منذ شببت عن الطوق واحسست بوجودى كمخلوق فى هذا العالم الخضم شعرت فى قرارة نفسى بآمال تجيش فى صدرى وتتجمع فى مخيلتى ولا ادرى كنهها ،وهى تنضم الى بعضها كباقة ضمت صنوفا شتى من الازهار والورود كانت هى أحلام الطفولة العذبة والعيش الهني . وما بزغت شمس حياتى واخذت سمتهنا وأضاءت ما حولها حتى رأيت أماني ورغائبى ومطالبى فى الدنيا تتراكم وتحتل زورقا ذهبيا بدأ ينساب بين الأوراق الناعمة الملساء ، وقد تجمعت على سطح الماء . ويتهادى بين الاغصان وهى تداعب وجه الغدير فتخمشه وتتناثر حوله الزهور وتتطاير وتتفرق وتتآلف ضاحكة من عبث النسيم بها . والطيور تغرد فى افنائها فتتم بها صورة طبيعية من اروع ما اخرجته يد القدرة وما زالت تحدونا الاعوام تمر بنا سراعا ولا نشعر بها ويتلوها موكب حافل من الايام والشهور وقد انتظم عقدها وكلها كاللآلئ فى حسنها وبريقها وبهاها .
أخذ زورق آمالى الذهبى يبدو تارة ويختفى حينا بين الاغصان المورقة الوارفة الظلال تدفعه يد رقيقة ناعمة من النسيم العليل واخرى من الماء الرقراق الخفاق ونفسى تهفو فوق هذه التحفة الفنية الجميلة من مجموعة الآمال . فتحوم حولها وتطل عليها منائية مدانية . وتحنو عليها الطبيعة وتعطف عليها أشعة الشمس الدافئة ويحبوها القمر بضيائه الفضى وترمقها النجوم والدرارى بابتسامات عذبة كل هذا ،وزورقى الذهبى يهتز برشاقة ودلال يكاد يسير فى الهواء لخفته . يحمل بين جنبيه أماني وآمالي المشرقة آخذا فى طريقه على ذلك الشاطئ المعشوشب ( شاطئ الشباب وأحلامه ) وقد تشابكت اغصانه اللدنة تميس عجبا واختيالا وتأودت اعطافها وقد اسكرها النسيم فتراها تعيث بصفحة الغدير تخدشها بلطف وتطل عيون الازهار من بين الاوراق الخضر ، ما بين حاسدة أو واشية أو باسمة
وتقدم السير بزورقي وجذبته تيارات احداث الحياة الى مدعى بعيد فابعدنه عن مكانه ولم أشعر،ونأت به ولم انتبه . وما هى إلاحولة فى معترك الحياة الصاخب حتى رجعت الى نفسى وآمالى واحلامى وزورقى ! فوجدتها قد تناولتها يد القدر وزجت بها جميعا بين أمواج متدافعة متلاحقة تقذفه بلا رحمة ذات اليمين واذا تراجعت تلقفته أيد قوية تدفعه ذات الشمال،فأشفققت على زورقي فما هو بالذى يقوى على الصمود أمام هذه القوة العاتية الجبارة تلعب به لعب الصبية بالكرة - وما قدرت هذا الموقف حق قدره وعلمت عواقبه حتى طارت نفسى شعاعا وتقطعت نياط قلبى اشفاقا على تلك الآمال وقد تعرضت لأخطار الحوادث وكنت اظن الدهر نام عنها والقدر تغافل وجودها واذا بها كريشة فى مهب الريح - تلقفتها الامواج متدافعة تهدر هديرا مخيفا غاضبة حانقة فتعلو بزورقى الى السماك وتهبط به إلى مواطن الأسماك - وانا واجف القلب حزين اتتبعه بمقلة باعدت الهموم بين جفنيها؛حتى لمحت على مبعدة جزيرة قاحلة جرداء
وفى مثل لمح البصر أو هو اقرب رأيت آمالى وانا فى الغمر فى فلكها الصغير الرقيق والامواج تقذفه بقوة وقسوة على ذلك الشاطئ المقفر الموحش فتجعله كالعهن المنفوش . حبست انفاسى رهبة وفزعا ؛ ووقف قلبى عن الحركة من هول المنظر،ففى لحظة رأيت كل ما أملك من آمال وامان ورغائب ومطالب . كل أولئك حطاما وكتلة مبعثرة قذفتها الامواج وهى تعلو كالجبال ثم تنسحب لتفسح المجال لغيرها وما إن لمحت تلك الحطام الباقية وقد توسدت حفرة ضمت برديها على كل ما احتوته يدي حتى هبطت نفسى على كثب من الموضع . ووالذى نفسى بيده لقد كانت فجيعة من قتل واحدها فى حجرها بالتى لا تقاس الى حزنى العميق الساكن الذى غمر نفسى فاصبحت انا وهى قطعة من الاحزان . وخفت وطأه . بحر الحوادث وتراجعت امواجه وبدأت المياه القريبة تكتسح امامها بعض رمال الشاطئ لتقيم بيدها قبر ضحيتها فنظرت الى مثوى امالى نظرة طويلة صامتة لم استرجعها إلا مبللة بالدمع !!
فهناك فى تلك البقية النائية فى واد غير ذى زرع حدث غير مرور . هناك فى تلك الارض القاحلة تضحية نائمة بعد جهاد عنيف فى الحياة ، نوم فى احضان اللانهاية فى قبر لم تبنه يد . ولم تنمقه يد الفن بالتماثيل أو الرياحين . كل ما هنالك آمال محطمة وأمان مبعثرة . خرت شهيدة صراع مميت مرير . لم تلن قناتها للحوادث ولم تطأطئ الرأس للشدائد بل صمدت رابطة الجأش وهى ترى من حولها سكارى ، وما هم بسكارى ولكن بطش الله لشديد أليم ، فيا قبر آمالى سقي الله تربة ضمت بين احضانها بقايا فنون الشباب ودفء الشباب ودفء المنى وتركتنى على اعتاب خريف العمر بعد ان كنت وآمالى اللذيذة كابتسام عذب على شفتى الليل ولحن منعش عميق فى أذنيه وياجدت آمالى تعز فلست بأول ثاكل احلامه واعزر غائبه ويا نجوم السموات ودراويها أرسلى بعض أشعتك تنير جوانبه المظلمة وتؤنس وحشته فى ذلك المكان الموحش .
وهنا تحيرت دمعة بين جفنى كحيرة قطرة الندى بين ورقتين من الورد.
