من بين الكتاب والشعراء الفرنسيين - ولاحرج علينا ان نسميهم ؟ (( الجزائرين الفرنسى الاصل )) يوجد شاعران وكاتبان عرفتهما وانا احيا بباريس واحرر بالمجلتين الادبيتين (( العصور الحديثة )) و (( اسبرى )) هما جان سناك Jean Senac الذى نشر محادثات فى الاداب والفنون وهنرى كريا Henri krea الشاعر والمسرحى المعروف ، شاركا بالقلم والعمل الفكرى فى الثورة الجزائرية منذ يومها الاول وساعتها الاولى ، وفى انتظار تقديم جان سناك ، اريد ان اعرفكم بالثانى . ان هنرى كريا ، يبقى )) الشاعر الثائر (( الذى عرف كيف يجمع بين الثورة والفن ، والفردية والثورة الجماعية وهو من اعز ما يتعرض له المفكر . وعلينا ان نتبع خطاه منذ محاولته الاولى سنة 9551 نراه فى ديوانه الاول ، (( مدى طويل )) Longue Duree (1) يثير مشكلة التعبير الشعرى والفردية والفن ، والانسانية وهو اول خطوة ، ولكن الامل يثقلها كالثمار الشهية التى لا بد ان تينع يوما من الايام ونشر هنرى كريا ، سنة 1957 ، مجموعة شعرية اخرى عنوانها (( حرية اولى )) Liberte Premiere
نسمع فيها صرخة الشاعر ونلمح الماساة الداخلية التى تثور فى نفسه عند مشاهدة عمليات )) التهدئة (( التى هى فى الحقيقة مجازر بشرية وعمليات حربية سافرة فالتقتيل الدامى الفظيع الذى نشاهده كل يوم من ايام الثورة الجزائرية الهم واثار ، قصاصا مثل محمد ذيب فى صيف افريقى (2) وشاعرا مثل هنرى كريا ، نبرات صادقة وصرخة خارجة من اعماق الروح ، يقول الشاعر (3) - وقد زج بنفسه فى التزام يابى التشدق بالالفاظ الرنانة الخاوية ويابى المناقشة البيزنطية ومذهب الفن للفن ( على غرار بعضهم ) فى الساعة التى يسقط فيها الانسان الجزائرى امام قوى الظلام يقول .
(( ايها الشعب الطيب انك لا تعرف الحقد كل الذين يقتلونك ايها الشعب الطيب ايها الشعب الحر شعب الجزائر الشعب الجزائرى الذى اعتقد غيره ان طيبة قلبه استسلام وخضوع ))
ولقد حلل كلود روا هذا الديوان فقال عن كريا (( ان شعره صلب يتعالى ويرن كل بيت من ابياته كالسهم الرنان . انك تكتشف فى شعره الغضب ولا تكتشف الادعاء . وتكتشف النفس الطويل ولا تكتشف الاناقة والتجمل اللفظى وتكتشف فيه كرم النفس ولا تكتشف فيه الدموع والتباكى ))
ونضيف الى ديوانه هذا بحثا آخر ، هو (( الثورة والشعر هما شىء واحد )) La Revolution et la Poesie sont une seule et meme chose
حلله الناقد الادبى لجريدة الاكسبريس . فى شهر جويلية المنصرم ، تحليلا طويلا وتحدث عن جرأته ، وعن صدق لهجته ، وعن تجربته التى تنم حقا عن مأساة الرجل والمفكر والشاعر الثورى امام المظالم والمجازر ، التى يحياها شعب الجزائر ، هذا الشعب الذى احس " كريا " انه منه والبه . وتجريته كيف يكون الشعر ، امثل طريق للوصول الى الثورة الشاملة ، التى هدفها محبة الانسان وتحريره من مرهقات الضمير ومن العادات والتقاليد التى تقوم حاجزا دون انطلاقة الانسان الكبرى ، امام القوى الاجتماعية والاقتصادية الجائرة التى تستثمره وتشرب عرق جبينه . ولا شك فى ان هنرى كريا قد تشبع بالروح (( اليسارية )) دون ان يذهب به ذلك الى فقد عقله الناقد بل نراه مندفعا فى تيار الاشتراكية المتحررة التى تريد ان تكون نقطة وصل بين جميع القوى الديمقراطية ، الفرنسية التى تريد السلام والحرية للشعب الجزائرى . واخيرا هنرى كريا ، صاحب رواية (( الزلزال )) التى تدور كلها حول المأساة الجزائرى ، وموضوعها ان الزلزال قد يكون طبيعيا ولكن هناك زلزال بشرى ، هو زلزال الثورة الكبرى التى ترمى الى ان تكون البشرية متأخبة .
