الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الزخرفة في الفن العربي الاسلامي

Share

ما كادت شمس القرن الاول للهجرة تأذن بالغياب حتى بدت فى سماء الدنيا تباشير الحضارة العربية الاسلامية ، تحمل معها فنا جديدا يعبر عن المشاعر الفنية الاسلامية تجاه الكون والوجود . وكان هذا الفن معجزة من معجزات الحضارة الاسلامية ، اذ استطاع بروعته وعظمته ان يتغلب على الفنون السائدة فى البلاد التى انضمت تحت لوائه ، لواء الاسلام رغم ان هذه الفنون كانت سليلة حضارات عظيمة وعريقة فتحققت معجزة الفن الاسلامى الموحد ، فى جميع الاقطار الاسلامية وفى اقل من قرن واحد .

اما نشأة هذا الفن ، فكانت مع بدء الحركة العمرانية فى بلاد الشام فى ظل الدولة الاموية ، وذلك تلبية لمطالب الحضارة الجديدة وما تحتاجه من مؤسسات دينية وثقافية واجتماعية تلائم فى طابعها واسلوب بنائها وزخرفتها تعاليم الدين الاسلامى .

فشيدت قبة الصخرة فى القدس ، والجامع الاموى فى دمشق ، ومن ثم عم هذا النشاط جميع ارجاء العالم الاسلامى فى المشرق الى المغرب . وقامت المبانى علم اختلاف أنواعها في كل البلدان ، وزينت بالنقوش الرائعة والزخارف المبتكرة فظهرت هذه المنشآت وكانها وجدت خصيصا لتكون الاطار الطبيعى لتلك النقوش والزخارف ، تتألق فيها بشكل رائع ليس له مثيل .

وقد اعتبر مؤرخو الفنون ، ان الفن الزخرفى العربى من اروع الفنون التى عرفتها البشرية ، وشهد له بذلك عمالقة من الكتاب والدارسين والمحللين ، ونسوق هنا مثالا يدل على ذلك فى قول الكاتب الفرنسى ( غاستون ميجون ) فى كتابه عن الفن الاسلامى :

" لم تأت امة من الامم فى فنونها ما يضاهى العبقرية التى تتجلى فى الفن الزخرفى الاسلامى " .

فى الواقع ان الزخرفة العربية حلية الفن العربى الاسلامى وبدعته الاولى والعنصر الاساسى الذى يميز هذا الفن عن سائر الفنون .

والدور الذى لعبته الزخرفة العربية فى الفن الاسلامى ليس له نظير فى الفنون الاخرى ، وقد اكتسب هذا الدور بسبب روعة عناصره وثرائها وتعدد أنماطها .

هذا وجدير بالذكر ان دور الزخرفة العربية لم يقتصر على تزيين المبانى فحسب ، بل تعداها الى تزويق كافة أنواع الحاجيات وتزيينها مهما قل شأنها وذلك تلبية لاذواق الشعوب الاسلامية وميولها للزينة والزخرف .

ولذلك فان المجالات التى يشملها التزيين والتذويق والترصيع والتذهيب والى غير ذلك من وسائل التحلية والتجميل لا تعد ولا تحصى ، اذ تشمل كافة الاشياء الضرورية للانسان فى حياته اليومية من المهد الى اللحد . فضلا عن الاشياء الكمالية ، كالتحف والطرائف ، وادوات التسلية ، والترقية والترهيف واللهو .

اصول الزخرفة العربية :

الزخرفة العربية تستمد اصولها من الطبيعة ، فقد استفاد الصانع المزخرف مما وقع عليه بصره من عناصر نباتية وحيوانية وآدمية لتحقيق اهدافه واستوحى من هذه العناصر وألف منها صيغا زخرفية مبتكرة ، غالبا ما تكون بعيدة عن اصلها الطبيعى لدرجة يصعب ادراك مصدرها وبالاضافة لتلك العناصر فقد استفاد من الكتابة العربية واضافها لعناصره ، وزاوج بينها فى كثير من الموضوعات ، فحشد فى عمله الفنى كل ما لديه من عناصر ليخرج العمل آية من الآيات فى الرونق والبهاء .

انواع الزخرفة العربية :

للزخرفة العربية اربعة انواع حسب العناصر التى دخلت فى تركيبها ووفق ما اشتملت من اشياء كانت مصدرا لها ولسوف نتحدث عن كل نوع من هذه الانواع ونحلل ما اشتملت ودلت عليه .

