الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الرياضة الحق هواية وقيم مثلى

Share

انه ليوم سعيد هذا اليوم الذى أعيشه معكم وبفضلكم مكرما مبجلا موشح الصدر بهذا الوسام العظيم الذي ارى فيه تشريفا يتجاوز شخصى الى بلدى والى العائلة الرياضية التونسية والعربية بصفة عامة جزاء وفاقا على ما قدمناه جميعا للرياضة . فليسمح لى اذن بان اتقدم بهذه المناسبة الى صاحب السمو الامير فيصل بن فهد بن عبد العزيز والى كل المسؤولين فى الاتحاد باسمي مشاعر التقدير والعرفان واخلص عبارات الشكر والامتنان

وانى لاعتبر ان ما جاء على لسان الامير منذ حين انما هو نابع من نبل احساسه وكريم محتده ومستوحى من صادق اخوته وبالغ لطفه . وان التنويه الذي خصنى به لا يعود الفضل فيه الى اجتهادى وحده بل يمتد الى كافة زملائي واخوانى الرياضيين المسيرين والفنيين الذين كانوا الى جانبى وفى اعانتى على تحقيق ما يقتضيه الواجب لصالح الرياضة التونسية والعربية ، واشهد انه ما كان ليتحقق ما تحقق لولا التوجيهات التى ما فتئ المجاهد الاكبر فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة يسديها لنا ولولا دعمه الدائم لمجهود الشباب والرياضة ، ونظرته الانسانية لوظيفة الرياضة وطيب اثرها فى تكوين شبابنا وادماجه في بيئته وتوطيد عرى الصداقة والود بينه وبين كافة الشباب على الصعيدين العربى والعالمى

كما انى متأثر للكلمة التى قالها الاخ الاستاذ عثمان السعد الذى نعرف جميعا دوره الفعال وخدماته الكبيرة فى سبيل الرياضة العربية والتعاون الشامل القائم بينه وبين الاخوان فى المملكة العربية السعودية وعلى رأسهم

سمو الامير فيصل بن فهد بن عبد العزيز . ومتأثر كذلك لحضور نخبة من القادة الرياضين الذين قدموا من عدة دول عربية شقيقة : من المملكة العربية السعودية ومن المغرب والجزائر ومصر واليمن وغيرها من الاقطار ، وهي لعمري وجوه مشرقة نيرة لا تزال على العهد بها فى خدمة الرياضة والعمل على النهوض بها . وحسبي هنا ان انوه بالاخ دامرداش تونى من جمهورية مصر باعتباره عميدنا وعضو اللجنة الالمبية الدولية الذى اخصه بالذكر احتراما لسنه واعترافا بسبقه الى الرياضة الدولية والعمل من اجل النهوض بالرياضة العربية فى مصر وفي العالم العربى . وانى لاذكر انى وجدته يحتل مكانه المرموق من اول دخولى الحقل الرياضى العربى والدولى وتعاونت معه . وليعذرني بقية الزملاء الذين لم اذكر اسماءهم مكتفيا بما قلته فى شأن عميدنا الاخ دامرداش فانا ممن يعترفون بالفضل لذويه وممن يعتقدون ان اى عمل لا يكتب له النجاح الا اذا تلاحمت حلقاته وتواصلت اهدافه واتحدت مراميه واخذ فيه الخلف عن السلف وتدعمت من خلاله صلة الرحم بين كافة المسؤولين مهما كانت اعمارهم واقطارهم . ذلك انه لا يمكن لاى احد مهما بلغت عبقريته ونشاطه ان ينفرد بالفضل . فكلنا قد اخذنا عمن سبقنا ومن تزامنا معهم كما سيأخذ عنا من يجئ بعدنا ، وتلك سنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا .

