلتون وحالما تصل المدينة فسيدلك اى انسان على طريق الدنيفر . .

ثم تتبعته بنظرانها حتى قاد العربة تحت وابل المطر . . بعدها صعدت الى والدها لتسأله عن سبب رغبته في رؤية المحامى فأجابها : ليس الا لتغيير الوصية . . ايه يا ابنتى العزيزة كان علي ، أن أغيرها منذ زمن طويل . . لكننى رأيت ان فى الوقت متسعا أمامى . .

وضحك بامتعاض ثم اردف : اما الآن . . نعم الآن فليس لدى وقت يكفى . . ألست معى ؟

- ولكن لم هذا التغيير يا والدى ؟

قال متنهدا : اوه . . لست تاركا نصف مالى لطونى كما قلت من قبل . . فسوف يبعثره هباءا . أما أنت فستحصلين على نصيبك كاملا . . أما الباقى فهو من نصيب كلب الدار . .

قالت في صوت خفيض : لو علم طونى بالامر لما ذهب لاحضار كيل ؟

- حقا انه لا يعلم . . هذا ما اظنه . . فابى لم أخبره . . وحالما يصل كيل سأغير الوصية وعندها لن يحصل ذلك الابن على شئ . .

قالت ميرى في غيظ : ولم أمرته ان يجىء بالمساعد ايضا ؟

هنا تبسم العجوز في خبث وقال : هه . . نحن بحاجة إلى شاهدين حينما اوقع على الوصية . . وأنت لا يمكنك أن تشهدى لأنك سترثين جزءا من المال . . اما طونى فلن اطلب منه الشهادة . . كيل ومساعده فقط يستطيعان ذلك . .

وعلى حين غرة قالت ميرى : اوه . . هذا جرس الباب يدق . . ترى من سيكون الطارق . . آه . . يجب أن انزل لأرى .

حالما فتحت ميرى الباب رأت عيناها الفلاح وارنر واقفا في المطر . . وبسرعة أنتقل الى الداخل حيث قال وهو يرجف من البرد : لم أر فى حياتى مثل هذا المطر . . هه . . هل لى فى استخدام الهاتف ، لان هاتفى معطل

- للاسف هاتفنا ايضا معطل . . أظن ان الرياح اقتلعت اعمدة الهاتف فتقطعت الاسلاك . .

- اوه يا عزيزتى . . آسف لقد بلغ السيل الزبى حقا . وبيتى الآن مغمور بالمياه والطريق خطرة جدا . . يجب احضار النجدة . . ولكن كيف . . لا ادرى ؟

وسكت ليلتقط انفاسه ثم واصل : اعذريني آنستى لم اسألك عن الوالد . . كيف حاله ؟

قالت في هدوء : اظنه يحتضر . . اخاف أن لا تمضى عليه هذه الليلة وهو حي . .

- يا للخبر السيئ . . انى آسف يا عزيزتى . . أليس فى المنزل غيرك ؟

- ه . . في هذه اللحظة ليس هناك سواى . . فاخى طونى وصل من لندن قبل ساعة وغادرنا الى ميدلتون

- الى ميدلتون . . ؟ واى طريق سلك ؟

- الطريق المحاذى للبحر ..

ولكن السيل قد ملأ كل الطريق ، ويلتاه لا بد انه غارق حتى اذنيه في البحر . .

- غارق في البحر ؟

اوه . . لا . . يا ربى ماذا سنفعل . . لا بد ان اجده . .

ستفعل يا عزيزى . . كيف تستطيع ايقافه ؟

- لا تنزعجى يا عزيزتى . . أخبرينى متى ذهب ؟

- قبل خمس دقائق . . خمس دقائق فقط

- اذا فالامر بسيط . . على أن الحق به . . سأجده وكونى مطمئنة . .

وفي التو ذهب الى سيارته وسار بها على الطريق التى سلكها طونى . . اسرع بجنون . . ولكن المطر الشديد كان يحجب الرؤية تقريبا . . والطريق لم تكن مأمونة . . بعد ربع ساعة توقف وارنر فقد كانت دواليب سيارته تغوص في الوحل والماء ولذلك فانه لم يستطع التقدم . . ثم انه لم ير أى اثر لطونى أو لسيارته قال فى نفسه :

لقد تأخرت كثيرا . . فقيدان في اسرة واحدة وفى يوم واحد . . رزء جلل . . ايه ما الذى سأقوله لميرى . . وبأى وجه سألقاها ؟

وبصعوبة استطاع تحويل اتجاه سيارته ليعود ادراجه الى الدار . . قال لها باسف بالغ انه لم يجد طونى . . واضاف في شئ من التعزية : ربما وجد له مخرجا . . ربما اتخذ له طريقا اخرى . . ولكن من المحتم علي ان اصل الى ميدلتون لطلب النجدة . . ها . . هل تكونين مطمئنة لو بقيت منفردة آنستى ؟

- اوه . . نعم .

قالتها ميرى وقد علت وجهها صفرة كالاموات . . كانت تفكر في اخيها وفي مصيره المجهول ثم فى والدها الذى كان يحتضير بالداخل . .

