المسرحية ذات الفصل الواحد كالقصة القصيرة تحتاج الى تركيز الفكرة وحصر الحوادث والتزام المؤلف سياق الحديث فلا يخرج عنهما وهما تحتاجان الى عناصر التشويق وكلاهما بحاجة الى أناقة فى العرض وبراعة فى السرد وانسجام الحوادث وتسلسلها بحيث لا يمل القارىء أو المشاهد ولا يتعب
ولكن المسرحية ذات الفصل الواحد لا تكتفى بهذه العناصر بل انها بحاجة الى عناصر أخرى عالقة بطبيعة المسرح نفسه وهى حسن الحوار وسرعة الحركة وتلوينها .
والتركيز الذى يحتاج اليه فن المسرحية ذات الفصل الواحد والقصة القصيرة يجعل كتابتهما أصعب معالجة وأشد عسرا من كتابة القصة الطويلة او المسرحية ذات الفصول المتعددة لانه فى كليهما يستطيع المؤلف ان يخرج عنه في المسرحية حيث يجب الا يقطع سبر الحوادث أو تطويرها والا يسى الشخصيات والحوادث وان كان جميع هذا يختلف تماما فى القصة الطويلة عنه في المسرحية حيث يجب الا بقطع سير الحوادث أو تطويرها والا يسئ الى الحركة الضرورية للمسرح ولسنا هنا فى مجال يسمح بالاحاطة فى سرد مثل هذه المبادئ التى تكاد تكون بديهية أولية ولكنها خواطر سنحت وأنا أطالع كتاب الزوجة الاخيرة ) 1 ( وهو مجموعة تتضمن اربع مسرحيات ذات فصل واحد تأليف الاستاذ فوزى عبد القادر الميلادى
وعناية الاستاذ الميلادى بجمع هذا اللون من أدبه - أى المسرحيات ذات الفصل الواحد دليل على تمسكه بهذا الفن الذى يعد جديدا او فى حكم الجديد
عندنا وقليل هم الادباء الذين عالجوه لصعوبة مراسه وحاجته الى مختلف العناصر لنجاحه .
ولعل من الخير أن اسارع فاقول ان الاستاذ الميلادى قد برع في كتابة هذا النوع من المسرحيات سواء فى الحوار أو فى عرض الحوادث وتنسيقها بحيث يضيف كل مشهد شيئا جديدا على المشهد السابق حتى يشرف على النهاية دون أن يشعر القارىء بهذه الظاهرة أو ان يحس بارهاق أو ملل
وتعتبر هذه الظاهرة الشكلية فى الفن المسرحى أساسية لنجاح المسرحية وقد اتقنها الاستاذ الميلادى وأجاد فيها فلا عجب اذا جاءت مسرحياته عندما يطالعها القارىء فى المجموعة مشوقة جذابة تدل على مهارة فى بناء المسرحية وتسلسل حوارها ولعل مثل هذا الشعور يستولى على النظارة اذا شاهدوها تمثل على المسرح
ويزيد فى هذا الشعور ان المؤلف اختار شخصياته من الحياة العادية وجعل مشاكلهم من مشاكل هذه الحياة بل استطيع ان اقول انه عرض في المسرحيات الأربع لمشكله واحدة من مشاكل الحياة وهى الزواج ولا عجب ان تدور حوادث المسرحيات حول هذا الموضوع وهو من أسس المجتمع الهامة وقوام الاسرة ومنشؤها ولكن هذا العرض كان فى اشكال مختلفة فربط بينه وبين المال وربط لدلك بينه وبين الطبقات الاجتماعية لان الزواج كثيرا ما تأثر بهذين العاملين اللدين يعودان الى التكافؤ من ناحية تكافؤ في المال وفي المحتد وإلى الطمع فى الثروة وقلما لعب الحب دوره فى اتمامه ولعل الحب ياتى بعد حين على انه قبل تحليل المسرحيات على ضوء ما تقدم أود ان أشر الى ان مطالع المجموعه يشعر بان المؤلف قد الم بشؤون المسرح وقواعد فنه وأصوله القديمة والحديثة واخذ بأسبابها وتمرس بها .
