الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الزمن الصدئ !

Share

شعور غريب يكتنفك حتى تكاد عيناك تنبجسان دمعا سخيا ، لا تذكر فيما مضى من حياتك انك حضرت مجلسا يضم هذا العدد الضخم من الشخصيات اجسام مفلطحة . وجوه محمرة . عيون مشوهة النظر خلف زجاج سميك كقعر القوارير . بدلات أنيقة وربطات عنق منتقاة بعد تردد واحدية لماعة تقرع ارضية القاعة فكيف إذا جاؤوا اليوم من اجلك . من اجل هذا الحدث الخطير فى حياتك .

اين انت يا أبى يا حامد بن سعيد ؟ أين أنت لتشهد ابنك وهو محط انظار هذا الحشد الهائل من شخصيات البلاد . اني اراك . اراك تلملم بقايا عظامك لترسم بسمة من تحت لحدك . بسمة فيها رضاك وهي كل أملك . مازلت أذكر كلامك يا أبى . حفظته عن ظهر قلب . كنت تقول لى :

- عليك بطلب العلم يا ولدى . هو وحده الذي يكسبك رزقك كان الرزق مشكلتك منذ ان وعيت .

وعندما سألتك عن الارض ارست زفرة طويلة وقلت : - قتلوا فينا حب الارض

لم افهم آنئذ معنى كلامك ولكنى ادركت ببديهة الطفل المطيع انك على حق كم تألمت لالمك وانت تلقى نظرة أخيرة على الارض التى ارضعتنا من ضرعها أحوالا . ترقرقت على عيني دمعة وانحدرت على التربة تودعها . تمنيت لو كانت بحجم البحر لتروى ارضنا وتعيد لها الحياة . سمعت صدرك يهدر بمشاعر ظلت

حبيسة فيما بقيت تنوء بكلام قتلته الرهبة فى عينيك . احاسيس شتى ظلت تضطرم فى صدرك وتوغره نقمة وتسحقه حسدة حتى أتت عليه .

أتذكر يا أبي يوم عدت الى البيت تجر رجليك بعد طواف مرير بالمدينة ارتميت على الحصير واسندت ظهرك الى الحائط فتمايل الحائط وارتعد السقف وكاد يودعنا لعناق واعد برحلة ابدية . لعنت الحظ الذي جعل في طريقك سماسرة ومحتالين صرفوا مالك فى بيت آيل للسقوط بحي عطن . كنت فى غاية الغضب يومها . قلت لى : العلم هو مفتاح الحياة . يجب ان تتعلم . لا شئ غير العلم يمنحك ندية من احتقروني ونهروني ونظروا الى بامتعاض وقرف .

أين أنت يا أبى لتشهد كيف يستقطب ولدك أنظار الناس ، حتى الصحفيين بمفكراتهم ومسجلاتهم ومصوراتهم يرنون الى باهتمام . رجال الشرطة قدمواهم ايضا لكى لا ينخرم الأمن لكثرة الوافدين .

أذرع الرياح تدفعك كورقة ذابلة مرتعشة تهيم فوق الارصفة . وقع خطى تسرع . تدوس أوراق الشجر اليابسة وتقطع صمت الطريق الخالية الا من بعض المارة

يهتف أحدهم مذعورا : - الشرطة .

ويدبر مسرعا . يتشتت جمع المارة فى ذعر كدجاج يهم صاحب الحوش باختيار احداها ذبيحة يومه . تواصل طريقك بغير اكتراث . لم الفرار ؟ أما جعلت الشرطة لحماية المواطنين ؟ فجأة تتوقف سيارة وينزل منها ثلاثة أعوان يحاصرونك .

قف ! أوراقك

يطوقونك بنظرات شزراء وانت تنقل بديك في جيوبك لتخرج بطاقة مهترئة بفعل الطى . يجردك منها الاول كانك لا تستحقها ويسألك الثانى :

- ماذا تعمل ؟ وعندما تفتح فمك مغمغما : - مكتوب في البطاقة

ينالك الثالث بصفعة ظلت تدوى فى أذنيك ويهتز لها جسمك كانما سلط عليه تيار ذو ضغط عال .