اوقف طونى سيارته وسط الاعصار الشديد المخيف ، وتطلع الى (( لوح )) مفترق الطرق فلم يعرف اى طريق يسلك . . فهناك طريقان احدهما الى اليسار والآخر الى اليمين . . وقف حائرا . . أيهما يقوده الى

ميدلتون . . كان في داخل سيارته وهى مغلقة الزجاج ولذلك لم يستطع قراءة اسم المكان الذى يقف فيه . . فقد كان المطر يزداد حدة والرؤية كانت صعبة جدا . . قال بصوت خفيض : حسنا . . لست مجنونا لأغادر سيارتى في قلب هذا الطقس على هذه الارض المكشوفة . .

ثم اخذ الطريق المؤدية الى اليمين بكل حذر . . كان يظن انه سيجد الطريق الى ميدلتون بعد فوات المرة الاولى . . ولكنه كان متأكدا أن قراره هذا ليس صحيحا تماما . . كان يعرف أن الطريق لا تؤدى به الى حيث يريد . . كانت تصعد به قليلا على ظهر تلة صغيرة

. . أما ميرى فقد اعتقدت أنه يسبح فى الماء كما قال لها وارنر . . استمر طونى في طريقه تلك باحثا عن سبيل تؤدى به الى اليسار . . كانت الرياح أقوى من ذى قبل . انه الآن فوق التلة تماما . . وهو قريب من شجرة على جانب الطريق . . توقف ثم رجع الى الخلف ودار حول الشجرة ثم وجد طريقا الى اليسار بعد مرور نصف ساعة . . ووجد في نفسه راحة لانه وجد الطريق التى تؤدى الى اسفل التلة . . وحالا سار على طريق يقع على جانبيها دور كثير وحوانيت مختلفة . . وحالا أوقف سيارته ثم خرج منها . . ومشى مكسر الاوصال الى احد الدكاكين . . سأل صاحب الحانوت من فضلك يا سيدى . . هل لك ان تخبرنى عن طريق الدنيفر ؟

- هذا هو مرادك يا سيدى .

- شكرا سيدى . . ولكنى اريدالوصول الى الدار رقم ٣٦ ؟

- انها على اليمين في زقاق صغير بمقربة من هذا المكان . .

شكر طونى الرجل . . ثم استطاع ان يجد الدار حيث اوضح الامر لكيل الذى سرعان ما ركب معه واتجها صوب المكتب لاصطحاب مساعد كيل . . بعد ذلك اتجه الثلاثة الى حيث يحتضر الرجل . . ( يجب ان اسرع ) قالها طونى ثم اضاف : ايه . . لا اعتقد انه سيعيش اكثر . . فعيناه تقولان ذلك . .

قال كيل : يجب أن نتخذ الطريق الموازية للبحر فهى تحت رحمة السيل الآن . . ولكن اخبرنى طونى كيف وصلت ميدلتون ؟ . فشرح له طونى الصعوبات التى واجهته . . فأجابه كيل : شئ طيب . . اى ان حظك طيب . ثم يجب ان نعود من الطريق التى جئت منها لأنها آمن . .

كان طونى يقود سيارته الى أعلى التلة  بأقصى ما يستطيع على الطريق الموحلة . . لكن ما ان وصلوا الى مكان مكشوف حتى تعطلت السيارة . . قال طونى : لقد امتلأت بالماء . . هيه على كل حال لست مندهشا للامر . . ولكن ما الذى نستطيع فعله الآن . . ان الواجب يقتضى عودتنا إلى الدار باى وسيلة ممكنة ؟ . .

قال كيل : علينا بالمشى اذن . . فما دامت اسلاك الموتور مبتلة فلن تستطيع تجفيفها فى هذا المطر . .

سأل طونى : كم هى المسافة من هنا الى الدار ؟

- ايه . . لا بد انها اربعة اميال حسنا . . هيا بنا . .

اخذ يفتح الباب قائلا في ضحك : لن تكون هناك نزهة ممتعة على اية حال ؟

اخذ الثلاثة يشقون طريقهم خلال المطر ولكن قبل ان يبتعدوا عن سيارتهم بكثير توقفت سيارة اخرى بجانبهم وهنا اخرج - وارنر - رأسه منها صائحا :

ماذا تفعلون خارج السيارة . . هيا ايها السادة . . هيا الى سيارتى بسرعة ؟

لم يكونوا بحاجة الى دعوتهم مرة ثانية . فقد ارتمى ثلاثتهم على المقعد الخلفى وهم يشكرون وارنر الذى قال :

- انا ذاهب الى ميدلتون . . هل تذهبون معى ؟

قال طونى : يجب ان نذهب الى ابى أولا وفي الحال . .

سأل وارنر : واين يكون والدك ياعزيزى ؟

- انا طونى هارت . . وابى مريض جدا . . وهو يريدنى بأقصى ما يمكن . .

- أوه . . حسنا . . أير وجدتك . . سآخذك الى هناك أولا ثم استطيع العودة الى ميدلتون فيما بعد . .

وأدار العربة . . ولكنها استغرقت وقتا طويلا ، فقد كان الوحل صعب المرس . .

ولكنهم استطاعوا الوصول بعد ربع ساعة حيث صاحت ميرى فرحة :

- اننى مسرورة جدا لرجوعك يا طونى . . لقد خفت عليك كثيرا . .

قال طونى : لا تخافي . . لقد احضرت كيل ومساعده . . هيا دعينا نصعد الى الوالد . . لقد تأخرنا قليلا عليه . . أليس كذلك ؟

قالت ميرى فى هدوء : لا . . بل تأخرتم كثيرا . . لقد مات . . نعم لقد مات .

اشترك في نشرتنا البريدية