اولا - الزخارف النباتية :

ان الزخارف النباتية من ابرز العناصر المميزة للفن العربى الاسلامى تكشف لنا عن الرغبة الكامنة عند الفنان للابتعاد عن المحاكاة ، والنقل الحرفى والاقتراب من التجريد ، فقد اخذ المزخرف من الطبيعة مصادره ، مستخدما الاغصان والفروع والاوراق واعتمد عليها فى تكوين الصيغ الزخرفية النباتية ومن ثم تطورت هذه الزخارف عبر العصور : فكانت واقعية فى العصر الاموى ثم بدأت تصبح تجريدية شيئا فشيئا وذلك فى القرن الثالث للهجرة . ( التاسع ميلادى ) وأصبحت التجريدية محضه فى القرن الخامس الهجرى ( الحادى عشر ميلادى ) .

تكوين الزخرفة النباتية :

عندما يشرع الفنان فى تكوين صيغة نباتية ، يرسم اولا الجذوع والاغصان على السطح المطلوب زخرفته ، وقد تخرج تلك الجذوع والاغصان من شجرة او ساق وتمتد على هيئة دوائر والتواءات متموجة تذكرنا بشجرة العنب وتخرج من تلك الاغصان عناصر تغلب عليها اشكال الاوراق والزهور التى تتراوح بين البعد والقرب من الطبيعة وتملأ الفراغ المحصور بين تلك الاغصان

وقد تصل هذه الزخارف النباتية المكونة من الجذوع والاغصان والفروع ، والملتفة والمتشابكة والمتتابعة الى اشكال هندسية عند ابتعادها عن الاصل .

وقد برزت هذه الزخارف النباتية شبه الهندسة فى العصر العباسى فى القرن الثالث الهجرى ( التاسع ميلادى ) وخاصة من ( سامراء ) فى العراق وفى مصر فى العصر الطولونى . وفى ايران كما نراها فى جامع ( نايين ) .

لقد ازدهرت الزخارف النباتية وبلغت ذروتها فى آواخر القرن السادس الهجرى ( الثانى عشر ميلادى ) وانتشر استعمالها ليشمل سائر الاقطار الاسلامية وظهرت بالاضافة الى المبانى ، على كافة انواع المواد وضروب المصنوعات .

واما الشكل الواقعى للزخارف النباتية فقد عرف الازدهار فى بعض الاقاليم كتركيا وايران فى اواخر القرن التاسع الهجرى ( الخامس عشر ميلادى ) وتسرب بعدئذ الى مصر وسورية وقد ظهر هذا الشكل على القاشانى وجلود المصاحف ،

وبعض الاوانى الخزفية وقد تميزت هذه الزخارف النباتية الواقعية بظهور بعض الاشكال الطبيعية للاغصان والأوراق ولا سيما بعض الازهار واهمها زهرة الرمان والزنبق والقرنفل والورد بالاضافة الى شجرة العنب وعناقيدها .

ثانيا - العناصر الهندسية :

لعبت الاشكال الهندسية دورا كبيرا فى الفن العربى الاسلامى وظهرت فى اشكال واوضاع لم يسبقها مثيل ، وتناولت شتى المجالات فلا تخلو عمارة او صناعة منها ، وعمت فى كل بلد من بلدان العالم الاسلامى ، واشتهرت بها مصر وسورية كثيرا .

وللزخارف الهندسية قواعد واصول وقوانين ولا تعتمد على الموهبة الفنية وحدها وذلك لانها تتطلب معرفة واسعة بعلم الهندسة وقوانينها الرياضية ولقد تفنن الصانع العربى فى تنويع الزخارف الهندسية وابتكار الاشكال الجديدة والتكوينات العديدة ، واعطى الخطوط روحا جعلتها رشيقة وطوع الخطوط لافكاره وجعلها اداة يصوغ منها ما يشاء . فأخذ المثلثات والدوائر ذات المراكز المتعددة والمضلعات والمتناظرات والمتماثلات التى تملؤها الاشكال الهندسية ورسم النجوم التى تتراوح اضلاعها بين خمسة وستة عشر ضلعا ، ومددها فكونت اشكالا مبتكرة ، وكرر النجمة الواحدة وجعل منها سلسلة متصلة او منفصلة واخرجها من امتداد الخطوط المتجاورة وتشابكها فى الفراغ الذى شكله ابتعادها وكرر هذا التكوين فى اشكال افقية بين خطين متوازيين او جعلها تتكرر افقيا او عموديا فى اطار مربع او مستطيل فالتقت النجوم ببعضها البعض فى نظام وترتيب لا يشوبه اى خلل ، وتداخلت الخطوط المحددة والتقت فى اشكال متشابكة ، وتوصل الى نتائج مدهشة لروعتها ودقتها مما يجعل المشاهد يقف حائرا فى كيفية تلوينها وهذا العمل يتطلب الخبرة والممارسة الطويلة . الى جانب الصبر والاناة . والصانع الماهر هو وحده القادر على الوصول الى تلك التكوينات المتنوعة والصبغ المختلفة التى تتكون من النجوم والمضلعات والتى هى عماد الزخرفة العربية .