اعدت هذه الرواية للتمثيل بباريس ، ولكن السلط حالت دون تمثيلها :
ولقد هيأ الموضوع ، وبعثه على النضج عن هنرى كريا - ديوانان نشرهما بمدينة فلو رنس بايطاليا (4) وعنوانهما يوم ضيم (5) ودرس الظلام
(6) وفى هذا وذاك يتعرض هنرى كريا فى اسلوب سريالى حى الى مشكلة الثورة الجزائرية واللازمة التى تخلفها فى نفوس )) الفرنسى الاصل (( ولم يقف هنرى كريا على هذه الاثار بل نشر منذ سنتين ديوانا آخر ، ديوانا جديدا عنوانه )الحمامات( (7) نحا فيه منحى كاتب ياسين ، فى ربط الذات والشاعرية الذاتية بالماضى ، بتلك الاحجار ، التى تحدث عنها شاعرنا التونسى عبد المجيد التلاتلى فقال انها (( رماد )) (8)
وهنرى كريا اليوم ، مع ما يشعر به الكاتب والشاعر الذى وجد نفسه ((فرنسى الجنسية )) مع انه اختار الجزائر والثورة الجزائرية ، يعد مؤلفات اخرى ، خاصة قصة عنوانها (( قبريوغرطة )) ومؤلفا عن الكتاب والروائيين المغارية المعاصرين الذين يؤلفون باللغة الفرنسية . وصورة عامة للادب المغرب الجديد (باللغة الفر نسبة) ونقدم اليوم ، تعريبا لفصل من فصول رواية (( الزلزال )) التى تعبر عن ايمان هنرى كريا بمستقبل الثورة الجزائرية المضمون وتقوم بشهادة عن انسانيتها . نقدم منها المشهد الرابع من الفصل الاول
زلازل بشرية
أصوات
ان نغالب العزلة ان نتغلب عليها ، فى صميمها وان نلتحق بفوج الآخرين فى الثورة دون اية خطة مدبرة ان ننظر الثورة وجهالوجه لقد يئسنا منها وعلينا ان نعترف انها - الثورة - الآن ، ها هنا ، أمامنا وعلينا ان نلزم أنفسنا لكى نقبل بان اليوم الرهيب اقبل تحف به مصائبه وويلاته ولكن المصائب ، لأمر ما تفيد كثيرا ، مثلا . للقضاء الكامل على الفقر والفاقة
ولا نبعاث العواطف الكبرى انبعاثا لا شك ! لا بد أن نموت جوعا وان اكلنا ، فسنأكل حتى قشور البطيخ اليابسة لكى تكون بشرا لكى نعلم ما الذى يختفى خلف كلمة الألم حقا ! نعم حقا ! لسنا افكارا يأكلها الخيال نحن نحمل الفرح ( الذى سيصبح ) صيرورة مضبوطة ويقينا لموائد شهية - دون ان نحمل معنى الاحتقار - هذا هو المعنى ، معنى حضورنا الضوضائى فى عالم يندفع اندفاعا نحو التسامح الموضوعى يتبنى الرق الذى يأباه العقل السليم
مجموعة الأصوات فى منتصف الطريق بين الرمل والبلور بين السماء والمحيط الواسع العريق بين القمح والخمير فى منتصف الطريق بين الممكن والأمل حيرتنا الهائلة تجمع ضرائبها اكداسا
أصوات
كيف لنا ان نتخيل تخيلا معقولا انطلاقة الغضب البشرى انطلاقا مباغتا . كيف لنا أن نقبل ان ينفلق كل شىء فى يوم واحد علينا ان نفترض لزوم انفلاق حادث اشد غرابة من انطلاقة صوفية - والا فنحن عقول مجنونة - حادث ، على مرأى ومسمع الفاتحين المنكوبين (فى صلفهم)
ان النظام الصوفى ، هو نفسه ، انقلب رأسا على عقب والنظام المعقول أصبح يبعث على السخرية والنظام الفيزيقى أصبح محتارا قلقا اعترفوا اذا ، واتفقوا بأن الارض قد تأثرت فى الوقت ذاته الذى أفاق فيه الشعب من الذهول الواضح الذى القى فيه بدون توان ، وحسب رغبة القراصنة ، وعليك ان تعترف ان الزلازل ناتجة عن الاسباب نفسها ؛ سواء أكانت زلازل بشرية أم زلازل أرضية .