عاطل ووقح

ويجرونك كما كنت تجر النعاج للجز  يا للمهانة . ويلقون بك في مؤخرة الفلكس فافن كما تلقى النفايات . وتتكدس مع اخوة لك فى التهمة . وجوه خريفية يابسة طالما تقاطعت طرقكم جريا وراء لقمة مغموسة بالعرق

الرزق اصبح مشكلتك انت ايضا مذ أسبل أبوك أجفانه واورثك أمك العليلة وأختا صغيرة تحلم بالعودة الى الارض حيث ارجوحتها بشجرة التوت الوارفة . حاولت أن تستفيد مما تعلمت اثر انقطاعك . طرقت أبوابا ورجوت وزرت مكاتب وأملت . وحبرت مكاتيب وانتظرت حتى جف الماء في شفتيك وتيبست قشرة وجهك . لامال ولا وسيط يكون لك عند الاعيان زلفى . ازدادت حالة امك سوءا واعتصر الجوع امعاءكم وأفقت ذات صباح لتجد نفسك تغادر السوق المركزية بقفة ثقيلة وتقتفى كالكلب الوفي خطى سيدة تنضح عطرا رخيصا . ولكنك صرت فيما بعد كلبا مطاردا تختطف بالكار عظما من انياب الذئاب الكاسرة . فتحلوت الى سوق الجملة حيث بعض الطمأنينة . وفى غبشة كل فجر تمضى لاهثا وراء القوت . تكلف جسمك الطرى اكثر مما يطيق لتظفر بمقابل بخس وبقايا خضر وغلال تجمعها فى قفتك المهتدئة وتعرضها كديسات على قارعة نهج باب الفلة . وفي المساء تواصل رسم ملامح مأساتك على ابواب المعامل والشركات . وتعود كل يوم خائبا رغم سهولة شرط الانتداب وبساطته : فقط أن تكون فتاة !!

تتوقف السيارة . تصطاد مسحوقا آخر سرعان ما تزدره فى جوفها وتمضى تشق الشارع الذى هللت مصابيحه بمرورها .

تعانق ببصرك هذه الوجوه المنكمشة كاثداء عجائز . مثلك مشبوه فيهم . لانهم عاطلون عن العمل رسميا . مثلك طفيليون لان ما يقومون به طوال يومهم وثلث ليلهم غير معترف به رسميا . طفيليون كنبات النجم الذى كنت تقتلعه من احواض الخضر . مجرد تنقلهم فى المدينة تسكع فى الطريق العام يحمل فى طياته خطرا يهدد أمن المواطن . العمل وحده يمنحهم حقهم كاملا كمواطنين يجب ان يتحولوا الى فتيات حتى لا يظلوا كصراصير قميئة لائذة بزاوية عفنة

تضحك . ارتسمت امامك صورتك وانت مرتد فستانا لا يستر الركبتين . تقهقه . يحاول شرطى اسكاتك . تتصامم وتردد اهزوجة طالما تغنى بها الاطفال فى ازقة الحي المكتظة :

شوف آش عملت ها السردينة         وفيها الماكينات

الراجل قاعد فى تركينة                 وتخدم كان البنات

يصرخ الشرطى فى وجهك : اخرس . تتحداه . يسرى اللحن فى جسد المجموعة يدغدغهم يحركهم . يثيرهم كذباب خط على جروحهم فينفسون كربهم الدفين . وتجول العصى تقرع الرؤوس ويسود الظلام ويعود السكون و " يستتب الامن ". وتفتح عينيك فى المركز على كلام العون :

هؤلاء مشبوه فيهم . اما هذا فمروج لشعارات مناوئة للنظام وداع الى الفوضى

تتحرك كجثة انحسرت عنها أكفانها . تحس رأسك جمجمة فوق عروق نافرة . تسافر العيون وتتقارب الرؤوس وتزحف الهمسات . فلا النظرات تلسعك ولا الهمهمات تزعجك

- مسعود بن حامد بن سعيد !

نم يا أبى قرير العين . ما بقى شئ نخشى زواله . ماتت أمي وتزوجت أختي ولم يبق من العائلة غيرى ليعيد لها اعتبارها . ثم فى رمسك مطمئنا يا أبي سأحدتهم عن دارنا الخالية وعن شجرة التوت اليابسة وعن الغيمة التى لم تعد تهطل مطرا وعن البسمة المنتحرة على وجوه الاطفال سأعتصر من وجوههم الماء الذي رشفوه من أرضنا . سألقي فى امعائهم الداء الذى نهش جسم أمي سأصب فى حلقهم المرارة التى كتمت انفاسك

- مسعود بن حامد بن سعيد ! تتمتم :

- حاضر فيهمسون فى اذنك :

- قل حاضر سيدي تزعق : لا سيد الا سيد الخلق

اشترك في نشرتنا البريدية