هذا معني من المعاني التى لا بد من ذكرها حفاظا على الوحدة القومية وعلى لحمة الاجيال وتضامنها فيما بينها . وبذلك نبقى على الالتحام الوجدانى بين افراد العائلة الرياضية التى يجمعها سلم قيم واحد وتنطلق من من منطلق وطنى محركه الاول حب الوطن الذى هو من الايمان ، واعني بذلك حب الوطن الاصغر فى حدوده الضيقة وحب الوطن الاكبر الذي يتسع فيضم الوطن العربي والاسلامى فى اشمل معانيه . واود ايضا من باب الاعتراف بالفضل لذويه ان انوه مجددا بصاحب السمو الاخ فيصل بن فهد بن عبد العزيز الذى غمرني بهذا التبجيل والتكريم ، نعم لقد عرفت سمو الامير منذ سنوات عديدة فى اجتماعات رياضية عربية واخرى دولية . ووجدت فيه المسؤول الواعي الملتزم المؤمن بالرياضة ، المتحمس لها ، المقتنع بان سعادته فى خدمة الشباب والرياضة ، وهذا هو الفرق بين المسؤول الذى يكلف بمهمة فيدير شؤونها ادارة عادية حتى اذا انتقل الى غيرها انصرف عنها كليا على اساس انه عابر سبيل فى جميعها لا تهمه الا تطور حياته المهنية ، وبين اصحاب الرسالة الذين يقدرون حياتهم وسعادتهم بنوع العمل الذي يضطلعون به ، ويقفون نشاطهم عليه ، وقد توسمت فى سمو الاخ فيصل بن فهد بن عبد العزيز من اول يوم عرفته

المسؤول المؤمن بالرياضة ، المحب للشباب ، وهذا الشعور ذاته هو الذي اشعر به نحو نفسي وفيه يكمن سر نجاحي وطنيا واقليميا وعالميا ، وهو ما يمثل ايضا سببا من اسباب الشعور بالسعادة رغم ما نلقاه من تعب وارهاق . ان المسؤول فينا يشعر بانه يحب عمله وان قصارى طموحه ان ينجح فيه فيكون سعيدا قطعا ، ويكون من اولئك المسؤولين الذين يعتبرون من صنف الهواة لا من صنف المحترفين وشتان بين هاو ومحترف حتى فى المسؤوليات السياسية القومية .

اننا واياكم يا صاحب السمو ويا حضرات الزملاء تجمعنا هواية الشباب وهواية الاوطان والهيام بالمبادئ ، والتفرغ لما نؤمن به ، ونضحى فى سبيله ولذلك ترانا ننجح ونؤثر ونغير الواقع . ويا للشرف ويا للسعادة حين يحتفل بنا ويعترف لنا ببعض الفضل ونحن احياء نرزق . اليست هذه اللحظات من امتع واسعد ما يشعر به الانسان الضعيف القوى ، الذى يعمل ولا يبتغي جزاء ولا شكورا فينجح ويعترف له مواطنوه ونخبة من المسؤولين بالفضل . اننا حينما بدأنا عملنا فى ميدان التربية والشباب والرياضة والكفاح ما كنا نحلم باننا سنتقدم اشواطا ونحقق انجازات ويعترف لنا بالفضل ونحن احياء فتسند لنا الاوسمة خاصة ونحن ننتسب الى جيل سابق لجيل صاحب السمو ، جيل مخضرم عاش فترات الاستعمار وعرف تلك العقلية التى رانت على شعوبنا المكبلة باغلاله ، وهي عقلية جعلت الكثير منا يعتقدون ان التقدم صعب والاستقلال اصعب وانه لا يمكن للبعض منا ان يتبوأ المناصب او ان يكون لهم شأن فى الحياة . وقد بلغ الامر بالتونسى الى حد أصبح معه لا يثق فى مجهوده الادبي والثقافى او الرياضى . ولكننا كما تحررنا من الاستعمار تحررنا مما خلفه في العقول والنفوس وتربينا بفضل توجيهات الرئيس وربينا بدورنا الشباب على الثقة فى النفس والطموح المشروع عملا بتعاليم الآية الكريمة ان الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " . ان ما بذلناه من جهد لم يكن القصد منه توشيح صدورنا بالاوسمة او افساح المجال للاحتفال بنا فلقد كنا نقضى ايامنا وليالينا مع الشباب وفي حضائر بناء المسابح وقاعات الرياضة محرومين من حياتنا العائلية ومن الراحة الشخصية ومع ذلك كنا نشعر بالسعادة القصوى وبالنخوة التى لا يشعر بها الا المناضلون الصادقون . ان هذه لمنة من الله ونعمة ما كنا نجرى وراءها ولم نكن نتصور ان الله سيمن علينا بطول العمر حتى نظفر بهذا التكريم والعرفان