ثالثا - عنصر الخط العربى :

احتل الخط العربى مكانة جليلة فى العالم الاسلامى ، وافرد الناس للخطاطين مكانة خاصة ، وكذلك اهتم المؤرخون بمشاهير الخطاطين وطبقاتهم

اسوة بطبقات الحفاظ او القراء وغيرهم ، وشمل هذا الاهتمام هواة الخط من الاعلام وقد ورد فى تراجمهم ما يشير الى حسن خطهم او جودته ، ومن اشهر هؤلاء ابن مقلة الوزير العباسى .

انتقلت الكتابة فى بادئ الامر من البردى ورق الغزال الى الكاغذ اى الورق فكتبت عليه المصاحف والمؤلفات المتنوعة ، ثم انتقلت الى سائر المواد كالحجر والرخام والجص والخشب والنحاس ، فانتشر فى العمائر والصناعات ، فزينت بالآيات القرآنية والقصائد والاشعار ، ونفذت حفرا او نقضا او تطعيما او سواها من الوسائل والاساليب .

فاصبح للخط وظيفة اخرى ، فضلا عن وظيفته الاصلية وهى الكتابة ، فأضحى الخط يمارس دور التزين فى الابنية والمصنوعات واصبح من العناصر الزخرفية الاساسية فى الفن العربى الاسلامى ، وادى تطوره الى ظهور الانواع العديدة منه .

اهمها اسلوبان رئيسيان : يعرف الاسلوب الاول بالخط الكوفى نسبة الى مدينة الكوفة بالعراق وحروفه ذات زوايا حادة . ويعرف الثانى بالنسخى وحروفه مقوسة .

الخط الكوفى :

ظهر الخط الكوفى منذ القرن الاول للهجرة ، مستعملا فى شتى الاغراض الكتابية اهمها كتابة القرآن الكريم ، ونقش تواريخ الابنية واسماء بناتها على عتبة ابوابها او فى اماكن اخرى من البناء كالاقواس والمآذن . فضلا عن حفر نصوص شواهد القبور .

وقد تحول الخط الكوفى بدءا من القرن الخامس الهجرى ( الحادى عشر ميلادى ) الى عنصر زخرفى رائع ، وذلك على اثر ظهور الخط الكوفى المزهر ، اذ تجلت عبقرية الخطاط فى هذا المجال ، حيث صنع فى الاحرف الكوفية ذات الاشكال والاوضاع المتبانية ، زخارف تفيض بالاناقة والظرف ، ثم تفنن فى تزويق هذه الاحرف واستعان بالاشكال النباتية لهذا الغرض فجعل للاحرف وريقات تتوجها ، ثم حل محل الوريقات غصن ينبت من الحروف ويملأ الفراغ حوله بفروعه واغصانه .

استمر الخط الكوفى طيلة ستة قرون الا انه ظهر من جديد فى اواخر القرن العاشر الهجرى ( السادس عشر ميلادى ) وخاصة فى تركيا الى شكل شطرنجى ضمن اطار مربع او مستطيل .

ثانيا - الخط النسخى :

كانت بداية استعمال الخط النسخى فى اواسط القرن السادس الهجرى ( الثانى عشر ميلادى ) وقد حل محل الخط الكوفى كعنصر زخرفى فى تزيين العمائر والمصنوعات اليدوية ، ففى العمائر ظهر على جبهة الابنية بشكل طراز يضم الكتابة المنقوشة على الحجر والتى تمتد على طول الجهة ، ونفس الطراز استخدم فى تزيين الجدران الداخلية ، انما منقوش على الجبس بدلا من الحجر .

وقد ظهر فى القرن السابع الهجرى ( الثالث عشر ميلادى ) الخط النسخى المزهر ، واستخدم فى المبانى ايضا اسوة بالخط النسخى البسيط .