وهكذا نجد فى الزوجة الاخيرة وهى المسرحية الاولى من المجموعة والتي اطلق عليها عنوانها رجلا مزواجا تعود ان يبدل زوجاته كما يدل قميصه كما يقول الفرنسيون ولقد تعود فى كل ثلاث سنين أن يستبدل زوجة بزوجة وهذا هو قد بلغ سن الستين فيحتفل بالزوجة رقم 6 وهو في كل مرة يختار فتاة فى مقتبل الشباب ذات جمال وصباحة وهو لكى يحمل العروس الجديدة على قبوله زوجا يطعن فى زوجاته السوابق وأخلاقهن ولكنه في هذه المرة لم حسب حساب ابنه الذى كان قد فاز بالليسانس فى الحقوق وقرر رفع علم الثورة على تصرفات والده خصوصا ان فيها ما يمس بكرامة والدته التى كانت
أولى زوجات ابيه وكانت مستقيمة الاخلاق فاضلة وينذر والده بأنه تارك المنزل له ولزوجته التى سيحتفل بعقد زواجه عليها فى ذلك المساء .
ولكن الأب يحب ابنه ولا يرضى بان يغادر المنزل بدونه ، وهكذا نشهد تطورا يطرأ على شخصيته وعلى نظرته الى الحياة وتمسكه بالزواج وهذا التبدل يعرفه علماء النقد المسرحى بأنه تطور الشخصية من خلال الحوار وهو اتجاه استفاد منه الاستاذ فوزى الميلادى فائدة طيبة فالمطالع يلاحظ التغيير الذى طرأ على افكار الحاج خليل الرجل المزواج شيئا فشيئا لانه بعد الحوار الذى دار بينه وبين ابنه فهمى وبينه وبين عروسه ووالدتها لا يلبث ان يعترف بخطئة ويعتذر لابنه عما قاله فى حق والدته ثم يزوج ابنه من العروس الشابة التى كانت قد اختارها لنفسه ويتزوج والدتها
ونود ان نمر مسرعين بالمسرحيتين الثانية " بعد نظر " والرابعة " لحظات خالدة " اللتين عالج فيهما المؤلف مشكلة الزواج من ناحية أخرى وهى محاولة الزواج من غنى والاغراق فى المحاولة الى حد ضياع الفرص السانحة فوالدة الزوجة فى المسرحية الثانية والشاب نفسه فى المسرحية الرابعة يتورطان فى مواقف عديدة حتى يفقدا كل امل فى الحصول على ما كأنا يمنيان نفسيهما به على ان يجب ان ننبه الى انه اذا كانت عناصر المسرحيتين واحدة فان الحوادث والبناء والاشخاص تختلف تماما بينهما .
بقيت المسرحية الثالثة " الصورة " التى عرف المؤلف كيف يرقى بها الى طبقة عالية كما قال الاستاذ عزيز اباظه فى المقدمة التى وضعها للكتاب
فحوادث القصة تكاد تتراجع بين جيلين من الناس فالطبيب الكبير مدير المستشفى كان ابن تاجر اقطان كبير افلس والده واضطر الى سكنى احدى الغرف على السطوح مع والدته وكان يدرس الطب وكان أن أحب ابنة صاحب المنزل وأرسل والدته تخطبها له فأباها عليه والدها واضطر الى الانتقال فى تلك الليلة من الغرفة التى كان يسكنها الى اخرى مثلها ولكن هذا الفشل حمله على الدرس حتى نجح فى الامتحان بتفوق
واما ابنة صاحب ذلك المنزل فتزوجت من تاجر اقطان كبير ثم افلس ومات وهذه زوجته تسكن فى غرفة على سطح احد المنازل مع ابنتها التى تعمل ممرضة فى المستشفى الذى يرأسه الطبيب
واستعادة الحوادث على هذا الشكل رفع من قدر القصة وجعلها شبيهة بالمسرحيات اليونانية القديمة التى كان القدر عنصرا هاما من عناصرها
وكانت تتولى الجوقة الغنائية التعبير عنه واذا كنا اليوم قد ابعدنا جوقة الكورس عن المسرح فان تطوير الحوادث اصبح المعبر الصادق عما كانت تنشده فى المسرحيات القديمة .
ولكنه اذا كانت المسرحيات اليونانية تنتهى بسفك الدماء فان الاستاذ فوزى الميلادى ختم مسرحيه بتزويج ابن الطبيب من ابنة حبيبته الاولى التى لم يسعفه الحظ بالزواج بها .
عجب فى مثل هذه النهاية السارة فالاستاذ فوزى الميلادى يبدو فى مسرحياته اخلاقيا الى أبعد حد يعالج مشاكل المجتمع وينتهى منها باحباط مناورات المخادع وفوز الحق وازهاق الباطل وفى نهاية المسرحيات الاربع التى أشرنا اليها الدليل الوافى على ذلك
وتعتبر مجموعة الزوجة الاخيرة مشاركة جديدة قدمها الاستاذ فوزى عبد القادر الميلادى فى تدعيم الأدب المسرحي وهو بحاجة الى أمثالها