ان نظرتنا الى النضال والعمل نظرة غير نفعية ، انها - كما اسفلت - نظرة هواية . وكم يسعدنى ان تثمر هذه البذرة فى عقول شبابنا وافئدتهم ! وكم يسعدنا ، نحن وجيلنا ، ان نرى ابنائنا واحفادنا ، ونرى الرياضيين والرياضيات عامة يشعرون بالسعادة وبالعظمة عندما يتركون حضيض التافهين المهرولين نحو متعة مادية او لذة عابرة فيتسامون الى العمل من اجل المبادئ ويحسون تلك اللذة المعنوية التى تؤكد لهم ان السعادة فى العطاء والمحبة ومعانقة البشرية بين اشواقها العلوية .

هذه هي بعض المعانى التى استوحيتها من الكلمات اللطيفة التى تفضل بها صاحب السمو ، ومن كلمة الاخ عثمان السعد كما استقرأتها من هذا البشر الذي علا وجوهكم ومن هذا الحضور المكثف بيننا بعد ان تجشمتم مشاق السفر لمشاركتنا فى هذا الحفل البهيج والمؤثر

وبما اننا نقيم هذا الحفل فى معبد الرياضة ان صح التعبير ، وبحضرة عدد كبير من الرياضيين ، مسؤولين وشبابا ، وصحافيين ، فانى أقول : إن الرياضة من اقوى عوامل الالتحام والاتحاد بين الشباب العربى خصوصا وان العالم العربى يعانى اليوم ما يعاني من تمزق وتشتت ، ولعل من اسباب هذه المعاناة فقدان الروح الرياضية فى بعض المسؤولين عن العالم العربى . ولو تعلمنا كيف تتقيد بقانون اللعبة وكيف نتقبل الهزيمة بروح رياضية وكيف لا يدركنا الخيلاء والغرور فى حالة الانتصار وكيف نتجلد ونروض انفسنا فى كل الحالات - وهي خصال لا يعرفها ويقدرها حق قدرها الا الرياضى الممارس - لصلح حال العالم العربى ولانتصرنا في معاركنا ضد التخلف وضد الاعداء . لهذا فانى ابارك نشاط اتحادنا العربى ورئيسه والمسؤولين عنه واتمنى ان تخصص الانظمة العربية اكثر ما يمكن من الامكانيات المالية والبشرية والتقنية لاشاعة الروح الرياضية فى الشباب العربي ، ودعم هذه الاخلاق الرياضية التى تصلح للسياسة والسياسيين كما تصلح للرياضة والرياضيين

وهناك صفات اخرى من اهمها كسب روح الانتصار التى تنقصنا احيانا . ذلك ان ما نراه فى بعض اوساط الشباب هو ظاهرة الانكسار واليأس والهروب من الواقع بالارتماء فى احضان اللذة والاستهتار واللامبالاة بينما نخلق بالرياضة ، اذا ، نحن مارسناها على وجهها الصحيح وخلصناها من الاحتراف والاستغلال ، اجيالا جديدة تكون اقدر على مواجهة العدو ، واصلب عودا في