هذا وقد استعمل الخطاطون ، اعتبارا من القرن العاشر الهجرى ( السادس عشر ميلادى ) خطوطا مبتكرة رسومها على الورق بأشكال طريفة كالاوانى والطيور والحيوانات والسفن .

كما انهم تفننوا فى كتابة الخطوط على اطباق من الورق تضم آيات قرآنية وادعية جعلوها ضمن اطارات على هيئة اللوحات ، تعلق فى المساجد او الدور ، ويكاد لا تخلو منها اى دار فى ما مضى ، بل ان اصحاب الحوانيت انفسهم كانوا يحرصون على وجود امثال هذه اللوحات فى دكاكينهم .

هذا ولم تقتصر الكتابة فى هذا الدور على الخط النسخى فحسب بل شملت سائر انواع الخطوط التى سبق ان ابتكرها الخطاطون ، كالرقعى والثلثى والفارسى والى غير ذلك من انواع الخطوط ، ولكل نوع من هذه الخطوط جماله وروعته .

رابعا - الكائنات الحية :

سبق لنا ان اوضحنا ان الفنان العربى المسلم لم يتجه الى محاكاة الطبيعة ولم يكن يرسم الاشياء لذاتها ، بل كان يحورها الى عناصر زخرفية ، فيكيفها ويحورها لتحقق اغراضه الجمالية وقد استعملت عناصر الكائنات الحية فى

تزيين سائر أنواع الاشياء المصنوعة من الخشب او النحاس او العاج او الخزف والى غير ذلك من المواد ، وغالبا ما توضع هذه الاشكال الحية داخل صيغة هندسية وتكون الاشخاص او الحيوانات متقابلة او متباعدة ، وبينها صيغة الخلود او الحياة التى كانت معروفة عند الاشوريين ثم ظهرت فى الفن الساسانى ، او تكون هذه الاشخاص او الحيوانات متتالية على شكل شريط زخرفى ، ومنها ما يمثل حيوانا ينقض على الآخر ، او مجموعة من الطيور فى الطيور فى تكوين زخرفى .

ويلاحظ أن كثيرا من رسوم هذه الطيور والحيوانات كانت تنتهى اطرافها بأشكال هندسية نباتية ، امعانا فى تحويلها الى عناصر زخرفية بحت وابعادا لها فى شكلها الطبيعى .

الرقش :

ان الرقش هو المرحلة الاخيرة التى وصل اليها الفنان فى مراحل الابتكار وذروة الابداع الفنى اذ مزج الخطوط الهندسية المتنوعة الاشكال والاوضاع مع العناصر النباتية ومع الخط العربى المزهر ، وجعل جميعها عنصرا زخرفيا جديدا له اشكاله واوضاعه اللامتناهية من حيث التنوع والابداع ، وهذا ما يسمى بالرقش او ( الارابسك ) .

وقد اشتهر هذا الشكل المتطور من حيث الابداع فى العالم الاسلامى وقد توخى الفنان بهذا الشكل المتطور تجنب الملل والحرص على ملء الفراغ او السطح الخالى من الزخرف الناتج فى التكوينات الهندسية واشغاله بما ينسجم مع كامل الصيغة الزخرفية . وقد اغنت هذه الصيغة التزينية الفن العربى الاسلامى بالاشكال الجديدة الجديدة التى اعطت لهذا النوع من الزخارف المخروجة طابعا خاصا ليس له نظير .

واخيرا هذه العناصر الاساسية للزخرفة العربية الاسلامية ، التى استخدمت فى رسم وتكوين الصيغ الزخرفية لتزيين الابنية وتزويف المصنوعات على اختلاف انواعها . والتى تجلت مظاهرها فى اروع اشكالها فى الفن العربى الاسلامى .

وهنا لا بد أن نتساءل عن العباقرة الذين ابتكروا هذه الروائع والايدى الماهرة التى نفذتها : وهذا يحدونا للبحث فى الفن والصناعة :

كل من تتبع اخبار الفن فى مختلف المصادر العربية ، يلاحظ ان كلمة الفن بالمعنى المقصود فى عصرنا هذا لم تكن معروفة عند العرب والكلمة التى كانت تفيد معنى الفن كما نعنيه اليوم هى كلمة الصنعة او الصناعة ونجد فى القواميس العربية ان كلمة الفن كانت تشتمل على اكثر من معنى ولا تعنى مباشرة ما يقصد بها الآن .