مقاومة التخلف ، واشد مراسا فى تحمل رسالتها فى الوجود واقوى شكيمة فى الثبات على المبدأ . وهكذا نستطيع ان نخلق الاجيال الجديدة التى تقهر العدو والصهيونية وتعمل من اجل الوحدة التى لا يمكن ان تتحقق الا اذا ارتاح بعضنا الى بعض ، ووثق بعضنا فى البعض . ذلك ان الاختلاف فى الرأى يجب ان لا يورث الحقد والكراهية ، وهذا هو نوع الشباب الذي يمكن ان نوجده بالتربية والتوجيه بواسطة الرياضة الحق البعيدة عن المحترفين واصحاب النزوات والمستغلين للشباب . وانى لاعلم حين اقول هذا ان الكثير من المستمعين يبتسمون ولسان حالهم يقول : " اين نحن من هذه المعانى الخيالية " ؟ وجوابي عن هؤلاء المبتسمين انه لا يمكن التخلص من مصائبنا المعنوية والمادية في المستويين الشبابى والسياسى الا اذا وظفنا الشباب توظيفا ذكيا ووجهناه في الاتجاه التربوى الصحيح

والعبرة فى الاصلاح ليست بالكثرة والضجيج ، بل بالمستوى الرفيع للقلة المؤمنة . فاذا استطاعت ان تغير الواقع فذلك هو المؤمل . واذا لم تستطع فانها تكون قد مهدت السبيل لمن يأتي بعدها . وكل الثورات وجميع الاصلاحات والاكتشافات انما استنبطتها ورأتها وفرضتها فى الواقع نخب واقليمات ثم ان استقراء التاريخ يدل على ان كل اصلاح ناجح قامت به أقلية مؤمنة بمبدأ خدمة الاكثرية . لكل هذه الاسباب نحن نتمسك بالجوهر وبالهواية وبالاخلاق والقانون فى الرياضة ، ورغم ما يلاحظ من سلبيات فنحن متفائلون لاننا رجال عمل نغير المنكر ونعالجه بالاقناع والاصلاح ونغير ما هو كائن باسم ما يؤمن بانه واجب الكيان . هذا هو الجدل الذي يجب ان يعمر قلوب رجال العمل لان الجدل وحده عقيم واذا اراد الله ان يعاقب قوما اوقعهم فى الجدل ورفع عنهم العمل . فنحن نتصارع مع الواقع كما يتصارع الرياضى ما رقم قياسى يريد تحطيمه فيغالبه حتى يتفوق عليه ويغلبه

ان الواقع ي ينبغي تغييره من من منطلق نظرة سامية ، بحيث نعيش مع العدد ولكن كما نريد نحن ، دونما خضوع او انسياق مع العدد . لان سلم القيم الانسانية السماوية ليس مسألة عدد بل مسألة ايمان . لذلك كنت ولا ازال متمسكا دائما بهذه المعانى الرياضية ولا اتأثر بهؤلاء " الواقعيين " الذين يكتبون فى الصحف او يهمسون بان هذه الافكار كانت موجودة فى ايام دي كوبرتان وقد اصبحت الآن غير ذات موضوع . وهذا خطأ واستسلام للشر وتنكر للمستقبل . اننى مؤمن بان فى ابنائنا واحفادنا زهرات ونجوما ستسطع وهذه هي معجزة الانسان

فمن هذه المعانى نستوحى نظرتنا الى الرياضة والشباب والثقافة ، وان سيادة الرئيس حينما كلفنا بالرياضة منذ اكثر من 25 سنة ، باعتبارنا مسيرين هاوين ، سخرنا الكرسي في خدمة الانسان والمبادئ ، فقصارى مطمحنا ان نفوز بالسعادة وان تكون ضمائرنا راضية عنا وان يرضى عنا الله سبحانه وتعالى ، فمن نعم الله على رجل خدم الرياضة والشباب ومن دواعي سعادته العظمى ان يشعر وهو حي بان الله جازاه بان وفر له فى هذه اللحظات الاحساس بالنخوة وان يرى صاحب السمو والاخوة والشباب يكرمونه وربما يدفعهم لطفهم الى تكريمه اكثر مما يستحق . ولكن ما حيلتى ! انه لا مندوحة لى من ان اعترف بانى سعيد وانى سابقى وفيا لما آمنت به وخادما للرياضة العربية ما حييت ، ودائما مع الشباب فى سبيل خدمة الشباب اعني في سبيل خدمة الوطن ورقي الانسان .

اشترك في نشرتنا البريدية