وقد استخدم ابن النديم كلمة الفن فى كتاب الفهرس بمعنى النوع او الضرب او الصنف ، فقال فنون فى النحو وفنون الاخبار وفنون فى الكلام والمتكلمين وفنون فى العلوم الفلسفية ، واما كلمة الصنعة فقد استخدمها بمعنى العلوم ووضع الهندسة والموسيقى فى سلك العلوم .

ووصف ابو الفرج الاصفهانى التلحين والغناء فى كتاب الاغانى بالصنعة واما ابن خلدون فقد افرد فى مقدمته فصلا لما سماه ( صناعة الغناء ) .

وثمة الكثير من الامثلة التى تدل على ان العرب استخدموا كلمة الفن فى الكلام عن فروع علمية مختلفة كاللغة والفقه والحديث والمنطق والحساب وهى كلها فروع لا صلة لها بالفن كما نعنى به اليوم ، مما يؤكد ان كلمة الف بمفهومها الراهن كانت غير معروفة ، وان كلمة الصناعة ، هى الوحيدة التى كانت تفيد مفهوم الفن الحالى .

الفنان والصانع :

كذلك لم تستعمل المصادر العربية كلمة فنان اطلاقا ، وما نسميه اليوم بالفنان كان يعرف بالمعلم او الصانع . وقد اهملت هذه المصادر شخص الصانع العربى ( الذى هو الفنان بمفهومنا الحاضر ) واقتصرت على ذكر اثاره وهى ظاهرة ملموسة فى كل المصادر التاريخية العربية ، فكثيرا ما نعثر على وصف دقيق لبناء اسلامى يسهب المؤلف فى الحديث عن روعة ودقة صنعة وعجائب تكوينه دون أى ذكر للصانع أو الصناع الذين أقاموه ومن هؤلاء المؤلفين ابن جبير ، وابن بطوطة ، وابن فضل الله العمرى وسواهم .

الواقع ان الصانع او الفنان المسلم لم يسع لاشهار اسمه ولم يعمد للتوقيع على عمله ( كما يفعل فنانو الغرب ) واذا فعل ذلك - وهذا أمر نادر

- فانه يكتب اسمه واسماء من شاركوه العمل من الصناع فى زاوية متواضعة من البناء - وغالبا ما يكون فى المساجد وذلك ابتغاء الاجر والثواب عند الله اكثر منه التماسا للشهرة والفخر .

فى الحقيقة كل عمل فنى اسلامى ، يعد عملا شعبيا جماعيا ، يتم عمله تحت اشراف المعلم وتذوب فيه شخصية الافراد الذين اشتركوا فى انجازه بما فيهم المعلم نفسه .

ولذلك فقد اصبح من الضرورى الآن - ولكى نجارى الواقع - ان نسمى كافة الصناع الذين عملوا وابدعوا فى الفن العربى الاسلامى بالفنانين وان نسمى الصناعات ( اى الفنون ) التى كانوا يمارسونها لتزيين الابنية وتزويق المصنوعات بالفنون الزخرفية .

الفنون الزخرفية :

ازدهرت الفنون والصناعات مع ازدهار الحضارة العربية الاسلامية واشتهر الاقبال على تزيين المبانى الدينية والمدنية كالمساجد والمدارس والدور والقصور وسواها من المنشآت ، بشتى ضروب الزينة والزخرف ، وتهافت الناس على اقتناء الاشياء المزوقة بالرسوم والنقوش ، فأدى ذلك الى نشوء حرف عديدة لسد هذه الحاجة ولجأ صناع هذه الحرف الى اساليب مبتكرة ووسائل شتى لتلبية الطلبات المنهالة عليهم ، كالنقش والرسم والتذهيب والتلوين والتطعيم والتعشيق وسواها من الوسائل والاساليب التى اصطلح على تسميتها بـ ( الفنون الزخرفية ) وهى نوعان :

أولا - الفنون الزخرفية فى تزيين المبانى :

وهى الزخارف التى تستخدم فى تزيين وكسوة جدران وسقوف المبانى وتعرف اليوم بالتزيينات الداخلية وهى زخارف ثابتة ووسائلها :

الفسيفساء ، النقش والتلوين على الخشب وكان يعرف فى الماضى باسم ( النقش الشامى ) والنحت على الحجر والرخام والجص ، والقاشانى وخلافه من وسائل الزينة والزخرف .

الثانى - الفنون الزخرفية فى تزويق الاشياء :

هذه الزخارف التى تنحت على كافة انواع المواد كالخشب والنحاش والعظم والعاج والذهب والفضة والخزف والفخار والزجاج والنسيج .

واما وسائلها فبالنسبة للخشب فهو الحفر والتطعيم ، واما النحاس فيتم تزويقه بحفر المعدن ثم ملء الجزء المحفور بالذهب او الفضة .

وقد صنع الفنانون من النحاس اشياء وتحفا مختلفة كالاباريق والصوانى والاوانى المختلفة ومن الذهب يصنع الصياغ أنواعا عديدة من الحلى . واما الزجاج قد صنع منه المصابيح المدهونة والمزوقة ، ويصنع فى كافة انحاء العالم الاسلامى وتشتهر دمشق بنوع فاخر منه وهو الديباج الذى اشتهر باسم ( البروكار ) وجدير بالذكر اننا لم نحص بهذه العجالة كافة الصناعات الموجودة فى العالم الاسلامى والتى تعد بالمئات ولكل صنعة من الصناعات حرف خاصة وحرفيون يقومون بتنفيذ الاعمال التى هى من اختصاصهم .

مصير الفنون والصناعات الزخرفية ومواقعها

لقد حافظت المدن الاسلامية على جانب من روائع فنونها الزخرفية الثابتة التى حملتها الى عصرنا مختلف المبانى الاثرية ، الا ان المصنوعات اليدوية المزخرفة والمزوقة ، لم يكن لها نفس الحظ فى الصيانة والخلود ذلك لانها من الاشياء المنقولة التى تستعمل فى اغراض شتى وتتعرض للعطب والتلف ، كالخزف والزجاج والخشب والنسيج والورق والجلد وغيرها من الاشياء والحاجيات المصنوعة من أمثال هذه المواد ، كما اسهم تبدل اذواق الناس بطغيان ( الموضة ) الغربية فى القضاء على المصنوعات المحلية فلم يبق من روائعها الا ما ندر ، واصبح من مقتضيات المتاحف وقد قام المتحف الوطنى بدمشق - اسوة بسائر المتاحف العربية والاسلامية - بجمع واقتناء بقايا هذا التراث الفنى ، الا ان القسم الاعظم منه كان قد تسرب زمن السيطرة الاستعمارية من البلاد الاسلامية الى الخارج ، وعلى سبيل المثال فان كثيرا من الاخشاب المنقوشة والمدهونة التى كانت تكسو سقوف وجدران القاعات الشامية اصبحت تشاهد خارج البلاد بل ان كثيرا من القطع الاثرية الحجرية والرخامية وحتى منابر الجوامع وشواهد القبور لم تسلم من ايدى سماسرة العاديات وتجارها او من مطامع الاجانب المقيمين أو العابرين . وقد أصبح الجانب الاكبر من تراثنا

الفنى من مقتنيات متاحف العالم الغربى منذ أمد بعيد . واصبح لا يخلو أى واحد من هذه المتاحف من روائع صناعتنا وكنوزنا الاثرية .

وعزاؤنا الوحيد ازاء الامر الواقع هو ان هذه الاثار المتسربة الى متاحف العالم اصبحت وسيلة من وسائل الدعاية والاعلام عن مستوانا الفنى والحضارى واصدق سفير يبصر الغير بمجدنا التالد العريق .

ولعل مما يواسى بعض الناس ان جانبا كبيرا من مصنوعاتنا التى كانت فى ما مضى من أدوات الطبخ كالقصعة والكفكير والطبق والابريق ، تحتل اليوم مكان الصدارة فى صالونات القصور وقاعات المتاحف .

واخيرا فان منجزات الفن العربى الاسلامى التى ملأت الدنيا خلال القرون الاربعة عشر هجرية باروع الاعمال الفنية لا تزال قائمة تشهد بمساجدها ومدارسها وحماماتها وسبلها وفنادقها وخاناتها ودورها وقصورها ، ما تحتويه من الزخارف على عظمة الفن العربى الاسلامى .

فضلا عن ذلك فان بناء وزخرفة المساجد على النمط العربى الاسلامى لا يزل مستمرا فى سائر الاقطار الاسلامية ، بل وحتى فى البلاد الاجنبية .

اما من حيث الفنون الزخرفية والصناعات اليدوية لا تزال اغلبها موجودة ومستمرة ولا يزال اربابها من الحرفين صناعا ومعلمين قادرين على العطاء والابداع فى كافة البلدان الاسلامية ولا يزالون يمارسون اغلب الصناعات التقليدية الموروثة .

اشترك في نشرتنا البريدية